Ар-Рази · Тафсир · на арабском
يونس
Юнус
Йунус · Мекканская · 109 аятов
10:1Страница 208
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١
Алиф. Лам. Ра. Это - аяты мудрого Писания.
صفحة ٣
(سُورَةُ يُونُسَ)
مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ٤٠ و٩٤ و٩٥ و٩٦ فَمَدَنِيَّةٌ
وآياتُها ١٠٩ نَزَلَتْ بَعْدَ الإسْراءِ
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
قَوْلُهُ جَلَّ جَلالُهُ ﴿الر﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٌ وعاصِمٌ ﴿الر﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى التَّفْخِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى الإمالَةِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمّادٍ عَنْ عاصِمٍ، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّها لُغاتٌ صَحِيحَةٌ. قالَ الواحِدِيُّ: الأصْلُ تَرْكُ الإمالَةِ في هَذِهِ الكَلِماتِ نَحْوَ ما ولا؛ لِأنَّ ألِفاتِها لَيْسَتْ مُنْقَلِبَةً عَنِ الياءِ، وأمّا مَن أمالَ فَلِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ أسْماءٌ لِلْحُرُوفِ المَخْصُوصَةِ، فَقَصَدَ بِذِكْرِ الإمالَةِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها أسْماءٌ لا حُرُوفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿الر﴾ وحْدَهُ لَيْسَ آيَةً، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿طه﴾ وحْدَهُ آيَةٌ. والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الر﴾ لا يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ فَإنَّهُ يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَلامُ المُسْتَقْصى في تَفْسِيرِ هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَلِماتِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هاهُنا أيْضًا بَعْضَ ما قِيلَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الر﴾ مَعْناهُ أنا اللَّهُ أرى. وقِيلَ: أنا الرَّبُّ لا رَبَّ غَيْرِي. وقِيلَ: ﴿الر﴾ و(حم) و﴿ن﴾ اسْمُ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ
صفحة ٤
يَكُونَ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آياتِ القُرْآنِ، وأيْضًا فالكِتابُ الحَكِيمُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هو القُرْآنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ غَيْرَ القُرْآنِ، وهو الكِتابُ المَخْزُونُ المَكْنُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي مِنهُ نُسِخَ كُلُّ كِتابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] وقالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] .
وإذا عَرَفْتَ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاحْتِمالاتِ تَحْصُلُ هاهُنا حِينَئِذٍ وُجُوهٌ أرْبَعَةٌ مِن الِاحْتِمالاتِ:
الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن لَفْظَةِ ﴿تِلْكَ﴾ الإشارَةُ إلى الآياتِ المَوْجُودَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: تِلْكَ الآياتُ هي آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ كِتابًا لا يَمْحُوهُ الماءُ ولا يُغَيِّرُهُ كُرُورُ الدَّهْرِ، فالتَّقْدِيرُ أنَّ تِلْكَ الآياتِ الحاصِلَةَ في سُورَةِ ﴿الر﴾ هي آياتُ ذَلِكَ الكِتابِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَمْحُوهُ الماءُ.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ تِلْكَ الآياتِ المَوْجُودَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ هي آياتُ الكِتابِ المَخْزُونِ المَكْنُونِ عِنْدَ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِنا: ﴿تِلْكَ﴾ إلى آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ ﴿تِلْكَ﴾ يُشارُ بِها إلى الغائِبِ، وآياتُ هَذِهِ السُّورَةِ حاضِرَةٌ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُشارَ إلَيْهِ بِلَفْظِ ﴿تِلْكَ﴾ ؟ !
واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ قَدْ سَبَقَ مَعَ جَوابِهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [ البَقَرَةِ: ١ / ٢ ] .
الِاحْتِمالُ الثّالِثُ والرّابِعُ: أنْ يُقالَ: لَفْظُ ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آياتِ القُرْآنِ، والمُرادُ بِها: هي آياتُ القُرْآنِ الحَكِيمِ، والمُرادُ أنَّها هي آياتُ ذَلِكَ الكِتابِ المَكْنُونِ المَخْزُونِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي الآيَةِ قَوْلانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ هي الآياتُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والمَعْنى: أنَّ القَصَصَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُوافَقَةٌ لِلْقَصَصِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَحُصُولُ هَذِهِ المُوافَقَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا خَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِإنْزالِ الوَحْيِ عَلَيْهِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الر﴾ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ التَّهَجِّي، فَقَوْلُهُ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الحُرُوفُ هي الأشْياءُ الَّتِي جُعِلَتْ آياتٍ وعَلاماتٍ لِهَذا الكِتابِ الَّذِي بِهِ وقَعَ التَّحَدِّي. فَلَوْلا امْتِيازُ هَذا الكِتابِ عَنْ كَلامِ النّاسِ بِالوَصْفِ المُعْجِزِ، وإلّا لَكانَ اخْتِصاصُهُ بِهَذا النَّظْمِ دُونَ سائِرِ النّاسِ القادِرِينَ عَلى التَّلَفُّظِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ مُحالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَكِيمَ هو ذُو الحِكْمَةِ بِمَعْنى اشْتِمالِ الكِتابِ عَلى الحِكْمَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ الكَلامِ بِصِفَةِ مَن تَكَلَّمَ بِهِ. قالَ الأعْشى:
وغَرِيبَةٌ تَأْتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٌ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها
الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ ﴿الحَكِيمِ﴾ بِمَعْنى الحاكِمِ، فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] فالقُرْآنُ كالحاكِمِ في الِاعْتِقاداتِ لِتَمَيُّزِ حَقِّها عَنْ باطِلِها،
صفحة ٥
وفِي الأفْعالِ لِتَمَيُّزِ صَوابِها عَنْ خَطَئِها، وكالحاكِمِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ في دَعْوى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ الكُبْرى لِرَسُولِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَتْ إلّا القُرْآنَ. الرّابِعُ: أنَّ ﴿الحَكِيمِ﴾ بِمَعْنى المُحْكَمِ. والإحْكامُ مَعْناهُ المَنعُ مِنَ الفَسادِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لا يَمْحُوهُ الماءُ ولا تَحْرِقُهُ النّارُ ولا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ. أوِ المُرادُ مِنهُ بَراءَتُهُ عَنِ الكَذِبِ والتَّناقُضِ. الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: وصَفَ الكِتابَ بِالحَكِيمِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، وحَكَمَ فِيهِ بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَهُ وبِالنّارِ لِمَن عَصاهُ، فَعَلى هَذا ﴿الحَكِيمِ﴾ يَكُونُ مَعْناهُ المَحْكُومَ فِيهِ. السّادِسُ: أنَّ ﴿الحَكِيمِ﴾ في أصْلِ اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي يَفْعَلُ الحِكْمَةَ والصَّوابَ، فَكانَ وصْفُ القُرْآنِ بِهِ مَجازًا، ووَجْهُ المَجازِ هو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، فَمِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي صارَ كَأنَّهُ هو الحَكِيمُ في نَفْسِهِ.
10:2Страница 208
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢
Неужели люди удивлены тем, что Мы внушили человеку из их среды предостеречь людей и обрадовать уверовавших вестью о том, что они получат от их Господа воздаяние за свои благодеяния? Неверующие сказали: «Безусловно, это - явный колдун».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ تَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ. أمّا بَيانُ كَوْنِ الكُفّارِ تَعَجَّبُوا مِن هَذا التَّخْصِيصِ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ [ ص: ٥ و٦ ] وإذا بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى أنْ تَعَجَّبُوا مِن كَوْنِ الإلَهِ تَعالى واحِدًا، لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَتَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما وجَدَ رَسُولًا إلى خَلْقِهِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا التَّعَجُّبُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَتَعَجَّبُوا مِن أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، كَما حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
والثّانِي: أنْ لا يَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ بَلْ يَتَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ والنُّبُوَّةُ مَعَ كَوْنِهِ فَقِيرًا يَتِيمًا، فَهَذا بَيانُ أنَّ الكُفّارَ تَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ. وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا التَّعَجُّبَ فَهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الإنْكارُ لِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَجَبًا.
وإنَّما وجَبَ إنْكارُ هَذا التَّعَجُّبِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى مالِكُ الخَلْقِ ومَلِكٌ لَهم، والمالِكُ والمَلِكُ هو الَّذِي لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ والإذْنُ والمَنعُ. ولا بُدَّ مِن إيصالِ تِلْكَ التَّكالِيفِ إلى أُولَئِكَ المُكَلَّفِينَ بِواسِطَةِ بَعْضِ العِبادِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ الرَّسُولِ أمْرًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، بَلْ كانَ مُجَوَّزًا في العُقُولِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ لِلِاشْتِغالِ بِالعُبُودِيَّةِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقالَ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ﴾
صفحة ٦
﴿اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكْمَلَ عُقُولَهم ومَكَّنَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ثُمَّ عَلِمَ تَعالى أنَّ عِبادَهُ لا يَشْتَغِلُونَ بِما كُلِّفُوا بِهِ، إلّا إذا أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا ومُنَبِّهًا. فَعِنْدَ هَذا يَجِبُ وُجُوبَ الفَضْلِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ الرَّسُولَ، وإذا كانَ ذَلِكَ واجِبًا فَكَيْفَ يُتَعَجَّبُ مِنهُ.
الثّالِثُ: أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ ما أخْلى اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِن أزْمِنَةِ وُجُودِ المُكَلَّفِينَ مِنهُ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] فَكَيْفَ يُتَعَجَّبُ مِنهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ سَبَقَهُ النَّظِيرُ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] وسائِرُ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَجُلًا عَرَفُوا نَسَبَهُ، وعَرَفُوا كَوْنَهُ أمِينًا بَعِيدًا عَنْ أنْواعِ التُّهَمِ والأكاذِيبِ، مُلازِمًا لِلصِّدْقِ والعَفافِ. ثُمَّ إنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يُخالِطْ أهْلَ الأدْيانِ، وما قَرَأ كِتابًا أصْلًا البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ أقاصِيصَهم ويُخْبِرُهم عَنْ وقائِعِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا مُصَدَّقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُزِيلُ التَّعَجُّبَ، وهو مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقالَ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
الخامِسُ: أنَّ مِثْلَ هَذا التَّعَجُّبِ كانَ مَوْجُودًا عِنْدَ بِعْثَةِ كُلِّ رَسُولٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] .
السّادِسُ: أنَّ هَذا التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن إرْسالِ اللَّهِ تَعالى رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، أوْ سَلَّمُوا أنَّهُ لا تَعَجُّبَ في ذَلِكَ، وإنَّما تَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.
أمّا الأوَّلُ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ شاهِدٌ بِأنَّ مَعَ حُصُولِ التَّكْلِيفِ لا بُدَّ مِن مُنَبِّهٍ ورَسُولٍ يُعَرِّفُهم تَمامَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أدْيانِهِمْ كالعِباداتِ وغَيْرِها.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأوْلى أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ مَن كانَ مِن جِنْسِهِمْ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلَيْهِ أكْمَلَ وإلْفُهم بِهِ أقْوى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] .
وأمّا الثّانِي فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الخَيْرِ والتَّقْوى والأمانَةِ، وما كانُوا يَعِيبُونَهُ إلّا بِكَوْنِهِ يَتِيمًا فَقِيرًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الفَقْرُ سَبَبًا لِنُقْصانِ الحالِ عِنْدَهُ، ولا أنْ يَكُونَ الغِنى سَبَبًا لِكَمالِ الحالِ عِنْدَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبأ: ٣٧] فَثَبَتَ أنَّ تَعَجُّبَ الكُفّارِ مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ كَلامٌ فاسِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ﴾ لِإنْكارِ التَّعَجُّبِ ولِأجْلِ التَّعْجِيبِ مِن هَذا التَّعَجُّبِ و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ اسْمُ كانَ، و﴿عَجَبًا﴾ خَبَرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَجَبٌ) فَجَعَلَهُ اسْمًا وهو نَكِرَةٌ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ خَبَرَهُ، وهو مَعْرِفَةٌ، كَقَوْلِهِ: يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءٌ. والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ”كانَ“ تامَّةً، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلًا مِن ﴿عَجَبًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أكانَ عِنْدَ النّاسِ عَجَبًا، والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنها، ونَصَّبُوهُ وعَيَّنُوهُ لِتَوْجِيهِ الطِّيَرَةِ والِاسْتِهْزاءِ والتَّعَجُّبِ إلَيْهِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: أكانَ عِنْدَ النّاسِ عَجَبًا، هَذا المَعْنى.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (أنْ) مَعَ الفِعْلِ في قَوْلِنا: ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ وهو اسْمُ كانَ، وخَبَرُهُ هو
صفحة ٧
قَوْلُهُ: ﴿عَجَبًا﴾ وإنَّما تَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ هاهُنا؛ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والمَقْصُودُ بِالإنْكارِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو تَعَجُّبُهم، وأمّا (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ فَمُفَسِّرَةٌ؛ لِأنَّ الإيحاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ: أنَّهُ أنْذَرَ النّاسَ، عَلى مَعْنى أنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنا أنْذِرِ النّاسَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أوْحى إلى رَسُولِهِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ تَفْصِيلَ ما أوْحى إلَيْهِ وهو الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ. أمّا الإنْذارُ فَلِلْكُفّارِ والفُسّاقِ لِيَرْتَدِعُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْذارِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، وأمّا التَّبْشِيرُ فَلِأهْلِ الطّاعَةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهم فِيها. وإنَّما قَدَّمَ الإنْذارَ عَلى التَّبْشِيرِ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وإزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ في الرُّتْبَةِ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ فِيهِ أقْوالٌ لِأهْلِ اللُّغَةِ وأقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ. أمّا أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ فَقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ مِنها وُجُوهًا. قالَ اللَّيْثُ وأبُو الهَيْثَمِ: القَدَمُ: السّابِقَةُ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سَبَقَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ ومَفاخِرُ
وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: القَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَدَمُ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ، ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في إطْلاقِ لَفْظِ القَدَمِ عَلى هَذِهِ المَعانِي أنَّ السَّعْيَ والسَّبْقَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَدَمِ، فَسُمِّيَ المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ، كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا؛ لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في إضافَةِ القَدَمِ إلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ؟ .
قُلْنا: الفائِدَةُ التَّنْبِيهُ عَلى زِيادَةِ الفَضْلِ وأنَّهُ مِنَ السَّوابِقِ العَظِيمَةِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مَقامُ صِدْقٍ. وأمّا المُفَسِّرُونَ فَلَهم أقْوالٌ: فَبَعْضُهم حَمَلَ ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وبَعْضُهم حَمَلَهُ عَلى الثَّوابِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتارَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَذا الثّانِيَ وأنْشَدَ:
صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلِ
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أنَّ الكافِرِينَ لَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَأنْذَرَهم وبَشَّرَهم وأتاهم مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِما هو اللّائِقُ بِحِكْمَتِهِ وفَضْلِهِ قالُوا مُتَعَجِّبِينَ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ هو ساحِرٌ. والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: فَلَمّا أنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ: إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ، قالَ القَفّالُ: وإضْمارُ هَذا غَيْرُ قَلِيلٍ في القُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والباقُونَ (لَسِحْرٌ) والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَ الكُفّارِ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ سِحْرًا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَحَلِّ القُرْآنِ عِنْدَهم وكَوْنِهِ مُعْجِزًا وأنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ المُعارَضَةُ، فاحْتاجُوا إلى هَذا الكَلامِ.
واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ سِحْرًا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ،
صفحة ٨
ويُحْتَمَلُ أنَّهم ذَكَرُوهُ في مَعْرِضِ المَدْحِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. فَقالَ بَعْضُهم: أرادُوا بِهِ أنَّهُ كَلامٌ مُزَخْرَفٌ حَسَنُ الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ باطِلٌ في الحَقِيقَةِ، ولا حاصِلَ لَهُ، وقالَ آخَرُونَ: أرادُوا بِهِ أنَّهُ لِكَمالِ فَصاحَتِهِ وتَعَذُّرِ مِثْلِهِ، جارٍ مَجْرى السِّحْرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لَمّا كانَ في غايَةِ الفَسادِ لَمْ يُذْكَرْ جَوابُهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ في غايَةِ الفَسادِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كانَ مِنهم، ونَشَأ بَيْنَهم، وما غابَ عَنْهم، وما خالَطَ أحَدًا سِواهم، وما كانَ مَكَّةُ بَلْدَةَ العُلَماءِ والأذْكِياءِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ تَعَلَّمَ السِّحْرَ أوْ تَعَلَّمَ العُلُومَ الكَثِيرَةَ مِنهم فَقَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى السِّحْرِ كَلامًا في غايَةِ الفَسادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تُرِكَ جَوابُهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии