Аш-ШинкитиАль‑Баляд · 90:1–16

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

البلد

Аль-Баляд

Город · Мекканская · 20 аятов

90:1Страница 594

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ١

Нет, клянусь этим городом (Меккой)!

(p-٥٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

سُورَةُ البَلَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ اللّامِ، وهَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، إلّا أنَّها هُنا لَيْسَتْ لِلنَّفْيِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أقْسَمَ بِهَذا البَلَدِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وهو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣]؛ لِأنَّ هَذا البَلَدَ مُرادٌ بِهِ مَكَّةُ إجْماعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: وأنْتَ أيِ: الرَّسُولُ ﷺ حِلٌّ، أيْ: حالٌّ أوْ حَلالٌ ﴿بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، أيْ مَكَّةَ، عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.

وَقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ نَظائِرُها مِنَ القُرْآنِ، والشِّعْرِ العَرَبِيِّ، مِمّا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، مَعَ أنَّ المُرادَ ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ

أيْ: وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ يَتَقَطَّعُ.

وَقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثًا مُطَوَّلًا في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

سُورَةُ البَلَدِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ لا يُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ الَّذِي هو مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ، مَعَ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .

الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، أنَّ ”لا“ هُنا صِلَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّها رُبَّما لَفَظَتْ ”لا“ مِن غَيْرِ قَصْدِ مَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: " ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]، يَعْنِي أنْ تَتْبَعَنِي، وقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، أيْ أنْ تَسْجُدَ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.

وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ ”ص“: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ﴾ الآيَةَ [ ٣٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أيْ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، أيْ فَوَرَبِّكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ (p-٤٤٤)[ ٢١ ]، أيْ والسَّيِّئَةُ وقَوْلُهُ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ [الأنعام: ١٥١]، عَلى أحَدِ الأقْوالِ الماضِيَةِ.

وَكَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

؎فَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا لَمّا رَأيْنَ الشَّمِطَ القَفَنْدَرا

يَعْنِي أنْ تَسْخَرَ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وَتَلْحِينَنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلِ

يَعْنِي أنْ أُحِبَّهُ و: لا، زائِدَةٌ.

وَقَوْلِ الآخَرِ:

؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلُهْ

يَعْنِي أبى جُودُهُ البُخْلَ، و ”لا“، زائِدَةٌ عَلى خِلافٍ في زِيادَتِها في هَذا البَيْتِ الأخِيرِ، ولا سِيَّما عَلى رِوايَةِ ”البُخْلِ“ بِالجَرِّ لِأنَّ: لا، عَلَيْها مُضافٌ بِمَعْنى لَفْظَةِ لا، فَلَيْسَتْ زائِدَةً عَلى رِوايَةِ الجَرِّ.

وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنّى أفِرْ

يَعْنِي وأبِيكِ.

وَأنْشَدَ الفَرّاءُ لِزِيادَةِ ”لا“ في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ

يَعْنِي وعُمَرُ، و: لا، صِلَةٌ.

وَأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ العَجّاجِ:(p-٤٤٥)

؎فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرى وما شَعَرْ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ جَشَرْ

فالحُورُ الهَلَكَةُ يَعْنِي في بِئْرِ هَلَكَةٍ، و ”لا“ صِلَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.

وَأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ:

؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ غابَ تَسَنُّمُهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ

وَيُرْوى أفَمِنكَ، وتَشَيُّمُهُ بَدَلَ أفَعَنْكَ، وتَسَنُّمُهُ.

يَعْنِي أعَنْكَ بَرْقٌ و ”لا“، صِلَةٌ.

وَمِن شَواهِدِ زِيادَتِها قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يُقَطَّعُ

يَعْنِي كادَ يَتَقَطَّعُ.

وَأمّا اسْتِدْلالُ أبِي عُبَيْدَةَ لِزِيادَتِها بِقَوْلِ الشَّمّاخِ:

؎أعائِشُ ما لِقَوْمِكِ لا أراهم ∗∗∗ يَضِيعُونَ الهِجانَ مَعَ المُضِيعِ

فَغَلَطٌ مِنهُ لِأنَّ: لا، في بَيْتِ الشَّمّاخِ هَذا نافِيَةٌ لا زائِدَةٌ ومَقْصُودُهُ أنَّها تَنْهاهُ عَنْ حِفْظِ مالِهِ مَعَ أنَّ أهْلَها يَحْفَظُونَ مالَهم، أيْ لا أرى قَوْمَكِ يُضَيِّعُونَ مالَهم، وأنْتِ تُعاتِبِينَنِي في حِفْظِ مالِي.

وَما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ لَفْظَةَ: لا، لا تَكُونُ صِلَةً إلّا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ، فَهو أغْلَبَنِي لا يَصِحُّ عَلى الإطْلاقِ، بِدَلِيلِ بَعْضِ الأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لا جَحْدَ فِيها، كَهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَوْلِ بَأنَّ ”لا“ فِيها صِلَةٌ، وكَبَيْتِ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ.

وَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن زِيادَةِ ”لا“ في أوَّلِ الكَلامِ دُونَ غَيْرِهِ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”لا نَفْيٌ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ:“ أُقْسِمُ ”إثْباتٌ مُسْتَأْنَفٌ، وهَذا القَوْلُ وإنْ قالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَلَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ“ القِيامَةِ ”: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [ ٧٥ ]، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (p-٤٤٦)﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ يَدُلّا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإثْباتَ المُؤْتَنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ:“ أُقْسِمُ "، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّها حَرْفُ نَفْيٍ أيْضًا، ووَجْهُهُ أنَّ إنْشاءَ القَسَمِ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ، فَهو نَفْيٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُعَظَّمُ بِالقَسَمِ بَلْ هو نَفْسُهُ عَظِيمٌ أقْسَمَ بِهِ أوَّلًا.

وَهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وصاحِبُ رَوْحِ المَعانِي، ولا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها، والعَرَبُ رُبَّما أشْبَعَتِ الفَتْحَةَ بِألِفٍ والكَسْرَةَ بِياءٍ والضَّمَّةَ بِواوٍ.

فَمِثالُهُ في الفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وقّاصٍ الحارِثِيِّ:

؎وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ∗∗∗ كَأنْ لَمْ تَرا قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًا

فالأصْلُ كَأنْ لَمْ تَرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ.

وَقَوْلُ الرّاجِزِ:

؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِي

فالأصْلُ تَرَضَّها، لِأنَّ الفِعْلَ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ.

وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ∗∗∗ زَيّافَةٍ مِثْلِ الفَنِـيقِ المُكْدَمِ

فالأصْلُ يَنْبُعُ يَعْنِي أنَّ العَرَقَ يَنْبُعُ مِن عَظْمِ الذِّفْرى مِن ناقَتِهِ، فَأشْبَعَ الفَتْحَةَ فَصارَ يَنْباعُ عَلى الصَّحِيحِ.

وَقَوْلُ الرّاجِزِ:

؎قُلْتُ وقَدْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتِي ما جُلْتِ مِن مَجالِي

فَقَوْلُهُ: ”الكَلْكالِ“، يَعْنِي الكَلْكَلَ، ولَيْسَ إشْباعُ الفَتْحَةِ في هَذِهِ الشَّواهِدِ مِن ضَرُورَةِ (p-٤٤٧)الشِّعْرِ، لِتَصْرِيحِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّ إشْباعَ الحَرَكَةِ بِحَرْفٍ يُناسِبُها أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولِأنَّهُ مَسْمُوعٌ في النَّثْرِ كَقَوْلِهِمْ: كَلْكالٌ، وخاتامٌ، وداناقٌ، يَعْنُونَ: كَلْكَلًا وخاتَمًا ودانَقًا.

وَمِثْلُهُ في إشْباعِ الضَّمَّةِ بِالواوِ، وقَوْلُهم: بُرْقُوعٌ ومُعْلُوقٌ، يَعْنُونَ: بُرْقُعًا ومُعَلَّقًا.

وَمِثالُ إشْباعِ الكَسْرَةِ بِالياءِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ:

؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ

فالأصْلُ يَأْتِكَ لِمَكانِ الجازِمِ، وأنْشَدَ لَهُ الفَرّاءُ:

؎لا عَهْدَ لِي بِنِيضالِ ∗∗∗ أصْبَحْتُ كالشَّنِّ البالِ

وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎كَأنِّي بِفَتْخاءِ الجَناحَيْنِ لَقْوَةٍ ∗∗∗ عَلى عَجَلٍ مِنِّي أُطَأْطِئُ شِيمالِي

وَيُرْوى: ”صَيُودٍ مِنَ العِقْبانِ طَأْطَأْنَ شِيمالِي“ .

وَيُرْوى ”دَفُوفٍ مِنَ العِقْبانِ“ . إلخ.

وَيُرْوى ”شِمْلالِ“ بَدَلَ شِيمالِ "، وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ، إلّا أنَّ رِوايَةَ الياءِ مَشْهُورَةٌ. ومِثالُ إشْباعِ الضَّمَّةِ بِالواوِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هَجَوْتُ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتُ مُعْتَذِرًا ∗∗∗ مِن هَجْوِ زَبّانَ لَمْ تَهْجُ ولَمْ تَدَعِ

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎اللَّهُ أعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا ∗∗∗ يَوْمَ الفِراقِ إلى إخْوانِنا صُوَرُ

؎وَإنَّنِي حَيْثُما يَثْنِي الهَوى بَصَرِي ∗∗∗ مِن حَيْثُما سَلَكُوا أدْنُو فَأنْظُورُ

يَعْنِي فَأنْظُرُ، وقَوْلُ الرّاجِزِ:

؎لَوْ أنَّ عَمْرًا هَمَّ أنْ يَرْقُودا ∗∗∗ فانْهَضْ فَشُدَّ المِئْزَرَ المَعْقُودا

يَعْنِي ”يَرْقُدَ“، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قِراءَةُ قُنْبُلٍ: ”لَأُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ“ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ البَزِّيِّ والحَسَنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

(p-٤٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ .

يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ المِسْكِينَ لاصِقٌ بِالتُّرابِ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَهو أشَدُّ فَقْرًا مِن مُطْلَقِ الفَقِيرِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِمالِكٌ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧٩]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لِأنَّهُ سَمّاهم مَساكِينَ مَعَ أنَّ لَهم سَفِينَةً عامِلَةً لِلْإيجارِ.

والجَوابُ عَنْ هَذا مُحْتاجٌ إلَيْهِ عَنْ كِلا القَوْلَيْنِ.

أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المِسْكِينَ مَن عِنْدَهُ ما لا يَكْفِيهِ كالشّافِعِيِّ، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الجَوابَ أنَّهُ يَقُولُ: المِسْكِينُ عِنْدَ الإطْلاقِ يَنْصَرِفُ إلى مَن عِنْدَهُ شَيْءٌ لا يَكْفِيهِ، فَإذا قُيِّدَ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ لا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَذَلِكَ يُعْلَمُ مِنَ القَيْدِ الزّائِدِ لا مِن مُطْلَقِ لَفْظِ المِسْكِينِ.

وَعَلَيْهِ، فاللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَيَّدَ المِسْكِينَ بِكَوْنِهِ: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾، فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ لانْصَرَفَ إلى مَن عِنْدَهُ ما لا يَكْفِيهِ، فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ حالَةَ الإطْلاقِ لا يُعارَضُ بِمَدْلُولِهِ حالَةَ التَّقْيِيدِ.

وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: بِأنَّ المِسْكِينَ أحْوَجُ مِن مُطْلَقِ الفَقِيرِ، وأنَّهُ لا شَيْءَ عِنْدَهُ فَيُجابُ عَنْ آيَةِ الكَهْفِ بِأجْوِبَةٍ: مِنها أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ”مَساكِينَ“؛ أنَّهم قَوْمٌ ضِعافٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةِ الظَّلَمَةِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ مِنهم زَمْنى.

وَمِنها أنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم، بَلْ كانُوا أُجَراءَ فِيها أوْ أنَّها عارِيَةٌ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.

وَمِنها أنَّ اسْمَ المَساكِينِ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ تَرَحُّمًا لِضَعْفِهِمْ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ هَذِهِ الأجْوِبَةَ لا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَلَيْسَ فِيها حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْها، وما احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهم - مِن قِراءَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لِمَسّاكِينَ“، بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ تَصْحِيحٍ لَمَسّاكٍ بِمَعْنى المَلّاحِ أوْ دابَّةِ المُسُوكِ الَّتِي هي الجُلُودُ، فَلا يَخْفى سُقُوطُهُ لِضَعْفِ هَذِهِ القِراءَةِ وشُذُوذِها. والَّذِي يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِ المُنْصِفِ أنَّ مَجْمُوعَ الآيَتَيْنِ دَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ المِسْكِينِ مُشَكِّكٌ لِتَفاوُتِ أفْرادِهِ فَيَصْدُقُ بِمَن عِنْدَهُ ما لا يَكْفِيهِ بِدَلِيلِ آيَةِ ”الكَهْفِ“، ومَن هو لاصِقٌ بِالتُّرابِ لا شَيْءَ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ آيَةِ ”البَلَدِ“، (p-٤٤٩)كاشْتِراكِ الشَّمْسِ والسِّراجِ في النُّورِ مَعَ تَفاوُتِهِما، واشْتِراكِ الثَّلْجِ والعاجِ في البَياضِ مَعَ تَفاوُتِهِما.

والمُشَكِّكُ إذا أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ بِوَصْفِ الأشَدِّيَّةِ انْصُرِفَ إلى مُطْلَقِهِ، هَذا ما ظَهَرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

والفَقِيرُ أيْضًا قَدْ تُطْلِقُهُ العَرَبُ عَلى مَن عِنْدَهُ بَعْضُ المالِ، كَقَوْلِ مالِكٍ، ومِن شَواهِدِهِ قَوْلُ راعِي نُمَيْرٍ:

؎أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ

فَسَمّاهُ فَقِيرًا مَعَ أنَّ عِنْدَهُ حَلُوبَةً قَدْرَ عِيالِهِ.

90:2Страница 594

وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٢

Ты обитаешь в этом городе (или Тебе будет дозволено сражаться в этом городе).

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾، ”حِلٌّ“: بِمَعْنى حالٌّ، والفِعْلُ المُضَعَّفُ يَأْتِي مُضارِعُهُ مِن بابِ نَصَرَ وضَرَبَ، فَإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مِن بابِ نَصَرَ.

تَقُولُ: حَلَّ العُقْدَةَ يَحُلُّها - بِالضَّمِّ -، وتَقُولُ: حَلَّ بِالمَكانِ يَحِلُّ - بِالكَسْرِ -: إذا أقامَ فِيهِ، والإحْلالُ دُونَ الإحْرامِ.

(p-٥٣٠)وَقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِحِلٌّ: هَلْ هو مِنَ الإحْلالِ بِالمَكانِ ؟ أوْ هو مِنَ التَّحَلُّلِ ضِدَّ الإحْرامِ ؟

فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ مِنَ الإحْلالِ ضِدَّ الإحْرامِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالإحْلالِ هَذا.

فَقِيلَ: هو إحْلالُ مَكَّةَ لَهُ في عامِ الفَتْحِ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.

وَقِيلَ: ”حِلٌّ“: أيْ: حَلالٌ لَهُ ما يَفْعَلُ بِمَكَّةَ غَيْرُ آثِمٍ، بَيْنَما هم آثِمُونَ بِفِعْلِهِمْ.

وَقِيلَ: ”حِلٌّ“: أيْ: أنَّ المُشْرِكِينَ مُعَظِّمُونَ هَذا البَلَدَ وحُرْمَتَهُ في نُفُوسِهِمْ، ولَكِنَّهم مُسْتَحِلُّونَ إيذاءَكَ وإخْراجَكَ.

وَذَكَرَ أبُو حَيّانَ: أنَّهُ مِنَ الحُلُولِ والبَقاءِ والسَّكَنِ، أيْ: وأنْتَ حالٌّ بِها. اهـ.

وَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ ووَعْدًا بِالفَتْحِ، وأنَّها تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَتْ حَرامًا، فَيُقاتِلُ أهْلَها ويَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ، أوْ أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ وأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يَفْعَلُونَ بِهِ، وسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ.

وَعَلى الثّانِي: يَكُونُ تَأْكِيدًا لِشَرَفِ مَكَّةَ؛ إذْ هي أوَّلا فِيها بَيْتُ اللَّهِ وهو شَرَفٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حالٌّ فِيها بَيْنَ أهْلِها.

والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ هَذا الثّانِيَ هو الرّاجِحُ، وإنْ كانَ أقَلَّ قائِلًا؛ وذَلِكَ لِقَرائِنَ مِن نَفْسِ السُّورَةِ ومِن غَيْرِها مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

مِنها: أنَّ حُلُولَهُ ﷺ بِهَذا البَلَدِ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ فِعْلًا، وأهَمَّهُ أنَّ اللَّهَ رافِعٌ عَنْهُمُ العَذابَ؛ لِوُجُودِهِ فِيهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وهَذا البَلَدُ الأمِينُ مِنَ العَذابِ، وهَؤُلاءِ الآمِنُونَ مِنَ العَذابِ بِفَضْلِ وُجُودِكَ فِيهِمْ.

وَمِنها: أنَّهُ ﷺ بِحُلُولِهِ فِيها بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يُلاقِي مِنَ المَشاقِّ، ويَصْبِرُ عَلَيْها.

وَفِيهِ أرْوَعُ المَثَلِ لِلصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ في الدَّعْوَةِ، فَقَدْ آذَوْهُ كُلَّ الإيذاءِ، حَتّى وضَعُوا سَلا الجَزُورِ عَلَيْهِ وهو يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ، وهو يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ، وآذَوْهُ في عَوْدَتِهِ مِنَ الطّائِفِ، وجاءَهُ مَلِكُ الجِبالِ نُصْرَةً لَهُ، فَأبى وصَبَرَ ودَعا لَهم، ومَنَعُوهُ الدُّخُولَ إلى (p-٥٣١)بَلَدِهِ مَسْقَطَ رَأْسِهِ فَصَبَرَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ، ورَضِيَ الدُّخُولَ في جِوارِ رَجُلٍ مُشْرِكٍ وهَذا هو المُناسِبُ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]، وهَذا مِن أعْظَمِهِ.

فَإذا كانَ كُلُّ إنْسانٍ يُكابِدُ في حَياتِهِ، أيًّا كانَ هو، ولِأيِّ غَرَضٍ كانَ، فَمُكابَدَتُكَ تِلْكَ جَدِيرَةٌ بِالتَّقْدِيرِ والإعْظامِ، حَتّى يُقْسَمَ بِها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

90:3Страница 594

وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ٣

Клянусь родителем и тем, кого он породил (Адамом и его потомством, или Ибрахимом и его потомками, в том числе Исмаилом и Мухаммадом)!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾

قِيلَ: الوالِدُ: هو آدَمُ، ﴿وَما ولَدَ﴾، قِيلَ: ”ما“ نافِيَةٌ. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ.

فَعَلى أنَّها نافِيَةٌ: أيْ: وكُلُّ عَظِيمٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ.

وَعَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: بِمَعْنى الوِلادَةِ مِن تَخْلِيصِ نَفْسٍ مِن نَفْسٍ، وما يَسْبِقُ ذَلِكَ مِن تَلْقِيحٍ وحَمْلٍ، ونُمُوِّ الجَنِينِ، وتَفْصِيلِهِ وتَخْلِيقِهِ، وتَسْهِيلِ وِلادَتِهِ.

وَقِيلَ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾: كُلُّ والِدٍ مَوْلُودٌ مِن حَيَوانٍ وإنْسانٍ.

وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ الوالِدَ هو آدَمُ، وما ولَدَ ذُرِّيَّتَهُ، بِأنَّهُ المُناسِبُ مَعَ هَذا البَلَدِ؛ لِأنَّها أُمُّ القُرى، وهو أبُو البَشَرِ، فَكَأنَّهُ أقْسَمَ بِأُصُولِ المَوْجُوداتِ وفُرُوعِها.

90:4Страница 594

لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ ٤

Мы создали человека в тяготах.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾

تَقَدَّمُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] .

90:5Страница 594

أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ ٥

Неужели он полагает, что никто не справится с ним?

К этому аяту нет толкования

90:6Страница 594

يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا ٦

Он говорит: «Я погубил богатство несметное!».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ أيَراهُ أحَدٌ ؟ ومَنِ الَّذِي يَراهُ ؟

وَمَعْلُومٌ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَراهُ، ولَكِنْ جاءَ الجَوابُ مَقْرُونًا بِالدَّلِيلِ والإحْصاءِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ لِلْإنْسانِ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِما، ويَعْلَمُ مِنهُ خائِنَةَ الأعْيُنِ، ولِسانًا يَنْطِقُ بِهِ ويُحْصِي عَلَيْهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وهَداهُ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ البَذْلِ وطَرِيقَ الإمْساكِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلَنْ يُنْفِقَ دِرْهَمًا إلّا وهو سُبْحانَهُ يَعْلَمُهُ ويَراهُ.

90:7Страница 594

أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ ٧

Неужели он полагает, что никто не видел его?

К этому аяту нет толкования

90:8Страница 594

أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ٨

Разве Мы не наделили его двумя глазами,

К этому аяту нет толкования

90:9Страница 594

وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ٩

языком и двумя устами?

К этому аяту нет толкования

90:10Страница 594

وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ١٠

Разве Мы не указали ему на две восходящие тропы?

(p-٥٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾

النَّجْدُ: الطَّرِيقُ، وهو كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الإنْسانِ“ بَعْدَ تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]، أيِ: الطَّرِيقَ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ بِدَلِيلِ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] .

وَتَقَدَّمَ المَعْنى هُناكَ، ويَأْتِي في السُّورَةِ بَعْدَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] . زِيادَةُ إيضاحٍ لَهُ. إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

90:11Страница 594

فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ١١

Но он не стал преодолевать крутую тропу.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾

وَقَدْ بَيَّنَ المُرادَ بِالعَقَبَةِ فِيما بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢]، ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَها.

وَقَدْ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ ما جاءَ بِصِيغَةِ ”وَما أدْراكَ“، فَقَدْ جاءَ تَفْصِيلُهُ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ١ - ٤]، وما بَعْدَها.

وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢] .

وَفِي تَفْسِيرِ العَقَبَةِ بِالمَذْكُوراتِ، فَكُّ الرَّقَبَةِ، وإطْعامُ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ، تَوْجِيهٌ إلى ضَرُورَةِ الإنْفاقِ حَقًّا لا ما يَدَّعِيهِ الإنْسانُ بِدُونِ حَقِيقَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] .

أمّا فَكُّ الرَّقَبَةِ: فَإنَّهُ الإسْهامُ في عِتْقِ الرَّقِيقِ، والِاسْتِقْلالُ في عِتْقِها يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفَكِّ النَّسَمَةِ.

وَهَذا العُنْصُرُ مِنَ العَمَلِ بالِغُ الأهَمِّيَّةِ، حَيْثُ قُدِّمَ في سُلَّمِ الِاقْتِحامِ لِتِلْكَ العَقَبَةِ.

وَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِبَيانِ فَضْلِ هَذا العَمَلِ حَتّى أصْبَحَ عِتْقُ الرَّقِيقِ أوْ فَكُّ النَّسَمَةِ، يُعادَلُ بِهِ عِتْقُ المُعْتَقِ مِنَ النّارِ كُلُّ عُضْوٍ بِعُضْوٍ، وفِيهِ نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، وفي هَذا إشْعارٌ بِحَقِيقَةِ مَوْقِفِ الإسْلامِ مِنَ الرِّقِّ، ومَدى حِرْصِهِ وتَطَلُّعِهِ إلى تَحْرِيرِ الرِّقابِ.

(p-٥٣٣)فَها هو هُنا يَجْعَلُ عَتَقَ الرَّقَبَةِ، سُلَّمَ اقْتِحامِ العَقَبَةِ، وجَعَلَهُ عِتْقًا لِلْمُعَتَقِ مِنَ النّارِ كُلُّ عُضْوٍ بِعُضْوٍ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَسْعى لِذَلِكَ، وجَعَلَهُ كَفّارَةً لِكُلِّ يَمِينٍ ولِلظِّهارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وكَفّارَةَ القَتْلِ الخَطَأِ، كُلُّ ذَلِكَ نَوافِذُ إطْلاقِ الأُسارى، وفَكُّ الرِّقابِ في الوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُفْتَحْ لِلِاسْتِرْقاقِ إلّا بابٌ واحِدٌ، هو الأسْرُ في القِتالِ مَعَ المُشْرِكِينَ لا غَيْرَ، وهُما مِمّا سَبَقَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ رَدًّا عَلى المُسْتَشْرِقِينَ ومَن تَأثَّرَ بِهِمْ؛ في ادِّعائِهِمْ عَلى الإسْلامِ: أنَّهُ مُتَعَطِّشٌ لِاسْتِرْقاقِ الأحْرارِ.

وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] . أيْ: شِدَّةٍ وجُوعٍ. والسّاغِبُ: الجائِعُ؛ قالَ القُرْطُبِيُّ: وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎فَلَوْ كُنْتَ جارًا يا بْنَ قَيْسٍ لِعاصِمٍ لَما بِتَّ شَبْعانًا وجارُكَ ساغِبًا

أيْ: لَوْ كُنْتَ جارًا بِحَقٍّ تَعْنِي بِحَقِّ الجارِ، لَما حَدَثَ لِجارِكَ هَذا.

وَهَذا القَيْدُ لِحالِ الإطْعامِ؛ دَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الإيمانِ بِالجَزاءِ، وتَقْدِيمِ ما عِنْدَ اللَّهِ؛ عَلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في حُبِّهِ أنَّهُ لِلطَّعامِ، وهَذا غالِبٌ في حالاتِ الشِّدَّةِ والمَسْغَبَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فَهي أعْلى مَنازِلِ الفَضِيلَةِ في الإطْعامِ.

90:12Страница 594

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ ١٢

Откуда ты мог знать, что такое крутая тропа?

К этому аяту нет толкования

90:13Страница 594

فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣

Это - освобождение раба

К этому аяту нет толкования

90:14Страница 594

أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ ١٤

или кормление в голодный день

К этому аяту нет толкования

90:15Страница 594

يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ ١٥

сироту из числа родственников

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾، فاليَتِيمُ مَن حُرِمَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدُهُما، وقَدْ خَصُّوا في اللُّغَةِ يَتِيمَ الحَيَوانِ، مَن فَقَدَ الأُمَّ، وفي الطُّيُورِ مَن فَقَدَ الأبَوَيْنِ، وفي الإنْسانِ مَن فَقَدَ الأبَ.

وَ ”ذا مَقْرَبَةٍ“: أيْ: قَرابَةٍ، وخُصَّ بِهِ؛ لِأنَّ الإطْعامَ في حَقِّهِ أفْضَلُ وأوْلى مِن غَيْرِهِ، وفِيهِ الحَدِيثُ: «إنَّ الصَّدَقَةَ عَلى القَرِيبِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ، وعَلى البَعِيدِ صَدَقَةٌ فَقَطْ» .

(p-٥٣٤)والأحادِيثُ في الإحْسانِ إلى اليَتِيمِ مُتَضافِرَةٌ، ويَكْفِي قَوْلُهُ ﷺ: «أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ كَهَذَيْنِ» أيِ: السَّبّابَةِ والَّتِي تَلِيها.

90:16Страница 594

أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ ١٦

или приникшего к земле бедняка.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾

قِيلَ: المِسْكِينُ مِنَ السُّكُونِ وقِلَّةِ الحَرَكَةِ، والمَتْرَبَةُ: اللُّصُوقُ بِالتُّرابِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المِسْكِينِ والفَقِيرِ: أيُّهُما أشَدُّ احْتِياجًا وما حَدُّ كُلٍّ مِنهُما ؟ فاتَّفَقُوا أوَّلًا: عَلى أنَّهُ إذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، وإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا ذُكِرَ أحَدُهُما فَقَطْ، فَيَشْمَلُ الثّانِيَ مَعَهُ، ويَكُونُ الحُكْمُ جامِعًا لَهُما كَما هو هُنا، فالإطْعامُ يَشْمَلُ الِاثْنَيْنِ مَعًا، وإذا اجْتَمَعا فُرِّقَ بَيْنَهُما بِالتَّعْرِيفِ.

فالمِسْكِينُ كَما تَقَدَّمَ، والفَقِيرُ، قالُوا: مَأْخُوذٌ مِنَ الفَقْرَةِ وهي: الحُفْرَةُ تُحْفَرُ لِلنَّخْلَةِ ونَحْوِها لِلْغَرْسِ، فَكَأنَّهُ نَزَلَ إلى حُفْرَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنها.

وَقِيلَ: مِن فَقارِ الظَّهْرِ، وإذا أُخِذَتْ فَقارٌ مِنها عَجَزَ عَنِ الحَرَكَةِ، فَقِيلَ: عَلى هَذا الفَقِيرُ أشَدُّ حاجَةً، ويُرَجِّحُهُ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فَسَمّاهم مَساكِينَ مَعَ وُجُودِ سَفِينَةٍ لَهم يَتَسَبَّبُونَ عَلَيْها لِلْمَعِيشَةِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا» الحَدِيثَ. مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ»، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، خِلافًا لِمالِكٍ.

وَقَدْ قالُوا في تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنهُما: المِسْكِينُ مَن يَجِدُ أقَلَّ ما يَكْفِيهِ، والفَقِيرُ: مَن لا يَجِدُ شَيْئًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English