Ibn 'UthayminAl‑An'am · 6:42–47

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:42–47

6:42–44Page 132

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤

So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة.

﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك.

هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ.

وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟

يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم.

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف.

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل.

* ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أن الرسل بلسان قومهم؛ أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة.

* فيتفرع على هذا: أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا ما الفائدة؟ إلا أنه يحب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سدًّا لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحيانًا يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة ولبيان المحجة، المحجة يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا، لولا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيَّن لنا كيف نتوضأ ما عرفنا، كيف نصلي ما عرفنا، كيف نزكي، كيف نصوم، كيف نحج، كيف نتعامل ما عرفنا، فإرسال الرسل من رحمة الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حذف السبب ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة للمخاطب، حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة في قلوب المخاطب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ ولم يذكر التكذيب حتى يكون أشد، ويبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقعًا في قلوب المخاطب.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق، ما هي الحكمة؟ بيَّنها في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلًا الخوف والجوع وما أشبه ذلك هذا شدة، المرض المباشر للشخص هذا ضرر، فالأخذ إما هذا، وإما هذا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، تؤخذ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وثبوت الحكمة لله عز وجل في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع.

ولكن هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلومًا لنا حكمته؟

الجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله عز وجل، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، » ما ذهبت تعلل فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة، وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له في السنة يقوم مقامه، والصلاة لها نظير إذا لم تصلي اليوم صلت غدًا، ما قالت هذا، قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥/٦٩) واللفظ له من حديث عائشة.]]، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة.

وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد نعلم وقد لا نعلم.

الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي؛ بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به لا أن نعلم حكمته، وأحيانًا يقولون عن الشيء: إنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحيانًا يكون القول صوابًا.

من هذه الأمة من أنكر الحكمة وقال: إن الله عز وجل يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص، قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص.

ولهذا من عباراتهم الفاسدة الحسنة منظرًا أو مسمعًا: إن الله منزه عن الأعراض، والأبعاض، والأغراض، هذه عندهم منزه عن الأعراض، والثاني الأبعاض، والثالث الأغراض.

أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل أو ترك أو نحو ذلك؛ ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، ينكرون النزول إلى السماء الدنيا.

والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين، وما أشبهه.

والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كان أفعاله لحكمة أو شرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض.

والجواب على هذا سهل، هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة هل هو لمصلحة الله أو لمصلحة الخلق؟ الثانية قطعًا، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧]، فهذه الحكمة التي تضمنها الفعل أو الشرع أو الحكم هذه لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالًا أو نقصًا؟ كمالًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التضرع إلى الله عز وجل، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من كل ما يجب؛ من عقيدة، أو قول، أو عمل.

ثم قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ إلى آخره.

* من فوائدها: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار أمرهم بالعكس، بل زاد ذلك قسوة لقلوبهم، نسأل الله العافية، وكان الذي ينبغي أن يتضرعوا إلى الله عز وجل.

وهذا قد يقع من الإنسان ألَّا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطًا على الله عز وجل -والعياذ بالله- وشعورًا بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ويش هذا؟ لأيش يظلمني؟ لأيش يصيبني بما لم يصب به غيري؟ ثم يقسو قلبه، والعياذ بالله.

ومن ثم وجب الصبر على من أصيب بمصيبة حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد لله، أليس كذلك؟ والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل مثلًا في السماء ما يشاء، في الأرض ما يشاء، في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، أنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء.

ومع ذلك -والحمد لله- الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيرًا لسيئاته، وما أكثر السيئات، أي شيء يصيبك حتى الشوكة إذا أصابتك فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أثبت ثواب الصابرين، فلم يفرط الله تبارك وتعالى بشيء فيما ينفع الخلق.

* ومن فوائد هذه الآية: إثبات قسوة القلب بعد لينه؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وكما في آية البقرة ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٧٤]، فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضًا، فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائمًا قلبه ألين هو أم لا؟ أمخبت إلى الله أم لا؟ أمخلص لله أم لا؟ الأعمال الظاهرة كل إنسان يستطيع أن يأتي بها على أحسن وجه، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: المنافق يمكن أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمال القلوب هي -واللهِ- الصعبة، حرر قلبك من رق المعاصي حتى يفتح الرب.

فإذا قال قائل: ما دواء قسوة القلب؟ وهذا سؤال يرد كثيرًا من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب.

فالجواب: أن من أسباب إزالة القسوة:

كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأن تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله عز وجل لا كلام البشر، كلام الله خالق السماوات والأرض، وحينئذٍ تعظِّم هذا الكلام وتنتفع به.

ثانيًا: كثرة الذكر؛ ذكر الله عز وجل، أكثر من ذكر الله، وذكر الله عز وجل ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان وليس فيه صعوبة، قال الله عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨].

ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيرًا كثيرًا، وفي الحديث «أن الجليس الصالح كحامل المسك؛ إما أن يحذيك» -يعطيك تبرعًا- «وإما أن يبيعك، وإما أن ترى منه رائحة طيبة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، احرص على مصاحبة الأخيار، ولكن انتفع بهم وانفعهم؛ لأن ما كل أحد معصوم، أنت انفعهم وانتفع بهم.

ومنها؛ أي من أسباب لين القلب: رحمة الصغار ولا سيما اليتامى؛ فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي ﷺ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]].

وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعًا لذكره ولطاعته، إنه على كل شيء قدير.

* طالب: تأديب النفس بسنة ما وتجويعها وتعذيبها، فهل هذا صحيح؟

* الشيخ: ما يظهر هذا، وليس من الشرع هذا أيضًا؛ لأن النفس لها حق، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يجوع نفسه هذا ليس من الشريعة.

* الطالب: على أساس أنه يعرف نفسه، يعني مثلًا لو قلل من كمية الطعام أو قلل..؟

* الشيخ: ما يخالف، قلَّل غير أنه يجوع، فليقلل؛ يأكل الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث للنفَس، لكن المشكلة الآن أن بعض الناس يقولون: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مساغًا[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]]، وأبو هريرة فعل ذلك مرة، وهؤلاء يجعلونه كل مرة، والعامي يقول: الماء ثقيل ينفذ ولو كانت المعدة مملوءة بالطعام، والنفَس حربة يشق على النفس، وكأن هذا العامي يقول: املأ البطن، ولكن ملأ الحقيقة أن البطن دائمًا يضر، وأن الإنسان إذا خفف فإنه أصح له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيبًا شهيًّا ولا تستطيع أن تأكل قليلًا، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع، ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيرًا، لكن مرنْ نفسك.

* طالب: الرحمة «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، حتى المخلوقات والحيوان، تشمل كل شيء؟

* الشيخ: نعم، تشمل كل شيء، هل ترحم الحيوان؟ نعم، ارحم الحيوان، لا تكلف البعير أكثر مما تطيق.

* الطالب: (...) العوام يقولون: هذا حلال، هذا حيوان ما يحس ويضربوه؟

* الشيخ: لا، أعوذ بالله، يحس، كيف ما يحس؟! أليست البعير إذا ضربتها ترغي؟

* طالب: بالنسبة لهؤلاء الذين يغلب على الظن أنهم لم تقم عليهم الحجة باتباعهم كبار علماء وكذا، كيف تكون معاملتهم إذا كانوا يعملون أعمال شرك، هل يتعامل معهم الإنسان معاملة مسلمين أو كفار؟

* الشيخ: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم يستثني يقول: اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا.

* من فوائد الآية: إثبات قسوة القلب، وهي صلابته وعدم لينه للحق؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل، كما قال عز وجل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي آية أخرى ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨].

* ومن الفوائد: أن الله تبارك وتعالى قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلمًا من الله عز وجل، كلا؛ لأن الله قد بين لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسنًا، وصار الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي.

ثم قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عجَّل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

* ومن الفوائد: أن يحذر الإنسان عقوبة الله عز وجل إذا مَنَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكن، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجًا، ولهذا قال بعض السلف: «إذا رأيت الله عز وجل ينعم على الإنسان مع تماديه في العصيان، فاعلم أن ذلك استدراج»[[أخرجه أحمد في المسند (١٧٣١١) مرفوعًا من حديث عقبة بن عامر، ولم نقف عليه من قول غيره. ]]، وصدقوا فلا تغتر أيها الإنسان، فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله؛ لقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

* ومن فوائد الآية: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: فرح بطر، أما إذا فرح الإنسان بما يسره من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله فإن هذا لا بأس به، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبينا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عامًّا شاملًا أو كان خاصًّا، قد يبتلى بمرض أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل؛ ولهذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: أخذ بغتة؛ أي: مباغت، والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع في غير توقع له.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله به عز وجل أخذ مدمر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.

6:45Page 133

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.

قال الله عز وجل: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥] ﴿فَقُطِعَ﴾ (الفاء) عاطفة وتدل على الترتيب والتعقيب، ﴿قُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ أي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر -وهو الآخر- فما سبقه من باب أولى، ولم يفصح جل وعلا بالقاطع؛ لأنه معلوم وهو الله عز وجل، ولكن الله تبارك وتعالى في الأمور التي تسوء يأتي بها بصيغة ما لم يسم فاعله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ﴾، وهو كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الجن يؤمنون بأن مريد الشر من؟ هو الله عز وجل، يعرفون أن الخير والشر بيد الله عز وجل، هو المدبر، لكن كرهوا أن يضيفوا الشر إلى الله فقالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على قوم اتصفوا بالظلم، فيكون الظلم سببًا للعقوبة، وهذا من كمال الله تبارك وتعالى: أن تكون أفعاله لحكمة وأحكامه الشرعية لحكمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم سبب للعقوبة والهلاك؛ لأن الحكم إذا علق على وصف صار ذلك الوصف علة له؛ يزداد الحكم قوة بقوته، وينقص بنقصه.

﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله محمود على قطع دابر الظالمين، وهو كذلك، فهو سبحانه وتعالى محمود على جلب النعم وعلى دفع النقم، والظالم إذا أهلكه الله فإن ذلك من تمام عدله ورحمته؛ لأنه يكون نكالًا لما بين يديه وما خلفه.

أما المعنى فالمعنى لا إشكال فيه، قلنا: ﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: آخره، وإذا قطع الآخر قطع الأول، أما ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فالمراد الكفار؛ لأن كل إنسان كافر فهو ظالم في حق من؟ في حق نفسه، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، وهو في حق الله معتدٍ؛ حيث لم يقم بالحق الواجب عليه.

6:46Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦

Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام ٤٦] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: قل يا محمد: أخبروني، ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ بحيث لا تسمعون الكلام، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ بحيث لا ترون الأفعال، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بحيث لا يكون لديكم وعي ولا عقل، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؟ سيكون جوابهم: لا أحد؛ لأنهم يقرون ويعترفون بربوبية الله عز وجل وبما يترتب عليها.

قال تعالى: ﴿انْظُرْ﴾ يعني: نظر اعتبار؛ أي: نظر بصيرة، ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: ننوعها، و(الآيات) جمع (آية) وهي العلامة التي يحصل بها الطمأنينة؛ لاشتمالها على الدليل؛ يعني: أن الآية ليست مجرد علامة، بل هي العلامة التي تكون دليلًا على الشيء، فهي أخص من مطلق العلامة، ومعنى ﴿نُصَرِّفُ﴾ ينوع الآيات؛ شمس قمر، ليل نهار، رخاء شدة، حر برد، وهلم جرًّا، آيات منوعة.

﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ينصرفون عن الحق وعن الآيات، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي؛ يعني: ثم أن يتبين لهم الأمر ويتضح هم يصدفون فلا ينتفعون.

* في هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء الذين أشركوا بالله بهذه المسألة اليسيرة بالنسبة لغيرهم؛ وهي: أن الله إذا أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم فإنه لن ينصرفوا إلا إلى الله عز وجل، وهذا تحدٍّ لهم.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا أصيب بسمعه أو بصره أو قلبه أو سائر جسده فليلجأ إلى من؟ إلى الله عز وجل؛ لأنه لا أحد ينفعه.

فإن قال قائل: إذن لا نذهب إلى الأطباء، ولا إلى القراء، ولا نستعمل الأدوية؟

فالجواب: لا، بل اذهب إلى الأطباء، واستعمل الأدوية، واذهب إلى القراء، ولكن الذين يسترقون تنقص درجتهم بالنسبة للذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالإنسان مأمور بفعل الأسباب، بل جاء الأمر بالتداوي، إلا أنا لا نتداوى بحرام[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطورة انسداد هذه الأمور الثلاثة؛ وهي السمع بحيث لا يسمع الآيات، والبصر لا يراها، والقلب لا يعيها، فعلى الإنسان أن يراعي هذه الأمور الثلاثة.

* ومن فوئد هذه الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل؛ حيث صرَّف الآيات للعباد، ولو شاء لترك التصريف وجعل الناس يتخبطون خبط عشواء، لكن من نعمة الله أن الله يري عباده الآيات ويصرفها وينوعها، فهذا من رحمة الله عز وجل؛ يعني: إذا لم يؤمن بهذه الآية آمن بالآية الأخرى وحصل المقصود، وكم من إنسان تفوته آيات كثيرة لا يعتبر بها، ثم يصاب بآية واحدة فيعتبر، حتى إن بعض المستقيمين حكوا لي عن أنفسهم أنهم كانوا منزلقين في الشهوات والتلهي، فلما مات قريبهم استقاموا، كل الآيات السابقة لم ينتفعوا بها، لكن لما مات القريب استقاموا وعرفوا أن مآلهم كمآل هذا، فعادوا إلى الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التشنيع على هؤلاء الذين صرفت لهم الآيات فأعرضوا؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ينصرفون عنها ولا يعتبرون بها، فيكون فيه الحذر من تولي الإنسان بعد ظهور الآيات؛ لأنه إذا تولى بعد ظهور الآيات صار من قسم أيش؟ عندنا ثلاثة أقسام: المغضوب عليهم، والضالون، وأهل الاستقامة، صار من قسم المغضوب عليهم؛ لأنه علم الحق، ولكنه تمرد عليه ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.

6:47Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧

Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"

قال عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٤٧] يعني: أخبروني، وسبق القول في إعراب هذه الجملة، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ أي: عقوبة الله، ﴿بَغْتَةً﴾ كما لو أتتكم وأنتم نيام، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ كما لو أتتكم وأنتم أيقاظ، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨]، الأول ﴿بَغْتَةً﴾، والثاني ﴿جَهْرَةً﴾.

﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: إن أتتكم فهل أنتم مظلومون إذا أتاكم عذاب الله؟ على الوجهين الجواب: لا، فالجملة في قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ تقرير لأخذ العذاب، وأنهم لم يؤخذوا ظلمًا بل لعملهم السيء.

* في هذه الآية: تحذير من نزول العذاب؛ إما بغتة، وإما جهرة، فلا يأمن الإنسان إذا كان عاصيًا أن ينزل به العذاب، ولكن أتظنون أن العذاب هو عقوبة الجسد؟ لا، عقوبة الجسد لا شك أنها عذاب، لكن أكبر من ذلك الإعراضُ عن دين الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن المعاصي بريد الكفر ينزلها الإنسان مرحلةً مرحلةً، كما ينزل البريد المسافة مرحلةً مرحلةً، حتى يصل إلى الكفر، والعياذ بالله، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المعاصي تقسي القلب وتسود القلب وتوبس القلب حتى يصبح ميتًا وتحل الكارثة، ولكن -الحمد لله- جعل الله لكل داء دواء، المعصية قارنها بالتوبة، وإذا تبت فالتوبة تهدم ما قبلها تكون كأنك لم تذنب، ولله الحمد.

بل إن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ربما تكون حاله بعد التوبة أكمل من حاله قبل المعصية، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢]، فارتفعت منزلته حين تاب من المعصية، وهذا شيء مشاهد؛ لأن الإنسان إذا بقي مستمرًا على حاله في طاعة الله بقي قلبه لا يتحرك يفعل الأشياء هذه وكأنها غريزة، إذا أذنب خجل من الله عز وجل واستحيى من الله وأخبت إلى الله تبارك وتعالى، وصار يتذكر هذا الذنب في كل لحظة؛ ولهذا قال بعض السلف: إن المعصية بالنسبة للفاسق كذباب وقع على أنفه فطرده؛ يعني: خفيفة عنده، وأما أهل القلوب الحية فالمعصية كأنها جبل يستثقلها ويخاف منها حتى يتوب إلى الله تبارك وتعالى.

قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي، فـ(هل) بمعنى (ما)، وقد ذكرنا -فيما سبق- أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي صار أشد من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي، كأن المتكلم يقول للمخاطب: أثبت لي هذا الشيء، فيكون الاستفهام بمعنى النفي أشد من النفي المجرد.

﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم في حق الله، وظلم في حق العباد، أما الظلم في حق الله فدواؤه التوبة مهما عظم حتى لو كان شركًا بالله تبارك وتعالى، بل حتى لو كان سبًّا لله على القول الراجح فإنه يجوز التوبة، حق الآدمي لا يزول إلا برده إليه أو استحلاله منه، وإلا مهما كان الإنسان إذا تاب وأخلص لله وندم فإنه لا يكفيه حتى يرد، بل إن رد المظالم لأهلها من شروط التوبة؛ لأن من شروط التوبة: أن يقلع الإنسان عن الذنب، ولا إقلاع عن الذنب مع استمرار أخذ مال الغير.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском