Ibn 'UthayminAl‑An'am · 6:22–26

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:22–26

6:22–24Page 130

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."

ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل:

لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ)

إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟

الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.

﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم.

﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد.

﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا.

﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.

﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون.

فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟

الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة.

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.

﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟

لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟

والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه.

﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.

وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين.

نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن المعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم.

الثاني: ﴿وَاللَّهِ رَبَّنَا﴾ قراءة يعني والله يا ربنا ما كنا مشركين، هذا الاختلاف في القراءات -يا إخواني- لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يُعجِمونها؛ يعني لا يجعلون نقطة ولا نقطتين، لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة، إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ذُكر له مآل المكذبين له.

* ومن فوائدها: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يُوبَّخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه.

* ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة، يوم الحشر.

* ومن فوائدها: أن الحشر عام شامل، لا يشذّ عنه أحد، لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر؛ حيث أكده الله عز وجل بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾.

* ومن فوائد الآية: الكريمة إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ قد ينازع منازع، ويقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله القائلون بأمره فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨] مع أن القارئ جبريل.

نقول: هذا وارد بلا شك أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ما هو ظاهر القرآن؟

أن القائل هو الله عز وجل، وإذا كان هذا ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول الكلام، ثم نقول، فكيف يصرف بأن المراد الملائكة بلا دليل؟ فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس، المهم في هذا إثبات أن الله يقول.

فإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة أو بحروف أخرى؟

الجواب: الأول بلا شك.

فإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟

فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؛ ولأن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، في كلام المخلوقين عمومًا، لا يمكن.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ أولئك المشركين حيث يُقال لهم في هذا المجمع العظيم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾.

* ومن فوائدها: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ تحصبون بها في وسطها، ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، شوف هذه الآية فرح بها المشركون وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى تُؤخذ من قوله: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، والزعم -في الغالب- يكون في قول لا دليل له.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة التي بعدها: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ إلى آخره؛ من فوائدها: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا، وهو: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يُفتن بالشيء فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، فاسلم من هذه الفتنة، وحاسِب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها.

* ومن فوائدها: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله وربوبية الله؛ بألوهيته في قولهم: ﴿وَاللَّهِ﴾، وربوبيتهم في قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾ لكن هل ينفع هذا؟ في ذلك الوقت ما ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحَّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما افتروه من الشريك لله عز وجل سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها؛ لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، صرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا؛ قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟

فالجواب: أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا، التناقض في فهم الإنسان لقصوره، أما القرآن فلا تناقض فيه، ولا يمكن أن يتناقض، وقد ألَّف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله المفسّر والأصولي المشهور: دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب. لا يمكن أبدًا التناقض، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك؛ إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية، تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن القرآن أو قصور في العلم، وإلا فلا تناقض، هنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة، وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرون، إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فإذا خُتم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.

6:25Page 130

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥

And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ إلى آخره [الأنعام: ٢٥] ﴿مَنْ﴾ هذه تبعيضية، وعلامتها أن يحل محلها بعض؛ أي: بعضهم الذي يستمع إليك.

و﴿يَسْتَمِعُ﴾ هنا جاءت بصيغة الإفراد مراعاة للفظ (مَن)؛ لأن (مَن) الموصولة يجوز أن يُراعى معناها، وأن يراعى لفظها، فإذا رُوعي معناها جُعل العائد عليها حسب ما يراد بالمعنى، وإذا رُوعي اللفظ صار مفردًا.

﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي: من يحضر ويستمع إلى قراءتك، ولكن لا ينتفعون، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا.

﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ و(الأكنة) جمع (كنان) كـ(زِمام) و(أزِمَّة)، وهو ما يغطي الشيء ويستره.

وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: إرادة أن يفقهوه، فهو على تقدير مضاف؛ يعني: لا نريد أن يفقهوه، وإن شئت فقل: كراهة أن يفقهوه، وبعضهم قال: إنه على تقدير (لا)، والمعنى ألا يفقهوه، والمعنى واحد، لكن كوننا نفسرها بكراهة أولى من كوننا أن نفسرها بـ(لا)؛ لأننا إذا فسرناها بـ(لا) فسّرنا المثبت بالمنفي، وهذا بعيد، وإذا فسَّرناها بكراهة فهذا مضطرد، مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]؛ أي: كراهة أن تضلوا.

وقوله: ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ الفقه في اللغة الفهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] أي: لا تفهمونه؛ والمعنى أن الله جعل على قلوبهم سترًا واقيًا من فقههم له، فلا يصل معناه إلى قلوبهم.

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: وجعلنا في آذانهم. ﴿وَقْرًا﴾ أي: حملًا وصممًا بحيث لا ينتفعون بما سمعوا، ومن لا ينتفع بلا سمع فهو كمن لم يسمع، فنفى الله عز وجل عنه الفقه ومحله القلب، والسمع ومحله الأذن.

﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهذا كقوله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥] يعني لم يفهمها، ولم يفقهها، وإنما يظنها أساطير أي سواليف ليست ذات معنى مصلح للخلق.

﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إن يروا بأبصارهم، أو يروا بقلوبهم كل آية فإنهم: ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾، والآية: هي العلامة الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عز وجل في سورة القمر: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢].

نسأل الله الهداية، الإنسان إذا طُبع على قلبه -نعوذ بالله- لا يؤمن بأي آية، تأتيه الآيات مثل الشمس، ولكن لا يؤمن؛ لأن القلب مُغَلَّف عليه لا يصل إليه الهدى.

﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ هنا نفى الله عنهم الفقه ومحله القلب، والسمع محله الأذن، والإيمان بالآيات ومحله القلب مع مشاهدة العين.

﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية، ويحتمل أن تكون للابتداء، والفرق بينهما أننا إذا جعلناها للغاية صار ما قبلها مُغيًّا بها، أي أنهم لا ينتفعون بالآيات حتى إنهم إذا جاؤوك جادلوك، ويحتمل أن تكون ابتدائية، والابتدائية: هي مثل الواو الاستئنافية.

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ المجادلة: هي المخاصمة، وسميت مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يجدل الحجة لتقوم على صاحبه، مأخوذة من جَدْل الحبل؛ وهو فتله حتى يشتد ويقوى، فهم يجادلون النبي ﷺ بما يُوردون عليه من الشبهات، ولكن الله تعالى يجيب عنه.

وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾ أي: حال كونهم مجادلين لك.

﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم تُجزم؛ لأن إذا الشرطية ليست جازمة، تقول: إذا قدم زيد يقدم عمرو، ولا تجزم، وأما قول الشاعر:

........................... ∗∗∗ وَإِذَا تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ فَتَحَمَّلِ

فهذا يعتبر شاذًّا لا يحتج به.

﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه النهاية.

﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا، ويدل على ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، أنه أتى بعدها ﴿إِلَّا﴾، وإذا أتى بعدها (إلا) فهي نافية.

وقد تأتي نافية بدون (إلا)، وهي أعني (إن) لها معانٍ، تأتي شرطية، وتأتي نافية، وتأتي زائدة، وتأتي مخففة من الثقيلة، أربعة معانٍ.

تأتي شرطية، وهذا كثير، ومثاله، مثال (إن) الشرطية؟ مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة ٥٠]، وتأتي نافية، مثاله؟

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر ٢٥] أي: ما هذا إلا قول البشر، وتأتي مخفّفة من الثقيلة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، (إن)، نريد (إن).

* الطالب: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم ٥١]. الرابعة الزائدة؟

* طالب: ما إن رأيت الحق حتى تبعته.

* الشيخ: ما إن رأيت الحق حتى تبعته، يعني ما رأيت الحق حتى تبعته، يعني ما رأيته حتى اجتنبته؟ يستقيم الكلام؟

* طالب: قول الشاعر:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

* الشيخ: قول الشاعر:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿إِنْ﴾ نافية.

﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع (أسطورة)، والأسطورة: هي ما يتحدث الناس به في المجالس من أجل قتل الوقت، ليس لها معانٍ، وتسمى عند العامة أيش؟ السواليف ما لها معنى، لكن يريد الإنسان يزيل عنه الملل والكسل وقطع الوقت.

﴿الْأَوَّلِينَ﴾ أي: السابقين.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أنه ليس كل مستمع بمنتفع؛ لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، الآية. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد ١٦] لا يدرون ماذا قال؟

* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الاستماع بلا انتفاع، وأن هذا دأب الكفار، ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا استمع أن يتأمل ويتفكر فيما استمع، لا سيما إذا كان الكتاب والسنة حتى يعرف معناه.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الفقه محله القلب؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.

فإن قال قائل: ما سبب هذه الأكنة التي تحجب الحق عن القلب؟

فالجواب: أن سببها المعاصي، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، فالمعاصي تحول بين الإنسان وبين الفقه في دين الله، ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لمن استفتي أن يستغفر الله قبل الإجابة، حتى يمحوا الاستغفار ما كان على القلب من الرين، واستدل بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦ ]، وهذا استنباط جيد لا سيما إذا اشتبهت عليك المسألة، وحِيل بينك وبين معرفة الصواب فيها فعليك بالاستغفار والدعاء ولا تتسرع؛ لأنك تعبر عن شرع الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عدم الانتفاع بالسماع كالصمم تمامًا؛ لقوله: ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت ٤٤]، بل صاحب الصمم معذور، والذي لا ينتفع بما سمع غير معذور؛ لأن صاحب الصمم إذا لم يسمع؛ هذا من آفة حلّت به.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار لا ينتفعون بما سمعوا ولا ينتفعون بما شاهدوا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾؛ والآيات نوعان: آيات قدرية، وآيات شرعية، فمن الآيات القدرية ما يحدثه الله عز وجل في الكون كانشقاق القمر، وهبوب الرياح التي أرسلها الله عز وجل على الأحزاب، وكذلك نزول المطر، وامتناع المطر، أشياء كثيرة لا تُحصى، ثم الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، كلها من آيات الله الكونية أو الشرعية؟

* طلبة: الكونية.

* الشيخ: الكونية، وأما آيات الله الشرعية فهي الوحي، إذا تأملت الوحي -وأشرفه القرآن- عرفت ما فيه من الآيات العظيمة في الأخبار والأحكام؛ فالمؤمن ينتفع وغير المؤمن لا ينتفع حتى قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤] لا يصدّقون بأنه عذاب، ومن ذلك ما يحدث في زمننا الآن، العواصف والقواصم والفيضانات والزلازل هي عند قوم من الأمور الطبيعية التي لا تدل على التهديد والتخويف، وذلك من رين القلوب- نسأل الله العافية- ومن مشابهة الكفار في أنهم: ﴿إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل يُرسل الآيات تأييدًا للرسل وتخويفًا لمخالفيهم كما قال عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]، وقال عز وجل: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء ٥٩]، فالآيات التي يرسلها الله عز وجل هي تأييد للرسل وتخويف لمخالفيهم، ولكن كما قلنا: إن هؤلاء المخالفين -نسأل الله العافية- لا ينتفعون بالآيات، فلا يؤمنون بها.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار يجادلون المسلمين، يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام، ويجادلون من اتبع النبي، لكن بأيش؟

بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن ليبشر صاحب الحق الذي هو أهله أن النصر له؛ لقول الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ١٨]، لكن هذا يحتاج إلى أمرين: إلى نية صادقة، وإلى علم يدفع به شبهة المحتج، ولا يجوز للإنسان أن يدخل مع صاحب باطل يجادله وليس عنده علم؛ لأنه لو فعل لكانت الهزيمة على مَنْ؟ على الحق، فلا تدخل مع شخص في مجادلة إلا وأنت تعرف كيف تصيبه مع إحسان النية، أما أن تدخل في مجادلة مع شخص ذي بيان فصيح وشُبه قوية فلا تفعل؛ لأنك إن فعلت هُزمت، وصارت هزيمتك هزيمة للحق الذي تجادل عنه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق الجدل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ فتعلّم يا أخي طرق الجدل من أجل أن تجادل بها لنُصرة الحق، وربما يُقال: يتفرع على هذا أن ما بثه بعض الناس من قولهم: إنه لا حاجة إلى أن نراجع جدل المتكلمين من الأشعرية، والمعتزلة، وأشباههم؛ لأن زمنهم انقضى؛ فإن هذا توهُّم واضح.

أولًا: أن هؤلاء لم ينتهِ زمنهم، ما زالوا موجودين، معتزلة، جهمية، أشعرية، خوارج، شيعة، موجودون.

وثانيًا: أن طرق الجدل مع هؤلاء تفيد الإنسان في مجادلة آخرين؛ لأنها تفتح للإنسان أبواب الجدل، ويعرف كيف يقضي على صاحبه بما يجادل به، ثم إننا بالنسبة لبلادنا هنا في السعودية كنا لا نعرف من هذه الطوائف شيئًا كثيرًا، لكن بما أننا اندمجنا مع الناس فذهبنا إليهم وأتوا إلينا وُجِد هذا الشيء، وجد شيء من البدع، وإلا كان الناس لا يعرفون شيئًا من هذا إلا من طالع الكتب؛ لذلك نقول: إن مطالعة الجدل مع المتكلمين فيه فائدة بلا شك، ولكن اصح أن تطالع وأنت ضعيف في العلم؛ لأنك لو فعلت أيش؟ لضللت، لا بد أن يكون عندك حماية تحمي بها نفسك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المجادل بالباطل يلجأ إلى المكابرة أو إلى التهديد إذا كان له سوء، المكابرة في هذه الآية: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه مكابرة؛ لأن دعواهم أنها أساطير الأولين مكابرة بلا شك، وكل أحد يعرف أن القرآن الكريم ليس قول البشر فضلًا عن أن يكون أساطير الأولين، أما اللجوء إلى القوة فانظر إلى مجادلة فرعون وموسى حيث قال له فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩] فلجأ إلى القوة والإرهاب، وتأمل قوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩] ولم يقل: لأسجننك، إشارة إلى أنه يريد أن يظهر بمظهر القوة الذي يسجن الناس، وعنده مساجين، فيهدد موسى بأنه سيكون منهم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فأظهر في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: حتى إذا جاؤوك يجادلونك، يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين، لكن قال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والإظهار في موضع الإضمار من فوائده: أن هذا الْمُظهر إذا كان معنى من المعاني فإنه يكون شاملًا محيطًا بكل ما ينطبق عليه، فمن جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر، ثم إما أن يكون كافرًا كفرًا أصغر أو كفرًا أكبر.

6:26Page 130

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٦].

﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ على الكفار المجادلين.

﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: عما جئت به من الوحي.

﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يبعدوه، وقدم (النهي) على (النأي) مع أنه كان المتوقع أن يُبدأ بـ(النأي) الذي هو فعلهم بأنفسهم دون فعلهم بغيرهم؛ إشارة إلى شدة كراهتهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى إنهم يبدؤون بنهي الناس قبل أن يبتعدوا عنه.

﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى: (ما)؛ أي: ما يُهلِكون إلا أنفسهم، وكما في آية أخرى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء ١١٣]، فمجادلتهم ونهيهم الناس لا يضر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا، وإنما هو هلاك أنفسهم، وهل المراد هنا الهلاك الحسي أو المعنوي؟

الجواب: المعنوي؛ لأن هذا الكافر المجادل لا يموت بجداله، بل يبقى، لكنه حقيقة من الناحية المعنوية قد هلك.

﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: ما يشعر هؤلاء أنهم بهذا النهي عما جاء به الرسول ﷺ والبعد عنه، لا يشعرون أنهم بذلك أهلكوا أنفسهم، ولذلك تجدهم يفتخرون بما هم عليه من الكفر، حتى إن أبا سفيان قال يوم أحد قال:« اعْلُ هُبَل». يفتخر بأيش؟ بالصنم الذي يعبده، ويقول: إنه علا على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال لهم النبي ﷺ: «أَجِيبُوهُ». قالوا: بماذا نجيبه؟ قال: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]].

فالشاهد أن هؤلاء الكفار المجادلين لا يشعرون أنهم على ضلال -نسأل الله العافية- وهذا غاية ما يكون من الابتلاء؛ أن يرى الإنسان أنه على الحق مع أنه على باطل، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ»[[قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٣ / ١٤١٨): لم أقف لأوّله على أصل، وروى المستغفري في الدعوات من حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ سَأَلْتَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا مَا لَا نَمْلِكُهُ إِلَّا بِكَ فَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا يُرْضِيكَ عَنَّا». وفيه ولهان بن خبير، ضعفه الأزدي، وإن لمسلم من حديث عائشة فيما كان يفتتح به صلاته من الليل: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ» إلى آخر الحديث. وقال ابن شاهين في كتاب مذاهب أهل السنة (٣٨): ومن أدعية من تقدم: اللهم أرنا الحق حقا وألهمنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وألهمنا اجتنابه.]].

* طالب: الكتب التي يُنصح بها في مطالعة كلام المتكلمين، والذي فيه الردود التي تُقنع الإنسان، أحيانًا بعض الكتب والمؤلفات..

* الشيخ: نعم، والله أنا ما رأيت أحسن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، هو وابن القيم، لكن كلام ابن القيم -رحمه الله- أسهل وأقرب إلى الفهم، وأما بقية المتكلمين فأكثر ما يكون الجدل؛ الأشاعرة مع المعتزلة، وهذا ما يكفي، إذا أردت العقيدة السليمة فعليك بكتب شيخ الإسلام وابن القيم، هذا أحسن ما رأيت.

* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، شيخ الإسلام ابن تيمية يا شيخ أعمق بالدليل، وابن القيم -رحمهما الله- أسهل في تنسيق الكلام، وانتظام الكلام مع بعضه.

* الشيخ: صحيح، هذا هو الواقع؛ ولذلك تعتبر كتب ابن القيم سلّمًا لكتب شيخ الإسلام رحمه الله.

* طالب: كيف يجمع بين العذر بالجهل -يعني عذر هؤلاء الأتباع الذين يكونون أتباعًا للضلال- وبين أن الله عز وجل يزيد الناس ضلالًا؛ حيث إن الإنسان يعني ما تكون إقامة الحجة بالكلمة الواحدة فتعيد عليه دائمًا؟

* الشيخ: هؤلاء ما جهلوا؛ لأن الرسول أتاهم بآيات بينات، لكنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].

* الطالب: هل يُطبق هذا على أتباع الضلال يعني أي واحد..

* الشيخ: أتباع أيش؟

* الطالب: أتباع الضلال، الأتباع الذين يقولون..

* الشيخ: هذا يختلف الحكم، إن كان هؤلاء الأتباع ما ذُكر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أبدًا، ولا أنه جاء رسول للخلق، وقادتهم قد كتموا عنهم هذا فهم معذورون، لكن إذا علموا لا بد أن يُعلم، وليُعلم أن هناك فرقًا بين اليهود والنصارى وغيرهم، غيرهم لا بد أن تبلغه الحجة ويفهمها، وأما اليهود والنصارى فبمجرد السماع -سماع الرسول عليه الصلاة والسلام- تقوم عليهم الحجة، ولهذا قال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. ووجه ذلك أن اليهود والنصارى كتبهم مصرحة بوصف الرسول ﷺ، فبما بقي عليهم إلا أيش؟ إلا أن يسمعوا بخروجه، فإذا سمعوا بخروجه قامت عليهم الحجة.

* طالب: حديث النبي ﷺ: «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا»[[أخرجه أبو داود (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة.]] هل هو على إطلاقه حتى على أهل البدع؟

* الشيخ: لا، المراء في غير الحق، أما المراء الذي يُراد به إحقاق الحق وإبطال الباطل فهو واجب، لكن مثلًا تمارينا في شيء من أمور الدنيا، وأنا أعرف أن الصواب معي، لكن لما رأيت صاحبي يريد أن يجادل تركته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الإسلام ينهون عن الإسلام، ونهيهم عنه يستلزم أن يسلكوا كل طريق يُبعِد الناس عنه؛ لأن نهيهم عنه نهي حقيقي عن قلب، وهذا يستلزم أن يسلكوا كل طريق يُبعِد الناس عن شريعة الله، والأساليب في هذا مختلفة قد تكون بإيراد الشكوك، أو بالأفكار الفاسدة، أو بالأخلاق الفاسدة، أو بالتحريش بين الناس، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الأساليب كثيرة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء جمعوا بين الضلال والإضلال، الإضلال في قوله؟

* طالب: ﴿يَنْهَوْنَ﴾.

* الشيخ: والضلال؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: أحسنت، وهذا أشد ما يكون من العدوان؛ وهو الظلم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من حاول إبطال الحق وإبعاد الناس عنه فإنما جنى على نفسه.

قوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ حتى لو برقت له الدنيا، وظهر له النصر الظاهري فإنه -في الحقيقة- هالك، أفهمتم هذا؟ من ذلك مثلًا أبو سفيان قال في غزوة أحد: «اعلُ هُبَلُ». وقال: «لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]] فافتخر وشمخ بأنفه، ولكن هل هذا الأمر سيبقى أو ستكون العاقبة عليهم؟ الثاني هو المتعين سواء في الدنيا أو في الآخرة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من سلوك الإنسان سبل الهلاك وهو لا يشعر، وقد بيَّن الله تعالى ذلك في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨].

احذر، ولكن إذا قال قائل: ما الذي يدل الإنسان على كونه على صواب أم لا؟

الجواب: أن يرجع إلى الكتاب والسنة وإلى هدي السلف الصالح، ومنهجهم فيعرف أنه على صواب، أو على خطأ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском