Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
القلم
Аль-Калям
Письменная трость · Мекканская · 52 аята
68:1Страница 564
نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١
Нун. Клянусь письменной тростью и тем, что они пишут!
(p-٢٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَلَمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: وذَكَرَ الأقْوالَ كُلَّها، وهي خَمْسَةُ أقْوالٍ:
فَقِيلَ: إنَّها مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ أوْ أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ، أوْ مُرَكَّبَةٌ مِن عِدَّةِ حُرُوفٍ كُلُّ حَرْفٍ مِنِ اسْمٍ، أوْ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ، أوْ أنَّها لِلْإعْجازِ، وبَيَّنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجْهَ كُلِّ قَوْلٍ مِنها، ورَجَّحَ الأخِيرَ، وأنَّها لِلْإعْجازِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَأْتِي بَعْدَها دائِمًا الِانْتِصارُ لِلْقُرْآنِ، وقَدْ بَسَطَ البَحْثَ بِما يَكْفِي ويَشْفِي.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بِأقْوالٍ أُخْرى، مِنها أنَّ: ن بِمَعْنى الدَّواةِ أيْ: بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القَلَمِ، وعَزاهُ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقالَ: إنَّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، ولَكِنْ غَرِيبٌ جِدًّا، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ وهي الدَّواةُ، وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ»، الحَدِيثَ.
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ وهي الدَّواةُ» .
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ كُلَّ هَذِهِ الأوْجُهِ وزادَ أوْجُهًا أُخْرى: مِنها أنَّها افْتِتاحِيّاتٌ لِأوائِلِ السُّوَرِ تَسْتَرْعِي انْتِباهَ المُسْتَمِعِينَ، ثُمَّ يُتْلى عَلَيْهِمْ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هي مِن حِسابِ الجُمَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عِنْدَ أوَّلِ ”سُورَةِ الشُّورى“: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] أثَرًا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ واسْتَغْرَبَهُ واسْتَنْكَرَهُ، ولَكِنْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن مِصْداقِهِ ومُطابَقَتِهِ مُطابَقَةً تامَّةً.
وَنَصُّهُ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ وعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: أخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ قالَ: فَأطْرَقَ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ كَرَّرَ مَقالَتَهُ فَأعْرَضَ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، وكَرِهَ مَقالَتَهُ، ثُمَّ كَرَّرَها الثّالِثَةَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا.
(p-٢٤٦)فَقالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أنا أُنْبِئُكَ بِها، وقَدْ عَرَفْتُ بِمَ كَرِهَها، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ الإلَهِ أوْ عَبْدُ اللَّهِ يَنْزِلُ عَلى نَهْرٍ مِن أنْهارِ المَشْرِقِ تَنْبَنِي عَلَيْهِ مَدِينَتانِ فَشَقَّ النَّهْرَ بَيْنَهُما شَقًّا، فَإذا أذِنَ اللَّهُ في زَوالِ مُلْكِهِمْ وانْقِطاعِ دَوْلَتِهِمْ ومُدُنِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ عَلى إحْداهُما نارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْداءَ مُظْلِمَةً قَدِ احْتَرَقَتْ، كَأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكانَها، وتُصْبِحُ صاحِبَتُها مُتَعَجِّبَةً كَيْفَ أفْلَتَتْ، فَما هو إلّا بَياضُ يَوْمِها ذَلِكَ حَتّى يَجْتَمِعَ فِيها كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِنهم، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ يَعْنِي عَزِيمَةً مِنَ اللَّهِ، وفِتْنَةً، وقَضاءً.
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ يَعْنِي عَدْلًا مِنهُ: سين يَعْنِي سَيَكُونُ و ق يَعْنِي واقِعٌ بِهاتَيْنِ المَدِينَتَيْنِ. اهـ.
وَمَعَ اسْتِغْرابِ ابْنِ كَثِيرٍ إيّاهُ واسْتِنْكارِهِ لَهُ، فَقَدْ وقَعَ مِثْلُ ما يُشِيرُ إلَيْهِ الحَدِيثُ عَلى ثَوْرَةِ العِراقِ عَلى عَبْدِ الإلَهِ في بَغْدادَ، حَيْثُ يَشُقُّها النَّهْرُ شَقَّيْنِ، وأنَّهُ مِن آلِ البَيْتِ، وقَدْ وقَعَ بِها ما جاءَ وصْفُهُ في الأثَرِ المَذْكُورِ.
68:2Страница 564
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
Ты по милости своего Господа не являешься одержимым.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الرَّدِّ عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧٠] مِن سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ .
وَساقَ النُّصُوصَ، وقالَ: إنَّ في الآيَةِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ . اهـ.
وَهَكَذا هُنا في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ دَعْواهم، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ عَلى ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحَقِّ وقُمْتَ بِهِ مِنَ البَلاغِ عَنِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ رَسُولِهِ الكَرِيمِ الأعْظَمِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؛ لِأنَّ المَجْنُونَ سَفِيهٌ لا يَعْنِي ما يَقُولُ، ولا يُحْسِنُ أيَّ تَصَرُّفٍ.
والخُلُقُ العَظِيمُ أرْقى مَنازِلِ الكَمالِ في عُظَماءِ الرِّجالِ.
(p-٢٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، المَنُّ: القَطْعُ. أيْ: إنَّ أجْرَهُ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
قالَ الشّاعِرُ: \ ٥
؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنازَعَ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى دَوامَ أجْرِهِ دُونَ انْقِطاعٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وَصَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وصَلَواتُ المَلائِكَةِ، والمُؤْمِنِينَ لا تَنْقَطِعُ لَيْلًا ولا نَهارًا وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ، ومِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ دُعاءٌ.
وَفِي سُورَتِيِ: ”الضُّحى“ و ”ألَمْ نَشْرَحْ“ بِكامِلِها: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] .
وَمَعْلُومٌ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ مَن دَلَّ عَلى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ مَن عَمِلَ بِهِ، فَما مِن مُسْلِمٍ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ في صَحِيفَتِهِ إلّا ولِلرَّسُولِ ﷺ مِثْلُها.
وَقَدْ قالَ ﷺ: «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ» .
وَمِنها: «أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»، وأيُّ عِلْمٍ أعَمُّ نَفْعًا مِمّا جاءَ بِهِ ﷺ وتَرَكَهُ في الأُمَّةِ حَتّى قالَ: «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أبَدًا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ أجْرِهِ.
أمّا جَزاؤُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ بِمَثابَةِ الرَّدِّ عَلى ادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أوَّلًا عَلَيْهِ ﷺ ورَمْيِهِ بِالجُنُونِ؛ لِأنَّ أخْلاقَ المَجانِينِ مَذْمُومَةٌ بَلْ لا أخْلاقَ لَهم، وهُنا أقْصى مَراتِبِ العُلُوِّ في الخُلُقِ.
وَقَدْ أكَّدَ هَذا السِّياقَ بِعَوامِلِ المُؤَكِّداتِ بِانْدِراجِهِ في جَوابِ القَسَمِ الأوَّلِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وبِأنَّ اللّامَ في (لَعَلى)، وجاءَ بِعَلى الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ والتَّمَكُّنِ بَدَلًا مِن ذُو (p-٢٤٨)مَثَلًا: ذُو خُلُقٍ عَظِيمٍ لِبَيانِ قُوَّةِ التَّمَكُّنِ والِاسْتِعْلاءِ، وأنَّهُ ﷺ فَوْقَ كُلِّ خُلُقٍ عَظِيمٍ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِ.
وَقَدْ أجْمَلَ الخُلُقَ العَظِيمَ هُنا وهو مِن أعَمِّ ما امْتَدَحَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ في كِتابِهِ، وقَدْ أرْشَدَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - إلى ما بَيَّنَ هَذا الإجْمالَ حِينَما سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ ﷺ الَّذِي امْتُدِحَ بِهِ فَقالَتْ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» تَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّهُ ﷺ يَأْتَمِرُ بِأمْرِهِ ويَنْتَهِي بِنَواهِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَكَما قالَ ﷺ: «لَنْ يُؤْمِنَ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ»، فَكانَ هو ﷺ مُمْتَثِلًا لِتَعالِيمِ القُرْآنِ في سِيرَتِهِ كُلِّها، وقَدْ أمَرَنا بِالتَّأسِّي بِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فَكانَ مِن أهَمِّ ما يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ مَعْرِفَةُ تَفْصِيلِ هَذا الإجْمالِ؛ لِيَتِمَّ التَّأسِّي المَطْلُوبُ.
وَقَدْ أخَذَتْ قَضِيَّةُ الأخْلاقِ عامَّةً، وأخْلاقُهُ ﷺ خاصَّةً مَحَلَّ الصَّدارَةِ مِن مَباحِثِ الباحِثِينَ، وتَقْرِيرِ المُرْشِدِينَ، فَهي بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمُومِ أساسُ قِوامِ الأُمَمِ، وعامِلُ الحِفاظِ عَلى بَقائِها، كَما قِيلَ:
؎إنَّما الأُمَمُ الأخْلاقُ ما بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أخْلاقُهم ذَهَبُوا
وَقَدْ أجْمَلَ ﷺ البِعْثَةَ كُلَّها في مَكارِمِ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّما بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» .
وَقَدْ عُنِيَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَضِيَّةِ أخْلاقِهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَسَألُوا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ ذَلِكَ فَقالَتْ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، وعُنِيَ بِها العُلَماءُ بِالتَّأْلِيفِ، كالشَّمائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ.
أمّا أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الخُلُقِ العَظِيمِ المَعْنِيِّ هُنا فَهي عَلى قَوْلَيْنِ، لا تَعارُضَ بَيْنَهُما:
مِنها: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم.
والآخَرُ قَوْلُ عائِشَةَ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، والقُرْآنُ والدِّينُ مُرْتَبِطانِ. ولَكِنْ لَمْ يَزَلِ الإجْمالُ مَوْجُودًا. وإذا رَجَعْنا إلى بَعْضِ الآياتِ في القُرْآنِ نَجِدُ بَعْضَ البَيانِ لِما كانَ (p-٢٤٩)عَلَيْهِ ﷺ مِن عَظِيمِ الخُلُقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي فِيها التَّوْجِيهُ أوِ الوَصْفُ بِما هو أعْظَمُ الأخْلاقِ، وإذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ هو القُرْآنَ، فالقُرْآنُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ.
والمُتَأمِّلُ لِلْقُرْآنِ في هَدْيِهِ يَجِدُ مَبْدَأ الأخْلاقِ في كُلِّ تَشْرِيعٍ فِيهِ حَتّى العِباداتِ. فَفي الصَّلاةِ خُشُوعٌ وخُضُوعٌ وسَكِينَةٌ ووَقارٌ، فَأْتُوها وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ والوَقارُ.
وَفِي الزَّكاةِ مُرُوءَةٌ وكَرَمٌ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] .
وَفِي الصِّيامِ: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةً في أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ» .
وَقَوْلُهُ ﷺ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ» .
وَفِي الحَجِّ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ .
وَفِي الِاجْتِماعِيّاتِ: خُوطِبَ ﷺ بِأعْلى دَرَجاتِ الأخْلاقِ، حَتّى ولَوْ لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الخِطابِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ خارِجًا عَنْ نِطاقِ الطَّلَبِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَها ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ (p-٢٥٠)[الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، مَعَ أنَّ والِدَيْهِ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما مَوْجُودًا عِنْدَ نُزُولِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّعالِيمِ العامَّةِ والخاصَّةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها القُرْآنُ.
وَقَدْ عُنِيَ ﷺ بِالأخْلاقِ حَتّى كانَ يُوصِي بِها المَبْعُوثِينَ في كُلِّ مَكانٍ، كَما أوْصى مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .
وَقالَ ﷺ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما تَشاءُ»، أيْ: إنَّ الحَياءَ وهو مِن أخَصِّ الأخْلاقِ سِياجٌ مِنَ الرَّذائِلِ، وهَذا مِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ الخُلُقَ الحَسَنَ يَحْمِلُ عَلى الفَضائِلِ، ويَمْنَعُ مِنَ الرَّذائِلِ، كَما قِيلَ في ذَلِكَ:
؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَمَكَّنَ مِن أذًى ∗∗∗ جاءَتْهُ أخْلاقُ الكِرامِ فَأقْلَعا
؎وَتَرى اللَّئِيمَ إذا تَمَكَّنَ مِن أذًى ∗∗∗ يَطْغى فَلا يُبْقِي لِصُلْحٍ مَوْضِعًا
وَقَدْ أشارَ القُرْآنُ إلى هَذا الجانِبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
* *
تَنْبِيهٌ
إنَّ مِن أهَمِّ قَضايا الأخْلاقِ بَيانُهُ ﷺ لَها بِقَوْلِهِ: «إنَّما بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» .
مَعَ أنَّ بِعْثَتَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والعِباداتِ، والمُعامَلاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الأخْلاقَ هي البِعْثَةُ.
وَبَيانُ ذَلِكَ في قَضِيَّةٍ مَنطِقِيَّةٍ قَطْعِيَّةٍ حَمْلِيَّةٍ، مُقَدِّمَتُها حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وهو: «الدِّينُ حُسْنُ الخُلُقِ»، والكُبْرى آيَةٌ كَرِيمَةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وَلِمُساواةِ طَرَفَيِ الصُّغْرى في الماصَدَقِ، وهو: «الدِّينُ حُسْنُ الخُلُقِ»، يَكُونُ التَّرْكِيبُ المَنطِقِيُّ بِالقِياسِ الِاقْتِرانِيِّ حُسْنُ الخُلُقِ هو البِرُّ، والبِرُّ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ (p-٢٥١)الآخِرِ، إلى آخِرِ ما جاءَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، يَنْتُجُ حُسْنُ الخُلُقِ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ بِأقْسامِهِ الثَّلاثَةِ:
الإسْلامِ مِن صَلاةٍ وزَكاةٍ. إلخ.
والإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. إلخ.
وَمِن إحْسانٍ في وفاءٍ وصِدْقٍ وصَبْرٍ، وتَقْوى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ هي مُراقَبَةُ اللَّهِ سِرًّا وعَلَنًا، وقَدْ ظَهَرَتْ نَتِيجَةُ عِظَمِ هَذِهِ الأخْلاقِ في الرَّحْمَةِ العامَّةِ الشّامِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
وَكَذَلِكَ لِلْأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ ﷺ: «أقْرَبُكم مِنِّي مَنزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ أحاسِنُكم أخْلاقًا» .
وَهِيَ قَضِيَّةٌ مَنطِقِيَّةٌ أُخْرى: «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .
فَمَكارِمُ الأخْلاقِ رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ في الدُّنْيا، ومَنزِلَةٌ عُلْيا لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
اتَّفَقَ عُلَماءُ الِاجْتِماعِ أنَّ أُسُسَ الأخْلاقِ أرْبَعَةٌ:
هِيَ: الحِكْمَةُ، والعِفَّةُ، والشَّجاعَةُ، والعَدالَةُ.
وَيُقابِلُها رَذائِلُ أرْبَعَةٌ:
هِيَ الجَهْلُ، والشَّرَهُ، والجُبْنُ، والجَوْرُ.
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ فُرُوعُها:
الحِكْمَةُ: الذَّكاءُ وسُهُولَةُ الفَهْمِ، وسِعَةُ العِلْمِ. وعَنِ العِفَّةِ: القَناعَةُ، والوَرَعُ، والحَياءُ، والسَّخاءُ، والدَّعَةُ، والصَّبْرُ، والحُرِّيَّةُ. وعَنِ الشَّجاعَةِ: النَّجْدَةُ، وعِظَمُ الهِمَّةِ. وعَنِ السَّماحَةِ: الكَرَمُ، والإيثارُ، والمُواساةُ، والمُسامَحَةُ.
(p-٢٥٢)أمّا العَدالَةُ - وهي أُمُّ الفَضائِلِ الأخْلاقِيَّةِ - فَيَتَفَرَّعُ عَنْها: الصَّداقَةُ، والأُلْفَةُ، وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَرْكُ الحِقْدِ، ومُكافَأةُ الشَّرِّ بِالخَيْرِ، واسْتِعْمالُ اللُّطْفِ. فَهَذِهِ أُصُولُ الأخْلاقِ وفُرُوعُها، فَلَمْ تَبْقَ خَصْلَةٌ مِنها إلّا وهي مُكْتَمِلَةٌ فِيهِ ﷺ .
وَقَدْ بَرَّأهُ اللَّهُ مِن كُلِّ رَذِيلَةٍ، فَتَحَقَّقَ أنَّهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فِعْلًا وعَقْلًا.
وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: لَقَدْ كانَ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. والخُلُقُ ما تَخَلَّقَ بِهِ الإنْسانُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ولا بُدَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِن خَصْلَةٍ فاضِلَةٍ. فاجْتَمَعَ لَهُ ﷺ جَمِيعُ خِصالِ الفَضْلِ عِنْدَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ. وهَذا وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ إلّا أنَّ واقِعَ سِيرَتِهِ ﷺ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
فَقَدْ كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ والوَحْيِ، مُلَقَّبًا عِنْدَ القُرَشِيِّينَ بِالأمِينِ، كَما في قِصَّةِ وضْعِ الحَجَرِ في الكَعْبَةِ؛ إذْ قالُوا عَنْهُ: الأمِينُ ارْتَضَيْناهُ.
وَجاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، لَمّا أُخِذَ أسِيرًا وأهْدَتْهُ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لِخِدْمَتِهِ ﷺ . وجاءَ أهْلُهُ بِالفِداءِ يُفادُونَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُمُ: ”«ادْعُوهُ وأخْبِرُوهُ، فَإنِ اخْتارَكم فَهو لَكم بِدُونِ فِداءٍ ) فَقالَ زَيْدٌ: واللَّهِ لا أخْتارُ عَلى صُحْبَتِكَ أحَدًا أبَدًا، فَقالَ لَهُ أهْلُهُ: ويْحَكَ ! أتَخْتارُ الرِّقَّ عَلى الحُرِّيَّةِ ؟ ! فَقالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَقَدْ صَحِبْتُهُ فَلَمْ يَقُلْ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ قَطُّ. ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ قَطُّ»:“ ورَجَعَ قَوْمُهُ، وبَقِيَ هو عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ بِيَدِهِ، وأعْلَنَ تَبَنِّيَهُ عَلى ما كانَ مَعْهُودًا قَبْلَ البَعْثَةِ.
إنَّنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اخْتِيارَ اللَّهِ إيّاهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، وتَعَهُّدَ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ مِن شَقِّ الصَّدْرِ في طُفُولَتِهِ، ومِن مَوْتِ أبَوَيْهِ ورِعايَةِ اللَّهِ لَهُ.
كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ٣ - ١١] .
إنَّها نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وعَلى أُمَّتِهِ مَعَهُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - ورَزَقَنا التَّأسِّيَ بِهِ.
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:7Страница 564
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Твой Господь лучше знает тех, кто сбился с Его пути, и лучше знает тех, кто следует прямым путем.
К этому аяту нет толкования
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ (p-٢٥٣)
إذا كانَ في مَجِيءِ الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ رَدٌّ عَلى دَعْواهُمُ الكاذِبَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالجُنُونِ.
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْزِيهُهُ ﷺ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن رَذائِلَ ونَقائِصَ وافْتِضاحٌ لَهم. وبَيانُ الفَرْقِ والبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَفي الوَقْتِ الَّذِي وصَفَهُ بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وصَفَهم بِعَكْسِ ذَلِكَ مِن: كَذِبٍ، ومُداهَنَةٍ، وكَثْرَةِ حَلِفٍ، ومَهانَةٍ، وهَمْزٍ، ومَشْيٍ بِنَمِيمَةٍ، ومَنعٍ لِلْخَيْرِ، وعُتُلٍّ، وتَجَبَّرٍ، واعْتِداءٍ، وظُلْمٍ، وانْقِطاعِ زَنِيمٍ، عَشْرُ خِصالٍ ذَمِيمَةٌ. ونَتِيجَتُها الوَسْمُ بِالخِزْيِ عَلى الأُنُوفِ صَغارًا لَهم.
وَقَدْ جاءَتْ آياتُ القُرْآنِ تُبَيِّنُ مَساوِئَ تِلْكَ الصِّفاتِ وتُحَذِّرُ مِنها، ولا يَسَعُنا إيرادُها كُلِّها، وتَكْفِي الإشارَةُ إلى بَعْضِها؛ تَنْبِيهًا عَلى جَمِيعِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾
ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ لِمَعانِي المُداهَنَةِ فَوْقَ عَشَرَةِ أقْوالٍ أرْجَحُها المُلايَنَةُ، وقَدْ ذَكَرَ هُنا ودادَتَهم وتَمَنِّيَهُمُ المُداهَنَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَنا هَلْ داهَنَهم ﷺ أمْ لا ؟ وهَلْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَصْلَحَةً أمْ لا ؟ وقَدْ جاءَ بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا؛ بِأنَّهم أرادُوا التَّدَرُّجَ مِنَ المُداهَنَةِ ومُلايَنَتِهِ ﷺ مَعَهم، إلى ما بَعْدَها مِن تَعْطِيلِ الدَّعْوَةِ.
وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ودَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يا مُحَمَّدُ، لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ؛ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] اهـ.
وَيَشْهَدُ لِما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا ما جاءَ في سَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ (الكافِرُونَ) .
(p-٢٥٤)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . السُّورَةَ [الكافرون: ١ - ٣] .
وَمِمّا هو صَرِيحٌ في قَصْدِهِمْ بِالمُداهَنَةِ، والدّافِعُ عَلَيْها والجَوابُ عَلَيْهِمْ قَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، ثُمَّ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا مَوْقِفَ الرَّسُولِ ﷺ مِن هَذِهِ المُحاوَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
وَقَدْ جاءَ اللَّهُ بِأمْرِهِ حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وهُنا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مُداهَنَةٍ في الدِّينِ مَعَ المُشْرِكِينَ تَدْخُلُ في هَذا المَوْضُوعِ.
وَقَدْ جاءَ بَعْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم لا يُطاعُونَ في مُداهَنَتِهِمْ، وأنَّهم سَيَبْذُلُونَ كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ؛ لِتَرْوِيجِ مُداهَنَتِهِمْ ولَوْ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ، وفَرْقٌ بَيْنَ المُداهَنَةِ في الدِّينِ والمُلاطَفَةِ في الدُّنْيا، أوِ التَّعاوُنِ وتَبادُلِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٨] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
68:9Страница 564
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
Они хотели бы, чтобы ты был уступчив, и тогда они тоже стали бы уступчивы.
К этому аяту нет толкования
68:10Страница 564
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠
Не повинуйся всякому расточителю клятв, презренному,
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:12Страница 564
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
скупящемуся на добро, преступнику, грешнику,
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:15Страница 564
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥
Когда ему читают Наши аяты, он говорит: «Это - легенды древних народов!».
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:17Страница 565
إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧
Воистину, мы подвергли их испытанию, подобно тому, как мы подвергли испытанию владельцев сада, когда они поклялись, что утром они непременно сорвут их (плоды),
К этому аяту нет толкования
68:18Страница 565
وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ ١٨
но не сделали оговорки (не сказали: «Если того пожелает Аллах»).
К этому аяту нет толкования
68:19Страница 565
فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩
Ночью же, пока они спали, их сад поразила кара от твоего Господа.
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:22Страница 565
أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢
«Ступайте на вашу пашню, если вы хотите сорвать плоды!».
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:24Страница 565
أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤
«Не впускайте сегодня к себе бедняка».
К этому аяту нет толкования
68:25Страница 565
وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥
Они шли с твердым намерением и полагали, что у них достаточно сил.
К этому аяту нет толкования
68:26Страница 565
فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦
Когда же они увидели его, они сказали: «Мы сбились с пути!
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
68:28Страница 565
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨
Лучший из них сказал: «Разве я не говорил вам, что надо было прославить Аллаха?».
К этому аяту нет толкования
68:29Страница 565
قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩
Они сказали: «Пречист наш Господь! Мы были несправедливы».
К этому аяту нет толкования
68:30Страница 565
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Они стали попрекать друг друга
К этому аяту нет толкования
68:31Страница 565
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
и сказали: «Горе нам! Мы преступили границы дозволенного.
К этому аяту нет толкования
68:32Страница 565
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Быть может, Господь наш даст нам взамен нечто лучшее. Воистину, мы обращаемся к нашему Господу».
К этому аяту нет толкования
68:33Страница 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Такими были мучения, а мучения в Последней жизни будут еще ужаснее! Если бы только они знали!
К этому аяту нет толкования
68:34Страница 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Воистину, для богобоязненных у их Господа приготовлены Сады блаженства.
К этому аяту нет толкования
68:35Страница 565
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Неужели Мы мусульман уравняем с грешниками?
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии