Ibn 'UthayminAl‑An'am · 6:34

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:34

6:34Page 131

وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

ثم سلَّاه الله عز وجل بطريقة أخرى فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أكثرهم، حتى إن النبي ﷺ رأى في المنام أن الرجل لا يتبعه إلا رجلان، أو رجل واحد، والنبي ليس معه أحد[[متفق عليه، البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]].

نوح عليه الصلاة والسلام بقي في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، يذكرهم بآيات الله، ويجهر لهم بالدعوة، ويسر بالدعوة، ولكن لم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وهو صابر ألف سنة، صابر على الأذى والسخرية، هو يصنع السفينة فإذا مروا به ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود ٣٨] وتأمل (ملأ) الملأ الأشراف، وسخرية الأشراف غير سخرية آحاد الناس، يعني: أشد في قمع الإنسان واستهانته، كُذبوا وأُوذوا ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾، صبروا: أي تحملوا الرسالة وأدوها على ما فيها من مصادمات وأذى.

﴿صَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ يَحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبُوا﴾ يعني: صبروا على ما كذبوا وعلى ما أوذوا، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾ يعني: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا. والمعنيان لا يختلفان كثيرًا.

﴿أُوذُوا﴾ بالقول أو بالقول والفعل؟ بهما جميعًا، حتى إن بعضهم قتل. أوذوا بالقول: يسخرون بهم خِلقة وخُلقا، وغير ذلك، حتى إن اليهود قالوا لموسى: إنه رجل آدَرُ؛ أي: كبير الخُصيتين، وهذا عيب عند الناس، وكان موسى عليه الصلاة والسلام لا يبدي عورته لهم، فلما كان ذات يوم خلع ثوبه ليغتسل، ووضعه على الحجر، هرب الحجر بثوبه، فجعل يسعى وراءه ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، لكن الحجر لم يقف إلا في الملأ من بني إسرائيل حتى شاهدوا أن موسى بريء مما قيل فيه[[متفق عليه، البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩ / ٧٥) من حديث ابن عباس. ]]، وأظهر الله تعالى كذبهم علنًا.

فالمهم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أوذوا إيذاء لا يصبر عليه إلا أمثالهم، وقد قال الله لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥]، بل لما ذكر أنه أنزل عليه الكتاب قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤] لم يقل: فاشكر نعمة الله، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أنه سيناله ما يناله من الأذى من أجل هذا الكتاب الذي نزل عليه.

* طالب: قلنا: لهو بالقلب ولعب بالجوارح، فهل يقال يعني هذا اللفظان من الألفاظ التي إذا اجتمعا تفترقا، وإذا..؟

* الشيخ: ربما يقال: إذا افرد أحدهما لزم منه الآخر.

* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، العقل يا شيخ، لو نظرنا في اللي صنعوا آلات اللهو (...) قلنا: هذا ذكاء، ولكن بالحقيقة إنه عقوبة؛ لأن على كل حال إن الله محاسبهم مثلما حاسب المصورين.

* الشيخ: يعني ابتلاء من الله عز وجل، هو يجب أن نعرف الفرق بين الذكاء والعقل؛ الذكاء: سرعة الإدراك، سرعة إدراك الشيء معناه الذكاء، لكن العقل: حسن التصرف، وليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكي. أليس كذلك؟ يوجد من العقلاء القائمين بأمر الله عز وجل على ما يرضي الله من هو بليد، حتى روي حديث ضعيف: «أَكْثَرُ أَهْل الْجَنَّةِ الْبُلْهُ»[[أخرجه البزار (٦٣٣٩) من حديث أنس بن مالك. ]]. البله يعني: الأبله، لكنه موضوع، إنما بعض العلماء جعل له وجهًا قال: إنهم بله في أمور الدنيا، ولكنهم أذكياء في أمور الآخرة. لكن الحمد لله، الحديث موضوع، ونستريح منه.

* الطالب: (...) يصنعون آلات اللهو والمصنوعات الأخيرة هذه شيخ يعاقبون على مثلها مثلما يعاقب المصورين عليها.

* الشيخ: لا، ما نقدر أن تقول عليهم، لكن كل من أساء بواسطة هذه الآلات فله نصيب من الإثم.

* الطالب: مثل التلفزيون، مثل الدش..

* الشيخ: إي نعم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ سبق أن قلنا: إن هذه الجملة مؤكدة بكم؟

* طالب: دخول اللام عليها.

* الشيخ: أنت الآن بدأت بالأخير، الأول القسم المقدم.

* الطالب: الثاني: (اللام) والثالث: (قد).

* الشيخ: أحسنت ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ هل ذكرنا مثالًا لهذا؟ هل ذكرنا مثالًا أن رسولًا كُذب وأوذي، موسى عليه السلام، هل هناك دليل على هذا المثال؟

* طالب: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩].

* الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك.

قوله: ﴿وَأُوذُوا﴾ معطوف على أيش؟

* طالب: إما معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾، وإما معطوفة على ﴿صَبَرُوا﴾.

* الشيخ: على ﴿صَبَرُوا﴾؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: نعم، غلط.

* طالب: على ﴿كُذِّبُوا﴾ (...).

* الشيخ: على (ما كذبوا) وعلى (ما أوذوا) نعم، وهذا الأخير أبلغ؛ لأنه يدل على أنهم صبروا على الأمرين؛ على التكذيب والإيذاء.

قال: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ (حتى) هذه للغاية، يعني: فكان الغاية أن الله تبارك وتعالى نصرهم؛ لأن الله أخذ على نفسه أن ينصر رسله، فقال عز وجل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]

ولا ينافي هذا ما يحصل لبعض الأنبياء من عدم النصر؛ وذلك لأننا نقول: هؤلاء الذين لم ينصروا إما ألا يكونوا أمروا بالقتال أصلًا حتى يكون نصر، وإما أن نقول: إن النصر نوعان: نصر عاجل للنبي يجده في حياته، ونصر آجل لدعوته يكون لها انتصار من بعده، وآجل أيضًا يكون في الآخرة.

﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ٣٤] أي: لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله عز وجل، لا يبدل كلمات الله إلا الله وحده، كما أنه لا مبدل لحكمه فلا مبدل لكلماته.

وكلماته: هي وحيه الذي أنزله على الرسل، وكذلك هي كلماته القدرية، التي يكون بها النصر لأنبيائه والخذلان لأعدائه.

ولا يرد على هذا ما جاء به النسخ؛ لأن مبدل الحكم المنسوخ من هو؟ الله، والآية تدل على أنه لا أحد يبدل كلمات الله، أما الله تبارك وتعالى فله أن يبدل، كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦].

وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ١٠١].

﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و(قد).

والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي: لقد جاءك أيها الرسول من نبأ المرسلين.

﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من النبأ الذي يأتيهم، وهو الوحي، هذا المعنى هو المتبادر.

المعنى الثاني: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من قصصهم، وأخبارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود ١٢٠].

وعلى هذا يكون للآية معنيان: المعنى: أنه قد جاءك من أنباء الوحي الذي أتى الرسل من قبلك. والثاني: أنه قد جاءتك أخبارهم، وتبين لك ما حصل للرسل من أتباعهم، وما حصل لأتباعهم.

﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

* في هذه الآية فوائد:

* منها: بيان أن تكذيب الأنبياء ليس وليد عهده، بل هو سابق؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا﴾.

فإن قال قائل: ما الحكمة في إرسال الرسل مع تكذيبهم؟

فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم؛ أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لولم يأتهم رسول لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسول، لولم يأتيهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عتو بعض بني آدم، حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه؛ أن يؤتي الله عز وجل الرسل الآيات التي تقوم بها الحجة، فإذا كذب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد ذكرنا في التفسير أمثلة لذلك من القرآن ومن كلام العرب، من القرآن أن الإنسان يتسلى بغيره.

* طالب: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، ومن أقوال العرب؟

* الطالب: قول الخنساء:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَـــــــــــــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــي

* الشيخ: تمام، والواقع شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حدث أن آخر أصيب بحادث وانقطعت الرجل مع الفخذ، ماذا يكون؟ نعم يتسلى، وتهون عليه المصيبة.

* من فوائد الآية الكريمة: الثناء على الرسل عليهم الصلاة والسلام بالصبر على ما كذبوا، وعلى ما أوذوا.

* ومن فوائدها أيضًا: أنه يجب علينا أن نتأسى، وأن نتسلى أيضًا بما جرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا، نصبر، والعاقبة للمتقين؛ لقوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب، بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم لا شك في هذا، ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فرج الله عز وجل يأتي مع شدة الكرب، كلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦] فجعل الله مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣) من حديث عبد الله بن عباس. ]].

وهذا كلام الله وكلام رسوله حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ألا يرجى النصر إلا من عند الله؛ لقوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ لم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، قال: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾، وإذا علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله فممن نطلب النصر؟ من الله عز وجل، ولهذا اختصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عريش له يوم بدر يناشد ربه تبارك وتعالى النصر حتى نصره الله[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس.]]، والحمد لله لا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك أو لا يوافقك، اطلب النصر من الله، إذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك الصراط المستقيم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي لا أحد يبدلها، إذا قدر الله النصر لا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان لا أحد يمنعه. أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر، الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، قال الله تعالى: كن لنزول المطر فنزل، لا أحد يمنعه، قال: كن لامتناع المطر، يمتنع، لا أحد ينزله.

فالكلمات الكونية مفروغ منها أنه لا أحد يستطيع أن يبدلها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا في من بدل الكلمات الشرعية ولّا لا؟ في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة لكن هل هذا التبديل غير من خصائص هذه الكلمات؟

أبدًا، لا يستطيعون، مهما حاولوا لا يمكن، هم لو بدلوها ظاهرًا فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده.

* ومن فوائد الآية الكريمة: قوة عظمة الله وسلطانه عز وجل، حيث إنه لا مبدل لكلماته غير الله عز وجل، مهما بلغ من السلطان والقدرة والقوة والجنود، فإن كلماته تبدل.

فإن قال قائل: ما تقولون في النسخ، أليس فيه تبديل؟ بلى فيه تبديل. لكن من بدله؟ الله عز وجل، وكلماته الناسخة لا مبدل لها، يعني: لا يمكن أن نلغي الناسخ؛ لأنها كلمات الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام ٣٤].

* من فوائد الآية أيضًا: إثبات أن الله يتكلم، وهذا قد مُلِئ منه القرآن، وقد جاءت الآية الكريمة في قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] مؤكدة ذلك؛ لأن ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز.

كلمات الله عز وجل بحروف ولّا بغير حروف؟ بحروف، وإلا لم تكن كلامًا. بأصوات ولّا بغير أصوات؟ نعم بصوت، يتكلم الله بصوت مسموع، ولا يمكن أن يكون الكلام معنى قائمًا في النفس؛ لأن هذا المعنى القائم في النفس يا إخواننا هل يسمى كلامًا؟ يسمى حديث نفس، ولا يسمى كلامًا، الكلام ما نطق به اللسان وليس ما حل بالجنان، ولهذا إذا أراد الله عز وجل حديث النفس عبّر عنه كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨].

خالف في الكلام طوائف مرت علينا في كتاب النونية، يعني من أبينها وأبرزها، الأول مذهب المعتزلة، يقولون: إن كلام الله أصوات مخلوقة، خلق الله أصواتًا، كما خلق أصوات الرعد والصواعق، فهي مخلوقة تمامًا بائنة عن الله، وإنما نسبت إلى الله تشريفًا لها، كما في قوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، وما أشبه ذلك.

الطائفة الثانية: الأشاعرة الذين يدعون أنهم هم الذين جادلوا المعتزلة، قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، معنى قائم بنفس، لا يسمع وليس له صوت ولا حروف، ولكنه خلق أصواتًا وحروفًا لتعبر عما في نفسه. بالله عليكم أهناك فرق بين مذهبهم ومذهب المعتزلة؟

لا فرق، كما قاله بعض علمائنا، قال: إنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة؛ لأننا متفقون على أن ما في هذا المصحف مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو مخلوق حقيقة، وهو كلام الله حقيقة، وأولئك الأشعرية قالوا: ليس كلام الله حقيقة، كلام الله هو الذي القائم في نفسه، وهذا عبارة عن كلام الله، فأيهم أقرب إلى الصواب من حيث القواعد؟ المعتزلة أقرب، المعتزلة أقرب إلى الصواب.

أما أهل الحق السلف وأتباعهم من الأئمة فقالوا: إن الله عز وجل يتكلم نفسه، يتكلم بكلام مسموع، بحرف مرتب، ولا يُعقل الكلام إلا على هذا الوجه.

فإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله قليلًا أو كثيرًا يكون بكلمة (كن)؟

فالجواب: ظاهر النصوص هكذا، كل ما خلقه الله يقول له: كن، ولهذا كان كلمات الله لا نفاد لها ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف ١٠٩] ويحتمل أنه عز وجل قال: كن في أول الأمر، وصار المخاطب يقوم بما أمر به، كما قال للقلم: اكتب ما هو كائن، فكتب ما هو كائن.[[أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت.]]

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ، كما ثبتت رسالات من قبله؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بالقسم، واللام و(قد).

* من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم يُراعَى فيه فواصل الآيات؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود ١٢٠].

ومراعاة الفواصل ظاهر في القرآن الكريم، انظر إلى سورة (طه)، انظر إلى سورة (اقتربت الساعة) حتى قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] دسر: جمع دسار، وهو المسمار.

كل ذلك لأجل أن تتناسب السورة في فواصل الآيات؛ وذلك لأن هذا من البلاغة، ولأن هذا مما تُصغي له الأسماع، ولأن ذلك مما تطرب له القلوب. فهذه ثلاث فوائد لتناسب الآيات الكريمة.

* ومن فوائد الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن محمدًا خاتم الرسل؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: الذين أرسلوا، فإن صح أخذ هذه الفائدة من الآية وإلا فكونه خاتم النبيين أمر مجمع عليه، نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٠] يعني: ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين، اللهم صلِّ وسلم عليه.

* طالب: أحسن الله إليك، يقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٤]. ولا شك أن رسول الله صادق، لكن ما وجه هذا القول ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟

* الشيخ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ لا يقولون هذا استبعادًا، ولكنهم يقولونه استعجالًا، يستعجلون نصر الله، لا استبعادًا ولا شكًّا.

* الطالب: بارك الله فيكم يا شيخ، قررنا في درس التفسير السابق أن أصول الردة تكمن في الجحود والاستكبار، وأنه قد يخشى على الإنسان إذا ترك المسنون استكبارًا يخشى أن يكفر. ثم مر معنا بالأمس حديث الذي أبى أن يأكل إلا بشماله، فسره النبي ﷺ أنه ما منعه إلا الكبر[[أخرجه مسلم (٢٠٢١ / ١٠٧) من حديث سلمة بن عمرو.]]، هل في تحفظنا في قولنا: يخشى عليه الكفر، يدل على أن هناك كبرًا دون كبر، كبر غير مخرج من الملة؟

* الشيخ: (يخشى) ليس معناه أنه مؤكد، لكن إذا صدر هذا الاستكبار عن كراهة لشرع الله عز وجل فهو كفر؛ كما قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، ولهذا لا بد من الذل في القلب، والتذلل في الجوارح.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском