Ibn 'UthayminAl‑Hadid · 57:21–24

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:21–24

57:21Page 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

ثم قال عز وجل: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد ٢١] سابق: أمر بالمسابقة، وقد جاء الأمر في آية أخرى بالمسارعة، فيجمع الإنسان بين المسابقة، وهي شدة العدو في حال السير، وبين المسارعة، وهي المبادرة إلى فعل الخير.

﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد ٢١] وذلك بفعل أسباب المغفرة.

من أسباب المغفرة: أن تسأل الله المغفرة، تقول: اللهم اغفر لي، أو تقول: أستغفر الله وأتوب إليه.

ومن أسباب المغفرة: فعل ما تكون به المغفرة، كقول النبي ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨) ومسلم (٧٦٠ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيمَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ: «غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦ / ٣) من حديث عثمان بن عفان.]].

وكقوله ﷺ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٠٥) ومسلم (٢٦٩١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]] والأمثلة على هذا كثيرة، المهم أن المسابقة إلى المغفرة يعني: ما تحصل به المغفرة من طلب المغفرة مباشرة، كقولك: اللهم اغفر لي، أو فعل ما تحصل به المغفرة، مثل صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، الصدقة أيضًا تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.

﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ [الحديد ٢١] الجنة: هي دار النعيم التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها فاكهة ونخل رمان، فرش، عسل، لبن، وغير ذلك، لكن هل تظن أن ما فيها يشابه ما في الدنيا؟

الجواب: لا، لا تظن هذا؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧] وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، اسم رمان لكن يختلف عن رمان الدنيا، فاكهة تختلف عن فاكهة الدنيا، فرش تختلف عن فرش الدنيا، وهلم جرًّا.

انتبه لهذا ولا تظن أن ما ذُكر في الجنة من الأسماء توافق مسمياته ما في الدنيا، هذا لا يمكن؛ لما سمعت من الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]].

قال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١]، وفي سورة آل عمران: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران ١٣٣] ولا منافاة؛ لأن الأول عرضها كعرض السماء تشبيه، والثاني: عرضها السماوات والأرض أيضا تشبيه؛ لكن يسميه أهل البلاغة تشبيهًا بليغًا.

﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ من يستطيع أن يقدر عرض السماء والأرض؟ لا أحد يستطيع، السماوات بسعتها، السماء الدنيا واسعة جدًّا، كم بينها وبين الأرض من مسافة؟ وهي محيطة بها، والسماء الثانية فوقها وهي أوسع منها، والثالثة أوسع، وهلم جرًّا، إلى أن تصل إلى الكرسي، الكرسي يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ» حلقة، حلقة المغفر ما هي حلقة الباب الكبيرة، حلقة الدرع صغيرة جدًّا، ألقها في فلاة من الأرض ماذا تكون بالنسبة للفلاة؟ لا شيء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٦١) من حديث أبي ذر.]].

فمن يستطيع أن يدرك عرض السماوات والأرض؟ لا أحد يستطيع، الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، ولذلك كان أقل أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه مسافة ألفي سنة، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وإنما ذكر الله تعالى أن عرضها عرض السماوات والأرض من أجل أن نحرص على ملء هذه الأرض؛ أرض الجنة.

وفي الحديث أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]].

فاحرص يا أخي على أن تملأ ما تستحقه من هذه الجنة بذكر الله، وتلاوة كتابه، وغير ذلك مما يقرب إلى الله.

لمن هذه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض؟

قال الله عز وجل: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد ٢١] أُعدت، مَن أعدها؟ أعدها الله عز وجل، كما قال عز وجل: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ٨٩] ومعنى الإعداد: التهيئة للشيء.

﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ آمنوا بالله وكل ما أوجب الله الإيمان به، فالإيمان إذن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يشمل جميع الرسل الذين أولهم نوح، وآخرهم محمد، لكن إيماننا بالرسل يختلف عن إيماننا بمحمد عليه الصلاة والسلام، إيماننا بالرسل أن نؤمن بأنهم صادقون، مبلغون عن الله، ونؤمن بكل ما صح من أخبارهم، أما اتباعهم فلا، الاتباع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم يشتركون مع الرسول بأن نؤمن بأنهم صادقون، وأن كل ما أخبروا به صدق، وأن كل ما جاءوا به فهو عدل، ومناسب لأحوال أممهم في وقتهم، أما الاتباع فلا نتبع إلا واحدًا منهم، وهو محمد ﷺ.

وقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ يدل على أن أهل الكتاب اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة؛ لأنهم لم يؤمنوا برسل الله، الدليل: أنهم كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام، والكافر برسول من الرسل كافر بالجميع، كيف وقد جاء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنسخ جميع الشرائع السابقة؟ ألم تسمعوا قول الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] أجيبوا.

* طلبة: بلى.

* الشيخ: هل سبق نوحًا أحد من الرسل؟ كيف يقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾؟

الجواب: لأن من كذب رسولًا من الرسل فقد كذب جميع الرسل، فكيف بمن كذب محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي نسخت شريعتُه جميع الشرائع، والذي قال الله فيه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]، أخذ ميثاق النبيين كلهم ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١] من هذا الرسول؟ محمد ﷺ، الرسل كلهم لازم أن يؤمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا في ليلة الإسراء من كان الإمام؟ كان إمامهم في صلاتهم محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

إذن اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة بعد بعثة الرسول ﷺ، لماذا؟ لم يؤمنوا برسله؛ لأنهم كفروا بمحمد، بل هم كفروا برسلهم أيضا؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].

ولأن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بشرهم بمحمد، في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فلما جاءهم هذا الرسول الذي بُشر به عيسى ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف ٦] وكفروا به.

إذن هم كفروا بعيسى وردوا بشارته، وأنكروها، ولا يجوز لنا أبدًا أن نقول: إن أديان اليهود والنصارى اليوم أديان صحيحة أبدًا، بل هي أديان باطلة غير مقبولة عند الله، كما قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥].

أعود إلى الآية: قال الله عز وجل: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد ٢١] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين بالله ورسله ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ في أنهم آمنوا بالله، آمنوا برسله، اتبعوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أثيبوا بهذه الجنات ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. اللهم آتنا من فضلك.

﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

قوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ هل تظنون أن هذه المشيئة مجرد مشيئة؟ لا.

هي مشيئة مقترنة بالحكمة، يعني: من كان أهلًا للفضل آتاه الله الفضل، ومن لم يكن أهلًا له لم يؤته، الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فلن يجعل رسالته إلا فيمن هو أهل لها.

وقال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].

وقال عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩].

لا تظن أن الله يعطي الفضل من شاء بدون سبب، لا بد من سبب، فمتى علم الله في قلب الإنسان خيرًا -اللهم اجعل قلوبنا ممتلئة بالخير- آتاه الخير، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٠] أصلح قلبك فيما بينك وبين الله تجد الخير كله.

﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد ٢١] أي: صاحب الفضل العظيم عز وجل، فلا أحد أعظم منة من الله تعالى، أوجدك من العدم، أعدك وأمدك بالنعم، يسر لك الهدى، هداك له، من أحد أعظم منة من الله؟ لا أحد، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]، ولما جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأنصار في غزوة حنين حين قسم الغنائم بين المؤلفة قلوبهم كان يقرر عليهم، قال لهم: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أمنُّ. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟». قالوا: الله ورسوله أمنُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠) ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد.]]. كلما قال قولًا قالوا: الله ورسوله أمنُّ. يعني أعظم مِنَّةً.

فالحاصل أن الله تعالى ذو الفضل العظيم، ولكنه يعطي فضله من هو مستحق له، كما قال عز وجل: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود ٣] اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم أن تهدي قلوبنا، وتصلح أعمالنا، وتختم لنا بخير، إنك على كل شيء قدير.

57:22–23Page 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -

قال عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد ٢٢] يعني جميع المصائب التي تصيب الإنسان في الأرض أو في نفسه قد كُتبت من قبل، المصيبة في الأرض كالجدب وقلة الأمطار، غور المياه وصعوبة منالها، وربما يقال أيضًا: الفتن والحروب وغيرها ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: في نفس الإنسان ذاته من مرض، أو فقد حبيب، أو فقد مال، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها.

﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء «لَمَّا خَلَقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقَلَمَ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث ابن عمر.]] سبحان الله! ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى يوم القيامة، ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل؛ لأن أمر الله تعالى ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل ولا يستبعد، يتعجب ولكن لا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، ظهر الآن من صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف الكلمات، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: ويش تسمى؟ الليزر، ديسك، المهم على كل حال تعرفونها الآن، هي عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، قد يُسجَّل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء، وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء: كن فيكون! لما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هل هي في أمر سابق أو هي مستأنفة؟

الجواب: الأول، ولهذا قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الهاء في قوله: ﴿نَبْرَأَهَا﴾ قيل: إنها تعود على مصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس، وقيل: على الجميع، والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وخمسون ألف سنة مدة طويلة، وهذا مكتوب.

إذن ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ أن نبرأ الأرض؟ أن نبرأ المصيبة؟ أن نبرأ الأنفس؟ أن نبرأ الجميع؟ الجميع.

و ﴿نَبْرَأَهَا﴾ يعني: نخلقها، بكم مدة؟ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني: إن كتابة هذه المصائب يسير على الله عز وجل، كيف يسره؟ لأنه قال للقلم: اكتب، فكتب، وهذا يسير أو صعب؟ يسير، كلمة واحدة حصل بها كل شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ كل شيء فهو يسير على الله؛ لأن الأمر كلمة واحدة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧] أرأيتم الخلائق يوم القيامة تبعث بكم كلمة؟ قولوا يا جماعة؟

* طلبة: بكلمة واحدة.

* الشيخ: كلمة واحدة، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣] وقال عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣ ، ١٤] أي: على وجه الأرض، خرجوا من القبور، هذا يسير والله.

ولما قال زكريا لله عز وجل حين بشره بالولد: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم ٤] يعني من الكبر ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩]، فأنا أوجدتك من قبل أن تكون، فبقدرتي أن يكون لك ولد بعد المدة الطويلة.

فالله عز وجل لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عنه شيء، ولا يتأخر عن أمره الكوني شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٢، ٢٣] يعني: أخبرناكم بهذا؛ أن كل مصيبة تقع فهي في كتاب، كي لا تأسوا، اللام هنا للتعليل، و(كي) بمعنى (أن)، أي: لئلا تأسوا، ومعنى (تأسوا): تندموا على ما فاتكم مما تحبون.

﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تفرحوا فرح بطر واستغناء عن الله بما آتاكم من فضله.

إذا علمت أن الشيء مكتوب من قبل فهل تندم على ما فات؛ لأنه مكتوب، والمكتوب لا بد أن يقع، هل تفرح فرح بطر واستغناء إذا آتاك الله الفضل؟ لا؛ لأنه من الله مكتوب من قبل، فكن متوسطًا، لا تندم على ما مضى، ولا تفرح فرح بطر واستغناء بما آتاك الله من فضله؛ لأنه من الله. وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»، القوي في إيمانه، وليس القوي في بدنه، أصحاب الرياضة يجعلون هذا عنوانًا «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» ويقولون: المراد المؤمن القوي في بدنه، وهذا غلط، «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ» القوي هنا وصف يعود على ما سبقه، وهو الإيمان، «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، هذا يسميه البلاغيون احتراسًا، بمعنى أنه قد يظن الظان أن الضعيف لا خير فيه، فقال: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ». ثم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]].

والإنسان إذا علم أن كل شيء مقدر ولا بد أن يقع رضي بما وقع، وعلم أنه لا يمكن رفع ما وقع أبدًا، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، وتغيير الحال بمعنى رفع الشيء بعد وقوعه من المحال.

نعود إلى الآية ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ مختال في فعله، فخور في قوله، من الاختيال في الفعل أن يجر ثوبه، أو مشلحه، أو عباءته، أو غير ذلك مما يدل على الخيلاء، حتى وإن لبس ثوبًا وإن لم يكن نازلًا لكنه يعد خيلاء، فهو خيلاء.

الفخور هو المعجب بنفسه الذي يقول: فعلت وفعلت وفعلت، يفخر به على الناس؛ لأنك ما دمت فاعلًا الشيء تريد ثواب الله، ما حاجة أن تفخر به على الناس، بل اشكر الله عليه وحدث به على أنه من نعمة الله عليك.

57:24Page 540

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤].

﴿يَبْخَلُونَ﴾ أي: يمنعون ما يجب عليهم بذله من مال وجاه وعلم.

مثال الأول: الذي يبخل بالزكاة، وهي أعظم وأوجب ما ينفق، والإنفاق على من تجب نفقته من الأقارب والزوجات.

ومثال الثاني: أن يجد الإنسان شخصًا مسلمًا واقعًا في مظلمة يتطلب المقام أن يشفع فيها ليرفع عن هذا الظلم، ولكنه يبخل، هذا بخل بماذا؟ بجاهه.

ومثال الثالث، وهو البخل بعلمه: أن يمتنع من تعليم الناس مما علمه الله عز وجل، وأن يبخل بالجواب والفتوى إذا استفتي عن مسألة دينية وتعين عليه أن يفتي بها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الْبَخِيلُ مَنْ إِذَا ذُكِرْتُ عِنْدَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٦) والنسائي (٩٨٠٠) من حديث الحسين بن علي بن أبي طالب.]]، اللهم صل وسلم عليه، وهذا نوع من البخل؛ لأنه بخل بما يجب عليه؛ إذ إن القول الراجح أنه إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب على من سمعه أن يصلي عليه، بدليل الحديث الذي في السنن؛ أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، قُلْ: آمِينَ، فَقَالَ: «آمِينَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٥) وأحمد (٧٤٥١) من حديث أبي هريرة.]].

﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (يأمرون) أي: يقول هؤلاء للرجل: لا تنفق من مالك فإن مالك ينقص، لا تتعب نفسك في الشفاعة لفلان، لا تتعب نفسك في تعليم العلم، هؤلاء أمرهم بالبخل فصاروا -والعياذ بالله- فاسدين مفسدين.

قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ [الحديد ٢٤] أي: يعرض عن طاعة الله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد ٢٤] من يتول فإن الله ليس بحاجة إليه، فهو عز وجل غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وهو ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود على غناه؛ لأنه ليس كل غني يكون محمودًا، فالغني البخيل لا يُحمَد، لكن الله عز وجل غني حميد يُحمَد على غناه؛ لأنه عز وجل واسع العطاء، كثير العطاء.

وفي هذه الآية دليل على أن الإنسان الذي يتولى عن طاعة الله إنما يضر نفسه ولا يضر الله شيئًا؛ فإن الله غني، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском