Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
الناس
Ан-Нас
Люди · Мекканская · 6 аятов
(p-١٧١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
سُورَةُ النّاس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ، الإحالَةُ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]، في سُورَةِ هُودٍ، فَقالَ عَلى تِلْكَ الآيَةِ: فِيها الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى الَّتِي أُنْزِلَ القُرْآنُ مِن أجْلِها هي أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ في عِبادَتِهِ شَيْءٌ.
وَساقَ الآياتِ المُماثِلَةَ لَها ثُمَّ قالَ: وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا البَحْثِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وسَنَتَقَصّى الكَلامَ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النّاسِ، لِتَكُونَ خاتِمَةُ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ حُسْنى ا هـ.
وَإنَّ في هَذِهِ الإحالَةِ مِنهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ لَتَنْبِيهًا عَلى المَعانِي الَّتِي اشْتَمَلَتْها هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، وتَوْجِيهًا لِمُراعاةِ تِلْكَ الخاتِمَةِ.
كَما أنَّ في تِلْكَ الإحالَةِ تَحْمِيلَ مَسْئُولِيَّةِ الِاسْتِقْصاءِ حَيْثُ لَمْ يَكْتَفِ بِما قَدَّمَهُ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، ولا فِيما قَدَّمَهُ في سُورَةِ هُودٍ، وجَعَلَ الِاسْتِقْصاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ومَعْنى الِاسْتِقْصاءِ: الِاسْتِيعابُ إلى أقْصى حَدٍّ.
وَما أظُنُّ أحَدًا يَسْتَطِيعُ اسْتِقْصاءَ ما يُرِيدُهُ غَيْرُهُ، ولا سِيَّما ما كانَ يُرِيدُهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ وما يَسْتَطِيعُهُ هو.
وَلَكِنْ عَلى ما قَدَّمْنا في البِدايَةِ: أنَّهُ جُهْدُ المُقِلِّ ووُسْعُ الطّاقَةِ. فَنَسْتَعِينُ اللَّهَ ونَسْتَهْدِيهِ مُسْتَرْشِدِينَ بِما قَدَّمَهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في سُورَتَيِ الفاتِحَةِ وهُودٍ، ثُمَّ نُورِدُ وُجْهَةَ نَظَرٍ في السُّورَتَيْنِ مَعًا الفَلَقِ والنّاسِ، ثُمَّ مِنهُما وفي نَسَقِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ، آمِلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وراجٍ تَوْفِيقَهُ ومَعُونَتَهُ.
(p-١٧٢)أمّا الإحالَةُ فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مُوجِبَها هو أنَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ لِلَّهِ تَعالى مِن صِفاتِ العَظَمَةِ والكَمالِ: ”رَبِّ النّاسِ“، مَلِكِ النّاسِ، إلَهِ النّاسِ "، ولَكَأنَّها لِأوَّلِ وهْلَةٍ تُشِيرُ إلى الرَّبِّ المَلِكِ هو الإلَهُ الحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.
وَلَعَلَّهُ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ مَضْمُونُ سُورَةِ الإخْلاصِ قَبْلَها: هو اللَّهُ أحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، وهَذا هو مَنطِقُ العَقْلِ والقَوْلُ الحَقُّ؛ لِأنَّ مُقْتَضى المُلْكِ يَسْتَلْزِمُ العُبُودِيَّةَ، والعُبُودِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ التَّأْلِيهَ والتَّوْحِيدَ في الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ تَجِبُ عَلَيْهِ الطّاعَةُ والسَّمْعُ لِمالِكِهِ بِمُجَرَّدِ المُلْكِ، وإنْ كانَ مالِكُهُ عَبْدًا مِثْلَهُ، فَكَيْفَ بِالعَبْدِ المَمْلُوكِ لِرَبِّهِ وإلَهِهِ، وكَيْفَ بِالمالِكِ الإلَهِ الواحِدِ الأحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ ؟
وَقَدْ جاءَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ الثَّلاثُ: الرَّبُّ المَلِكُ الإلَهُ، في أوَّلِ افْتِتاحِيَّةِ أوَّلِ المُصْحَفِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]، والقِراءَةُ الأُخْرى: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“ [الفاتحة: ٤] .
وَفِي أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أوَّلُ نِداءٍ يُوَجَّهُ لِلنّاسِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، لِأنَّهُ رَبُّهم مَعَ بَيانِ المُوجِباتِ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] .
ثُمَّ بَيَّنَ المُوجِبَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] .
وَهَذا كُلُّهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ واسْتِحْقاقِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ العِبادَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ مُوجِبَ إفْرادِهِ وحْدَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] .
أيْ: كَما أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ في الخَلْقِ ولا في الرِّزْقِ ولا في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا أيْضًا في عِبادَةٍ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ.
وَعِبادَتُهُ تَعالى وحْدَهُ ونَفْيُ الأنْدادِ، هو ما قالَ عَنْهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ: مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نَفْيًا وإثْباتًا.
فالإثْباتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧٢] .
(p-١٧٣)والنَّفْيُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ .
وَكَوْنُ الرُّبُوبِيَّةِ تَسْتَوْجِبُ العِبادَةَ، جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] .
فالمَوْصُولُ وصِلَتُهُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِمُوجِبِ العِبادَةِ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في نِهايَةِ السُّورَةِ.
وَقَدْ جاءَ هُنا لَفْظُ: رَبِّ النّاسِ، بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ، بِما يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ العالَمِينَ ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، كَما في أوَّلِ الفاتِحَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
فالإضافَةُ هُنا إلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ.
وَقَدْ أُضِيفَ إلى بَعْضِ أفْرادٍ أُخْرى كالسَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِها مِن بَعْضِ كُلِّ شَيْءٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] .
وَإلى البَيْتِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] .
وَإلى البَلَدِ الحَرامِ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] .
وَإلى العَرْشِ: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
وَإلى الرَّسُولِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [محمد: ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ يُلاحَظُ أنَّهُ مَعَ كُلِّ إضافَةٍ مِن ذَلِكَ ما يُفِيدُ العُمُومَ، وأنَّهُ مَعَ إضافَتِهِ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العُمُومِ، فَهو رَبُّ العالَمِينَ، ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَفي إضافَتِهِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ جاءَ مَعَها قُلِ اللَّهُ.
وَفِي الإضافَةِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ جاءَ ﴿لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] .
(p-١٧٤)وَفِي الإضافَةِ إلى البَيْتِ جاءَ: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ .
وَفِي الإضافَةِ إلى البَلْدَةِ جاءَ ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١]، وهو اللَّهُ تَعالى.
وَفِي الإضافَةِ إلى العَرْشِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
وَفِي الإضافَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإضافَةِ إلى أيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُمُومِ يَأْتِي مَعَها ما يُفِيدُ العُمُومَ، وأنَّ اللَّهَ رَبُّ العالَمِينَ.
وَهُنا رَبُّ النّاسِ جاءَ مَعَها: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾، لِيُفِيدَ العُمُومَ أيْضًا؛ لِأنَّ إطْلاقَ الرَّبِّ قَدْ يُشارِكُ فِيهِ السَّيِّدُ المُطاعُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَقَوْلِ يُوسُفَ لِصاحِبِهِ في السِّجْنِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، أيِ: المَلِكِ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ، وقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٥٠] .
فَجاءَ بِالمَلِكِ والإلَهِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ، في مَعْنى رَبِّ النّاسِ، فَهو سُبْحانَهُ رَبُّ العالَمِينَ ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، ولَكِنَّ إضافَتَهُ هُنا إلى خُصُوصِ النّاسِ إشْعارٌ بِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ، ورِعايَةُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِعَبْدِهِ الَّذِي دَعاهُ إلَيْهِ لِيَسْتَعِيذَ بِهِ مِن عَدُوِّهِ، كَما أنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ رَجاءِ العَبْدِ في رَبِّهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ سَيَحْمِي عَبْدَهُ لِعُبُودِيَّتِهِ ويُعِيذُهُ مِمّا اسْتَعاذَ بِهِ مِنهُ.
وَيُقَوِّي هَذا الِاخْتِصاصَ إضافَةُ الرَّبِّ لِلرَّسُولِ ﷺ في جَمِيعِ أطْوارِهِ مُنْذُ البَدْأيْنِ: بَدْءُ الخِلْقَةِ وبَدْءُ الوَحْيِ، في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ١ - ٢]، ثُمَّ في نَشْأتِهِ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٣ - ٨] .
وَجَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ في السُّورَةِ بَعْدَها ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، تَعْدادَ النِّعَمِ عَلَيْهِ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ، ووَضْعِ الوِزْرِ، ورَفْعِ الذِّكْرِ، ثُمَّ في المُنْتَهى قَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] .
(p-١٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾، في مَجِيءِ مَلِكِ النّاسِ بَعْدَ رَبِّ النّاسِ، تَدَرُّجٌ في التَّنْبِيهِ عَلى تِلْكَ المَعانِي العِظامِ، وانْتِقالٌ بِالعِبادِ مِن مَبْدَأِ الإيمانِ بِالرَّبِّ لِما شاهَدُوهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ في الخَلْقِ والرِّزْقِ، وجَمِيعِ تِلْكَ الكائِناتِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ نِداءٍ وُجِّهَ إلَيْهِمْ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] .
كُلُّ هَذِهِ الآثارِ الَّتِي لَمَسُوها وأقَرُّوا بِمُوجِبِها، بِأنَّ الَّذِي أوْجَدَها هو رَبُّهم، ومِن ثَمَّ يَنْتَقِلُونَ إلى الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، وهي أنَّ رَبَّهُ الَّذِي هَذِهِ أفْعالُهُ هو مَلِكُهُ وهو المُتَصَرِّفُ في تِلْكَ العَوالِمِ، ومَلِكٌ لِأمْرِهِ وجَمِيعِ شُئُونِهِ، ومَلِكٌ لِأمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ جَمِيعًا.
فَإذا وصَلَ بِإقْرارِهِ إلى هَذا الإدْراكِ، أقَرَّ لَهُ ضَرُورَةً بِالأُلُوهِيَّةِ وهي المَرْتَبَةُ النِّهايَةُ
”إلَهِ النّاسِ“ أيْ: مَأْلُوهِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ وهو ما خَلَقَهم إلَيْهِ، ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
وَفِي إضافَةِ المَلِكِ إلى النّاسِ مِن إشْعارِ الِاخْتِصاصِ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَلِكُ كُلِّ شَيْءٍ، فِيهِ ما في إضافَةِ الرَّبِّ لِلنّاسِ المُتَقَدِّمِ بَحْثُهُ، فَهو سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقَوْلِهِ: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
فَهُوَ سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] فَبَدَأ بِالحَمْدِ أوْلًا.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]، بَدَأ بِتَسْبِيحِ نَفْسِهِ وتَنْزِيهِهِ لِعُمُومِ المُلْكِ ومُطْلَقِ التَّصَرُّفِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ تَصَرُّفٍ وتَدْبِيرٍ مَعَ الكَمالِ في الحَمْدِ والتَّقْدِيسِ.
(p-١٧٦)وَكَقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] .
وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ يُعْلَمُ كَمالُ مُلْكِهِ تَعالى، ونَقْصُ مُلْكِ ما سِواهُ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا، ونَعْلَمُ أنَّ مُلْكَهم بِتَمْلِيكِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا مُلْكُهم مُلْكُ سِياسَةٍ ورِعايَةٍ، لا مُلْكُ تَمَلُّكٍ وتَصَرُّفٍ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] .
والجَدِيرُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ أنَّ ”بِرِيطانْيا“ تَحْتَرِمُ نِظامَ المِلْكِيَّةِ إلى هَذا الوَقْتِ الحاضِرِ، بِدافِعٍ مِن هَذا المُعْتَقَدِ، وأنَّهُ لا مَلِكَ إلّا بِتَمْلِيكِ اللَّهِ إيّاهُ، وأنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا بِاصْطِفاءٍ مِنَ اللَّهِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِهِ، مِن أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا لا يَمْلِكُونَ أمْرَ الرَّعِيَّةِ لِأنَّ طالُوتَ مَلِكًا، ولَيْسَ مالِكًا لِأمْوالِهِمْ.
بَيْنَما مُلْكُ اللَّهِ تَعالى مُلْكُ خَلْقٍ وإيجادٍ وتَصَرُّفٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] .
وَعَلِيمٌ قَدِيرٌ هُنا مِن خَصائِصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِعِلْمٍ وعَنْ قُدْرَةٍ كامِلَيْنِ سُبْحانَهُ، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢] .
وَتَظْهَرُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ إذا جاءَ اليَوْمُ الحَقُّ، فَيَتَلاشى كُلُّ مُلْكٍ قَلَّ أوْ كَثُرَ، ويُذَلُّ كُلُّ مَلِكٍ كَبُرَ أوْ صَغُرَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُلْكُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] .
(p-١٧٧)وَفِي سُورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .
والقِراءَةُ الأُخْرى: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“ [الفاتحة: ٤] .
فِي القِراءَتَيْنِ مَعًا إشْعارٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ مُلْكِ اللَّهِ ومُلْكِ العِبادِ، كالفَرْقِ بَيْنَ المَلِكِ المُطْلَقِ والمَلِكِ النِّسْبِيِّ، إذِ المَلِكُ النِّسْبِيُّ لا يَمْلِكُ، والمَلِكُ المُطْلَقُ، فَهو المَلِكُ القُدُّوسُ، والَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تَرْجِعُ الخَلائِقُ كُلُّهم.
وَمَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ، فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ سُبْحانَهُ، ولا يُشْرَكَ مَعَهُ أحَدٌ، وهَذا هو شِعارُ العَبْدِ في الرُّكْنِ الخامِسِ مِن أرْكانِ الإسْلامِ، حِينَ يُهِلُّ بِالتَّلْبِيَةِ: إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾.
هَذِهِ هي المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ في كَمالِ العُبُودِيَّةِ، وإفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ.
وَهَذا هو مَحَلُّ الإحالَةِ، الَّتِي عَناها الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ فِيما يَظْهَرُ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أقَرَّ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وخالِقُهُ، ومُنْعِمٌ عَلَيْهِ أوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ، ورَبّاهُ بِالنِّعَمِ، لا رَبَّ لَهُ سِواهُ، ثُمَّ تَدَرَّجَ بِعِلْمِهِ ويَقِينِهِ إلى الإقْرارِ بِأنَّ رَبَّهُ هو مَلِيكُهُ والمُتَصَرِّفُ في أمْرِهِ وحْدَهُ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ هو نَفْسُهُ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا، ولا يَمْلِكُ لَهُ أحَدٌ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
وَأنَّ كُلَّ تَصَرُّفاتِ العالَمِ كُلِّهِ بِأمْرِهِ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ خَيْرٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَصْرِفُ عَنْهُ ضَرَرٌ إلّا بِأمْرِهِ.
وَعُرِفَ في يَقِينٍ: أنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِمَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ، تَوَصَّلَ بِعِلْمِهِ هَذا أنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ، كانَ هو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ وبِالأُلُوهِيَّةِ، لا إلَهَ إلّا هو.
فَيَكُونُ في خاتِمَةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ انْتِزاعُ الإقْرارِ مِنَ العَبْدِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِطَرِيقِ الإلْزامِ، بِالمَعْنى الَّذِي أرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ مِن أجْلِهِ كُتُبَهُ، وهو أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ، وهو ما صَرَّحَ الشَّيْخُ بِهِ في الإحالَةِ السّابِقَةِ.
وَإذا كانَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَدْ نَبَّهَ عَلى مُراعاةِ خاتِمَةِ المُصْحَفِ، فَإنّا لَوْ رَجَعْنا إلى أوَّلِ المُصْحَفِ وآخِرِهِ لَوَجَدْنا رَبْطًا بَدِيعًا، إذْ تِلْكَ الصِّفاتُ الثَّلاثُ في سُورَةِ النّاسِ (p-١٧٨)مَوْجُودَةٌ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فاتَّفَقَتِ الخاتِمَةُ مَعَ الفاتِحَةِ في هَذا المَعْنى العَظِيمِ، إذْ في الفاتِحَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، ومَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فَجاءَتْ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ والأُلُوهِيَّةِ في لَفْظِ الجَلالَةِ.
وَتَكُونُ الخاتِمَةُ الشَّرِيفَةُ مِن بابِ عَوْدٍ عَلى بَدْءٍ، وأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ فِيما بَيْنُ ذَلِكَ شَرْحٌ وبَيانٌ لِتَقْدِيرِ هَذا المَعْنى الكَبِيرِ.
وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيادَةُ إيضاحٍ في النِّهايَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
114:4Страница 604
مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ٤
от зла искусителя отступающего (или сжимающегося) при поминании Аллаха,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾.
كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوَسْوَسَةِ والخَنْسِ، بِسُكُونِ النُّونِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيانُ مَعْنى الوَسْوَسَةِ والوَسْواسِ لُغَةً وشَرْعًا، أيِ المُرادُ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [طه: ١٢٠] .
وَبَيَّنَ مُشْتَقّاتِهِما وأصْلَ اشْتِقاقِهِما، وهو يَدُورُ عَلى أنَّ الوَسْوَسَةَ: الحَدِيثُ الخَفِيُّ. والخَنْسَ: التَّأخُّرُ، كَما تَكَلَّمَ عَلى ذَلِكَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ المَعْنَيانِ المُتَنافِيانِ.
لِأنَّ الوَسْواسَ: كَثِيرُ الوَسْوَسَةِ، لِيُضِلَّ بِها النّاسَ. والخَنّاسُ: كَثِيرُ التَّأخُّرِ والرُّجُوعِ عَنْ إضْلالِ النّاسِ.
والجَوابُ أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَهو يُوَسْوِسُ عِنْدَ غَفْلَةِ العَبْدِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، خانِسٌ عِنْدَ ذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ تَعالى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، إلى آخِرِهِ. ا هـ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النّاسِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ .
لا يَخْفى ما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ وُصِفَ بِهِما هَذا اللَّعِينُ الخَبِيثُ مِنَ التَّنافِي، لِأنَّ الوَسْواسَ كَثِيرُ الوَسْوَسَةِ لِيُضِلَّ بِها النّاسَ، والخَنّاسَ كَثِيرُ التَّأخُّرِ والرُّجُوعِ عَنْ إضْلالِ النّاسِ.
والجَوابُ أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَهو وسْواسٌ عِنْدَ غَفْلَةِ العَبْدِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، خَنّاسٌ عِنْدَ ذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ تَعالى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٩] .
وَقَدْ تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى ما أرَدْنا جَمْعَهُ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ونَرْجُو اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ في الأقْوالِ والأفْعالِ وأنْ يَجْعَلَ سَعْيَنا خالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، آمِينَ.
وَصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии