Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:31–33
6:31Page 131
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام ٣١ - ٣٥].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الجملة هذه مؤكدة بـ﴿قَدْ﴾، والحروف المؤكِّدة كثيرة منها ما يسبق ومنها ما يتأخر؛ فاللام في قولك: إن زيدًا لقائم. هذه مؤكِّدة، لكنها متأخرة، وقد ذكرها علماء أهل البلاغة حينما تكلموا على الخبر وأقسامه، وأنه ابتدائي وطلبي وإنكاري، تكلموا على حروف التوكيد، فمن أراد استيعابها فليرجع إليها.
هذه الآية مؤكدة بمؤكِّد واحد؛ وهي ﴿قَدْ﴾.
﴿خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ خسروا أيش؟ أطلق الله عز وجل الخسارة، ما قال: خسروا أنفسهم ولا أهليهم ولا شيئًا، فيكون ذلك خسرانًا مطلقًا، وصدق الله عز وجل، فما أخسر الذين كذبوا بلقاء الله! لأن هؤلاء لن يعملوا للقاء الله، ويكون وجودهم في الدنيا خسرانًا لا فائدة منه، بل فيه مضرة؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مع كفره بالله عز وجل شر من كونه لم يُوجد أصلًا، وشر من وجود البهائم؛ لأن البهائم تُوجد في الدنيا، ثم تفنى، ثم تُبعث يوم القيامة ولا حساب عليها، وهذا عليه حساب، ولهذا تمنّى بعض الصحابة رضي الله عنهم ومنهم عمر بن الخطاب أنه شجرة تُعضَد؛ أي: تُقطع، وقال: «وددت أن أخرج منها» -أي من الدنيا- «كفافًا لا عليَّ ولا لي »[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣ / ١١).]]. هذا وهو عمر رضي الله عنه، فما بالك بمن دونه، فكل من لم يعمر أوقاته بطاعة الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه خسران، فاته الربح.
وقوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: باللقاء معه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أيش؟ ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، لا بد أن هذا الذي أمرك ونهاك، وأرسل إليك الرسل، وأعطاك العقل لا بد أن تلاقيه فيحاسبك، والمراد أنهم كذبوا بالبعث الذي يكون فيه لقاء الله.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هذه ابتدائية تفيد فصل ما بعدها عما قبلها.
﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ وهي ساعة القيامة ﴿بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وقد يراد بالساعة ساعة فراقهم للدنيا؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.
وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ أي: من غير احتساب لها، والساعة الكبرى تكون بغتة تأتي الناس والإنسان قد جهّز حوض إبله ليسقيها فلا يتمكن، وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يتمكن، والرجلان قد نشرا الثوب بينهما ليبيعه أحدهما على الآخر فلا يتمكن من إتمام العقد[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٢١)، ومسلم (٢٩٥٤ / ١٤٠) من حديث أبي هريرة. ]]، تأتي بغتة.
﴿قَالُوا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ﴿يَا﴾ هنا لا يمكن أن نجعلها للنداء، لماذا؟ لأن الحسرة لا تُنادى، والحسرة هو الندم، والتحسّر على الشيء الذي فات، وعليه تكون ﴿يَا﴾ للتنبيه؛ كأنهم قالوا: ما أعظم حسرتنا، وقيل: إن ﴿يَا﴾ للنداء، وأن (الحسرة) تُخيّل كأنها شيء عاقل يتوجّه إليه النداء، وعلى هذا القول يكون المعنى: يا حسرتنا احضُري، فهذا أوانك، والمعنى لا يختلف بين هذا وهذا غاية ما هنالك التقدير وعدم التقدير، والحسرة: هي الندم والتحسُّر على شيء فائت.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ التفريط: هو التقصير.
و﴿فِيهَا﴾ الضمير يعود على الساعة؛ أي: فرطنا في الاستعداد لها؛ لأنهم أضاعوا أعمارهم بما لا فائدة فيه، بل بما فيه مضرة أحيانًا.
قال: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ يعني يوم القيامة ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، والله تعالى يعبر دائمًا عن الجزاء بالعمل، أتدرون لماذا؟ لفائدتين:
الفائدة الأولى: أن يُصلح الإنسان عمله.
والفائدة الثانية: أن يُعْلَم أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الجزاء على العمل دائر بين أمرين لا ثالث لهما: الأول: الفضل، والثاني: العدل. ولا ظلم؛ فإن كان العمل حسنات فبالفضل، وإن كان سيئات فبالعدل، وربما يكون بالفضل حيث يعفو الله عنه عز وجل.
﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ أي: جزاء الأعمال ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ حملًا حقيقيًّا، هذا هو الواجب أن نحمل الآيات على ظاهرها.
ولا يقول قائل: كيف يحمل الجزاء على الظهر؟
قلنا: يوم القيامة لا يُقاس بأيام الدنيا؛ لأن الحال تختلف اختلافًا عظيمًا، فمن الجائز الممكن أن الله تعالى يخلق هذه الجزاءات حتى تكون أجسامًا تُحمل على الظهور وما المانع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟ ولا يجوز أبدًا أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا؛ لأنك إذا قرأت القرآن، وعلمت ما جاء في السنة من أحوال يوم القيامة تجزم أنه ليس هناك اتفاق، ولا يمكن أن يقاس بعضها على بعض.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس. و﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح وتنبيه، وربما نقول في هذا الموضع زيادة أخرى، وهي: التحذير من الأعمال السيئة.
وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ﴿مَا﴾ إن جعلتها اسمًا موصولًا احتجت إلى العائد، وإن جعلتها مصدرية لم تحتج إلى عائد، فما هو التقدير إذا جعلناها اسمًا موصولًا؟ التقدير: ألا ساء ما يزرونه، أما إذا جعلناها مصدرية فلا تحتاج إلى ضمير، ولكن تحتاج إلى سبك؛ بمعنى إلى تحويل الفعل مصدرًا، وعليه يكون التقدير: ألا ساء وزرُهم، ولكن المعنى لا يختلف؛ وهو أن الله تعالى ذم هذا الذي يحملونه على ظهورهم من الأوزار.
* في هذه الآية فوائد: أولًا: بيان خسران الكافرين المكذبين بالبعث، وأنهم مهما ظنوا أنهم ربحوا فهم خاسرون، ولكن متى يعلمون أنهم خاسرون؟ إذا جاء الأجل، أما الآن فهم في سكرة لا يدرون، ولهذا لو انتصروا اقتصاديًّا أو عسكريًّا أو فكريًّا لظنوا أنهم رابحون، ولكنهم خاسرون.
* ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ بدليل ثبوت الخسران لمن كذب به، ومعلوم أنه لا يحل للإنسان أن يُوقع نفسه في الخسران.
وهل من لقاء الله عز وجل النظر إليه؟
استدل بعض العلماء -رحمهم الله- على النظر إلى الله عز وجل بهذه الآية وبقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، وقالوا: إن اللقاء لا يكون إلا مواجهة، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت أيش؟ رؤية الله عز وجل، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص والإجماع.
وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت رؤية الله عز وجل، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص والإجماع؛ النص القرآني والنبوي. والإجماع: من الصحابة رضي الله عنهم، وأئمة الهدى من بعدهم.
من أدلة النظر إلى الله في القرآن، ويش وجه الدلالة؟
* طالب: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٣]
* الشيخ: إي نعم، على تقدير: إلى ثواب ربها ناظرة.
* الطالب: يا شيخ، النظر إذا قُرن بـ(إلى) يفيد..
* الشيخ: (...) ما يخالف ويقول: نظر، ما هو نظر فكري كقوله: ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١] يقول: نظر بالبصر، لكن ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ أي: إلى ثواب ربها، ما يطيعك، خصمك ما يطيعك، يقول: إلى ثواب ربها، نعم تنظر إلى ثواب الله مما في الجنة من النعيم والحور العين وكل شيء، كيف ترد عليه؟
* طالب: شيخ، الهاء -يا شيخ- مضاف إلى (رب) يا شيخ، فلا يمكن أن نحمله إلى الثواب.
* الشيخ: الهاء مضافة إلى رب، غلط هذا.
* طالب: نقول: الصحابة رضي الله عنهم ما يزالون يقرؤون القرآن..
* الشيخ: لا هذا تقرير الإجماع.
* طالب: أن الله عز وجل لو أراد أنهم ينظرون إلى ثواب الله لعبّر بهذا صريحًا، ولم يأت بلفظ يحتمل غيره.
* الشيخ: تمام، هذا الجواب هو السليم، لو أراد الله عز وجل أن يبين أنها تنظر إلى ثواب الله لقاله، فكونه عز وجل يريد ثواب الله، ثم يأتي بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة ٢٣] هذا تعمية على الخلق.
هل هو بيان ولّا تعمية؟ تعمية، والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦] ثم ما دليلك على أن تقحم هذه الكلمة في القرآن؟ أنت إذا أجزت هذا، أجزت لمن أراد أن يعبر عن القرآن بالمعنى أن يقول: وجوه يومئذ ناضرة إلى ثواب ربها ناظرة، وهذا تحريف ظاهر، واضح؟
طيب، من السنة؟
* طالب: في قول الله تعالى..
* الشيخ: لا (...).
* الطالب: في تفسير قوله تعالى..
* الشيخ: لا.
* طالب: النبي ﷺ يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١)، والترمذي (٢٥٥٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة. ]].
* الشيخ: نعم «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» وهذا التشبيه للتحقيق، يعني كما أنكم في أماكنكم المتباعدة ترون القمر ليلة البدر بدون انضمام بعضكم إلى بعض، فإنكم سترون الله عز وجل.
ولما سأل أبو رَزِين العُقيليّ النبي ﷺ وقال: «يا رسولَ اللهِ، كيف يُحاسِبُنا الله تعالى في يومٍ واحدٍ ونحن جميعٌ وهو واحدٌ؟ كيف هذا؟ قال: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللهِ؟ ما هو؟ قال: الْقَمَرُ، كُلُّكُمْ يَرَاهُ فِي مَكَانِهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَأَنْتُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ»[[أخرجه أبو داود ( ٤٧٣١)، وابن ماجه ( ١٨٠) من حديث أبي رزين. ]]
إذن هذا الحديث كما قال الأخ دليل على ثبوت رؤية الله بالعين.
طيب، بقينا في الإجماع؟
* طالب: أجمع الصحابة والتابعون على رؤية الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: من قال هذا الكلام؟
* الطالب: نقل الثقات يا شيخ.
* الشيخ: كيف السبيل إلى إثبات هذا الإجماع؟
* الطالب: نقل العلماء الثقات.
* الشيخ: لا، العلماء بماذا استدلوا على إجماعهم؟
* الطالب: بالقرآن والسنة.
* طالب: لما قرأ الصحابة القرآن، وقرؤوا حديث رسول الله ﷺ، وفسروه على ظاهره، ولم يصرفوا اللفظ عن ظاهره، فهذا دليل على أنهم مجمعون، ولم يثبت أي أحد من الصحابة خالف في تفسير ذلك.
* الشيخ: ذكرت لكم هذا، قلت: لو قال لك القائل: لا تصديق لما تقول من الإجماع، أين طريقه؟
أقول: إن الصحابة قرؤوا القرآن، وسمعوا الأحاديث من الرسول ﷺ، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلاف ظاهره، فيكون هذا إجماعًا منهم أيش؟ ما هو سكوتي، إقراري، إجماعًا منهم على أنها على ظاهرها، وهذا حجة لا إشكال فيها، هات واحدًا من الخلفاء الراشدين، أو غيره من الصحابة، يقول: إن الرؤية لما أعد الله لهم من الجنة والثواب، وليس لرؤية الله، ما تجد. أئمة الهدى من بعدهم تبعوهم.
على كل حال الآية الموجودة هنا من لقاء الله استدل بها بعض العلماء على ثبوت رؤية الله سبحانه وتعالى، محتجًّا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة.
فإن صح هذا الاستدلال، وإلا فنحن في غنى عنه، واضح؟ طيب إذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله: البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الساعة تأتي بغتة، سواء كانت الساعة الكبرى، أو الساعة الصغرى.
ألم تكن الساعة الصغرى تأتي بغتة؟
بلى، تأتي الزلازل بغتة، تأتي العواصف والقواصف بغتة، وقد حذر الله عز وجل من هذا فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف ٩٧] نائمون ساترون، لا يفكرون في عذاب، فيأتيهم وهم نائمون، ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٨] هم يلعبون، لاهون، ما فكروا أن يأتيهم العذاب فيأتيهم العذاب، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٩٩] بما أنعم عليهم من الأمن والرغد والرخاء ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٩] خسارة البغتة هنا الساعة الكبرى والصغرى.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: شدة تحسر هؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله، وإقرارهم على أنفسهم بأنهم فرطوا، ولكن هل هذا ينفعهم؟
لا، انتهى العمل، ما ينفعهم، شيء فات لا يمكن رده، ولهذا أقروا بأنهم مفرطون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الأوزار يحملون أوزارهم على ظهورهم يوم القيامة حقيقةً أو مجازًا؟
حقيقة؛ لأن هذا هو الواجب؛ أن نجري النصوص القرآنية والنبوية على ظاهرها.
فإذا قال قائل: كيف يحملونها؟
فالجواب: أن هذا سؤال في غير محله؛ لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعمال محل الثناء والقدح؛ لقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، هذا قدح.
محل الثناء مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فالأعمال محل القدح ومحل المدح.
إذا ثبت القدح في العمل أو المدح فهل يستلزم القدح في الفاعل، في العامل، أو المدح له؟
الجواب: نعم، هذا هو الأصل، لا سيما في أمور الدنيا، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، أمور الآخرة عند الله.
ولهذا لو أننا رأينا شخصًا يسجد لصنم قلنا: كافر، مع أنه يحتمل أن يكون جاهلًا، لكن نقول: كافر، فإن استقام ووحد الله ارتفع عنه هذا الوصف، وإلا فهو باق.
وليعلم أن بعض الناس توسعوا في مسألة التعيين والتعميم، حتى إن بعضهم شك هل يجوز أن نقول لمن سجد للصنم: إنه كافر. الله المستعان، كيف؟ قل ولا تبالِ: هل يجوز أن نقول لمن ترك الصلاة: إنه كافر؟
نقول: قل ولا تبال، إذا لم تقل فمتى يكون كفرًا ومتى يكون شركًا؟
نعم إذا وُجد مانع من التكفير فحينئذ يكون لكل شيء حكمه. وأما الأصل فإننا نحكم على كل من فعل ما يكفر، أو قال ما يكفر، بأنه كافر بعينه؛ حتى نقيم عليه الحد. فإذا ادعى مانعًا نظرنا هل هذا صحيح أو غير صحيح؟ ونحكم لكل قضية بما تقتضيه الحال.
* الطالب: معلوم في بعض الآيات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيه الآيات التعبير بالخطايا.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: في بعض الآيات فيه التعبير بالخطايا؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) صريح بأنه الذي يحمل هو الخطايا، والأوزار دون جزاء الأعمال؟
* الشيخ: (...) الآن في القيامة ما فيه أعمال، في القيامة ما فيه إلا الجزاء فقط.
* طالب: أحسن الله إليكم، الذي يقول: إن الله يرى لكن لا من جهة، هل يعني يعتبر أنه أثبت رؤية الله؟
* الشيخ: أبدًا، ما يمكن يرى الشيء بدون جهة، وأين تراه؟ لكن هذا غريب.
والظاهر لي بناء على ما نعرف من ذكائهم: أنهم لا يريدون أنه لا يرى من جهة، لكن يقول: يرى، ولكن لا تثبت الجهة، فهمت؟
وبينهما فرق، إذا قلنا: لا يرى من جهة معناه الإنكار، وإذا قلنا: يرى لا من جهة، أي: لا تثبت الجهة، فهذا ليس كالأول، إنما يجب أن نقول: إن الله تعالى في جهة بلا شك، وهي جهة العلو، أليس الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» نعم، وقالت: في السماء»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ]]، لكن جهة تحيط به عز وجل، أو جهة لا تليق به كجهة السفل، هذا ممنوع.
6:32Page 131
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.
(ما) نافية، و(الحياة) مبتدأ، وما بعد (إلا) هو الخبر، وهذا طرق من طرق الحصر، وهو أقوى طرق الحصر، أعني النفي والإثبات.
﴿مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، الحياة الدنيا هي حياتنا هذه، ووصفت بالدنيا لوجهين:
الوجه الأول: دنو زمنها.
والوجه الثاني: دنو مرتبتها.
أما الأول فظاهر، فإن الدنيا قبل الآخرة، وأما الثاني فظاهر أيضًا لمن كان ذا عقل، فإن هذه الدنيا دنية، ليس فيها خير، وغاية ما فيها أن ينعم البدن دون القلب، فأهل الدنيا محرومون من نعيم القلب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] فالحياة الطيبة لمن جمع بين هذين الوصفين؛ العمل الصالح والثاني: الإيمان.
إذن سميت دنيا لهذين الوجهين:
الأول: دنو الزمن.
والثاني: دنو القدر والمرتبة؛ فإنها دانية، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما رواه الإمام أحمد عن المستورد بن شداد، قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٦٥١) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد. ]] من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها وما فيها، وهو موضع سوط، فكيف والإنسان في الجنة -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ينظر إلى أقصى ملكه كما ينظر إلى أدناه مسيرة ألفي عام.
وقوله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: لعب بالأبدان ولهو بالقلوب. كل عمل الدنيا لعب، كل عمل الدنيا لهو، لكنه لهو بشيء عن شيء، لهو بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة، لعب بالنسبة أنه لا يحصل فاعله على شيء، فأدنى ما يقال: إنه ليس له ولا عليه في هذا العمل، لا له ولا عليه، مع أنه قد يكون عليه إذا كان لا له ولا عليه، فهل هو جد أو لعب؟ أجيبوا، لعب لا شك، إذا كان لا له ولا عليه، وهكذا نقول في معنى قوله: ﴿لَعِبٌ﴾.
إذا قال قائل: كيف يكون لعبًا وأهل الدنيا عندهم جد وعزيمة ونشاط في أعمالهم؟
قلنا: لكنه بالنسبة للثواب والأجر لعبٌ لا خير فيه.
﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ اللام هنا لام الابتداء، وتفيد التوكيد.
و(الدار الآخرة) فيها قراءتان: هذه القراءة ﴿لَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، والثانية: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ بالإضافة.
الدار الآخرة هي عديلة الدنيا، وضرة الدنيا، وهي ما يكون بعد البعث، وسماها الله تعالى آخرة لأنها آخر المراحل؛ فإن بني آدم لهم أربع مراحل:
المرحلة الأولى: في بطون الأمهات.
والمرحلة الثانية: في هذه الحياة.
والمرحلة الثالثة: في البرزخ بين البعث والممات.
والمرحلة الرابعة: في البعث بعد الممات إذا قامت الساعة، ولذلك سميت آخرة.
﴿خَيْرٌ﴾ منين؟
من المعلوم أن سياق الكلام يقتضي: خير من الدنيا ولعبها ولهوها. وحذف المفضل عليه للعلم به. ومن قواعد البلاغة: أن المعلوم الذي لا يحتاج إلى تكلف في تقديره حذفه أولى؛ لما في ذلك من الاختصار، وقد يكون الأمر بالعكس تقتضي البلاغة أن يبسط في القول.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتقون الله عز وجل.
وتقوى الله تعالى مرت علينا كثيرًا، يجمعها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم وبصيرة.
وبعضهم يتفنن في تعريفها، كقولهم:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَالتُّقَـــــــــــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْــــــــــقِرَنَّ صَــــــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَالْحَصَـــــــــــــى
وبعضهم يقول: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
لكن الأول أجمع وأوضح؛ لأنه يُعرف به اشتقاق التقوى، اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، والمعنى: اعقلوا هذه الحقيقة، واعرفوا قدر الدنيا وقدر الآخرة.
والمراد بالعقل هنا: عقل الرشد، لا عقل التكليف؛ لأن هؤلاء يعقلون، لكنها عقول ليست عقول رشد.
* في هذه الآية فوائد:
* منها: التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، وجه ذلك بأنه وصف الدنيا بما سمعتم، ووصف الآخرة بما سمعتم.
* ومنها: أن الدنيا كلها لعب ولهو، لعب في الجوارح، ولهو في أيش؟ في القلوب.
* ومنها: أنه لا حال للدنيا سوى ذلك، وجه الدلالة الحصر ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.
* ومنها: أن الدار الآخرة خير للمتقين؛ للذين يتقون، خير من أيش؟ خير من الدنيا.
وعلى هذا فما يصيبهم في الدنيا من الأذى في الله عز وجل، أو في أمراض تصيبهم، أو في فقد حبيب، أو ما أشبه ذلك، فإنه في الآخرة يُنسى وكأنه لم يكن؛ لأن الدار الآخرة تمحو كل شيء سبق، كأنه لم يكن.
* ومنها: إثبات الدار الآخرة؛ لأن إثبات وصفها يدل على وجود أصلها.
* ومنها: أن الآخرة خير لهؤلاء المعتصمين بالتقوى، ولغيرهم ليست خيرًا، بل هي شر، ولهذا جاء في الحديث «أنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة. ]].
فهي بالنسبة للمؤمن سجن؛ لأنه لو نسب نعيم الدنيا كلها إلى نعيم الآخرة لم يكن شيئًا، أما الكافر فهي جنته؛ لأنه في الدنيا كان في أهله مسرورًا، لكن في الآخرة على العكس من ذلك.
وقد حدثناكم بما جرى للحافظ ابن حجر، وكان رئيس القضاه في مصر، ومر بيهودي زيات تعبان من الأذى؛ أذى الزيت والحرارة وغير ذلك، وابن حجر -رحمه الله- تجره الخيول أو البغال على العربة؛ لأنه كان قاضي القضاه في مصر، فاستوقفه هذا اليهودي وقال: كيف تكون أنت في هذه الحال، وأنا في هذه الحال، والحديث عندكم «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة. ]]؟ فأجابه على البديهة، قال: ما المؤمن فيه من النعيم بالنسبة للآخرة إلا سجن، وما العذاب الذي أنت فيه بالنسبة للآخرة إلا جنة. فعلم اليهودي الحقيقة وأسلم.
ذكر الله تعالى في تفضيل الآخرة على الدنيا ثلاث آيات: الآية الأولى: تتعلق بشخص معين، والثانية: بمعين بوصف، والثالثة: إطلاق.
ما هي الآية المقيدة بشخص معين؟
* طالب: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ١- ٤].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ وهو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والمعينة بوصف ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧]. وما هي المطلقة؟
* طالب: في آخر سورة (سَبِّح).
* الشيخ: آخر سورة (سبح): ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] بارك الله فيك.
6:33Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
ثم قال الله عز وجل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾.
البحث أولًا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ (قد) للتحقيق، لكن قال النحويون: إنها مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتقليل، هذا هو الغالب مع الماضي للتحقيق؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤].
وفي المضارع يقولون: إنها للتقليل، ومنه قولهم: قد يجود البخيل، فـ(قد) هنا للتقليل، لكنها وردت في القرآن مقرونة بالمضارع، وهي للتحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور ٦٤]، ومثل هذه الآية ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾، ولها أمثلة.
فهل نقول: إنها للتقليل، أو نقول: إنها للتحقيق؟
الجواب: للتحقيق لا شك، لكن عبر عن الماضي بالمضارع؛ إشارة إلى أن الله عز وجل علم ويعلم ما يكون، فتكون دالة على الاستمرار، بخلاف علم الماضي، فهي دالة على شيء مضى وانتهى، لكن إذا كان الشيء مستمرًّا جاءت بلفظ المضارع.
وثانيًا: ﴿إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ مع أنها واقعة بعد العلم، وإذا وقعت بعد العلم وجب أن تكون مفتوحة الهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧] ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٥] فلماذا كسرت الهمزة هنا؟ كسرت لوجود اللام، لام التوكيد. فإذا وجدت لام التوكيد وجب كسر (إن) على كل حال، عرفتم؟ إذا اقترن خبرها أو اسمها باللام وجب أن تكسر على كل حال، لولا اللام لكان سياق الآية: قد نعلم أنه يحزنك، لكن اللام تكسر الهمزة.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَيُحْزِنُكَ﴾ ، و ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾. ﴿لَيُحْزِنُكَ﴾ من الرباعي، من أحزنه يُحْزِنه. ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ من الثلاثي: حزنه يَحْزُنه. والحزن ضد السرور، وهو معنى قائم بالنفس، يستلزم الانكسار والندم.
﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ما الذي يقولون؟ يقولون قولًا منكرًا عظيمًا، يقولون: لله البنات، يقولون: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله عز وجل، يقولون للرسول عليه الصلاة السلام: إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كاهن. فكل ما يقولونه مما ينافي التوحيد والرسالة لا شك أنه يحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هل هذا انتصار لنفسه، أو حزنًا لله عز وجل؟ الثاني بلا شك.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يقولها عالم السر وأخفى عز وجل، الذي يعلم ما في القلوب ﴿إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني: في قلوبهم، وأما في ألسنتهم يقولون: إنه ساحر كذاب، لكن في قلوبهم لا، يعلمون أنه صادق وأنه أمين، وكانوا يسمونه قبل الرسالة الأمين ويرضونه ويحكِّمونه، لكن لما جاء بالحق -والعياذ بالله- شرقوا به وأنكروه.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: بقلوبهم، بخلاف الألسن، فإنهم يكذبون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا المراد بهم: المكذبون للرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو ظلم الكفر.
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وقُدّم عليه لإفادة الحصر، والثاني: لتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة بلا شك، ولهذا تأمل قول الله عز وجل في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] فقدم هارون، مع أن موسى مقدم في جميع المواضع، لكن من أجل تناسب رؤوس الآيات.
* ففيها إذن فائدتان: معنوية، والثاني: لفظية.
المعنوية: هي إفادة الحصر، كأن المعنى: ولكنَّ الظالمين لا يجحدون إلا بآيات الله، وإلا يعترفون بأشياء كثيرة، إلا آيات الله عز وجل فإنهم لا يعترفون بها.
* في هذه الآيات الكريمة: إثبات علم الله عز وجل في كل ما يقوله هؤلاء المكذبون؛ لقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
* ومنها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقوية روحه المعنوية؛ فإن في هذه الآية من تسليته وتقوية روحه المعنوية ما هو ظاهر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يسلي أخاه فيما يقع لمثله حتى يهون عليه الأمر؛ لأن الإنسان بطبيعته إذا وجد مشاركًا أيش؟ هان عليه الأمر، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب هان عليهم، لكن في الآخرة لن ينفعهم، وانظر إلى قول المرأة الخنساء:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــاكِينَحــــــــــَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــي
فإذا ذكر الله عز وجل لنبيه ﷺ ما يسليه، ويقوي معنويته، ويذهب عنه حزنه، فإن هذا من فضل الله عليه تبارك وتعالى.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هداية الخلق، وأنه يحزنه إعراض الناس عن دين الله عز وجل.
* ومنها: علم الله تعالى بما في القلوب؛ بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
نظير هذه الآية قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ هذه مفعول لأجله عامله (جحدوا)، أي: جحدوا بذلك ظلمًا ﴿وُعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤]، وانظر إلى قول موسى، وهو يجادل فرعون، يقول له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢] قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، ولم يكذبه فرعون، في هذه المحاورة، ما قال: لم أعلم، بينما لما كان يشرح لقومه يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص ٣٨] والظاهر لي -والله أعلم- أن فرعون لم يقل لموسى: إنني لا أعلم خوفًا من نزول العقوبة العاجلة، أو خوفًا من أن ينزل كتاب يكذبه. على كل حال الرجل أقر، وطريق إقراره السكوت.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للدعاة أن يتسلوا برسول الله ﷺ فيما إذا سمعوا ما يكرهون من هؤلاء المكذبين المعاندين، فليتسلوا به ويقولوا في أنفسهم وفي ألسنتهم: إن الله تعالى عالم ما تقولون وسيجازيهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجحد بآيات الله كفر، ولو استيقنها الإنسان، ما دام جحدها، وإن كان مؤمنًا بها في قلبه، فإنه يكفر؛ لأن أحكام الدنيا تُجرَى على أيش؟ تجرى على الظاهر. فنحن نكفر من أظهر الكفر وإن كان مؤمنًا بقلبه، ونسكت عمن أظهر الإسلام ولو كان كافرًا بقلبه؛ لأن هذا أحكام الدنيا التي أوجب الله عز وجل؛ إذ إننا نحن لا نعلم ما في قلوب الناس، ومن ثم أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أسامة بن زيد حيث قتل المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، واحتج أسامة بأنه قالها تعوذًا، أي: خوفًا من القتل، لا عن يقين، فقال له النبي ﷺ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد. ]].
فأمور الدنيا على الظاهر لا على الباطن، لكن في الآخرة -نسأل الله أن يسترها علينا وعليكم- على الباطن، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق ٨، ٩]، وقال عز وجل: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠].
إذا قيل: هل هناك وصف آخر يكفر به الإنسان؟ فالجواب: نعم، بالاستكبار، فالردة لها أصلان فقط: الجحود، والثاني: الاستكبار. الجحود ولو عمل ولم يستكبر ظاهرًا، فإنه يكفر، كما لو قال: الصلوات الخمس غير مفروضة لكني أفعلها تورعًا واحتياطًا، ماذا نقول له؟ نقول: إنه كافر؛ لأنه جحد.
والاستكبار: أن يستكبر عن فعل ما تركه كفر، ما عن كل شيء، على أن الإنسان إذا ترك الطاعة استكبارًا حتى ولو كانت نافلة فإننا في شك من إيمانه؛ لأن جنس الاستكبار علو على الله عز وجل، وعلى أوامره ونواهيه، فيخشى إذا ترك المسنون استكبارًا واستنكافًا أن يكون كافرًا، لا إذا تركه عمدًا متهاونًا به.
هناك فرق كما تعرفونه من أنفسكم، فرق بين شخص يقول: أنا لا أصلي الراتبة استكبارًا، وآخر يقول: لا أصلي الراتبة لأنها لا تجب علي.
الثاني: لا يكفر ولا يفسق.
وأما الأول: فإن الإنسان يكون في شك من إيمانه؛ لأن الاستكبار -والعياذ بالله- علو على الخالق، وعلى أوامره تبارك وتعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences