Ар-Рази · Тафсир · на арабском
الصافات
Ас-Саффат
Выстроившиеся в ряды · Мекканская · 182 аята
37:1–3Страница 446
وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١
Клянусь выстроившимися в ряды,
فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢
гонящими упорно,
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣
читающими напоминание!
صفحة ١٠٠
(سُورَةُ الصّافّاتِ)
وآياتُها ثِنْتانِ وثَمانُونَ ومِائَةٌ
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .
﷽
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ: ”والصّافّاتِ صَّفًّا“ بِإدْغامِ التّاءِ فِيما يَلِيهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ والباقُونَ بِالإظْهارِ، وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا يُسْمَعانِ في الهَمْسِ، والمُدْغَمُ فِيهِ يَزِيدُ عَلى المُدْغَمِ بِالإطْباقِ والصَّفِيرِ، وإدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ حَسَنٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يُدْغَمَ الأزْيَدُ صَوْتًا في الأنْقَصِ، وأيْضًا إدْغامُ التّاءِ في الزّايِ في قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ والزّايَ مَجْهُورَةٌ، وفِيها زِيادَةُ صَفِيرٍ كَما كانَ في الصّادِ، وأيْضًا حَسُنَ إدْغامُ التّاءِ في الذّالِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ لِاتِّفاقِهِما في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وأمّا مَن قَرَأ بِالإظْهارِ وتَرَكَ الإدْغامَ فَذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَخارِجِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ المُقْسَمِ بِها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أشْياءَ ثَلاثَةً مُتَبايِنَةً، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها صِفاتُ المَلائِكَةِ، وتَقْدِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ يَقِفُونَ صُفُوفًا. إمّا في السَّماواتِ لِأداءِ العِباداتِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقِيلَ: إنَّهم يَصِفُّونَ أجْنِحَتَهم في الهَواءِ يَقِفُونَ مُنْتَظِرِينَ وُصُولَ أمْرِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَعْنى كَوْنِهِمْ صُفُوفًا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً ودَرَجَةً مُعَيَّنَةً في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ أوْ في الذّاتِ والعَلِيَّةِ، وتِلْكَ الدَّرَجَةُ المُرَتَّبَةُ باقِيَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ وذَلِكَ يُشْبِهُ الصُّفُوفَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ زَجَرْتُ البَعِيرَ فَأنا أزْجُرُهُ زَجْرًا إذا حَثَثْتَهُ لِيَمْضِيَ،
صفحة ١٠١
وزَجَرْتُ فُلانًا عَنْ سُوءٍ فانْزَجَرَ أيْ نَهَيْتُهُ فانْتَهى، فَعَلى هَذا الزَّجْرِ لِلْبَعِيرِ كالحَثِّ ولِلْإنْسانِ كالنَّهْيِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ بِالزَّجْرِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِالسَّحابِ يَزْجُرُونَها بِمَعْنى أنَّهم يَأْتُونَ بِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.
الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَهم تَأْثِيراتٌ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فَهم يَزْجُرُونَهم عَنِ المَعاصِي زَجْرًا.
الثّالِثُ: لَعَلَّ المَلائِكَةَ أيْضًا يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِبَنِي آدَمَ بِالشَّرِّ والإيذاءِ، وأقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ وهم عالَمُ الأجْسامِ وهو أخَسُّ المَوْجُوداتِ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ وهو عالَمُ الأرْواحِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ عَنْ عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها تُؤَثِّرُ في عالَمِ الأجْسامِ، واعْلَمْ أنَّ الجِهَةَ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ الأثَرَ مِن عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ غَيْرُ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَسْتَوْلِي عَلى عالَمِ الأجْسامِ وتَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الأشْرَفِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْوى عَلى التَّأْثِيرِ في عالَمِ الأجْسامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى وُقُوفِها صَفًّا صَفًّا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ، وهي الجِهَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ أصْنافَ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ الجَواهِرِ المَلَكِيَّةِ في تَنْوِيرِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ البَشَرِيَّةِ وإخْراجِها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ النُّطْقِيَّةَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما تَنْتَقِلُ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الرُّوحانِيَّةِ بِتَأْثِيراتِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لِلشَّيْءِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ تامًّا وفَوْقَ التّامِّ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ تامًّا أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ حُصُولًا بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ فَوْقَ التّامِّ أنْ تَفِيضَ مِنهُ أصْنافُ الكَمالاتِ والسَّعاداتِ عَلى غَيْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ في ذَواتِها وقْتَ وُقُوفِها في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ وصُفُوفِ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي عَنْ جَواهِرِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في إفاضَةِ الجَلايا القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَلى الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَهَذِهِ مُناسَباتٌ عَقْلِيَّةٌ واعْتِباراتٌ حَقِيقِيَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّءُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصّافّاتِ جَمْعُ الجَمْعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: جَماعَةٌ صافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ عَلى صافّاتٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنِ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ، أمّا التَّأْنِيثُ في اللَّفْظِ فَلا، وكَيْفَ وهم يُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ حاصِلَةٌ في هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الصّافّاتُ عَلى النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ المُقْبِلَةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى -الَّذِينَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ عِنْدَ أداءِ الصَّلَواتِ بِالجَماعَةِ
صفحة ١٠٢
وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ كَأنَّهم بِسَبَبِ قِراءَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنْ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ في أثْناءِ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وقِيلَ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ كَأنَّهُ يَزْجُرُ الشَّيْطانَ بِواسِطَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ طافَ عَلى بُيُوتِ أصْحابِهِ في اللَّيالِي، فَسَمِعَ أبا بَكْرٍ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وسَمِعَ عُمَرَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَسَألَ أبا بَكْرٍ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: المَعْبُودُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وسَألَ عُمَرَ: لِمَ تَقْرَأُ هَكَذا ؟ فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الصُّفُوفُ الحاصِلَةُ مِنَ العُلَماءِ المُحِقِّينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالزَّجْرِ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ اشْتِغالُهم بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في العَمَلِ بِشَرائِعِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَحْمِلَها عَلى أحْوالِ الغُزاةِ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ مِنهُ صُفُوفُ القِتالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وأمّا (الزّاجِراتِ زَجْرًا) فالزَّجْرَةُ والصَّيْحَةُ سَواءٌ، والمُرادُ مِنهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِزَجْرِ الخَيْلِ، وأمّا (التّالِياتِ ذِكْرًا) فالمُرادُ اشْتِغالُ الغُزاةِ وقْتَ شُرُوعِهِمْ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ بِقِراءَةِ القُرْآنِ وذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ.
37:4–5Страница 446
إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ ٤
Воистину, ваш Бог - Единственный.
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Он - Господь небес, земли и того, что между ними, Господь восходов.
الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أنْ نَجْعَلَها صِفاتٍ لِآياتِ القُرْآنِ فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ المُرادُ آياتُ القُرْآنِ فَإنَّها أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُها في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وبَعْضُها في دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وبَعْضُها في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، وبَعْضُها في دَلائِلِ المَعادِ، وبَعْضُها في بَيانِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، وبَعْضُها في تَعْلِيمِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وهَذِهِ الآياتُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ فَهَذِهِ الآياتُ تُشْبِهُ أشْخاصًا واقِفِينَ في صُفُوفٍ مُعَيَّنَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ الآياتُ الزّاجِرَةُ عَنِ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ الإقْدامِ عَلى أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ، وصَفَ الآياتِ بِكَوْنِها تالِيَةً عَلى قانُونِ ما يُقالُ شِعْرُ شاعِرٍ وكَلامُ قائِلٍ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وقالَ: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] قِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى الحاكِمِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ صِفاتٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ أشْياءَ مُتَغايِرَةً فَقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] ”﴿فالزّاجِراتِ﴾“ كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ”﴿فالتّالِياتِ﴾“ كُلُّ ما يُتْلى مِن كِتابِ اللَّهِ وأقُولُ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ إمّا جُسْمانِيَّةٌ وإمّا رُوحانِيَّةٌ، أمّا الجُسْمانِيَّةُ فَإنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى طَبَقاتٍ ودَرَجاتٍ لا تَتَغَيَّرُ البَتَّةَ، فالأرْضُ وسَطُ العالَمِ وهي مَحْفُوفَةٌ بِكُرَةِ الماءِ والماءُ مَحْفُوفٌ بِالهَواءِ، والهَواءُ مَحْفُوفٌ بِالنّارِ، ثُمَّ هَذِهِ الأرْبَعَةُ مَحْفُوفَةٌ بِكُراتِ الأفْلاكِ إلى آخِرِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، فَهَذِهِ الأجْسامُ كَأنَّها صُفُوفٌ واقِفَةٌ عَلى عَتَبَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ صِفاتِها مُشْتَرِكَةٌ في صِفَتَيْنِ:
إحَداهُما: التَّأْثِيرُ في عالَمِ الأجْسامِ بِالتَّحْرِيكِ والتَّصْرِيفِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن هَذا الزَّجْرِ السَّوْقُ والتَّحْرِيكُ:
والثّانِي:
صفحة ١٠٣
الإدْراكُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ولَمّا كانَ الجِسْمُ أدْنى مَنزِلَةً مِنَ الأرْواحِ المُسْتَقِلَّةِ فالتَّصَرُّفُ في الجُسْمانِيّاتِ أدْوَنُ مَنزِلَةً مِنَ الأرْواحِ المُسْتَغْرِقَةِ في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ المُقْبِلَةِ عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] لا جَرَمَ بَدَأ في المَرْتَبَةِ الأُولى بِذِكْرِ الأجْسامِ فَقالَ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ الأرْواحَ المُدَبِّرَةَ لِأجْسامِ هَذا العالَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ أعْلى الدَّرَجاتِ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ المُتَوَجِّهَةُ بِكُلِّيَّتِها إلى مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ والِاسْتِغْراقِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ خَطَرَتْ بِالبالِ، والعالِمُ بِأسْرارِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلنّاسِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُقْسَمُ بِهِ هَهُنا خالِقُ هَذِهِ الأشْياءِ لا أعْيانُ هَذِهِ الأشْياءِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ﷺ نَهى عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ الحَلِفَ بِالشَّيْءِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ بِهِ، ومِثْلُ هَذا التَّعْظِيمِ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَأكُّدٌ بِما أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ السُّوَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٦] .
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّ القَسَمَ واقِعٌ بِأعْيانِ هَذِهِ الأشْياءِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّ القَسَمَ وقَعَ بِهَذِهِ الأشْياءِ بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَّفْظِ فالعُدُولُ عَنْهُ خِلافُ الدَّلِيلِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ فَعَلَّقَ لَفْظَ القَسَمِ بِالسَّماءِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ القَسَمَ بِالبانِي لِلسَّماءِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ القَسَمِ بِالسَّماءِ القَسَمَ بِمَن بَنى السَّماءَ لَزِمَ التَّكْرارُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في قَسَمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ التَّنْبِيهَ عَلى شَرَفِ ذَواتِها وكَمالِ حَقائِقِها، لا سِيَّما إذا حَمَلْنا هَذِهِ الألْفاظَ عَلى المَلائِكَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ الحِكْمَةُ في القَسَمِ بِها التَّنْبِيهَ عَلى جَلالَةِ دَرَجاتِها وكَمالِ مَراتِبِها واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنْ قِيلَ: ذِكْرُ الحَلِفِ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ لائِقٍ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا القَسَمِ إمّا إثْباتُ هَذا المَطْلُوبِ عِنْدَ المُؤْمِنِ أوَ عِنْدَ الكافِرِ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُقِرٌّ بِهِ سَواءٌ حَصَلَ الحَلِفُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَهَذا الحَلِفُ عَدِيمُ الفائِدَةِ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَلَفَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وحَلَفَ في أوَّلِ سُورَةِ والذّارِياتِ عَلى أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] وإثْباتُ هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ عَلى المُخالِفِينَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وأمْثالِهِمْ بِالحَلِفِ واليَمِينِ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَرَّرَ التَّوْحِيدَ وصِحَّةَ البَعْثِ والقِيامَةِ في سائِرِ السُّوَرِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ تِلْكَ الدَّلائِلِ لَمْ يَبْعُدْ تَقْرِيرُها فَذَكَرَ القَسَمَ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ لا سِيَّما والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وإثْباتُ المُطالِبِ بِالحَلِفِ واليَمِينِ طَرِيقَةٌ مَأْلُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما هو كالدَّلِيلِ اليَقِينِيِّ في كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أنَّ انْتِظامَ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، فَهَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ النَّظَرَ في انْتِظامِ هَذا العالَمِ دَلَّ عَلى كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا فَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِيَحْصُلَ لَكُمُ العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا
صفحة ١٠٤
الكَلامِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ في قَوْلِهِمْ بِأنَّها آلِهَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا المَذْهَبُ قَدْ بَلَغَ في السُّقُوطِ والرَّكاكَةِ إلى حَيْثُ يَكْفِي في إبْطالِهِ مِثْلُ هَذِهِ الحُجَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا دَلالَةُ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ، وعَلى كَوْنِهِ واحِدًا مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ فَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَشارِقَ الشَّمْسِ. قالَ السُّدِّيُّ: المَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا وكَذَلِكَ المَغارِبُ فَإنَّهُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ وتَغْرُبُ كُلَّ يَوْمٍ في مَغْرِبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَشارِقَ الكَواكِبِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ اكْتَفى بِذِكْرِ المَشارِقِ ؟ قُلْنا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ المَشارِقِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] .
والثّانِي: أنَّ الشَّرْقَ أقْوى حالًا مِنَ الغُرُوبِ وأكْثَرُ نَفْعًا مِنَ الغُرُوبِ، فَذُكِرَ الشَّرْقُ تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَشْرِقِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالُوا: لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ مَوْجُودَةٌ فِيما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ فاللَّهُ رَبُّهُ ومالِكُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ، وإنْ قالُوا: الأعْراضُ لا يَصِحُّ وصْفُها بِأنَّها حَصَلَتْ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ إنَّما يَلِيقُ بِما يَكُونُ حاصِلًا في حَيِّزٍ وجِهَةٍ والأعْراضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، قُلْنا: إنَّها لَمّا كانَتْ حاصِلَةً في الأجْسامِ الحاصِلَةِ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ فَهي أيْضًا حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии