Аш-ШинкитиФуссилят · 41:1–9

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

فصلت

Фуссилят

Разъяснены · Мекканская · 54 аята

41:1Страница 477

حمٓ ١

Ха. Мим.

(p-٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ فُصِّلَتْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ وعَلى نَظائِرِهِ مِنَ الآياتِ، في أوَّلِ سُورَةِ الزُّمَرِ.

41:2Страница 477

تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢

Ниспосланное от Милостивого, Милосердного

К этому аяту нет толкования

41:3Страница 477

كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣

является Писанием, аяты которого разъяснены в виде Корана на арабском языке для людей знающих.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ .

(كِتابٌ) خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا كِتابٌ، والكِتابُ فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَكْتُوبٌ.

وَإنَّما قِيلَ لَهُ (كِتابٌ) لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] .

وَمَكْتُوبٌ أيْضًا في صُحُفٍ عِنْدَ المَلائِكَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] .

وَقالَ تَعالى في قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِما تَضَمَّنَتْهُ الصُّحُفُ المَكْتُوبُ فِيها القُرْآنُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ التَّفْصِيلُ ضِدُّ الإجْمالِ، أيْ فَصَّلَ اللَّهُ آياتِ هَذا القُرْآنِ، أيْ بَيَّنَها وأوْضَحَ فِيها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ودُنْياهم.

والمُسَوِّغُ لِحَذْفِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ هو العِلْمُ بِأنَّ تَفْصِيلَ آياتِ هَذا القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ وحْدَهُ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَفْصِيلِ آياتِ هَذا الكِتابِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، مُبَيَّنًا فِيها أنَّ اللَّهَ فَصَّلَهُ عَلى عِلْمٍ مِنهُ، وأنَّ الَّذِي فَصَّلَهُ حَكِيمٌ خَبِيرٌ، وأنَّهُ فَصَّلَهُ لِيَهْدِيَ (p-٤)بِهِ النّاسَ ويَرْحَمَهم، وأنَّ تَفْصِيلَهُ شامِلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١١١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾

قَوْلُهُ: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ وعَلى الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في القُرْآنِ في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] أيْ فُصِّلَتْ آياتُهُ في حالِ كَوْنِهِ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) .

وَإنَّما خَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِهِ، كَما خَصَّهم بِتَفْصِيلِ الآياتِ في سُورَةِ ”يُونُسَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧ - ٩٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ تَخْصِيصِ المُنْتَفِعِينَ بِالأمْرِ المُشْتَرَكِ دُونَ غَيْرِهِمْ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ١٨] وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ تَخْصِيصَهم بِالإنْذارِ دُونَ غَيْرِهِمْ في آيَةِ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى في ”يس“: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١]،

• وقَوْلِهِ في النّازِعاتِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]،

• وقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“ ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ (p-٥)الآيَةَ [الأنعام: ٥١] . مَعَ أنَّ أصْلَ الإنْذارِ عامٌّ شامِلٌ لِلْمَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .

وَإنَّما خَصَّ المَذْكُورِينَ بِالإنْذارِ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالإنْذارِ، ومَن لَمْ يُنْذَرْ أصْلًا - سَواءٌ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤] حالٌ بَعْدَ حالٍ. وقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ وبَعْضَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ٢]، وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ .

قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَهم لا يَسْمَعُونَ أيْ لا يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ وانْتِفاعٍ.

وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] .

41:4Страница 477

بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤

Оно возвещает благую весть и предостерегает, однако большинство их отворачивается и не слышит.

К этому аяту нет толкования

41:5Страница 477

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥

Они говорят: «Наши сердца закрыты для того, к чему ты призываешь нас, наши уши поражены глухотой, а между нами и тобой - завеса. Трудись же, и мы будем трудиться».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ .

ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ صَرَّحُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهم لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولا يَقْبَلُونَ مِنهُ ما جاءَهم بِهِ؛ فَقالُوا لَهُ: قُلُوبُنا الَّتِي نَعْقِلُ بِها ونَفْهَمُ (في أكِنَّةٍ) أيْ أغْطِيَةٍ.

(p-٦)والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ والغِلافُ الَّذِي يُغَطِّي الشَّيْءَ ويَمْنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ.

وَيَعْنُونَ أنَّ تِلْكَ الأغْطِيَةَ مانِعَةٌ لَهم مِن فَهْمِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ﷺ . وقالُوا: إنَّ في آذانِهِمُ الَّتِي يَسْمَعُونَ بِها وقْرًا، أيْ ثِقَلًا، وهو الصَّمَمُ، وإنَّ ذَلِكَ الصَّمَمَ مانِعٌ لَهم مِن أنْ يَسْمَعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا ومِمّا يَقُولُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .

وَأنَّ مِن بَيْنِهِمْ وبَيْنَهُ حِجابًا مانِعًا لَهم مِنَ الِاتِّصالِ والِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الحِجابَ يَحْجُبُ كُلًّا مِنهُما عَنِ الآخَرِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ ما يُبْدِيهِ ﷺ مِنَ الحَقِّ.

واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - ذَكَرَ عَنْهم هَذا الكَلامَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، مَعَ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمُ الأكِنَّةَ، وفي آذانِهِمُ الوَقْرَ، وجَعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِ حِجابًا عِنْدَ قِراءَتِهِ القُرْآنَ، قالَ تَعالى في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦] . وقالَ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] . وقالَ تَعالى ”في الكَهْفِ“: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] .

وَهَذا الإشْكالُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في هَذِهِ الآياتِ قَوِيٌّ، ووَجْهُ كَوْنِهِ مُشْكِلًا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى دَعْواهُمُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ والحِجابَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن ”فُصِّلَتْ“، وبَيَّنَ في الآياتِ الأُخْرى أنَّ ما ذَمَّهم عَلى ادِّعائِهِ واقِعٌ بِهِمْ فِعْلًا، وأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِمْ.

فَيُقالُ: فَكَيْفَ يُذَمُّونَ عَلى قَوْلِ شَيْءٍ هو حَقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ ؟

والتَّحْقِيقُ في الجَوابِ عَنْ هَذا الإشْكالِ هو ما ذَكَرْناهُ مِرارًا مِن أنَّ اللَّهَ إنَّما جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمُ الأكِنَّةَ، وطَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ عَلَيْها، وجَعَلَ الوَقْرَ في آذانِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَوانِعِ مِنَ الهُدى - بِسَبَبِ أنَّهم بادَرُوا إلى الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ طائِعِينَ مُخْتارِينَ، فَجَزاهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الذَّنْبِ الأعْظَمِ طَمْسَ البَصِيرَةِ، والعَمى عَنِ الهُدى، جَزاءً وِفاقًا.

(p-٧)فالأكِنَّةُ والوَقْرُ والحِجابُ المَذْكُورَةُ إنَّما جَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُجازاةً لِكُفْرِهِمُ الأوَّلِ.

وَمِن جَزاءِ السَّيِّئَةِ تَمادِي صاحِبِها في الضَّلالِ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في ذَلِكَ.

والآياتُ المُصَرِّحَةُ بِمَعْنى هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .

فَقَوْلُ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ: قُلُوبُنا غُلْفٌ كَقَوْلِ كُفّارِ مَكَّةَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾؛ لِأنَّ الغُلْفَ جَمْعُ أغْلُفَ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ غِلافٌ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والغِلافُ والكِنانُ كِلاهُما بِمَعْنى الغِطاءِ السّاتِرِ.

وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلى اليَهُودِ دَعْواهم بِ (بَلِ) الَّتِي هي لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .

فالباءُ في قَوْلِهِ: (بِكُفْرِهِمْ) سَبَبِيَّةٌ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ سَبَبَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ هو كَفْرُهم، والأكِنَّةُ والوَقْرُ والطَّبْعُ كُلُّها مِن بابٍ واحِدٍ.

وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]، والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَطُبِعَ) سَبَبِيَّةٌ، أيْ ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّهُ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ.

وَكَذَلِكَ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ فَهي سَبَبِيَّةٌ أيْضًا، أيْ فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَّبْعِ (لا يَفْقَهُونَ) أيْ لا يَفْهَمُونَ مِن بَراهِينِ اللَّهِ وحُجَجِهِ شَيْئًا.

وَذَلِكَ مِمّا يُبَيِّنُ أنَّ الطَّبْعَ والأكِنَّةَ يَئُولُ مَعْناهُما إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو ما يَنْشَأُ عَنْ كُلٍّ مِنهُما مِن عَدَمِ الفَهْمِ.

لِأنَّهُ قالَ في الطَّبْعِ ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .

وَقالَ في الأكِنَّةِ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، أوْ لِأجْلِ ألّا يَفْقَهُوهُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.

(p-٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَبَيَّنَ أنَّ زَيْغَهُمُ الأوَّلَ كانَ سَبَبًا لِإزاغَةِ اللَّهِ قُلُوبَهم، وتِلْكَ الإزاغَةُ قَدْ تَكُونُ بِالأكِنَّةِ والطَّبْعِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ.

وَ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٠]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

وَإيضاحُ هَذا الجَوابِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ إخْبارَهُ ﷺ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بِوَجْهٍ، ولا يَتَّبِعُونَهُ بِحالٍ، ولا يُقِرُّونَ بِالحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ كُفْرِهِمْ هَذا هو الجَرِيمَةُ والذَّنْبُ الَّذِي كانَ سَبَبًا في الأكِنَّةِ والوَقْرِ والحِجابِ.

فَدَعْواهم كاذِبَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم قُلُوبًا يَفْهَمُونَ بِها، وآذانًا يَسْمَعُونَ بِها، خِلافًا لِما زَعَمُوا، ولَكِنَّهُ سَبَّبَ لَهُمُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ والحِجابَ بِسَبَبِ مُبادَرَتِهِمْ إلى الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .

وَهَذا المَعْنى أوْضَحَهُ رَدُّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ .

وَقَدْ حاوَلَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الجَوابَ عَلى الإشْكالِ المَذْكُورِ، فَقالَ: فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يَقْرُبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْنى التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟

قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ ها هُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ.

أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. اهـ مِنهُ. والأظْهَرُ هو ما ذَكَرْنا.

(p-٩)قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ .

فَإنْ قُلْتَ: هَلْ لِزِيادَةِ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ - فائِدَةٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنْ حِجابًا حاصِلٌ وسَطَ الجِهَتَيْنِ.

وَأمّا بِزِيادَةِ (مِن) فالمَعْنى أنَّ حِجابًا ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ لِجِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، لا فَراغَ فِيها. انْتَهى مِنهُ.

واسْتَحْسَنَ كَلامَهُ هَذا الفَخْرُ الرّازِيُّ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ، فَأوْضَحَ سُقُوطَهُ، والحَقُّ مَعَهُ في تَعَقُّبِهِ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ وإيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .

41:6Страница 477

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦

Скажи: «Я - такой же человек, как и вы. Мне внушено в откровении, что ваш бог - Бог Единственный. Идите к Нему прямым путем и просите у Него прощения. И горе многобожникам,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ .

أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ .

والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ إضافِيٌّ، أيْ لا أقُولُ لَكم: إنِّي مَلَكٌ، وإنَّما أنا رَجُلٌ مِنَ البَشَرِ.

وَقَوْلُهُ: مِثْلُكم في الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي بِما أوْحى إلَيَّ مِن تَوْحِيدِهِ.

كَما قالَ تَعالى عَنِ الرُّسُلِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] أيْ كَما مَنَّ عَلَيْنا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.

وَما ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَهُ في آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١١٠] .

(p-١٠)وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ حَصْرِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ ﷺ في مَضْمُونِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .

وَبَيَّنّا في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ إنْكارَ المُشْرِكِينَ كَوْنَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مِنَ المَلائِكَةِ، وما رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ص، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ .

قَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، وأنَّهم كافِرُونَ بِالآخِرَةِ، وقَدْ تَوَعَّدَهم بِالوَيْلِ عَلى شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ، وعَدَمِ إيتائِهِمُ الزَّكاةَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الزَّكاةَ في الآيَةِ هي زَكاةُ المالِ المَعْرُوفَةُ، أوْ زَكاةُ الأبْدانِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.

وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ الأخِيرَ؛ لِأنَّ سُورَةَ فُصِّلَتْ هَذِهِ مِنَ القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وزَكاةُ المالِ المَعْرُوفَةُ إنَّما فُرِضَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .

وَعَلى كُلِّ حالٍ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الإسْلامِ.

أعْنِي امْتِثالَ أوامِرِهِ واجْتِنابَ نَواهِيهِ. وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِمْ مُخاطَبِينَ بِذَلِكَ، وأنَّهم يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ، ويُعَذَّبُونَ عَلى المَعاصِي - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧] .

(p-١١)فَصَرَّحَ تَعالى عَنْهم مُقَرِّرًا لَهُ أنَّ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي سَلَكَتْهم في سَقَرَ - أيْ أدْخَلَتْهُمُ النّارَ - عَدَمُ الصَّلاةِ، وعَدَمُ إطْعامِ المِسْكِينِ، وعْدَّ ذَلِكَ مَعَ الكُفْرِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: - ٣٢] ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا﴾ ﴿وَلا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

41:7Страница 477

ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧

которые не выплачивают закята и не веруют в Последнюю жизнь».

К этому аяту нет толкования

41:8Страница 477

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨

Воистину, тем, которые уверовали и совершали праведные деяния, уготована неиссякаемая награда.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .

الأجْرُ جَزاءُ العَمَلِ، وجَزاءُ عَمَلِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، وذَلِكَ الجَزاءُ (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، فالمَمْنُونُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنهُ بِمَعْنى قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنازَعَ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَواسِبُ ما يُمَنُّ طَعامُها

فَقَوْلُهُ: ما يُمَنُّ طَعامُها، أيْ ما يُقْطَعُ. وقَوْلُ ذِي الأُصْبُعِ:

؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلَقٍ ∗∗∗ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ أجَرَهم غَيْرُ مَمْنُونٍ - نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الِانْشِقاقِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التِّينِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] .

فَقَوْلُهُ: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) و (غَيْرَ مَمْنُونٍ) - مَعْناهُما واحِدٌ.

وَقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] أيْ ما لَهُ مِنِ انْتِهاءٍ ولا انْقِطاعٍ. وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] .

(p-١٢)وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ مَعْنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ) غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وَعَلَيْهِ؛ فالمَنُّ في الآيَةِ مِن جِنْسِ المَنِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .

وَمَن قالَ: إنَّ مَعْنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ) غَيْرُ مَنقُوصٍ، مُحْتَجًّا بِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ المَمْنُونَ عَلى المَنقُوصِ، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎فَضْلُ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطى بِذَلِكَ مَمْنونًا ولا نَزَقا

فَقَوْلُهُ: مَمْنُونًا، أيْ مَنقُوصًا.

وَهَذا وإنْ صَحَّ لُغَةً، فالأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى الآيَةِ.

بَلْ مَعْناها هو ما قَدَّمْنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

41:9Страница 477

۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩

Скажи: «Неужели вы не веруете в Того, Кто создал землю за два дня, и равняете с Ним других? Он же - Господь миров.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٣٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ فُصِّلَتْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ .

تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English