Ар-РазиАль‑Фуркан · 25:1–3

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

الفرقان

Аль-Фуркан

аль-Фуркан · Мекканская · 77 аятов

25:1–2Страница 359

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

Благословен Тот, Кто ниспослал Своему рабу Различение (Коран), чтобы он предостерег миры.

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢

Ему принадлежит власть над небесами и землей. Он не взял Себе сына и ни с кем не делил власть. Он сотворил всякую вещь и придал ей соразмерную меру (или предопределил ее).

صفحة ٣٩

[ سُورَةُ الفُرْقانِ ]

سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً

﷽

﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .

﷽

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وأحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ خَتَمَها بِذِكْرِ صِفاتِ العِبادِ المُخْلِصِينَ المُوقِنِينَ، ولَمّا كانَ إثْباتُ الصّانِعِ وإثْباتُ صِفاتِ جَلالِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكُلِّ لا جَرَمَ افْتَتَحَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: تَبارَكَ: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ وزِيادَتُهُ، وفِيهِ مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: تَزايَدَ خَيْرُهُ وتَكاثَرَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤] .

والثّانِي: تَزايَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] وأمّا تَعالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في ذاتِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ بِوُجُوبِ وجُودِهِ وقِدَمِهِ عَنْ جَوازِ الفَناءِ والتَّغَيُّرِ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ بِفَرْدانِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ، وأمّا تَعالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في صِفاتِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ ضَرُورِيًّا أوْ كَسْبِيًّا أوْ تَصَوُّرًا أوْ تَصْدِيقًا، وفي قُدْرَتِهِ أنْ يَحْتاجَ إلى مادَّةٍ ومُدَّةٍ ومِثالٍ وجَلْبِ غَرَضٍ ومَنالٍ، وأمّا في أفْعالِهِ فَجَلَّ أنْ يَكُونَ الوُجُودُ والبَقاءُ وصَلاحُ حالِ الوُجُودِ إلّا مِن قِبَلِهِ، وقالَ آخَرُونَ: أصْلُ الكَلِمَةِ تَدُلُّ عَلى البَقاءِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، ومِن بُرُوكِ الطَّيْرِ عَلى الماءِ، وسُمِّيَتِ البِرْكَةُ بِرْكَةً لِثُبُوتِ الماءِ فِيها، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى باقٍ في ذاتِهِ أزَلًا وأبَدًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ وباقٍ في صِفاتِهِ مُمْتَنِعُ التَّبَدُّلِ، ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِوُجُوهِ المَنافِعِ والمَصالِحِ والمُبْقِي لَها وجَبَ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى.

صفحة ٤٠

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كَلِمَةُ ”الَّذِي“ مَوْضُوعَةٌ لِلْإشارَةِ إلى الشَّيْءِ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، وهو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَكَيْفَ حَسُنَ هَهُنا لَفْظُ ”الَّذِي“ ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا ظَهَرَ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وظُهُورِهِ أجْراهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَجْرى المَعْلُومِ.

المسألة الثّالِثَةُ: لا نِزاعَ أنَّ الفُرْقانَ هو القُرْآنُ، وُصِفَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، أوْ لِأنَّهُ فَرَّقَ في النُّزُولِ كَما قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ لِأنَّهُ قالَ: ﴿نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ ولَفْظَةُ ”نَزَّلَ“ تَدُلُّ عَلى التَّفْرِيقِ، وأمّا لَفْظَةُ ”أنْزَلَ“ فَتَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ أوَّلًا ﴿تَبارَكَ﴾ ومَعْناهُ كَثْرَةُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ أمْرَ القُرْآنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَنشَأُ الخَيْراتِ وأعَمُّ البَرَكاتِ، لَكِنَّ القُرْآنَ لَيْسَ إلّا مَنبَعًا لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ والحِكَمِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ وأعْظَمُ الأشْياءِ خَيْرًا وبَرَكَةً.

* * *

المسألة الرّابِعَةُ: لا نِزاعَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَبْدِ هَهُنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ وهم رَسُولُ اللَّهِ وأُمَّتُهُ كَما قالَ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠]، ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ فالمُرادُ لِيَكُونَ هَذا العَبْدُ نَذِيرًا لِلْعالَمِينَ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى الفُرْقانِ فَأضافَ الإنْذارَ إلَيْهِ كَما أضافَ الهِدايَةَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ [الإسْراءِ: ٩] فَبَعِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنْذِرَ والنَّذِيرَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ لِلتَّخْوِيفِ، وإذا وُصِفَ بِهِ القُرْآنُ فَهو مَجازٌ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ إذا أمْكَنَ هو الواجِبُ. ثُمَّ قالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:

الأوَّلُ: أنَّ العالَمَ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى ويَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ، لَكِنّا أجْمَعْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلى الجِنِّ والإنْسِ جَمِيعًا، ويَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ.

الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ لِلْخَلْقِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.

الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ الإيمانَ وفِعْلَ الطّاعاتِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّهُ إنَّما بَعَثَهُ إلى الكُلِّ لِيَكُونَ نَذِيرًا لِلْكُلِّ، وأرادَ مِنَ الكُلِّ الِاشْتِغالَ بِالحُسْنِ والإعْراضَ عَنِ القَبِيحِ وعارَضَهم أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ . [الأعْرافِ: ١٧٩] الآيَةَ.

الرّابِعُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿تَبارَكَ﴾ كَما دَلَّ عَلى كَثْرَةِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عَقِيبَهُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الخَيْرِ والمَنافِعِ، والإنْذارُ يُوجِبُ الغَمَّ والخَوْفَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا لِهَذا المَوْضِعِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الإنْذارَ يَجْرِي مَجْرى تَأْدِيبِ الوَلَدِ، وكَما أنَّهُ كُلَّما كانَتِ المُبالَغَةُ في تَأْدِيبِ الوَلَدِ أكْثَرَ كانَ الإحْسانُ إلَيْهِ أكْثَرَ، لِما أنَّ ذاكَ يُؤَدِّي في المُسْتَقْبَلِ إلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، فَكَذا هَهُنا كُلَّما كانَ الإنْذارُ كَثِيرًا كانَ رُجُوعُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ أكْثَرَ، فَكانَتِ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ أتَمَّ وأكْثَرَ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا التِفاتَ إلى المَنافِعِ العاجِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ الَّذِي يُعْطِي الخَيْراتِ الكَثِيرَةَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مَنافِعَ الدِّينِ، ولَمْ يَذْكُرِ البَتَّةَ شَيْئًا مِن مَنافِعِ الدُّنْيا.

صفحة ٤١

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ بِأرْبَعِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ الكِبْرِياءِ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِواسِطَةِ احْتِياجِ أفْعالِهِ إلَيْهِ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سائِرِ الصِّفاتِ كالأمْرِ الواجِبِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى احْتِياجِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِزَمانِ حُدُوثِها وزَمانِ بَقائِها في ماهِيَّتِها وفي وجُودِها، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَصَرِّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو المَعْبُودُ أبَدًا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا ووارِثًا لِلْمُلْكِ عَنْهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ كالمُؤَكِّدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا كالرَّدِّ عَلى النَّصارى.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ هو المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ، وإذا عَرَفَ العَبْدُ ذَلِكَ انْقَطَعَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ عَنِ الكُلِّ، ولا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ إلّا بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ. وفِيهِ الرَّدُّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ، والقائِلِينَ بِعِبادَةِ النُّجُومِ، والقائِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقٌ لِأعْمالِ العِبادِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ فَيَتَناوَلُ أفْعالَ العِبادِ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَفى الشَّرِيكَ ذَكَرَ ذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى الشَّرِيكَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: هَهُنا أقْوامٌ يَعْتَرِفُونَ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ومَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّهم يَخْلُقُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ. فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُعِينَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، قالَ القاضِي: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ العَبْدِ خالِقًا في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] وقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] .

وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِذَلِكَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ خَلْقَ الفَسادِ.

وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِأنَّهُ قَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إلّا الحُسْنَ والحِكْمَةَ دُونَ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ بِظاهِرِها عَلَيْهِ، فَكَيْفَ ولا دَلالَةَ فِيها البَتَّةَ، لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، فَهو لا يَتَناوَلُ إلّا ما يَظْهَرُ فِيهِ التَّقْدِيرُ، وذَلِكَ إنَّما يَظْهَرُ في الأجْسامِ لا في الأعْراضِ. والجَوابُ:

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَهُما مُعارَضانِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣] وأمّا قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ التَّمَدُّحُ بِخَلْقِ الفَسادِ، قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ نَظَرًا إلى تَقادِيرِ القُدْرَةِ وإلى أنَّ صِفَةَ الإيجادِ مِنَ العَدَمِ والإعْدامِ مِنَ الوُجُودِ لَيْسَتْ إلّا لَهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ: الخَلْقُ لا يَتَناوَلُ إلّا الأجْسامَ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ خَطَأٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إضافَةَ الخَلْقِ إلى جَمِيعِ الأشْياءِ، مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ في العَقْلِ إضافَتُهُ إلَيْها.

السُّؤالُ الثّانِي: في الخَلْقِ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ مَعْناهُ: وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. والجَوابُ: المَعْنى أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا يُراعِي فِيهِ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، مِثالُهُ أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى هَذا الشَّكْلِ المُقَدَّرِ المُسْتَوِي الَّذِي تَراهُ، فَقَدَّرَهُ لِلتَّكالِيفِ والمَصالِحِ المَنُوطَةِ بِهِ في بابِ الدِّينِ والدُّنْيا، وكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوانٍ وجَمادٍ جاءَ بِهِ عَلى الجِبِلَّةِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ بِأمْثِلَةِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ فَقَدَّرَهُ لِأمْرٍ ما، ومَصْلَحَةٍ ما، مُطابِقًا لِمّا قَدَّرَ غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ عَنْهُ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِكم ؟

الجَوابُ: نَعَمْ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

صفحة ٤٢

أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ في حَقِّنا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، أمّا في حَقِّهِ سُبْحانَهُ فَلا مَعْنى لَهُ إلّا العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمّا عَلِمَ في الشَّيْءِ الفُلانِيِّ أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَوْ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وانْقِلابُ خَبَرِهِ الصِّدْقَ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَإذَنْ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُحالٌ، والمُحالُ غَيْرُ مُرادٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرُ مُرادٍ وإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ لا يَتَلازَمانِ، وظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.

وثانِيها: أنَّهُ عِنْدَ حُصُولِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الخالِصَةِ إنْ وجَبَ الفِعْلُ، كانَ فِعْلُ العَبْدِ يُوجِبُ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإنْ لَمْ يُجِبْ فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُرَجِّحِ فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجِّحٍ، وتَجْوِيزُهُ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ وإنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنِ المُرَجِّحِ، فالكَلامُ يَعُودُ في ذَلِكَ المُرَجِّحِ، ولا يَنْقَطِعُ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.

وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ وقَعَ بِقُدْرَتِهِ لَما وقَعَ إلّا الشَّيْءُ الَّذِي أرادَ تَكْوِينَهُ وإيجادَهُ، لَكِنَّ الإنْسانَ لا يُرِيدُ إلّا العِلْمَ والحَقَّ، فَلا يَحْصُلُ لَهُ إلّا الجَهْلُ والباطِلُ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ بِقُدْرَتِهِ لَما كانَ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ شُبْهَةً أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ الجَهْلَ، قُلْنا: إنِ اعْتَقَدَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ لِشُبْهَةٍ أُخْرى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى جَهْلٍ أوَّلٍ، ووَقَعَ في قَلْبِ الإنْسانِ لا بِسَبَبِ جَهْلٍ سابِقٍ، بَلِ الإنْسانُ أحْدَثَهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الإنْسانَ قَطُّ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ بِالجَهْلِ ولا يُحاوِلُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، بَلْ لا يُحاوِلُ إلّا العِلْمَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ إلّا ما قَصَدَهُ وأرادَهُ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الكُلَّ بِقَضاءٍ سارٍ وقَدَرٍ نافِذٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .

25:3Страница 360

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣

Они стали поклоняться вместо Него другим божествам, которые ничего не создают, хотя сами были сотворены. Они не властны принести вред или пользу даже самим себе и не распоряжаются ни смертью, ни жизнью, ни воскрешением.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَزْيِيفِ مَذْهَبِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ نُقْصانَها مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّها لَيْسَتْ خالِقَةً لِلْأشْياءِ، والإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ والإيجادِ.

وثانِيها: أنَّها مَخْلُوقَةٌ والمَخْلُوقُ مُحْتاجٌ، والإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا.

وثالِثُها: أنَّها لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها ضَرًّا ولا نَفْعًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو لا يَمْلِكُ لِغَيْرِهِ أيْضًا نَفْعًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في عِبادَتِهِ.

ورابِعُها: أنَّها لا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، أيْ لا تَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ في زَمانِ التَّكْلِيفِ، وثانِيًا في زَمانِ المُجازاةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يُسَمّى إلَهًا ؟ وكَيْفَ يَحْسُنُ عِبادَتُهُ مَعَ أنَّ حَقَّ مَن يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ أنْ يَنْعَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ المَخْصُوصَةِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَلْ يَخْتَصُّ بِعَبَدَةِ الأوْثانِ ؟ أوْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّصارى وعَبَدَةُ الكَواكِبِ وعَبَدَةُ المَلائِكَةِ ؟

والجَوابُ: قالَ القاضِي: بَعِيدٌ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ، فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عُبّادُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ لِأنَّ

صفحة ٤٣

لِمَعْبُودِهِمْ كَثْرَةً، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذُوا﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ، وقَوْلُهُ: ”آلِهَةً“ جَمْعٌ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُقابَلُ المُفْرَدُ بِالمُفْرَدِ، فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُ مَعْبُودِ النَّصارى واحِدًا مانِعًا مِن دُخُولِهِ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ.

* * *

السُّؤالُ الثّانِي: احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عابَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن حَيْثُ عَبَدُوا ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خَلَقَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لَكانَ مَعْبُودًا إلَهًا، أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنّا لا نُطْلِقُ اسْمَ الخالِقِ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى.

وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا في الخَلْقِ: إنَّهُ الإحْداثُ لا بِعِلاجٍ وفِكْرٍ وتَعَبٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ثم قال: وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٥] في وصْفِ الأصْنامِ، أفَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ فَإذا قالُوا: لا، قِيلَ: فَكَذَلِكَ ما ذَكَرْتُمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] هَذا كُلُّهُ كَلامُ الكَعْبِيِّ.

والجَوابُ: قَوْلُهُ: لا يُطْلَقُ اسْمُ الخالِقِ عَلى العَبْدِ، قُلْنا: بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في اللُّغَةِ هو التَّقْدِيرُ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الخالِقِ حَقِيقَةً في العَبْدِ، مَجازًا في اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم مَنعُ إطْلاقِ لَفْظِ الخالِقِ عَلى العَبْدِ ؟ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ فالعَيْبُ إنَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ، فَلا جَرَمَ أنَّ كُلَّ مَن تَحَقَّقَ العَجْزُ في حَقِّهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُهُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَقْوى اسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِها لِاحْتِمالِ أنَّ العَيْبَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِخالِقِينَ.

والثّانِي: أنَّهم مَخْلُوقُونَ.

والعَبْدُ وإنْ كانَ خالِقًا إلّا أنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى البَعْثِ ؟

الجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النُّشُورَ، ومَعْناهُ أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلى المُطِيعِينَ، والعِقابِ إلى العُصاةِ، فَمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَصْلُحَ لِلْإلَهِيَّةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English