Ibn 'UthayminAl‑An'am · 6:38–41

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:38–41

6:38Page 132

وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register1 a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨] السماء، سبحان الله، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ المراد بالدابة كل ما يدب على الأرض بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي دابة في الأرض.

﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدواب اللي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أمم مثلنا؛ تختلف في أجناسها، تختلف في ألوانها، تختلف في قدراتها، تختلف في أرزاقها، تختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم.

وقوله: ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت: يمشي برجليه، أو: ينظر بعينيه، أو: يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، فهو من باب التوكيد.

وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحين، فهذا غلط؛ لأن شيئًا لم يكن معروفًا في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير وارد أصلًا، فالصواب أن قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من باب التوكيد.

على أني أقول لكم: إن الطائرة مركَّبة على الطير؛ فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضًا هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضًا انخفاض الأجنحة عند النزول وارتفاع عند الطلوع، المهم أن الذي سمعنا وقرأنا ورأيناه في الصورة: أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور.

﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ هذه الأمم -سبحان الله- متنوعة متفرقة مختلفة في الأحجام، في الألوان، في القوى، في كل شيء، أيضًا مختلفة في اللغات والألسن، هل تعرف البقرة ما تقوم به الهرة من الصوت؟ ما تعرف، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تعرف، وهرة مع هرة تعرف، وتأمل -سبحان الله- تجد الهرة لها أصوات مختلفة، إذا كانت تريد الفحل فلها صوت خاص، إذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار لها صوت خاص، تجدها تدخل على المكان ثم تنعق لأطفالها، فإذا هم مجتمعون عليها، سبحان الله! صوت غير العادة، كذلك اللي غيرها مثلها، كل واحد من هذه الأمم لا يعرف لغة الأمم الآخرين.

ثم إن الله عز وجل أعطى كل نوع من هذه الأنواع من هذه الأمم أعطاه هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل، النمل -سبحان الله- أعطاه الله تعالى ذكاء عجيبًا، هو من الحيوان الذي ينظر للمستقبل، فإذا جاء وقت الحب جمع الحب في جحوره، وماذا يصنع؟ يأكل رأس الحبة، يأكله من أجل ألَّا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، فيأكلها لئلا تنبت، ثم إذا جاءت الأمطار ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان، خرج به ينشره؛ لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، وهذا مشاهد، يعني شاهدناه وشاهده غيرنا.

وسأل سائل يقول: هل يجوز إذا رأيت هذا الحب المزبر الذي يكال بالصيعان هل يجوز أني آخذه، ما رأيك هل يجوز؟

* طالب: لا يجوز.

* الشيخ: النمل لا يملك، لكن هو قوته.

هل نقول: يجوز أخذه عند الضرورة فقط؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة هذا، ثم نقول أيضًا: يجوز إذا كانت النمل يمكن أن تتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء ما تخرج، تبقى في جحرها فهي محتاجة، فأنا أقول: الذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كان الآدمي مضطرًا لذلك فهو مقدم، إذا لم يكن مضطرًا نظرنا؛ إذا كان يمكن أن تجلب طعامًا غيره فلا بأس أن يأخذه، وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس «حبس الهرة التي دخلت النار امرأة بها، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٦١٩ / ١٣٥) بنحوه من حديث أبي هريرة.]].

نظير ذلك أيضًا وجدت مع هرة لحمًا جاءت بها من الجيران، لحم تساوي، هل لك أن تأخذها من هذه الهرة؟ نعم، هذا صحيح؛ لأن الهرة الآن سرقت، فيؤخذ منها ويرد إلى صاحبها، لا سيما إذا كانت دجاجة وهي حية، معلوم أنقذها وأعطها الجيران.

المهم أن هذه الدواب أمم أمثالنا ولها عجائب، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة ذكر العجب العجاب من هذه الأمم.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: هذا سؤال مشكل أيضًا، يقول: نرى بعض الهرر في مكة تأخذ الحمام هل لنا أن نمنعها؟ أنت قادر على إنقاذ هذا الطير فيجب عليك أن تنقذه، لكن لو رأيتها ميتة معها فدعها.

* طالب: الأشياء التي ليست فيها حياة من السيارات والطائرات هل تسمى دواب أو يختص هذا بالأحياء؟

* الشيخ: لا، المراد ما فيه الروح.

* طالب: الحديث الذي فيه أنه «كان إذا ركب دابته سمى، وإذا استوى عليها حمد»[[أخرجه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦) بنحوه من حديث علي بن أبي طالب.]]، ثم قال به، هل نقول: هذا حتى إذا ركبنا السيارة مع أنها ليست دابة؟

* الشيخ: إي، لكنها راحلة.

* طالب: ذكرنا الحبوب اللي في قرية النملة، هل يجوز لي أنا أخذ النصف وأترك النصف، هذا عندنا كثير الناس يأخذونه؟

* الشيخ: مصالحة يعني، يعني تأخذ النصف، طيب إذا أخذت النصف ألا نقول: يجب عليك أن ترده إلى صاحبه، ما هي النملة، المزرعة اللي حولها؛ لأن هي في الغالب أنها تأخذ من اللي حولها، هل نقول: خذ هذا الحب وأعطه صاحب المزرعة؟

* طالب: ورد عن بعض الإخوة أنهم يكلمون النمل، قيل: يعني بيت النمل إذا كانت في بيت أو حديقة أو كذا، ثم يقول: اخرجي ويذكر الآيات اللي في سورة النمل، وواحد منهم جربها قريب لي، فخرجت من بيته ودخلت في بيت جاره؟

* الشيخ: يعني خاطبها؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: ويش قال؟

* الطالب: يقول: أسألك بالله أن تخرجي من هذا المكان ويعطيها زادًا، يقول: فخرجت من مزرعتي ودخلت مزرعة جاري (...).

* الشيخ: سبحان الله!

* طالب: عندنا في مسجد الحي كان عند باب مسجد نمل كثير جدًّا، وجاء أحد الإخوة؛ رجل مستقيم من الإخوان عندنا وقال: أسألك بالله أن تخرجي من هذا المكان، ومؤذن المسجد من دولة يعني بها صوفية وكذا، فلما جاء بكرة ما وجد النمل فقال: ده أنت ولي، والله يا شيخ.

* الشيخ: نحن نسمع من بعض الإخوان يجلس على كرسي صغير، ثم يقرأ آيات من القرآن، ثم ترحل النمل عن بيته، الله أكبر، وهذا يدل على أنها تفهم، وفي قصة سليمان واضح أنها تفهم.

* طالب: بالنسبة للنمل يعيش مثلًا في السكن في البيت، ويكون أطفال صغار، وفي الغالب يقرصهم، يعني: قد يؤذي هذا النمل، فهل لنا أن نقتله؟

* الشيخ: إي، معلوم إذا لم يندفع أذاه إلا بالقتل، ولكن إحنا جربنا الجاز هذا الوقود إذا صبيته على جحره وحوله خلاص تروح ترحل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ما المراد بقوله: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾؟

* طالب: التوكيد.

* الشيخ: لا، بجناحيه ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ المراد بها؟

* الطالب: جميع الطيور.

* الشيخ: إي، لكن المراد أيش؟ يعني لو قال قائل: يستغنى بقوله: ﴿طَائِرٍ﴾ عن (جناحيه)؟

* الطالب: للتأكيد يا شيخ.

* الشيخ: هذه للتأكيد، كما يقال؟

* الطالب: يسمع بأذنيه.

* الشيخ: يسمع بأذنيه، ويبصر بعينيه، وما أشبه ذلك.

ما معنى قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؟

* الطالب: إلا خلق أمثالكم.

* الشيخ: خلق، لا معنى (أمم).

* الطالب: أمة: فئة، ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: يهتمون فيما بينهم في تدبير الأمور.

* الشيخ: يعني: أصناف.

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أصناف، كل صنف له حاله الخاص، تمام.

هل يشمل ذلك صغار النمل؟

* طالب: نعم، يشمل.

* الشيخ: يشمل، كيف ذلك، كيف يشمل، وضح لي؟

* الطالب: أنهم (...).

* الشيخ: ويدبون على الأرض ولَّا لا؟ هذا وجه الدلالة يدبون على الأرض.

لو قال قائل: هناك من يمشي على بطنه يدخل في هذا؟

* طالب: يدخل.

* الشيخ: يدخل في هذا؛ لأنه؟

* الطالب: يدب على الأرض.

* الشيخ: يدب على الأرض، تمام.

قوله عز وجل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما المراد بالكتاب؟

* طالب: ما شرحناها.

* الشيخ: كيف، وقفنا على هذه؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: قال الله عز وجل تبارك تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿فَرَّطْنَا﴾ يعني: أهملنا، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وليس الكتاب العزيز، الكتاب العزيز قال الله فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فالمراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ؛ يعني: ما أهمل الله شيئًا إلا كتبه في اللوح المحفوظ.

ولا يشكل عليك أن تقول: كيف يكتب كل شيء حتى أصناف الدواب؟ لأننا نقول: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به سواء أدركه عقله أيش؟ أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله لم يكن مؤمنًا حقًّا، فكل ما أخبر الله به من هذا وغيره فالواجب علينا أن نؤمن به ولا نعترض ولا نورد، سواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه، على أنه وجد الآن من صنع البشر أشياء صغيرة تحتمل كلمات كثيرة جدًّا وهي من صنع البشر، هذه الأقراص يسمونها الليزر تحمل كثيرًا جدًّا من الكلمات.

وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من) هذه زائدة للتوكيد، وليعلم أنه ليس في كتاب الله تعالى شيء زائد لغير معنًى أبدًا؛ لأن القرآن لفظ ومعنًى، لكن قولنا: زائد، بمعنى الزيادة الإعرابية؛ يعني: زائد إعرابًا، أما معنًى فلا، ما في كتاب الله شيء زائد، واضح؟ يعني: كل شيء فإن الله تعالى كتبه في هذا اللوح المحفوظ.

﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ سبحان الله! يعني: ثم بعد أن تنتهي الدنيا إلى ربهم الذي خلقهم عز وجل وكتبهم في اللوح المحفوظ، ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أي: يجمعون، كل شيء يحشر يوم القيامة.

ولا تستغرب أيضًا تقول: كيف تحشر هذه الدواب والسباع والبهائم والطيور وغيرها؟ لا تستغرب، الواجب عليك أيش؟ أن تصدق، والمسألة فوق ما يدركه العقل، كلهم يحشرون إلى الله، كلهم يقتص للمجني عليه من الجاني عليه، «حتى الشاة التي ليس لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون إذا نطحتها في الدنيا»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة. ]]، سبحان الله! كمال العدل؛ ولهذا يظهر يوم القيامة من تمام عدل الله عز وجل ورحمته وغضبه أيضًا ما لم يكن سابقًا، حتى يظهر تمام العدل للخلائق جميعًا، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي: يجمعون بعد الحياة.

* في هذه الآية الكريمة: أنه ما من حيوان يدب على الأرض أو يطير في السماء إلا وهو مكتوب عند الله عز وجل.

* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم جاء بالأسلوب العربي، بمعنى أنه جرى على ما ينطق به العرب في لغتهم، فإذا كان من عادة العرب مثلًا أن يؤكدوا الشيء بما يزيده قوة جاء به القرآن؛ ولذلك تجدون في القرآن الكريم كثيرًا من الإقسامات على الشيء، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١]، وما أشبه ذلك، هل هذا لشك فيما أخبر الله به؟ لا؛ لأن الله تعالى صادق سواء أقسم أم لا، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فجرى في التعبير على ما كان العرب يعبرون به.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه، فهو بالنسبة لعظمة الله عز وجل كالنملة، ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، إذن لا تترفع ولا تتعالَ، ما أنت إلا مثل هذه الدواب بالنسبة لعظمة الله عز وجل، وإن كان الله عز وجل قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]، لم يفضل بنو آدم على كل ما خلق الله، بل على كثير مما خلق الله، وما يفهمه بعض الناس من أن بني آدم هم أفضل المخلوقات فخطأ، لماذا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: غلط.

* طالب: (...).

* الشيخ: لقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ [الإسراء ٧٠]، ما قال: على من خلقنا، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، أفهمت؟ وإياك أن تأتي بالتعليل مع وجود الدليل، فهمت؟

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يهمل شيئًا في اللوح المحفوظ، كل شيء كتبه؛ لقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن الله تعالى أمره -أي أمر القلم- أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مآل هذه المخلوقات الطائرة والزاحفة إلى الله عز وجل، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

6:39Page 132

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ [الأنعام ٣٩] الجملة هذه معطوفة عطف جمل، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: قالوا: إنها كذب ولم يصدقوا بها، جاؤوا للآيات الكونية وقالوا: هذه سحر، كما قال فرعون حين رأى آيات موسى قال: هذه سحر، وكما قال الله عز وجل عن قريش: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ١، ٢]، فكذبوا بالآيات الكونية، كذبوا كذلك بالآيات الشرعية، ووصفوا الرسل بالكذبة، بالشعراء، بالكهنة، بالمجانين، بالمسحورين، وما أشبه ذلك، وهذا تكذيب بأيش؟ بالآيات الشرعية.

هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ثلاثة أحوال لهم: صم بآذانهم لا يسمعون الكتاب سماع انتفاع، فانسد طريق الحق عنهم من جهة السماع، (بكم) جمع (أبكم) وهو الذي لا ينطق، فلا ينطقون بالحق ولكنهم ينطقون بالباطل، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يبصرون، الظلمات محيطة بهم من كل جانب؛ لأن (في) تدل على الظرفية والظرف محيط بمظروفه، فانسدت عليهم أبواب العلم والمعرفة؛ السمع، والبصر، والنطق، والعياذ بالله، وفي هذا قال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].

﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ الجملة شرطية، فعل الشرط ﴿يَشَإِ﴾، وجوابه ﴿يُضْلِلْهُ﴾ أي: من يشأ الله إضلاله يضلله؛ لأن الأمر أمره عز وجل، لا معقب لحكمة، ولا اعتراض عليه، ولا يسأل عما يفعل، فنسأل الله أن يهدينا فيمن هدى، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فيعمى عن الحق ولا يصل إليه.

﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ونقدِّر هنا: ومن يشأ هدايته، ﴿يَجْعَلْهُ﴾ أي: يصيره، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق مستقيم لا عوج فيه وهو الإسلام.

* وفي هذه الآية من الفوائد: بيان حال الذين كذبوا بآيات الله، وأنه لا سبيل إلى هدايتهم، لماذا؟ لأنهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع، وكذلك في الظلمات، وأنهم لا ينطقون بالحق.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من شاء الله هدايته اهتدى، ومن شاء إضلاله ضل.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن يلجأ الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى بطلب الهداية والاستعاذة من الغواية؛ لأن الأمر بيد الله.

فإن قال قائل: هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ بمعنى أنه من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله بدون أي حكمة، أو أنها مشيئة مقرونة بالحكمة؟

فالجواب: الثاني؛ أنها مشيئة مقرونة بحكمة، وهذا هو المتعين؛ لأن جميع أفعال الله تبارك وتعالى وأحكام الله كلها مقرونة بالحكمة، انظر في أحكام الله قال الله تعالى في آية المواريث: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]، وقال تعالى في الأمور القدرية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فلا مشيئة مجردة في أفعال الله ولا أحكامه، بل هي مقرونة بالحكمة، ولكن هل هذه الحكمة معلومة للخلق؟

الجواب: قد تكون معلومة، وهذا -والحمد لله- هو الأكثر، وقد تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وقد تكون مجهولة لجميع الناس لا يحيطون بالله علمًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصراط -وهو دين الإسلام- مستقيم لا اعوجاج فيه، ولا انحراف فيه، ولا شقاء فيه، مستقيم، ويضاف إلى ذلك: ولا تناقض فيه؛ لأنه لو كان فيه تناقض لم يكن مستقيمًا.

إذا قال قائل: هل للإنسان حجة على الله إذا أضله وهدى آخرين؟

فالجواب: لا؛ لأن الهداية فضل من الله عز وجل، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وأيضًا الإضلال لا بد أن يكون مبنيًّا على حال العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩]، فالحاصل أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء لحكمة، ولا بد من أن يكون الإضلال من جراء فعل العبد.

6:40–41Page 132

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠

Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"

بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام ٤٠] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عام لأيش؟ لكل من يصح خطابه.

﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: (أرأيت) بمعنى (أخبرني)، والتاء للخطاب فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، و(أرأيت) تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، قالوا: المفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، هذا المحذوف يقدر بما يناسب الحال، فيكون التقدير هنا: أرأيتكم حالكم عند الشدة أغير الله تدعون، بَيَّن الله من يدعون عند الشدة قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام ٤١].

نعود للإعراب، أقول: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، والميم علامة الجمع، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا أيش؟ حالكم عند الشدة، وجملة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هي محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في الشدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ دعوا من؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فإذا وقعوا في الشدة عرفوا الله.

والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض طوائف هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله، إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني، دعوا علي بن أبي طالب، دعوا الحسين، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء.

وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم.

ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ (بل) للإضراب الإبطالي؛ إبطال أنهم يدعون غير الله، و﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، المعنى: بل لا تدعون إلا الله.

﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (يكشف) بمعنى (يزيل)، كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يبدو ويظهر، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل أن يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل ﴿يَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾.

وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة، فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله؛ قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة وقد لا يشاؤه حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى.

﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (تنسون) بمعنى تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم، تنسى كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك؛ أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذِكْر وهما متلازمان؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه، فهي صالحة للأمرين، وفسرها كثير من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك، كما قال عز وجل: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤]، وقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا.

وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، لكننا نريد النسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن معلوم، أما المنفي عن الله فنعم هو اللي يكون بمعنى الذهول عن معلوم.

* طالب: تفسير (أرأيتكم) بمعنى (أخبروني) ومعنى (أرأيت) هنا الرؤية هنا علمية؟

* الشيخ: إي نعم، المعنى: أعلمت فأخبرني.

* الطالب: يعني أخبروني ملازم..؟

* الشيخ: لا، إي ما هو، تفسير بالمعنى، ما هو باللفظ تفسير (...) بمعنى أخبروني أو أخبرني، هذا تفسير بالمعنى، أما المطابق للفظ فالمعنى: أعلمت هذا فأخبرني.

* طالب: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قيل: الآية تحتمل اللوح المحفوظ والكتاب، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى حملت عليه؟

* الشيخ: ما يستقيم؛ لأن السياق يعين أحد المعنيين، فهنا السياق يعين أنه اللوح المحفوظ.

* طالب: تعليل القول (...) إذا قال قائل: إن كشف العذاب حصل عن طريق الإلزام الشركاء على الله؟

* الشيخ: مفهوم أيش يعني؟

* طالب: المخالفة.

* الشيخ: (...).

* الطالب: (...) حصل كشف عن طريق الاستنكار يعني؟

* الشيخ: ما حصل؛ لأن الله قيده بالمشيئة.

* طالب: أحسن الله إليك، الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام ١٥٠]؟

* الشيخ: هو التحريف -بارك الله فيك- يعني: بمعنى التأويل، إذا كان تأويل إنكار فهذا ربما يدخلون في هذا، أما إذا كان تأويل عن اجتهاد فهم لا يدخلون في هذا، والتأويل الذي يقبل إذا كان اللفظ يحتمله، ثم إذا كان هناك ما يرجح المعنى الآخر ولكن يحتمل المعنى فهنا ليسوا معاندين، لكن إذا كان لا يحتمل فهم معاندون فيشبهون الذين جحدوا.

* طالب: شيخ -بارك الله فيك- الذين كفروا بآياتنا في بعض الناس (...) بآيات الله (...)، ولكن ما يعملون بعمل أهل الكتاب هل هؤلاء كذبوا؟

* الشيخ: لا، ما كذبوا، هؤلاء يدخلون في المستكبرين.

* طالب: رضي الله عنك، سمعت أن الرسول ﷺ (...) للكعبة «مَا أَعْظَمَكِ، وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَعِظَمُ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْكِ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وقد مر علينا كثيرًا يا شيخ هل أفضل من المؤمن (...)؟

* الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، لكن لا شك أن المؤمن أفضل من الكعبة وأعظم حرمة.

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: ليس المطلقة، ما يجوز؛ لأن الله قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠].

* طالب: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يؤخذ منه أنه لا يصح الدعاء: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء؟

* الشيخ: لا، معروف أنه منكر، هذا الدعاء المنكر ما يجوز، لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، هذا غلط، هذا يدل على أن هذا الإنسان كأنه يقول: لا أبالي، لا اسأل الله عز وجل أن يعافيك، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، لكن هذه تجدها كلمة من صوفي أو شبهه وصارت على الألسن.

مثل ما صار هل الإنسان مسير أو مخير؟ سبحان الله! أحد يسأل هذا السؤال؟! نفس الذي سأل هو مخير ولّا مسير؟ الجواب مخير هو الذي يختار؛ الإنسان.

* طالب: بارك الله فيكم، يرد كثيرًا على ألسنة الخطباء وكذلك في مقدمة الكتب: والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد ﷺ؟

* الشيخ: لا، غلط وإن كان (...) قال:

وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ∗∗∗ نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنِالشِّـــــــــــــــــــــقَاقِ

لكن يجب أن يقيد الخلق ببني آدم؛ فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَنَا سَيْدُ وَلَدِ آدَمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨ / ٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، جاء في الحديث: «وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٧٢٤٩) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والمراد خلقه الآدميين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾.

* في هذه الآية وما بعدها فوائد؛ منها: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه، تقرير الإنسان أن يُقَرر بشيء يقر به لا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟!

وقوله: ﴿عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ المراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة؛ يعني: لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة.

* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجؤون إلا إلى الله؛ لقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾.

* ومن فوائده: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا، بل ويعلم عز وجل أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم من الكرب وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله عز وجل أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم؛ فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافرًا، فهذان صنفان تجاب دعوتهما: المضطر، والثاني المظلوم يجيب الله تعالى دعوته، أما المضطر فلأن رحمة الله سبقت غضبه، فيرحم المضطر ويجيب دعوته، وأما المظلوم فلكمال عدل الله عز وجل أن يجيب المظلوم انتصارًا له على الظالم.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يصرف السوء إلا الله عز وجل.

* ويتفرع عليها: أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله عز وجل. وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟ الظاهر الثاني؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجؤون إلى الله، فالرافضة مثلًا إذا أصابهم الضر يلجؤون إلى من؟ إلى أئمتهم؛ علي بن أبي طالب، والحسين، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله عز وجل على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله عز وجل ثم يعود؛ ولهذا قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ معنى (تنسون) هنا بمعنى (تتركون)؛ يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد ذكرنا في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك أو أيش؟ أو الذهول؛ لشدة ما نزل بهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском