Ар-РазиАль‑Фатх · 48:1–5

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

الفتح

Аль-Фатх

Победа · Мединская · 29 аятов

48:1–3Страница 511

إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١

Воистину, Мы даровали тебе явную победу,

لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢

чтобы Аллах простил тебе грехи, которые были прежде и которые будут впоследствии, чтобы Он довел до конца Свою милость к тебе и провел тебя прямым путем

وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣

и чтобы Аллах оказал тебе великую помощь.

صفحة ٦٧

[ سُورَةُ الفَتْحِ ]

وهِيَ عِشْرُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَدَنِيَّةٍ

﷽

﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ .

﷽

: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الفَتْحِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ وهو ظاهِرٌ.

وثانِيها: فَتْحُ الرُّومِ وغَيْرِها.

وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ.

ورابِعُها: فَتْحُ الإسْلامِ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، والسَّيْفِ والسِّنانِ.

وخامِسُها: المُرادُ مِنهُ الحُكْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعْرافِ: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] والمُخْتارُ مِنَ الكُلِّ وُجُوهٌ:

أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ.

والثّانِي: فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ.

والثّالِثُ: فَتْحُ الإسْلامِ بِالآيَةِ والبَيانِ والحُجَّةِ والبُرْهانِ.

والأوَّلُ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] إلى أنْ قالَ: ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا دِيارَهم وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ.

ثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقالَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] بَيَّنَ بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَوْنَ.

ثالِثُها: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وكانَ مَعْناهُ لا تَسْألُوا الصُّلْحَ مِن عِنْدِكم، بَلِ اصْبِرُوا فَإنَّهم يَسْألُونَ الصُّلْحَ ويَجْتَهِدُونَ فِيهِ كَما كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ وهو المُرادُ بِالفَتْحِ في أحَدِ الوُجُوهِ، وكَما كانَ فَتْحُ مَكَّةَ حَيْثُ أتى صَنادِيدَ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ ومُؤْمِنِينَ ومُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، فَمَكَّةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ فُتِحَتْ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بِلَفْظِ الماضِي ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: فَتَحْنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا ثانِيهِما: ما

صفحة ٦٨

قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ، فَأخْبَرَ بِصِيغَةِ الماضِي إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رافِعَ لَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ الفَتْحِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، والفَتْحُ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ما قِيلَ إنَّ الفَتْحَ لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وحْدَها، بَلْ هو سَبَبٌ لِاجْتِماعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهي: المَغْفِرَةُ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ والنُّصْرَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ ويَهْدِيَكَ ويَنْصُرَكَ، ولا شَكَّ أنَّ الِاجْتِماعَ لَمْ يَثْبُتْ إلّا بِالفَتْحِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ بِهِ تَمَّتْ، والنُّصْرَةَ بَعْدَهُ قَدْ عَمَّتْ.

الثّانِي: هو أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مِن رِجْسِ الأوْثانِ، وتَطْهِيرُ بَيْتِهِ صارَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ عَبْدِهِ.

الثّالِثُ: هو أنَّ بِالفَتْحِ يَحْصُلُ الحَجُّ، ثُمَّ بِالحَجِّ تَحْصُلُ المَغْفِرَةُ، ألا تَرى إلى دُعاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ في الحَجِّ: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا» “ .

الرّابِعُ: المُرادُ مِنهُ التَّعْرِيفُ تَقْدِيرُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ لِيُعْرَفَ أنَّكَ مَغْفُورٌ مَعْصُومٌ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلِمُوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ أنَّ مَكَّةَ لا يَأْخُذُها عَدُوُّ اللَّهِ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ، وإنَّما يَدْخُلُها ويَأْخُذُها حَبِيبُ اللَّهِ المَغْفُورُ لَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَنْبٌ، فَماذا يُغْفَرُ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا مِن وُجُوهٍ

أحَدُها: المُرادُ ذَنْبُ المُؤْمِنِينَ.

ثانِيها: المُرادُ تَرْكُ الأفْضَلِ.

ثالِثُها: الصَّغائِرُ فَإنَّها جائِزَةٌ عَلى الأنْبِياءِ بِالسَّهْوِ والعَمْدِ، وهو يَصُونُهم عَنِ العَجَبِ.

رابِعُها: المُرادُ العِصْمَةُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في سُورَةِ القِتالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ

أحَدُها: أنَّهُ وعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.

ثانِيها: ما تَقَدَّمَ عَلى الفَتْحِ، وما تَأخَّرَ عَنِ الفَتْحِ.

ثالِثُها: العُمُومُ يُقالُ: اضْرِبْ مَن لَقِيتَ ومَن لا تَلْقاهُ، مَعَ أنَّ مَن لا يَلْقى لا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إشارَةً إلى العُمُومِ.

رابِعُها: مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ ومِن بَعْدِها، وعَلى هَذا فَما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالعَفْوِ وما بَعْدَها بِالعِصْمَةِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ساقِطَةٌ، مِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ مارِيَةَ، وما تَأخَّرَ مِن أمْرِ زَيْنَبَ، وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأسْقَطُها لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: هو أنَّ التَّكالِيفَ عِنْدَ الفَتْحِ تَمَّتْ حَيْثُ وجَبَ الحَجُّ، وهو آخِرُ التَّكالِيفِ، والتَّكالِيفُ نِعَمٌ.

ثانِيها: يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإخْلاءِ الأرْضِ لَكَ عَنْ مُعانِدِيكَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدُوٌّ ذُو اعْتِبارٍ، فَإنَّ بَعْضَهم كانُوا أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ والباقُونَ آمَنُوا واسْتَأْمَنُوا يَوْمَ الفَتْحِ.

ثالِثُها: ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ في الدُّنْيا بِاسْتِجابَةِ دُعائِكَ في طَلَبِ الفَتْحِ، وفي الآخِرَةِ بِقَوْلِ شَفاعَتِكَ في الذُّنُوبِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ القُبْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: (أظْهَرُها): يُدِيمُكَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ حَتّى لا يَبْقى مَن يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ مِنَ المُضِلِّينَ، أوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى الإكْراهِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائِدَةِ: ٣] حَيْثُ أهْلَكْتُ المُجادِلِينَ فِيهِ، وحَمَلْتُهم عَلى الإيمانِ.

وثانِيها: أنْ يُقالَ: جَعَلَ الفَتْحَ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، لِأنَّهُ سَهَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ الجِهادَ لِعِلْمِهِمْ بِالفَوائِدِ العاجِلَةِ بِالفَتْحِ والآجِلَةِ بِالوَعْدِ، والجِهادُ سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مُجاهِدٌ.

وثالِثُها: ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيفُ، أيْ لِيُعْرَفَ أنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، مِن حَيْثُ إنَّ الفَتْحَ لا يَكُونُ إلّا عَلى يَدِ مَن يَكُونُ عَلى صِراطِ اللَّهِ بِدَلِيلِ حِكايَةِ الفِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ظاهِرٌ، لِأنَّ بِالفَتْحِ ظَهَرَ النَّصْرُ واشْتَهَرَ الأمْرُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ إحْداهُما لَفْظِيَّةٌ والأُخْرى مَعْنَوِيَّةٌ:

صفحة ٦٩

أمّا المَسْألَةُ اللَّفْظِيَّةُ: فَهي أنَّ اللَّهَ وصَفَ النَّصْرَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا، والعَزِيزُ مَن لَهُ النَّصْرُ: (والجَوابُ): مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:

الأوَّلُ: مَعْناهُ: نُصِرَ إذْ عَزَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] أيْ ذاتُ رِضًى.

الثّانِي: وصْفُ النَّصْرِ بِما يُوصَفُ بِهِ المَنصُورُ إسْنادًا مَجازِيًّا، يُقالُ: لَهُ كَلامٌ صادِقٌ، كَما يُقالُ لَهُ: صادِقٌ.

الثّالِثُ: وصْفُ النَّصْرِ عَزِيزًا صاحِبُهُ. الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّما يَلْزَمُنا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّقْدِيراتِ إذا قُلْنا: العِزَّةُ مِنَ الغَلَبَةِ، والعَزِيزُ الغالِبُ، وأمّا إذا قُلْنا: العَزِيزُ هو النَّفِيسُ القَلِيلُ النَّظِيرِ، أوِ المُحْتاجُ إلَيْهِ القَلِيلُ الوُجُودِ، يُقالُ: عَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ وُجُودُهُ مَعَ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فالنَّصْرُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ لَمْ يُوجَدْ وهو أخْذُ بَيْتِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ.

أمّا المَسْألَةُ المَعْنَوِيَّةُ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أبْرَزَ الفاعِلَ وهو اللَّهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمَّ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ في الكَلامِ، وهو أنَّ الأفْعالَ الكَثِيرَةَ إذا صَدَرَتْ مِن فاعِلٍ يَظْهَرُ اسْمُهُ في الفِعْلِ الأوَّلِ، ولا يَظْهَرُ فِيما بَعْدَهُ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وتَكَلَّمَ وقامَ وراحَ، ولا تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وقَعَدَ زَيْدٌ اخْتِصارًا لِلْكَلامِ بِالِاقْتِصارِ عَلى الأوَّلِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ ويَنْصُرَكَ نَصْرًا، بَلْ أعادَ لَفْظَ اللَّهِ، فَنَقُولُ هَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ النَّصْرِ، ولِهَذا قَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ النَّصْرَ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ [الرُّومِ: ٥] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ يَنْصُرُ، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ، وقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النَّصْرِ: ١] وقالَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ نَصْرٌ وفَتْحٌ، وقالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] وهَذا أدَلُّ الآياتِ عَلى مَطْلُوبِنا، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ، والصَّبْرَ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٧] وذَلِكَ لِأنَّ الصَّبْرَ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ، وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَلَمّا قالَ هَهُنا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ، أظْهَرَ لَفْظَ اللَّهِ ذِكْرًا لِلتَّعْلِيمِ أنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَحْصُلُ اطْمِئْنانُ القُلُوبِ، وبِهِ يَحْصُلُ الصَّبْرُ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنّا فَتَحْنا لِنَغْفِرَ لَكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الفَتْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً لَكِنَّها عامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] وقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ولَئِنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَغْفِرَةِ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِصْمَةُ، فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنا، بَلْ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ كانَ مَعْصُومًا، وإتْمامُ النِّعْمَةِ كَذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائِدَةِ: ٣] وقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وكَذَلِكَ الهِدايَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرَّعْدِ:٢٧] فَعَمَّمَ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧١، ١٧٢] وأمّا الفَتْحُ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا﴾ وفِيهِ التَّعْظِيمُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: إنّا.

وثانِيهِما: لَكَ أيْ لِأجْلِكَ عَلى وجْهِ المِنَّةِ.

48:4Страница 511

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤

Он - Тот, Кто ниспослал покой в сердца верующих, чтобы их вера увеличилась. Аллаху принадлежит воинство небес и земли. Аллах - Знающий, Мудрый.

صفحة ٧٠

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ بَيَّنَ وجْهَ النَّصْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصُرُ رُسُلَهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلِكُ بِها أعْداءَهم، أوْ رَجْفَةٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالفَناءِ، أوْ جُنْدٍ يُرْسِلُهُ مِنَ السَّماءِ، أوْ نَصْرٍ وقُوَّةٍ وثَباتِ قَلْبٍ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِيَكُونَ لَهم بِذَلِكَ الثَّوابُ الجَزِيلُ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيْ تَحْقِيقًا لِلنَّصْرِ، وفي السَّكِينَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو السُّكُونُ.

الثّانِي: الوَقارُ لِلَّهِ ولِرَسُولِ اللَّهِ وهو مِنَ السُّكُونِ.

الثّالِثُ: اليَقِينُ والكُلُّ مِنَ السُّكُونِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السَّكِينَةُ هُنا غَيْرُ السَّكِينَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٨] في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ ويَحْتَمِلُ هي تِلْكَ المَقْصُودُ مِنها عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ اليَقِينُ وثَباتُ القُلُوبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السَّكِينَةُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ هي سَبَبُ ذِكْرِهِمُ اللَّهَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ﴾ [الأحْزابِ: ٢٦] بِلَفْظِ القَذْفِ المُزْعِجِ وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ بِلَفْظِ الإنْزالِ المُثْبَتِ، وفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وهو أنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا مِن قَبْلُ وتَذَكَّرَهُ واسْتَدامَ تَذَكُّرُهُ فَإذا وقَعَ لا يَتَغَيَّرُ، ومَن كانَ غافِلًا عَنْ شَيْءٍ فَيَقَعُ دُفْعَةً يَرْجُفُ فُؤادُهُ، ألا تَرى أنَّ مَن أُخْبِرَ بِوُقُوعِ صَيْحَةٍ وقِيلَ لَهُ لا تَنْزَعِجْ مِنها فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ لا يَرْجُفُ، ومَن لَمْ يُخْبَرْ بِها أوْ أُخْبِرَ وغَفَلَ عَنْها يَرْتَجِفُ إذا وقَعَتْ، فَكَذَلِكَ الكافِرُ أتاهُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقَذَفَ في قَلْبِهِ فارْتَجَفَ، والمُؤْمِنُ أتاهُ مِن حَيْثُ كانَ يَذْكُرُهُ فَسَكَنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أمَرَهم بِتَكالِيفِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ فَآمَنُوا بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، مَثَلًا أُمِرُوا بِالتَّوْحِيدِ فَآمَنُوا وأطاعُوا، ثُمَّ أُمِرُوا بِالقِتالِ والحَجِّ فَآمَنُوا وأطاعُوا، فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ.

ثانِيها: أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ فَصَبَرُوا فَرَأوْا عَيْنَ اليَقِينِ بِما عَلِمُوا مِنَ النَّصْرِ عِلْمَ اليَقِينِ إيمانًا بِالغَيْبِ فازْدادُوا إيمانًا مُسْتَفادًا مِنَ الشَّهادَةِ مَعَ إيمانِهِمُ المُسْتَفادِ مِنَ الغَيْبِ. ثالِثُها: ازْدادُوا بِالفُرُوعِ مَعَ إيمانِهِمْ بِالأُصُولِ، فَإنَّهم آمَنُوا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ والحَشْرَ كائِنٌ وآمَنُوا بِأنَّ كُلَّ ما يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ صِدْقٌ وكُلَّ ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ واجِبٌ. رابِعُها: ازْدادُوا إيمانًا اسْتِدْلالِيًّا مَعَ إيمانِهِمُ الفِطْرِيِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ نُبَيِّنُ لَطِيفَةً وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ الكافِرِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ولَمْ يَقُلْ مَعَ كُفْرِهِمْ لِأنَّ كُفْرَهم عِنادِيٌّ ولَيْسَ في الوُجُودِ كُفْرٌ فِطْرِيٌّ لِيَنْضَمَّ إلَيْهِ الكُفْرُ العِنادِيُّ بَلِ الكُفْرُ لَيْسَ إلّا عِنادِيًّا، وكَذَلِكَ الكُفْرُ بِالفُرُوعِ لا يُقالُ انْضَمَّ إلى الكُفْرِ بِالأُصُولِ لِأنَّ مِن ضَرُورَةِ الكُفْرِ بِالأُصُولِ الكُفْرَ بِالفُرُوعِ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الإيمانِ بِالأُصُولِ الإيمانُ بِالفُرُوعِ بِمَعْنى الطّاعَةِ والِانْقِيادِ فَقالَ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى إهْلاكِ عَدُّوِهِ بِجُنُودِهِ بَلْ بِصَيْحَةٍ ولَمْ يَفْعَلْ بَلْ أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِيَكُونَ إهْلاكُ أعْدائِهِمْ بِأيْدِيهِمْ فَيَكُونَ لَهُمُ الثَّوابُ، وفي جُنُودِ السَّماواتِ والأرْضِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: مَلائِكَةُ السَّماواتِ والأرْضِ

ثانِيها: مَن في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ ومَن في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ والجِنِّ.

وثالِثُها: الأسْبابُ السَّماوِيَّةُ والأرْضِيَّةُ حَتّى يَكُونَ

صفحة ٧١

سُقُوطُ كِسْفٍ مِنَ السَّماءِ والخَسْفُ مِن جُنُودِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وعَدَدُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ، أثْبَتَ العِلْمَ إشارَةً إلى أنَّهُ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سَبَأٍ: ٣] وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أمْرَ القُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ والإيمانُ مِن عَمَلِ القُلُوبِ ذَكَرَ العِلْمَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، وقَوْلُهُ: (حَكِيمًا) بَعْدَ قَوْلِهِ: (عَلِيمًا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَفْعَلُ عَلى وفْقِ العِلْمِ فَإنَّ الحَكِيمَ مَن يَعْمَلُ شَيْئًا مُتْقَنًا ويَعْلَمُهُ، فَإنَّ مَن يَقَعُ مِنهُ صُنْعٌ عَجِيبٌ اتِّفاقًا لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ ومَن يَعْلَمُ ويَعْمَلُ عَلى خِلافِ العِلْمِ لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ.

48:5Страница 511

لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥

И чтобы ввести верующих мужчин и верующих женщин в Райские сады, в которых текут реки, где они пребудут вечно, и чтобы простить им их злодеяния. Это перед Аллахом является великим преуспеянием.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

يَسْتَدْعِي فِعْلًا سابِقًا: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ فَإنَّ مَن قالَ ابْتِداءً: لِتُكْرِمَنِي لا يَصِحُّ ما لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ جِئْتُكَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ، وفي ذَلِكَ الفِعْلِ وُجُوهٌ، وضَبْطُ الأحْوالِ فِيهِ بِأنْ تَقُولَ: ذَلِكَ الفِعْلُ إمّا أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا بِصَرِيحِهِ أوْ لا يَكُونَ، وحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَفْهُومًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَفْهُومًا مَن لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ فُهِمَ بِقَرِينَةٍ حالِيَّةٍ فَإنْ كانَ مَذْكُورًا فَهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحُدُها: قَوْلُهُ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ السَّكِينَةَ لِيَزْدادُوا إيمانًا بِسَبَبِ الإنْزالِ لِيُدْخِلَهم بِسَبَبِ الإيمانِ جَنّاتٍ، فَإنْ قِيلَ فَقَوْلُهُ: ﴿ويُعَذِّبَ﴾ [الفَتْحِ: ٦] عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ وازْدِيادُ إيمانِهِمْ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَعْذِيبِهِمْ، نَقُولُ: بَلى وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ التَّعْذِيبَ مَذْكُورٌ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: بِسَبَبِ ازْدِيادِكم في الإيمانِ يُدْخِلُكم في الآخِرَةِ جَنّاتٍ ويُعَذِّبُ بِأيْدِيكم في الدُّنْيا الكُفّارَ والمُنافِقِينَ.

الثّانِي: تَقْدِيرُهُ ويُعَذِّبُ بِسَبَبِ ما لَكم مِنَ الِازْدِيادِ، يُقالُ: فَعَلْتُهُ لِأُجَرِّبَ بِهِ العَدُوَّ والصَّدِيقَ، أيْ لِأعْرِفَ بِوُجُودِهِ الصَّدِيقَ وبِعَدَمِهِ العَدُوَّ فَكَذَلِكَ لِيَزْدادَ المُؤْمِنُ إيمانًا فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ ويَزْدادَ الكافِرُ كُفْرًا فَيُعَذِّبَهُ بِهِ.: (ووَجْهٌ آخَرُ) ثالِثٌ: وهو أنْ سَبَبَ زِيادَةِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ فَيَعْيى المُنافِقُ والكافِرُ مَعَهُ ويَتَعَذَّبُ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ويَنْصُرُكَ اللَّهُ بِالمُؤْمِنِينَ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ جَنّاتٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ عَلى قَوْلِنا المُرادُ ذَنْبُ المُؤْمِنِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ ذَنْبَ المُؤْمِنِينَ، لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ جَنّاتٍ، وأمّا إنْ قُلْنا: هو مَفْهُومٌ مِن لَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ فَيَحْتَمِلُ وُجُوهًا أيْضًا أحَدُها: قَوْلُهُ ”حَكِيمًا“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اللَّهُ حَكِيمٌ، فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ جَنّاتٍ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَسْتَجِيبُ دُعاءَكَ في الدُّنْيا ويَقْبَلُ شَفاعَتَكَ في العُقْبى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ . ثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ ووَجْهُهُ هو أنَّهُ «رُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَنِيئًا لَكَ إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ فَماذا لَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ، وفَتَحْنا لِلْمُؤْمِنِينَ لِيُدْخِلَهم جَنّاتٍ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِن غَيْرِ مَقالٍ بَلْ مِن قَرِينَةِ الحالِ، فَنَقُولُ: هو الأمْرُ بِالقِتالِ لِأنَّ مِن ذِكْرِ الفَتْحِ والنَّصْرِ عُلِمَ أنَّ الحالَ حالُ القِتالِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، أوْ نَقُولُ: عُرِفَ مِن قَرِينَةِ الحالِ أنَّ اللَّهَ اخْتارَ المُؤْمِنِينَ لِيُدْخِلَهم جَنّاتٍ.

صفحة ٧٢

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هَهُنا وفي بَعْضِ المَواضِعِ: ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وفي بَعْضِ المَواضِعِ اكْتَفى بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ودَخَلَتِ المُؤْمِناتُ فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحْزابِ: ٤٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونُ: ١] فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: في المَواضِعِ الَّتِي فِيها ما يُوهِمُ اخْتِصاصَ المُؤْمِنِينَ بِالجَزاءِ المَوْعُودِ بِهِ مَعَ كَوْنِ المُؤْمِناتِ يَشْتَرِكْنَ مَعَهم ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ صَرِيحًا، وفي المَواضِعِ الَّتِي لَيْسَ فِيها ما يُوهِمُ ذَلِكَ اكْتَفى بِدُخُولِهِمْ في المُؤْمِنِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] العُمُومُ لا يُوهِمُ خُرُوجَ المُؤْمِناتِ عَنِ البِشارَةِ، وأمّا هَهُنا فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِفِعْلٍ سابِقٍ وهو إمّا الأمْرُ بِالقِتالِ أوِ الصَّبْرُ فِيهِ أوِ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أوِ الفَتْحُ بِأيْدِيهِمْ عَلى ما كانَ يُتَوَهَّمُ؛ لِأنَّ إدْخالَ المُؤْمِنِينَ كانَ لِلْقِتالِ، والمَرْأةُ لا تُقاتِلُ فَلا تَدْخُلُ الجَنَّةَ المَوْعُودَ بِها، صَرَّحَ اللَّهُ بِذِكْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ في المُنافِقاتِ والمُشْرِكاتِ، والمُنافِقَةُ والمُشْرِكَةُ لَمْ تُقاتِلْ فَلا تُعَذَّبُ فَصَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّساءِ وأحْوالِهِنَّ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، ﴿وأقِمْنَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، ﴿وآتِينَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، ﴿وأطِعْنَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٣٤] فَكانَ ذِكْرُهُنَّ هُناكَ أصْلًا، لَكِنَّ الرِّجالَ لَمّا كانَ لَهم ما لِلنِّساءِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ذَكَرَهم وذَكَرَهُنَّ بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ مِن غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ لِما بَيَّنّا أنَّ الأصْلَ ذِكْرُهُنَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الإدْخالِ مَعَ أنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ قَبْلَ الإدْخالِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: الواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.

الثّانِي: تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ والمَغْفِرَةُ وغَيْرُهُما مِن تَوابِعِ كَوْنِ المُكَلَّفِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَقَدَّمَ الإدْخالَ في الذِّكْرِ بِمَعْنى أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.

الثّالِثُ: وهو أنَّ التَّكْفِيرَ يَكُونُ بِإلْباسِ خُلَعِ الكَرامَةِ وهي في الجَنَّةِ، وكانَ الإنْسانُ في الجَنَّةِ تُزالُ عَنْهُ قَبائِحُ البَشَرِيَّةِ الجِرْمِيَّةِ كالفَضَلاتِ، والمَعْنَوِيَّةِ كالغَضَبِ والشَّهْوَةِ وهو التَّكْفِيرُ، وتَثْبُتُ فِيهِ الصِّفاتُ المَلَكِيَّةُ وهي أشْرَفُ أنْواعِ الخُلَعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما مَشْهُورٌ: وهو أنَّ الإدْخالَ والتَّكْفِيرَ في اللَّهِ فَوْزٌ عَظِيمٌ، يُقالُ: عِنْدِي هَذا الأمْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، أيْ في اعْتِقادِي.

وثانِيهِما: أغْرَبُ مِنهُ وأقْرَبُ مِنهُ عَقْلًا، وهو أنْ يُجْعَلَ عِنْدَ اللَّهِ كالوَصْفِ لِذَلِكَ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُوصَفُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزٌ عَظِيمٌ حَتّى إنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُرْبٌ مِنَ اللَّهِ بِالعِنْدِيَّةِ لَما كانَ فَوْزًا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English