Ар-Рази · Тафсир · на арабском
الحشر
Аль-Хашр
Сбор · Мединская · 24 аята
59:1Страница 545
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Славит Аллаха то, что на небесах, и то, что на земле. Он - Могущественный, Мудрый.
صفحة ٢٤٢
(سُورَةُ الحَشْرِ)
وهِيَ عِشْرُونَ وأرْبَعُ آياتٍ مَدَنِيَّةٌ
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾ صالَحَ بَنُو النَّضِيرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يَكُونُوا عَلَيْهِ ولا لَهُ، فَلَمّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: هو النَّبِيُّ المَنعُوتُ في التَّوْراةِ بِالنَّصْرِ، فَلَمّا هُزِمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ارْتابُوا ونَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ، وحالَفُوا أبا سُفْيانَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ، فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً، وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ، ثُمَّ صَحِبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالكَتائِبِ وهو عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِلِيفٍ، فَقالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَقالُوا: المَوْتُ أحَبُّ إلَيْنا مِن ذَلِكَ فَتَنادَوْا بِالحَرْبِ، وقِيلَ: اسْتَمْهَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أيّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وقالَ: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ، فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكم لا نَخْذُلُكم، ولَئِنْ خَرَجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم، فَحَصَّنُوا الأزِقَّةَ، فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأيِسُوا مِن نَصْرِ المُنافِقِينَ، طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأبى إلّا الجَلاءَ، عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاءُوا مِن مَتاعِهِمْ، فَجُلُوا إلى الشَّأْمِ، إلى أرِيحاءَ وأذْرِعاتَ إلّا أهْلَ بَيْتَيْنِ، مِنهم آلُ أبِي الحَقِيقِ، وآلُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، فَإنَّهم لَحِقُوا بِخَيْبَرَ، ولَحِقَتْ طائِفَةٌ بِالحِيرَةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى هَذِهِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾ ؟
الجَوابُ: إنَّها هي اللّامُ في قَوْلِكَ: جِئْتُ لِوَقْتِ كَذا، والمَعْنى: أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ أوَّلِ الحَشْرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى ”أوَّلِ الحَشْرِ“ ؟
الجَوابُ: أنَّ الحَشْرَ هو إخْراجُ الجَمْعِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وأمّا أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ هَذا الحَشْرُ بِأوَّلِ الحَشْرِ فَبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِ أهْلِ الكِتابِ، أيْ أوَّلُ مَرَّةٍ حُشِرُوا وأُخْرِجُوا مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ لَمْ يُصِبْهم هَذا الذُّلُّ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم
صفحة ٢٤٣
كانُوا أهْلَ مَنعَةٍ وعِزٍّ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إخْراجَهم مِنَ المَدِينَةِ حَشْرًا، وجَعَلَهُ أوَّلَ الحَشْرِ مِن حَيْثُ يُحْشَرُ النّاسُ لِلسّاعَةِ إلى ناحِيَةِ الشّامِ، ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ هُناكَ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ، وأمّا آخِرُ حَشْرِهِمْ فَهو إجْلاءُ عُمَرَ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ.
ورابِعُها: مَعْناهُ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ ما يَحْشُرُهم لِقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وخامِسُها: قالَ قَتادَةُ: هَذا أوَّلُ الحَشْرِ، والحَشْرُ الثّانِي نارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، تَبِيتُ مَعَهم حَيْثُ باتُوا، وتُقِيلُ مَعَهم حَيْثُ قالُوا، وذَكَرُوا أنَّ تِلْكَ النّارَ تُرى بِاللَّيْلِ ولا تُرى بِالنَّهارِ.
59:2Страница 545
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢
Он - Тот, Кто изгнал неверующих людей Писания из их жилищ при первом сборе. Вы не полагали, что они уйдут. Они же думали, что их крепости защитят их от Аллаха. Но Аллах настиг их оттуда, откуда они не предполагали, и бросил в их сердца страх. Они разрушают свои дома собственными руками и руками верующих. Прислушайтесь же к назиданию, о обладающие зрением!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُسْلِمِينَ ظَنُّوا أنَّهم لِعِزَّتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ إذا ورَدَتْ عَلى المَرْءِ والظَّنُّ بِخِلافِهِ تَكُونُ أعْظَمَ، فالمُسْلِمُونَ ما ظَنُّوا أنَّهم يَصِلُونَ إلى مُرادِهِمْ في خُرُوجِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، فَيَتَخَلَّصُونَ مِن ضَرَرِ مَكايِدِهِمْ، فَلَمّا تَيَسَّرَ لَهم ذَلِكَ كانَ تَوَقُّعُ هَذِهِ النِّعْمَةِ أعْظَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ .
قالُوا: كانَتْ حُصُونُهم مَنِيعَةً، فَظَنُّوا أنَّها تَمْنَعُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ، وفي الآيَةِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ هي بِعَيْنِها نَفْسُ المُعامَلَةِ مَعَ اللَّهِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم أوْ مانِعَتُهم وبَيْنَ النَّظْمِ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ، قُلْنا: في تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها ومَنعِها إيّاهم، وفي تَصْيِيرِ ضَمِيرِهِمُ اسْمًا وإسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ لا يُبالُونَ بِأحَدٍ يَطْمَعُ في مُنازَعَتِهِمْ، وهَذِهِ المَعانِي لا تَحْصُلُ في قَوْلِكَ: وظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ﴾ عائِدٌ إلى اليَهُودِ، أيْ فَأتاهم عَذابُ اللَّهِ وأخَذَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ، أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ وتَقْوِيَتُهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، ومَعْنى: لَمْ يَحْتَسِبُوا، أيْ لَمْ يَظُنُّوا، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ عَلى يَدِ أخِيهِ غِيلَةً، وذَلِكَ مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم، وفَتَّتَ عَضُدَهم، وفَلَّ مِن شَوْكَتِهِمْ.
والثّانِي: بِما قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ بِاتِّفاقِ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وأنَّ صَرْفَ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها بِمُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ جائِزٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”فَآتاهُمُ اللَّهُ“ أيْ فَآتاهُمُ الهَلاكُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ ما بَيَّنّاهُ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ القِراءَةَ الأُولى، فَإنَّها ثابِتَةٌ بِالتَّواتُرِ، ومَتى كانَتْ ثابِتَةً بِالتَّواتُرِ لا يُمْكِنُ دَفْعُها، بَلْ لا بُدَّ فِيها مِنَ التَّأْوِيلِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الرُّعْبُ: الخَوْفُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ الصَّدْرَ، أيْ يَمْلَؤُهُ، وقَذْفُهُ إثْباتُهُ فِيهِ، وفِيهِ قالُوا في صِفَةِ الأسَدِ: مُقَذَّفٌ، كَأنَّما قُذِّفَ بِاللَّحْمِ قَذْفًا؛ لِاكْتِنازِهِ وتَداخُلِ أجْزائِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا مِن أنَّ الأُمُورَ كُلَّها لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ كانَ مِنَ اللَّهِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ صارَ سَبَبًا في إقْدامِهِمْ عَلى بَعْضِ الأفْعالِ، وبِالجُمْلَةِ فالفِعْلُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ داعِيَةٍ مُتَأكِّدَةٍ في القَلْبِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَكانَتِ الأفْعالُ بِأسْرِها مُسْنَدَةً إلى اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”يُخَرِّبُونَ“ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: ”يُخْرِبُونَ“ خَفِيفَةً، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقُولُ: الإخْرابُ أنْ يُتْرَكَ الشَّيْءُ خَرابًا، والتَّخْرِيبُ: الهَدْمُ، وبَنُو النَّضِيرِ خُرِّبُوا وما أُخْرِبُوا. قالَ المُبَرِّدُ: ولا أعْلَمُ لِهَذا وجْهًا، ويُخْرِبُونَ هو الأصْلُ خَرِبَ المَنزِلُ، وأخْرَبَهُ صاحِبُهُ، كَقَوْلِهِ: عَلِمَ وأعْلَمَهُ، وقامَ وأقامَهُ، فَإذا قُلِبَ يُخْرِبُونَ مِنَ التَّخْرِيبِ، فَإنَّما هو تَكْثِيرٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ بُيُوتًا تَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ، فَيَجْرِي كُلُّ واحِدٍ مَجْرى الآخَرِ، نَحْوَ فَرَّحْتُهُ وأفْرَحْتُهُ، وحَسَّنَهُ اللَّهُ وأحْسَنَهُ، وقالَ الأعْشى:
وأخْرَبْتُ مِن أرْضِ قَوْمٍ دِيارًا
وقالَ الفَرّاءُ: ”يُخَرِّبُونَ“بِالتَّشْدِيدِ يَهْدِمُونَ، وبِالتَّخْفِيفِ يُخْرِبُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في بَيانِ أنَّهم كَيْفَ كانُوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم لَمّا أيْقَنُوا بِالجَلاءِ، حَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوا مَساكِنَهم ومَنازِلَهم، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَها مِن داخِلٍ، والمُسْلِمُونَ مِن خارِجٍ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُنافِقِينَ دَسُّوا إلَيْهِمْ أنْ لا يَخْرُجُوا، ودَرِبُوا عَلى الأزِقَّةِ وحَصَّنُوها، فَنَقَضُوا بُيُوتَهم وجَعَلُوها كالحُصُونِ عَلى أبْوابِ الأزِقَّةِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُخْرِبُونَ سائِرَ الجَوانِبِ.
وثالِثُها: أنَّ المُسْلِمِينَ إذا ظَهَرُوا عَلى دَرْبٍ مِن دُرُوبِهِمْ خَرَّبُوهُ، وكانَ اليَهُودُ يَتَأخَّرُونَ إلى ما وراءِ بُيُوتِهِمْ، ويُنَقِّبُونَها مِن أدْبارِها.
ورابِعُها: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يُخْرِبُونَ ظَواهِرَ البَلَدِ، واليَهُودُ لَمّا أيْقَنُوا بِالجَلاءِ وكانُوا يَنْظُرُونَ إلى الخَشَبَةِ في مَنازِلِهِمْ مِمّا يَسْتَحْسِنُونَهُ أوِ البابِ، فَيَهْدِمُونَ بُيُوتَهم ويَنْزِعُونَها، ويَحْمِلُونَها عَلى الإبِلِ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ لَها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ ؟ قُلْنا قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا عَرَّضُوهم لِذَلِكَ وكانُوا السَّبَبَ فِيهِ فَكَأنَّهم أمَرُوهم بِهِ وكَلَّفُوهُ إيّاهم.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ .
اعْلَمْ أنّا قَدْ تَمَسَّكْنا بِهَذِهِ الآيَةِ في كِتابِ ”المَحْصُولُ مِن أُصُولِ الفِقْهِ“ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ فَلا نَذْكُرُهُ
صفحة ٢٤٥
هَهُنا، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ فِيهِ بِالِاعْتِبارِ، وفِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى حُصُونِهِمْ، وعَلى قُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ، فَأبادَ اللَّهُ شَوْكَتَهم وأزالَ قُوَّتَهم، ثُمَّ قالَ: (﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلزّاهِدِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى زُهْدِهِ، فَإنَّ زُهْدَهُ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن زُهْدِ بِلْعامٍ، ولَيْسَ لِلْعالِمِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى عِلْمِهِ، انْظُرْ إلى ابْنِ الرّاوَنْدِيِّ مَعَ كَثْرَةِ مُمارَسَتِهِ كَيْفَ صارَ، بَلْ لا اعْتِمادَ لِأحَدٍ في شَيْءٍ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: المُرادُ أنْ يَعْرِفَ الإنْسانُ عاقِبَةَ الغَدْرِ والكُفْرِ والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، فَإنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ وقَعُوا بِشُؤْمِ الغَدْرِ والكُفْرِ في البَلاءِ والجَلاءِ، والمُؤْمِنُونَ أيْضًا يَعْتَبِرُونَ بِهِ، فَيَعْدِلُونَ عَنِ المَعاصِي.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاعْتِبارُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ قُلْنا: إنَّهم غَدَرُوا وكَفَرُوا فَعُذِّبُوا، وكانَ السَّبَبُ في ذَلِكَ العَذابِ هو الكُفْرَ والغَدْرَ، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الطَّرْدُ فَلِأنَّهُ رُبَّ شَخْصٍ غَدَرَ وكَفَرَ، وما عُذِّبَ في الدُّنْيا، وأمّا العَكْسُ فَلِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المِحَنِ بَلْ أشَدَّ مِنها وقَعَتْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأصْحابِهِ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى سُوءِ أدْيانِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإذا فَسَدَتْ هَذِهِ العِلَّةُ فَقَدْ بَطَلَ هَذا الِاعْتِبارُ، وأيْضًا فالحُكْمُ الثّالِثُ في الأصْلِ هو أنَّهم ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وإذا عَلَّلْنا ذَلِكَ بِالكُفْرِ والغَدْرِ يَلْزَمُ في كُلِّ مَن غَدَرَ وكَفَرَ أنْ يُخَرِّبَ بَيْتَهُ بِيَدِهِ وبِأيْدِي المُسْلِمِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
والجَوابُ: أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الأصْلِ لَهُ ثَلاثُ مَراتِبَ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ تَخْرِيبًا لِلْبَيْتِ بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ.
وثانِيها: وهو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ، كَوْنُهُ عَذابًا في الدُّنْيا.
وثالِثُها: وهو أعَمُّ مِنَ الثّانِي، كَوْنُهُ مُطْلَقَ العَذابِ، والغَدْرُ والكُفْرُ إنَّما يُناسِبانِ العَذابَ مِن حَيْثُ هو عَذابٌ، فَأمّا خُصُوصُ كَوْنِهِ تَخْرِيبًا أوْ قَتْلًا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ فَذاكَ عَدِيمُ الأثَرِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ القِياسِ إلى أنَّ الَّذِينَ غَدَرُوا وكَفَرُوا وكَذَّبُوا عُذِّبُوا مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
والغَدْرُ والكُفْرُ يُناسِبانِ العَذابَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ والغَدْرَ هُما السَّبَبانِ في العَذابِ، فَأيْنَما حَصَلا حَصَلَ العَذابُ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، ومَتى قَرَّرْنا القِياسَ والِاعْتِبارَ عَلى هَذا الوَجْهِ زالَتِ المَطاعِنُ والنُّقُوضُ، وتَمَّ القِياسُ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاعْتِبارُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُبُورِ والمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ؛ ولِهَذا سُمِّيَتِ العَبْرَةُ عَبْرَةً لِأنَّها تَنْتَقِلُ مِنَ العَيْنِ إلى الخَدِّ، وسُمِّيَ المَعْبَرُ مَعْبَرًا لِأنَّ بِهِ تَحْصُلُ المُجاوَزَةُ، وسُمِّيَ العِلْمُ المَخْصُوصُ بِالتَّعْبِيرِ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المُتَخَيَّلِ إلى المَعْقُولِ، وسُمِّيَتِ الألْفاظُ عِباراتٌ؛ لِأنَّها تَنْقُلُ المَعانِيَ مِن لِسانِ القائِلِ إلى عَقْلِ المُسْتَمِعِ، ويُقالُ: السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِلُ عَقْلُهُ مَن حالِ ذَلِكَ الغَيْرِ إلى حالِ نَفْسِهِ؛ ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: الِاعْتِبارُ هو النَّظَرُ في حَقائِقِ الأشْياءِ وجِهاتِ دَلالَتِها لِيُعْرَفَ بِالنَّظَرِ فِيها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها.
وفِي قَوْلِهِ ﴿ياأُولِي الأبْصارِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ يا أهْلَ اللُّبِّ والعَقْلِ والبَصائِرِ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ﴿ياأُولِي الأبْصارِ﴾ يا مَن عايَنَ تِلْكَ الواقِعَةَ المَذْكُورَةَ.
59:3–4Страница 545
وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣
Если бы Аллах не предписал им исход, то Он непременно наказал бы их в этом мире. А в Последней жизни им уготованы мучения в Огне.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤
Это - за то, что они воспротивились Аллаху и Его Посланнику. Если же кто-либо противится Аллаху, то ведь Аллах суров в наказании.
صفحة ٢٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ . مَعْنى الجَلاءِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ والتَّحَوُّلُ عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ ”لَوْلا“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُ التَّعْذِيبِ في الدُّنْيا، لَكِنَّ الجَلاءَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ، فَإذًا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُهُ، وهو مُحالٌ. قُلْنا: مَعْناهُ: ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ كَما فُعِلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وغَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ، إذْ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ لَزِمَ أنْ لا يُوجَدَ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ لَوْلا تَقْتَضِي انْتِفاءَ الجَزاءِ لِحُصُولِ الشَّرْطِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ التَّخْرِيبِ هو مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُشاقَّةُ عِلَّةً لِهَذا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُشاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنا: هَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّتِها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ.
59:5–6Страница 546
مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥
Срубили ли вы финиковые пальмы или оставили их стоять на их стволах - на то было соизволение Аллаха, дабы опозорить нечестивцев.
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦
К добыче, которую Аллах вернул Своему Посланнику, вы не скакали рысью ни на конях, ни на верблюдах, но Аллах дарует Своим посланникам власть, над кем пожелает. Аллах способен на всякую вещь.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأوْلى: ﴿مِن لِينَةٍ﴾ بَيانٌ لِما قَطَعْتُمْ، ومَحَلُّ ”ما“ نُصِبَ بِـ”قَطَعْتُمْ“، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ، وأنَّثَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى اللِّينَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أوْ بَرْنِيَّةً، وأصْلُ لِينَةٍ لِوْنَةٌ، فَذَهَبَتِ الواوُ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وجَمْعُها ألْوانٌ، وهي النَّخْلُ كُلُّهُ سِوى البَرْنِيِّ والعَجْوَةِ، وقالَ بَعْضُهم: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ، كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِنَ اللِّينِ، وجَمْعُها لِينٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّتِ اللِّينَةُ بِالقَطْعِ ؟ قُلْنا: إنْ كانَتْ مِنَ الألْوانِ فَلْيَسْتَبْقُوا لِأنْفُسِهِمُ العَجْوَةَ والبَرْنِيَّةَ، وإنْ كانَتْ مِن كِرامِ النَّخْلِ فَلِيَكُونَ غَيْظُ اليَهُودِ أشَدَّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”قَوْمًا عَلى أُصُلِها“ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ؛ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، واكْتُفِيَ فِيهِ بِالضَّمَّةِ عَنِ الواوِ، وقُرِئَ ”قائِمًا عَلى أُصُولِهِ“، ذَهابًا إلى لَفْظِ ”ما“، وقَوْلُهُ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: قَطْعُها بِإذْنِ اللَّهِ وبِأمْرِهِ ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: ولِأجْلِ إخْزاءِ الفاسِقِينَ، أيِ اليَهُودِ، أذِنَ اللَّهُ في قَطْعِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أمَرَ أنْ يُقْطَعَ نَخْلُهم ويُحْرَقُ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها ؟ وكانَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ إنَّما أذِنَ في ذَلِكَ حَتّى يَزْدادَ غَيْظُ الكُفّارِ، وتَتَضاعَفَ حَسْرَتُهم بِسَبَبِ نَفاذِ
صفحة ٢٤٧
حُكْمِ أعْدائِهِمْ في أعَزِّ أمْوالِهِمْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حُصُونَ الكَفَرَةِ ودِيارَهم لا بَأْسَ أنْ تُهْدَمَ وتُحْرَقَ وتُغْرَقَ وتُرْمى بِالمَجانِيقِ، وكَذَلِكَ أشْجارُهم لا بَأْسَ بِقَلْعِها مُثْمِرَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَطَعُوا مِنها ما كانَ مَوْضِعًا لِلْقِتالِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا يَقْطَعانِ، أحَدُهُما العَجْوَةَ والآخَرُ اللَّوْنَ، فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ هَذا: تَرَكْتُها لِرَسُولِ اللَّهِ، وقالَ هَذا: قَطَعْتُها غَيْظًا لِلْكَفّارِ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ، وعَلى جَوازِهِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: فاءَ يَفِيءُ، إذا رَجَعَ، وأفاءَهُ اللَّهُ إذا رَدَّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَيْءُ ما رَدَّهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ دِينِهِ مِن أمْوالِ مَن خالَفَ أهْلَ دِينِهِ بِلا قِتالٍ، إمّا بِأنْ يُجْلَوْا عَنْ أوْطانِهِمْ ويُخَلُّوها لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ يُصالَحُوا عَلى جِزْيَةٍ يُؤَدُّونَها عَنْ رُءُوسِهِمْ، أوْ مالٍ غَيْرِ الجِزْيَةِ يَفْتَدُونَ بِهِ مِن سَفْكِ دِمائِهِمْ، كَما فَعَلَهُ بَنُو النَّضِيرِ حِينَ صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ لِكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنهم حِمْلَ بِعِيرٍ مِمّا شاءُوا سِوى السِّلاحِ، ويَتْرُكُوا الباقِيَ، فَهَذا المالُ هو الفَيْءُ، وهو ما أفاءَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ رَدَّهُ مِنَ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ﴾ يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ يَجِفُ وجْفًا ووَجِيفًا، وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ، وأوْجَفَهُ صاحِبُهُ إذا حَمَلَهُ عَلى السَّيْرِ السَّرِيعِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما أفاءَ اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الرِّكابُ ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ، واحِدَتُها راحِلَةٌ، ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، والعَرَبُ لا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الرّاكِبِ إلّا عَلى راكِبِ البَعِيرِ، ويُسَمُّونَ راكِبَ الفَرَسِ فارِسًا.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الصَّحابَةَ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُقَسِّمَ الفَيْءَ بَيْنَهم كَما قَسَّمَ الغَنِيمَةَ بَيْنَهم، فَذَكَرَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهو أنَّ الغَنِيمَةَ ما أتْعَبْتُمْ أنْفُسَكم في تَحْصِيلِها وأوْجَفْتُمْ عَلَيْها الخَيْلَ والرِّكابَ، بِخِلافِ الفَيْءِ فَإنَّكم ما تَحَمَّلْتُمْ في تَحْصِيلِهِ تَعَبًا، فَكانَ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضًا إلى الرَّسُولِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ.
ثُمَّ هَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ أُخِذَتْ بَعْدَ القِتالِ لِأنَّهم حُوصِرُوا أيّامًا، وقاتَلُوا وقُتِلُوا ثُمَّ صالَحُوا عَلى الجَلاءِ. فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأمْوالُ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ لا مِن جُمْلَةِ الفَيْءِ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هَهُنا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ في قُرى بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم أوْجَفُوا عَلَيْهِمْ بِالخَيْلِ والرِّكابِ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ، بَلْ هو فِيفَدَكَ، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ فَدَكَ انْجَلَوْا عَنْهُ فَصارَتْ تِلْكَ القُرى والأمْوالُ في يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ حَرْبٍ، فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْخُذُ مِن غَلَّةِ فَدَكَ نَفَقَتَهُ ونَفَقَةَ مَن يَعُولُهُ، ويَجْعَلُ الباقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ، فَلَمّا ماتَ ادَّعَتْ فاطِمَةُ عَلَيْها السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَنْحَلُها فَدَكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أنْتِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا، وأحَبُّهم إلَيَّ غِنًى، لَكِنِّي لا أعْرِفُ صِحَّةَ قَوْلِكِ، ولا يَجُوزُ أنْ أحْكُمَ بِذَلِكَ، فَشَهِدَ لَها أمُّ أيْمَنَ ومَوْلًى لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَطَلَبَ مِنها أبُو بَكْرٍ الشّاهِدَ الَّذِي يَجُوزُ قَبُولُ شَهادَتُهُ في الشَّرْعِ فَلَمْ يَكُنْ، فَأجْرى أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَلى ما كانَ يُجْرِيهِ الرَّسُولُ ﷺ، يُنْفِقُ مِنهُ عَلى مَن كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، ويَجْعَلُ ما يَبْقى في السِّلاحِ والكُراعِ، وكَذَلِكَ عُمَرُ جَعَلَهُ في يَدِ عَلِيٍّ لِيُجْرِيَهُ عَلى هَذا المَجْرى، ورَدَّ ذَلِكَ في آخِرِ عَهْدِ عُمَرَ إلى عُمَرَ، وقالَ: إنَّ بِنا غِنًى، وبِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ إلَيْهِ، وكانَ عُثْمانُ
صفحة ٢٤٨
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُجْرِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ صارَ إلى عَلِيٍّ فَكانَ يُجْرِيهِ هَذا المَجْرى، فالأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ وقُراهم، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، ولَمْ يَقْطَعُوا إلَيْها مَسافَةً كَثِيرَةً، وإنَّما كانُوا عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْها مَشْيًا، ولَمْ يَرْكَبْ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ راكِبَ جَمَلٍ، فَلَمّا كانَتِ المُقاتَلَةُ قَلِيلَةً والخَيْلُ والرَّكْبُ غَيْرَ حاصِلٍ، أجْراهُ اللَّهُ تَعالى مَجْرى ما لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ المُقاتَلَةُ أصْلًا، فَخَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الأمْوالِ، ثُمَّ رُوِيَ أنَّهُ قَسَّمَها بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنها شَيْئًا إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهم: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.
59:7–8Страница 546
مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧
Добыча, которую Аллах вернул Своему Посланнику от жителей селений, принадлежит Аллаху, Посланнику, родственникам Пророка, сиротам, бедным и путникам, дабы не досталась она богатым среди вас. Берите же то, что дал вам Посланник, и сторонитесь того, что он запретил вам. Бойтесь Аллаха, ведь Аллах суров в наказании.
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨
А также неимущим мухаджирам, которые были изгнаны из своих жилищ и лишены своего имущества. Они стремятся к милости Аллаха и довольству и помогают Аллаху и Его Посланнику. Они являются правдивыми.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّها بَيانٌ لِلْأوْلى فَهي مِنها وغَيْرُ أجْنَبِيَّةٍ عَنْها، واعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. قالَ الواحِدِيُّ: كانَ الفَيْءُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْسُومًا عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، أرْبَعَةٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، وكانَ الخُمْسُ الباقِي يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، سَهْمٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ أيْضًا، والأسْهُمُ الأرْبَعَةُ لِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وأمّا بَعْدُ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِلشّافِعِيِّ فِيما كانَ مِنَ الفَيْءِ لِرَسُولِ اللَّهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ المُرْصَدِينَ لِلْقِتالِ في الثُّغُورِ لِأنَّهم قامُوا مَقامَ رَسُولِ اللَّهِ في رِباطِ الثُّغُورِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يُصْرَفُ إلى مَصالِحِ المُسْلِمِينَ مِن سَدِّ الثُّغُورِ وحَفْرِ الأنْهارِ وبِناءِ القَناطِرِ، يُبْدَأُ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، هَذا في الأرْبَعَةِ أخْماسٍ الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأمّا السَّهْمُ الَّذِي كانَ لَهُ مِن خُمْسِ الفَيْءِ فَإنَّهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ المُبَرِّدُ: الدُّولَةُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَداوَلُهُ القَوْمُ بَيْنَهم يَكُونُ كَذا مَرَّةً وكَذا مَرَّةً، والدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ انْتِقالُ حالٍ سارَّةٍ إلى قَوْمٍ عَنْ قَوْمٍ، فالدُّولَةُ بِالضَّمِّ اسْمُ ما يُتَداوَلُ، وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ مِن هَذا، ويُسْتَعْمَلُ في الحالَةِ السّارَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ لِلْإنْسانِ، فَيُقالُ: هَذِهِ دُولَةُ فُلانٍ أيْ تَداوَلُهُ، فالدُّولَةُ اسْمٌ لِما يُتَداوَلُ مِنَ المالِ، والدُّولَةُ اسْمٌ لِما يَنْتَقِلُ مِنَ الحالِ، ومَعْنى الآيَةِ كَيْ لا يَكُونَ الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُعْطى لِلْفُقَراءِ؛ لِيَكُونَ لَهم بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِها واقِعًا في يَدِ الأغْنِياءِ ودُولَةً لَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”دُولَةً“ و”دَوْلَةً“ بِفَتْحِ الدّالِ وضَمِّها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”دُولَةٌ“ مَرْفُوعَةُ الدّالِ والهاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَكُونُ هَهُنا هي التّامَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠] يَعْنِي كَيْ لا يَقَعَ دُولَةً جاهِلِيَّةً. ثُمَّ قالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ يَعْنِي ما أعْطاكُمُ الرَّسُولُ مِنَ الفَيْءِ
صفحة ٢٤٩
فَخُذُوهُ فَهو لَكم حَلالٌ، وما نَهاكم عَنْ أخْذِهِ فانْتَهُوا ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمْرِ الفَيْءِ ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ عَلى ما نَهاكم عَنْهُ الرَّسُولُ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً في كُلِّ ما آتى رَسُولَ اللَّهِ ونَهى عَنْهُ، وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии