Ар-Рази · Тафсир · на арабском
عبس
Абаса
Нахмурился · Мекканская · 42 аята
80:1–2Страница 585
عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١
Он нахмурился и отвернулся,
أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢
потому что к нему подошел слепой.
صفحة ٥٠
(سُورَةُ عَبَسَ)
وهِيَ أرْبَعُونَ وآيَتانِ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾
﷽
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «أتى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وأُمُّ مَكْتُومٍ أُمُّ أبِيهِ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وكَرَّرَ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَطْعَهُ لِكَلامِهِ، وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: ”مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي“ ويَقُولُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ، واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ»، وفي المَوْضِعِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ والزَّجْرَ، فَكَيْفَ عاتَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى أنْ أدَّبَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وزَجَرَهُ؟ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ وإنْ كانَ لِفَقْدِ بَصَرِهِ لا يَرى القَوْمَ، لَكِنَّهُ لِصِحَّةِ سَمْعِهِ كانَ يَسْمَعُ مُخاطَبَةَ الرَّسُولِ -ﷺ- أُولَئِكَ الكُفّارَ، وكانَ يَسْمَعُ أصْواتَهم أيْضًا، وكانَ يَعْرِفُ بِواسِطَةِ اسْتِماعِ تِلْكَ الكَلِماتِ شِدَّةَ اهْتِمامِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَأْنِهِمْ، فَكانَ إقْدامُهُ عَلى قَطْعِ كَلامِ النَّبِيِّ -ﷺ- وإلْقاءِ غَرَضِ نَفْسِهِ في البَيْنِ قَبْلَ تَمامِ غَرَضِ النَّبِيِّ إيذاءً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ.
وثانِيها: أنَّ الأهَمَّ مُقَدَّمٌ عَلى المُهِمِّ، وهو كانَ قَدْ أسْلَمَ وتَعَلَّمَ ما كانَ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، أمّا أُولَئِكَ الكُفّارُ فَما كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وهو إسْلامُهم سَبَبًا لِإسْلامِ جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإلْقاءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ذَلِكَ الكَلامَ في البَيْنِ كالسَّبَبِ في قَطْعِ ذَلِكَ الخَيْرِ العَظِيمِ، لِغَرَضٍ قَلِيلٍ وذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ٤] فَنَهاهم عَنْ مُجَرَّدِ النِّداءِ إلّا في الوَقْتِ، فَهاهُنا هَذا
صفحة ٥١
النِّداءُ الَّذِي صارَ كالصّارِفِ لِلْكُفّارِ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ وكالقاطِعِ عَلى الرَّسُولِ أعْظَمَ مُهِمّاتِهِ، أوْلى أنْ يَكُونَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً، وأنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الرَّسُولُ كانَ هو الواجِبُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ في أنَّهُ كَيْفَ عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؟
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهُ عَلى مُجَرَّدِ أنَّهُ عَبَسَ في وجْهِهِ، كانَ تَعْظِيمًا عَظِيمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْظِيمِ أنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمِ الأعْمى مَعَ أنَّ ذِكْرَ الإنْسانِ بِهَذا الوَصْفِ يَقْتَضِي تَحْقِيرَ شَأْنِهِ جِدًّا؟
السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ مَأْذُونًا في أنْ يُعامِلَ أصْحابَهُ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ مَصْلَحَةً، وأنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كَثِيرًا ما كانَ يُؤَدِّبُ أصْحابَهُ ويَزْجُرُهم عَنْ أشْياءَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إنَّما بُعِثَ لِيُؤَدِّبَهم ولِيُعَلِّمَهم مَحاسِنَ الآدابِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ التَّعْبِيسُ داخِلًا في إذْنِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَكَيْفَ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ عَلَيْهِ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الإشْكالاتِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ظاهِرَ الواقِعَةِ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ وانْكِسارَ قُلُوبِ الفُقَراءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَتِ المُعاتَبَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] . الوَجْهُ الثّانِي: لَعَلَّ هَذا العِتابَ لَمْ يَقَعْ عَلى ما صَدَرَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفِعْلِ الظّاهِرِ، بَلْ عَلى ما كانَ مِنهُ في قَلْبِهِ، وهو أنَّ قَلْبَهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ قَدْ مالَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ قَرابَتِهِمْ وشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ، وكانَ يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنِ الأعْمى بِسَبَبِ عَماهُ وعَدَمِ قَرابَتِهِ وقِلَّةِ شَرَفِهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّعْبِيسُ والتَّوَلِّي لِهَذِهِ الدّاعِيَةِ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ، لا عَلى التَّأْدِيبِ بَلْ عَلى التَّأْدِيبِ لِأجْلِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ ذِكْرَهُ بِلَفْظِ الأعْمى لَيْسَ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ بِسَبَبِ عَماهُ اسْتَحَقَّ مَزِيدَ الرِّفْقِ والرَّأْفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَخُصَّهُ بِالغِلْظَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ أنَّهُ كانَ مَأْذُونًا في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ لَكِنْ هاهُنا لَمّا أُوهِمَ تَقْدِيمُ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ المُعاتَبَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا لَمّا عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ مَعْصِيَةً، وهَذا بَعِيدٌ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كانَ هو الواجِبُ المُتَعَيَّنُ لا بِحَسَبِ هَذا الِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو أنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِصَلابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى تَرْكِ الِاحْتِياطِ، وتَرْكِ الأفْضَلِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَنْبًا البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الَّذِي عَبَسَ وتَوَلّى، هو الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وأجْمَعُوا [ عَلى ] أنَّ الأعْمى هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقُرِئَ عَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ونَحْوُهُ كَلَّحَ في كَلَحَ، أنْ جاءَهُ مَنصُوبٌ بِتَوَلّى أوْ بِعَبَسَ عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ في إعْمالِ الأقْرَبِ أوِ الأبْعَدِ ومَعْناهُ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، وأعْرَضَ لِذَلِكَ، وقُرِئَ أنْ جاءَهُ بِهَمْزَتَيْنِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما، وُقِفَ عَلى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ثُمَّ ابْتُدِأ عَلى مَعْنى ألِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والمُرادُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ في الإخْبارِ عَمّا فَرَطَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ الإقْبالِ عَلَيْهِ
صفحة ٥٢
بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الإنْكارِ، كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمِيَ في الشِّكايَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
80:3–7Страница 585
وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣
Откуда тебе знать? Возможно, он бы очистился
أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤
или помянул бы наставление, и поминание принесло бы ему пользу.
أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥
Тому, кто решил, что он ни в чем не нуждается,
فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦
ты уделяешь внимание,
وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧
Что же будет тебе, если он не очистится?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ المالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ وتَتَعَرَّضُ لَهُ وتَمِيلُ إلَيْهِ، يُقالُ تَصَدّى فُلانٌ لِفُلانٍ، يَتَصَدّى إذا تَعَرَّضَ لَهُ، والأصْلُ فِيهِ تَصَدَّدَ يَتَصَدّى مِنَ الصَّدَدِ، وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٥] وقُرِئَ (تَصَّدّى) بِالتَّشْدِيدِ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُصْدِي، بِضَمِّ التّاءِ، أيْ تُعْرِضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ داعٍ إلى التَّصَدِّي لَهُ مِنَ الحِرْصِ، والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ المَعْنى لا شَيْءَ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ لا يَبْلُغَنَّ بِكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِمْ إلى أنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ لِلِاشْتِغالِ بِدَعْوَتِهِمْ.
80:8–14Страница 585
وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨
А того, кто приходит к тебе со рвением
وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩
и страшится Аллаха,
فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠
ты оставляешь без внимания.
كـَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١
Но нет! Это есть Назидание,
فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢
и пусть помянет его всякий желающий.
فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣
Оно записано в свитках почитаемых,
مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤
вознесенных и очищенных,
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أنْ يُسْرِعَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: يَخْشى اللَّهَ ويَخافُهُ في أنْ لا يَهْتَمَّ بِأداءِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَخْشى
صفحة ٥٣
الكُفّارَ وأذاهم في إتْيانِكَ، أوْ يَخْشى الكَبْوَةَ فَإنَّهُ كانَ أعْمى، وما كانَ لَهُ قائِدٌ. [ ثُمَّ قالَ ]: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ والتَهى وتَلَهّى، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَتَلَهّى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (تُلْهى) أيْ يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ . . . ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كانَ فِيهِ اخْتِصاصًا، قُلْنا نَعَمْ، ومَعْناهُ إنْكارُ التَّصَدِّي والتَّلَهِّي عَنْهُ، أيْ مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْغَنِيِّ، ويَتَلَهّى عَنِ الفَقِيرِ.
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ عَنِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ وعَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا تَلا جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ -ﷺ- هَذِهِ الآياتِ عادَ وجْهُهُ كَأنَّما أُسِفَّ الرَّمادَ فِيهِ يَنْتَظِرُ ماذا يَحْكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: (كَلّا) سُرِّيَ مِنهُ، أيْ لا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا نَحْنُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى تَرْكِ الأوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ضَمِيرُ المُذَكَّرِ، والضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ؟ . الجَوابُ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّها) ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ عائِدٌ إلى التَّذْكِرَةِ أيْضًا، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: إنَّها تَذْكِرَةٌ يَعْنِي بِها القُرْآنَ، والقُرْآنُ مُذَكَّرٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ القُرْآنَ تَذْكِرَةً أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ التَّذْكِرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ لَجازَ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا التَّأْدِيبُ الَّذِي أوْحَيْتُهُ إلَيْكَ وعَرَّفْتُهُ لَكَ في إجْلالِ الفُقَراءِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى أهْلِ الدُّنْيا أُثْبِتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِحِفْظِهِ أكابِرُ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا القُرْآنُ قَدْ بَلَغَ في العَظَمَةِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ، فَسَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ، وإيّاكَ وأنْ تُعْرِضَ عَمَّنْ آمَنَ بِهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ أرْبابِ الدُّنْيا.
80:15–16Страница 585
بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥
в руках посланцев
كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦
благородных и покорных.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ التَّذْكِرَةَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ بَيِّنَةٌ ظاهِرَةٌ بِحَيْثُ لَوْ أرادُوا فَهْمَها والِاتِّعاظَ بِها والعَمَلَ بِمُوجِبِها لَقَدَرُوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أيْ تِلْكَ التَّذْكِرَةُ مُعَدَّةٌ في هَذِهِ الصُّحُفِ المُكَرَّمَةِ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ حالِ القُرْآنِ والتَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ مِنَ الصُّحُفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها صُحُفٌ مُنْتَسَخَةٌ
صفحة ٥٤
مِنَ اللَّوْحِ مُكَرَّمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَرْفُوعَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ مَرْفُوعَةُ المِقْدارِ مُطَهَّرَةٌ عَنْ أيْدِي الشَّياطِينِ، أوِ المُرادُ مُطَهَّرَةٌ بِسَبَبِ أنَّها لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المَلائِكَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
أوَّلُها: أنَّهم سَفَرَةٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ: هُمُ الكَتَبَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّفَرَةُ الكَتَبَةُ واحِدُها سافِرٌ مِثْلُ: كَتَبَةٌ وكاتِبٌ، وإنَّما قِيلَ لِلْكَتَبَةِ سَفَرَةٌ ولِلْكاتِبِ سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ الَّذِي يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، يُقالُ: سَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتْ عَنْ وجْهِها.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ أنَّ السَّفَرَةَ هاهُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَسْفَرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ رُسُلِهِ، واحِدُها سافِرٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ إذا أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وتَأْدِيَتِهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلَحُ بِهِ بَيْنَ القَوْمِ، وأنْشَدُوا:
وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ
واعْلَمْ أنَّ أصْلَ السِّفارَةِ مِنَ الكَشْفِ، والكاتِبُ إنَّما يُسَمّى سافِرًا لِأنَّهُ يَكْشِفُ، والسَّفِيرُ إنَّما سُمِّيَ سَفِيرًا أيْضًا لِأنَّهُ يَكْشِفُ، وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ لَمّا كانُوا وسائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ البَشَرِ في البَيانِ والهِدايَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ سُمُّوا سَفَرَةً.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ أنَّهم كِرامٌ. قالَ مُقاتِلٌ: كِرامٌ عَلى رَبِّهِمْ، وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهم يَتَكَرَّمُونَ أنْ يَكُونُوا مَعَ ابْنِ آدَمَ إذا خَلا مَعَ زَوْجَتِهِ لِلْجِماعِ وعِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم: ﴿بَرَرَةٍ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مُطِيعِينَ، وبَرَرَةٌ جَمْعُ بارٍّ، وقالَ الفَرّاءُ: لا يَقُولُونَ فَعَلَةٌ لِلْجَمْعِ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ مِثْلُ: كافِرٌ وكَفَرَةٌ، وفاجِرٌ وفَجَرَةٌ. القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الصُّحُفِ: أنَّها هي صُحُفُ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعْلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ هَذِهِ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ في صُحُفِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، والسَّفَرَةُ الكِرامُ البَرَرَةُ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وقِيلَ هُمُ القُرّاءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّ طَهارَةَ تِلْكَ الصُّحُفِ إنَّما حَصَلَتْ بِأيْدِي هَؤُلاءِ السَّفَرَةِ، فَقالَ القَفّالُ في تَقْرِيرِهِ: لَمّا كانَ لا يَمَسُّها إلّا المَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ أُضِيفَ التَّطْهِيرُ إلَيْها لِطَهارَةِ مَن يَمَسُّها.
80:17–23Страница 585
قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧
Да сгинет человек! Как же он неблагодарен!
مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ١٨
Из чего Он сотворил его?
مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩
Он сотворил его из капли и соразмерил (или предопределил стадии его развития),
ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠
потом облегчил ему путь,
ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١
потом умертвил его и поместил в могилу.
ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢
Потом, когда пожелает, Он воскресит его.
كـَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣
Но нет! Он не выполняет того, что Он приказал ему.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ فائِدَةً، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ وهي مِن أشْنَعِ دَعَواتِهِمْ، لِأنَّ القَتْلَ غايَةُ شَدائِدِ الدُّنْيا، وما أكْفَرَهُ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَإنْ قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى الإنْسانِ إنَّما يَلِيقُ بِالعاجِزِ، والقادِرُ عَلى الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ والتَّعَجُّبُ أيْضًا إنَّما يَلِيقُ بِالجاهِلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فالعالِمُ بِالكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذاكَ؟ . الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ ورَدَ عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهم أتَوْا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ، واعْلَمْ أنَّ لِكُلِّ مُحْدَثٍ ثَلاثَ مَراتِبَ أوَّلَهُ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِلْإنْسانِ.
أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: فَهي قَوْلُهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ وغَرَضُهُ زِيادَةُ التَّقْرِيرِ في التَّحْقِيرِ.
ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ شَيْءٌ حَقِيرٌ مَهِينٌ والغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ [ مِن ] مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ الحَقِيرِ، فالنَّكِيرُ والتَّجَبُّرُ لا يَكُونُ لائِقًا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: (فَقَدَّرَهُ) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: قَدَّرَهُ أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ خَلْقِهِ وذَكَرًا أوْ أُنْثى وسَعِيدًا أوْ شَقِيًّا.
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ كَما قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وقَدَّرَ كُلَّ عُضْوٍ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِمَصْلَحَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُصِبَ (السَّبِيلَ) بِإضْمارِ يَسَّرَهُ، وفَسَّرَهُ بِيَسَّرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أقْوالًا:
أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ تَسْهِيلُ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ رَأْسُ المَوْلُودِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن فَوْقُ ورِجْلاهُ مِن تَحْتُ، فَإذا جاءَ وقْتُ الخُرُوجِ انْقَلَبَ، فَمَنِ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ الإلْهامَ إلّا اللَّهُ؟ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا مِن ذَلِكَ المَنفَذِ الضَّيِّقِ مِن أعْجَبِ العَجائِبِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدِ: ١٠] فَهو يَتَناوَلُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أيْ جَعَلْناهُ مُتَمَكِّنًا مِن سُلُوكِ سَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّيْسِيرُ يَدْخُلُ فِيهِ الإقْدارُ والتَّعْرِيفُ والعَقْلُ وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ
صفحة ٥٦
الكُتُبِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا مَخْصُوصٌ بِأمْرِ الدِّينِ، لِأنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ أحْوالُ الدُّنْيا [ لا ] أُمُورٌ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي المَرْتَبَةُ الأخِيرَةُ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии