Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:27–30
6:27Page 130
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧
If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
أولًا: ﴿لَوْ﴾ شرطية، وهي حرف وجود لوجود، أو امتناع لامتناع؟
ننظر ﴿لَوْ تَرَى﴾ لرأيت الجواب محذوفًا، تقديره: لو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت أمرًا فظيعًا عظيمًا جسيمًا، فالجواب محذوف، إذا قلت: لو جاء زيد لجاء عمرو، هنا حرف امتناع لامتناع، لو قلت: لما جاء زيد جاء عمرو، فهذا حرف وجود لوجود، ولو قلت: لولا زيد لجاء عمرو؛ امتناع لوجود، إذن تقاسمت هذه الثلاث: الوجود والعدم.
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتأتّى خطابه؛ أي: لو ترى أيها الرائي ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، وُقفوا عليها؛ أي: أوقفتهم الملائكة؛ لأنهم هم نفسهم لا يريدون النار، لكن يوقفون عليها اضطرارًا توقفهم الملائكة كما قال عز وجل: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك ٨] ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، والنار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].
فقالوا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] قالوا بألسنتهم أو بقلوبهم؟ الأصل أن القول باللسان، بصوت وحرف.
وقولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن يُنادَى، هذا هو الأسهل والأقرب.
وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويُقدّر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يُقدر بقول: يا ربنا ليتنا نُردّ، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مُقدّر أو لا فإنا نأخذ بالثاني؛ لأنه الأصل.
﴿لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ (ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، في المحال كقول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَالْمَشِيـــــــــــــــــــــــــــبُ
هذا محال، في العسير قوله:
أَلَا لَيْتَ مَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا ∗∗∗ إِلَى حَمَـــــــــــــــامَتِنَا وَنِصْفَهُفَقَدِ
هذا عسير.
وكقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا ليس بمحال لكنه عسير.
هنا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه.
﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ هذه داخلة في ضمن التمني. ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كذلك، تمنوا ثلاثة أشياء:
الأول: الرد إلى الدنيا.
الثاني: ألا يكذبوا بآيات الله.
الثالث: أن يكونوا من المؤمنين. ولهذا جاءت ﴿لَا نُكَذِّبَ﴾ بالنصب؛ لأن (الواو) هنا (واو المعية)، فالثاني مع الأول، وكذلك ﴿نَكُونَ﴾ جاءت بالنصب؛ لأن (الواو) أيش؟ (واو المعية)، فالثاني مع الأول، تمنوا هذا كله ثلاثة أشياء، ولكنهم كاذبون فيما قالوا؛ لذلك قال الله عز وجل: ﴿بلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨].
* طالب: نزلت في أبي طالب معنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ بمعنى أنه يدافع عن النبي ﷺ ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: أنه لا يؤمن.
* الشيخ: لا، هذا غلط عظيم؛ لأن الآية في سياق الذم للنهي عنه والنأي عنه، ومعلوم أن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس ذمًّا، بل هو محمود، لا، هذا غلط لكن شاف الصورة تشبه حال أبي طالب فظنها كذلك، وهذا من تحريف القرآن، والذم منصبّ على الأمرين.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ وما قبلها أخذنا فوائدها.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ الخطاب إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يبلغه هذا الخطاب فقالوا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.
قلنا: في قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ قراءتان: قراءة بالرفع وقراءة بالنصب، فعلى قراءة النصب تكون (الواو) واو المعية؛ يعني: أنهم تمنوا أنهم يردون، ولا يكذبون بآيات الله، وعلى قراءة الرفع تكون داخلة في قوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ أي: مقول القول؛ والمعنى: يقولون: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا، فتكون (الواو) عاطفة على الجملة السابقة، فقالوا: لا نكذب بآيات ربنا، والأول أبلغ وهو قراءة النصب ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف عليها.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: شدة ندم الكافرين إذا وُقِفوا على نار جهنم؛ لكونهم يتمنون أمرًا لا يمكن أن يكون.
* ومنها: إثبات النار؛ وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد جاء في الكتاب والسنة من أصناف العذاب فيها ما هو معلوم لكثير من الناس.
* ومنها: إثبات القول للناس بعد البعث، وأن الإنسان بعد البعث يقول ويفعل كما يقول في الدنيا ويفعل.
* ومنها: إقرار هؤلاء بآيات الله عز وجل؛ لقولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.
* ومنها أيضًا: إقرارهم بأنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم تمنوا أن يكونوا مؤمنين، ولكن هذا لا ينفع؛ إذ قد انتهى كل شيء.
* ومنها: جواز حذف المعلوم، والمعنى: جوازه لغة، وفي هذا يقول ابن مالك رحمه الله:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ∗∗∗ تَقُولُ زَيْدٌ عِنْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
(وحذف ما يعلم جائز) ليس في المبتدأ والخبر فقط، بل في المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، وفي كل كلام، فما هو المقدَّر؟ أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لرأيت أمرًا عظيمًا، هذا الجواب.
6:28Page 131
بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨
But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.
ثم قال عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام ٢٨] ﴿بَلْ﴾ إضراب لإبطال ما سبق من قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا.
﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم.
﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فما الذي يخفونه من قبل؟ هل هو تصديق الرسل بما جاؤوا به، ولكن يجحدون، أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه؟
فعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين.
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ما الذي أخفوه؟ تصديق الرسل، ولكن جحدوا، والجحد: هو إنكار ما كان معلومًا، أو ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ من الكفر؛ حيث إنهم يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فعلى الأول تكون الآية في مَن؟ في الكافرين، وعلى الثاني في المنافقين، فهل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟
الجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة، لكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملةً واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟ والجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة قد حصل النفاق، أليس كذلك؟
وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت ١١]، وهي مكية، وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معاني متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طُلب الترجيح.
قال الله عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾.
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ يعني إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ إذن قولهم حقيقة أو كذب؟ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: من تكذيب الرسل ومن النفاق، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.
* ففي الآية الكريمة: أنه تظهر الحقائق يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله عز وجل في سورة (يس) حيث قال آخر السورة، قال الله عز وجل في آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أو يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢] فيتبين الأمر جليًّا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعلُّق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
فإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا.
فيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله عز وجل، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية كما فعل عبد الله بن حرام «حين قال له الله عز وجل: تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيتُ أنهم إليها لا يُرجعون»[[أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠) من حديث جابر بن عبد الله.]]. هذا قضاء كوني قدري، فيكون مستحيلًا حسب قدرة الله أو حسب وعد الله؟
* طلبة: حسب وعد الله.
* الشيخ: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله عز وجل مستحيل حسب وعد الله عز وجل، لكنه قادر على أن يظلم، هناك شيء مستحيل لذاته وشيء مستحيل لغيره، إذن قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فيها دليل على تعلُّق علم الله تعالى بالمستحيل.
فإذا قال إنسان: وهل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله عز وجل؟
فالجواب: نعم، اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل عقلًا لا يمكن، ومع ذلك علم الله عز وجل أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله لفسدتا، إذن عِلم الله متعلّق بالمستحيل، ومتعلق بالممكن مثل: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومتعلِّق بالواجب، مثل علم الله تبارك وتعالى بما له من الصفات الكاملة، ولهذا نقول: أوسع الصفات في صفات الله عز وجل هو العلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين لا يستنزهون من الكذب حتى في الآخرة، وكذلك المنافقون؛ لأن الله تعالى كذبهم وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الشيء إذا دعت الحاجة إليه؛ إما لأهميته وإما لكون المخاطب مترددًا فيه، أو لغير ذلك من الأسباب، المهم أن من الفصاحة والبلاغة أن يُؤكّد الخبر إذا دعت الحاجة إلى تأكيده، التأكيد في الآية في أي جملة؟ ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فهنا مؤكد بـ(إن) و(اللام).
6:29Page 131
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩
And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿قَالُوا﴾ أي: المنكرون للبعث.
﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: ما هي.
﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ يعني ما فيه حياة أخرى ما فيه إلا الحياة الدنيا، ثم أكدوا هذه الجملة بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، وهذا إنكار صريح للبعث، مع أن البعث قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والإجماع، وسيأتي في الفوائد.
وقوله: ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ هل هي من الدنو رتبة ومنزلة، أو من الدنو وقتًا وزمنًا أو منهما؟
منهما جميعًا، فهي بالنسبة للآخرة قبل الآخرة فتكون دنيا، وهي بالنسبة للمرتبة أيضًا دنيا دون الآخرة، كما قال عز وجل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٧]، ولهذا لا تجد في الدنيا سرورًا دائمًا أبدًا؛ يعني سرورًا للبدن وسرورًا للقلب، هذا لا تجده؛ أي: نعيمًا للبدن والقلب، لا يمكن دائمًا، فإما نعيم في البدن وهو الرفاهية التي يدعو إليها الناس الآن، كثير من الناس يدعون للرفاهية أهم شيء عندهم الترفيه والرفاهية، هذا نعيم أيش؟ نعيم بدن، لكنه يُولّد في القلب حسرة عظيمة وضيق صدر، وإما نعيم في القلب، وهذا للمؤمنين كما قال عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]، ولكن مع ذلك لا بد للإنسان من وجود ما يسر به وما يساء به، فلا يمكن أن تجد في الدنيا شيئًا كاملًا من كل وجه، ولهذا انطبق الوصف تمامًا عليها، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الزهادة فيها والرغبة في الآخرة.
وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي: بمخرجين من القبور، وليس عندهم دليل على هذا الإنكار إلا مجرد الأهواء والمكابرة، وإلا ما المانع؟ وقد أقام الله الدلائل العقلية والحسية والشرعية على وجوب البعث أو على إمكان البعث، وأنه ليس بممتنع، لكن هم -والعياذ بالله- أنكروا هذا، ومن أجل إنكارهم له لم يعملوا للآخرة، عملهم كله للدنيا، نسأل الله السلامة.
* في هذه الآيات الكريمة: أن الكافرين ينكرون البعث؛ لأن قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوف على ما سبق، وقد صرح الله عز وجل بهذا في قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧].
* ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى دنوّ حياة الدنيا، وأنها ليست بتلك الحياة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها وينسى الآخرة؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾.
وقد جاء في الحديث: «لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمْ يَسْقِ اللَّهُ مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠) من حديث سهل بن سعد.]]. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله:
لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ؎لَكِنَّهَا وَاللَّهِ أَحْقَرُعِنْــــــــــــــــــــــــــــــدَهُ ∗∗∗ مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَاصِرِالطَّيــــَرَانِ
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنكار هؤلاء للبعث إنكار مكابرة، نأخذها من أنه لو صدق ما قالوا لأصبح خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، أمم تحيا وتموت وتتقاتل وتتناحر، ثم لا يكون بعث، يُجازَى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا غير ممكن.
6:30Page 131
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠
If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام ٣٠]، هذا موقف آخر، والخطاب في قوله: ﴿تَرَى﴾ إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يتوجه إليه الخطاب.
﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ أي: حين وُقفوا على ربهم، وفي الآية التي سبقت قد يقول قائل: كيف عُبِّر عن المستقبل بالماضي؛ ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ ولم يقل: إذ يقفون؟
فيقال: الشيء المحقَّق يُعبّر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون هذا تصويرًا للحال المستقبلة كأنها شيء حاضر ماضٍ.
﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ وهو الله عز وجل، وإنما أضاف ربوبيته إليهم مع أنهم من أراذل عباد الله إشارة إلى أنه عز وجل هو الخالق المالك المدبر لهم فكان عليهم أن يقوموا بعبادته، فيكون إضافة الربوبية إليهم للإشارة إلى أن السلطان له عليهم عز وجل، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا برسله، ولا عملوا لهذا اليوم.
قال الله عز وجل: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ﴿قَالَ﴾ جملة استئنافية لبيان ما حصل عند الوقوف.
﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ المشار إليه البعث الذي كانوا ينكرونه، وفي هذه الجملة حرف جر زائد؛ (الباء) في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، زيادة الحروف يقول أهل العلم في البلاغة: إنها تدل على التوكيد، فعلى هذا تكون هذه الجملة مؤكدة بـ(الباء) الزائدة إعرابًا ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه.
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ فأجابوا بالجواب مع الإقسام، وكانوا بالأول يقولون: لا نُبعث، وهنا أقسموا على أن هذا البعث حق، ولكن لو سألني سائل هل ينفعهم هذا الإقسام؟ لا ينفع؛ لأن الدار الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل.
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (قال) طيب. ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (الواو) هذه حرف قسم، والقسم -كما مر علينا كثيرًا- هو تأكيد الشيء بذكر مُعظّم بأداة مخصوصة؛ وهي (الواو) و(الباء) و(التاء).
قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ يعني قال الله عز وجل لما أقروا بأن هذا هو الحق تبيّن أن إنكارهم الأول كان كفرًا بإقرارهم.
وقوله: ﴿ذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الأمر هنا للإهانة، وليس للتكريم؛ لأنه لا أحد يكرم بالعذاب لكنه للإهانة، وأطلق الذوق على العذاب لتحقق وقوعه، فإن ذوق الإنسان للشيء يعني أنه تيقنه تمامًا، فلو قلت لك مثلًا: في جيبي لك تفاحة، تُصدِّق، فإذا رأيتها ازداد يقينك، فإذا أكلتها ازداد أكثر؛ ويسمى الأول: علم اليقين، والثاني: عين اليقين، والثالث: حق اليقين.
وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الباء) للسببية، و(ما) مصدرية، وعليه فيُقدر ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: بكونكم تكفرون؛ أي: تكفرون باليوم الآخر، وبمن أخبركم باليوم الآخر وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبمن أرسلهم.
أين جواب (لو)؟ محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا، وحذفه جائز، ولكن هل حذفه جائز أي مستوي الطرفين أو حذفه أبلغ؟
الجواب: الثاني، من أجل أن يذهب الذهن كل مذهب؛ لأنه لو ذُكر الجواب تحدّد بما ذُكر، لكن إذا حُذف صار الإنسان يتصوّر هذا الشيء المحذوف شيئًا عظيمًا أكثر مما يُوصف، فيكون حذف مثل هذا الشيء من باب البلاغة إلا أنه مطابق لمقتضى الحال.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات ربوبية لله عز وجل لهؤلاء الكفار؛ لقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن لله ملائكة يأتون بالناس إليه عز وجل بدليل قوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ ولم يقل: إذ وَقَفُوا فهم يؤتى بهم ويقفون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.
* ومنها: أن قول الله بالحرف وبالصوت، الحرف؛ لأن ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ حروف، وبالصوت؛ لأنهم سمعوا وأجابوا، فقالوا: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾.
* ومنها: أن هذا القسم منه يُشعر بشدة الندم على إنكارهم الأول؛ فكأنهم كذبوا أنفسهم تكذيبًا مقرونًا بالقسم، ولا يخفى أن مثل هذا لا يخرج إلا من قلب متحسِّر، ولكن فات الأوان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وإثبات الأسباب هو المطابِق للواقع، واعلم أن الناس في إثبات الأسباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام؛ الناس من الأمة هذه، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام انقسموا ثلاثة أقسام:
الأول: من أنكر الأسباب نهائيًّا، وقال: إن الأشياء تأتي بمجرد الصدفة، وبمجرد أن الله خلقها.
ومنهم: من أثبت الأسباب على أنها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء هم الماديون الذين يعتقدون أن الكون يتفاعل بنفسه، وإن انتسبوا للأمة مثل بعض الفلاسفة أو المتفلسفة.
الثالث: من أثبتوا الأسباب، لكن بما أودع الله فيها من القوة لا بنفسها، وهذا القول هو الوسط المتعيِّن، ولذلك نجد أن الأشياء تتغير مسبباتها بتقدير الله عز وجل؛ فالنار التي أُوقدت لإبراهيم ماذا كانت؟ كانت بردًا وسلامًا، مع أننا لو رجعنا إلى السبب نفسه لكانت محرقة، لكن هي لا تكون محرقة إلا بإرادة الله عز وجل، ونجد أن الله تبارك وتعالى يُحدِث أشياء لا نعلم أسبابها مما يدل على أن السبب ليس هو الفاعل، ولكن الفاعل هو الله، ولكنه لحكمته جعل لكل شيء سببًا.
* ومن ذلك أيضًا؛ من فوائد الآية: حذف ما كان معلومًا كالآية التي قبلها.
* طالب: الحلف بغير الله عز وجل من الشرك الأصغر إذا لم يكن فيه تعظيم، فإذا كان الإنسان لا يحلف إلا وهو معظِّم للمقسِم به، لكن تعظيمه دون تعظيم الله، فهل يكون كفرًا أكبر؟
* الشيخ: يسأل، يقول: إن إذا كان الإنسان يحلف بغير الله عز وجل معتقدًا تعظيمه، فهل يكفر؟
الجواب: لا يكفر، إلا إذا اعتقد أن له من التعظيم مثل تعظيم الله أو أشد، وكثير من الجهّال قد يعتقدون أن رؤساءهم لهم من التعظيم أكثر من تعظيم الله، هذا شرك أكبر، أما ما دون ذلك فليس أكبر.
* طالب: (...) لماذا لا يقال: بدا لهم عاقبة تكذيبهم وكفرهم؛ لأنه يوم القيامة، لماذا لا يقال هذا؟
* الشيخ: هو هذا اللي، ما الذي يخفونه؟ يخفون إما الكفر إذا كانوا من المنافقين، أو يخفون تصديق الأنبياء إذا كانوا من الكافرين.
* الطالب: وبدا لهم يوم القيامة عاقبتهم.
* الشيخ: يبدو لهم هذا، والله عز وجل يعبّر عن العقوبة بالفعل الذي يكون سببًا لها.
* طالب: الأرض يا شيخ، نبات الأرض يموت كله عن آخره وينبت كله سوى (...) هذا يدل -يا شيخ- على البعث يوم القيامة؟
* الشيخ: إي نعم، وقد ضرب الله هذا فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩].
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس إذا حلفوا أقسموا بالله سبحانه وتعالى لفظًا ما صدقوا، في حين إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، شيخ -أحسن الله إليك- ماذا يقال في هؤلاء؟
* الشيخ: ما سمعنا بهذا إلا هذه الليلة!
* الطالب: هذا عندنا كثير؛ إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، أما إذا قلت لهم: قل: والله، قالوا وما صدقوا.
* الشيخ: هذا من جهلهم؛ لأن تعظيم الحلف بالمصحف من تعظيم الله عز وجل؛ إذ إن المصحف كلام الله تعالى، لكن هذا من الجهل، كما أن بعضهم يحلف بالله ولا يبالي، لكن لو تقول: احلف بالنبي ما يحلف إلا وهو صادق.
* طالب: بعض المسلمين إذا خُوِّف من عذاب القبر ومن العذاب عمومًا يقولون: هل رأيت القبر؟ وهل رأيت عذابه؟ فهل هؤلاء يدخلون في الآية يا شيخ؟
* الشيخ: إي، يدخلون في الآية مكذبون؛ لأن الذي لا يؤمن إلا بما يحسه لم يؤمن بالغيب فهو كافر، لكن إنكار عذاب القبر على نوعين: قد يُنكر عذاب القبر على البدن، هذا لا يكفر؛ لأن بعض العلماء قال به من علماء الملة على البدن يعني، وقد ينكره أصلًا، يقول: لا على البدن ولا على الروح فهذا كافر، لماذا؟ لأنه مُكذِّب لما تواتر عن النبي ﷺ وتلقته الأمة كلها بالقبول، كل مُصلٍّ يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، والقرآن الكريم قد أشار إلى هذا في عدة آيات.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بعض الناس العصاة عندما تنصحهم وتخوّفهم بالله يقول بأن الله قدّر عليه أن يكون هكذا، فبماذا يُردّ على مثل هذا.
* الشيخ: هذا احتجاج بالقدر، والعاصي ليس له حُجّة في القدر؛ لأننا نقول لهذا الرجل بكل سهولة: هل تعلم أن الله قدَّر عليك هذا الشيء إلا إذا فعلت؟ سيقول؟
* الطالب: سيقول: لا.
* الشيخ: سيقول: لا. طيب إذن لماذا تعمل؟ لماذا لم تقدّر أن الله قدر لك الخير وتعمل بالخير؟
هذا الجواب سهل جدًّا، بقطع النظر عن أن نقول الآن لو سمعت عن بلد فيه تجارة، وآمن، ومطمئن، وبلد آخر بالعكس إلى أيهما تذهب؟ لقال: أذهب إلى الأول، فنقول: هذا مثل عمل الدنيا مثل عمل الآخرة.
* طالب: حفظكم الله يا شيخ، لولا البعث بطلت أهمية الحياة، صحيح؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هل ممكن يعني تعلق على هذا القول؟
* الشيخ: لولا؟
* الطالب: لولا يعني البعث –بأننا سوف نبعث- بطلت أهمية الحياة؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: بطلت؟
* الشيخ: بترت؟
* الطالب: بطَلت.
* الشيخ: بطلت، إي نعم، صحيح، لولا البعث لبطلت أهمية الحياة؛ لأن الحياة في الواقع ما هي حياة كاملة، ما لها أهمية أن الإنسان يعمر ما يعمر، ثم يفنى إلى غير شيء، ويش الفائدة؟ حقيقة، الإنسان ينكر البعث معناه أنه أنكر أن يكون في الدنيا فائدة، افرض أن الرجل فعل كل شيء، وصار عنده إنتاجات وعنده اختراعات، وماذا ينتفع؟ ما ينتفع إلا إذا لم يكن له آخرة يجازَى عليها، إذا قال: لا يمكن تدرّ عليه الأموال، نقول له: طيب والأموال ما مآلها؟ مآلها بيت الخلاء.
الآن أشد عموم الانتفاع هو الأكل والشرب وين يروح؟ في البطن يخرج إلى وين؟ إلى الأماكن القذرة، هذه نهاية المال، إذن ويش الفائدة من الدنيا؟! ولهذا يعتبر إنكار البعث بقطع النظر عن كونه كفرًا وضلالًا يعتبر سفهًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences