Аш-ШинкитиАль‑Баййина · 98:1–6

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

البينة

Аль-Баййина

Ясное знамение · Мединская · 8 аятов

98:1Страница 598

لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ١

Неверующие из людей Писания и многобожников не расстались с неверием, пока к ним не явилось ясное знамение -

(p-٣٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

سُورَةُ البَيِّنَة

قالَ الألُوسِيُّ: وتُسَمّى سُورَةَ القِيامَةِ، وسُورَةَ البَلَدِ، وسُورَةَ المُنْفَكِّينَ، وسُورَةَ البَرِيَّةِ، وسُورَةَ لَمْ يَكُنْ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ .

ذَكَرَ هُنا الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ جاءَتْ مِن، وجاءَ بَعْدَها أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّ وصْفَ الكُفْرِ يَشْمَلُ كُلًّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، كَما يُشْعِرُ مَرَّةً أُخْرى أنَّ المُشْرِكِينَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِوُجُودِ العَطْفِ، وأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا مِنَ المُشْرِكِينَ.

وَهَذا المَبْحَثُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ وعُلَماءِ التَّفْسِيرِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وأنَّ المُشْرِكِينَ هم عَبَدَةُ الأوْثانِ، والكُفْرَ يَجْمَعُ القِسْمَيْنِ.

وَأهْلُ الكِتابِ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ والنَّصارى، ولَكِنَّ الخِلافَ هَلِ الشِّرْكُ يَجْمَعُهُما أيْضًا أمْ لا ؟

فَبَيْنَ الفَرِيقَيْنِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، عُمُومٌ في الكُفْرِ وخُصُوصٌ في أهْلِ الكِتابِ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، وخُصُوصٌ في المُشْرِكِينَ لِعَبَدَةِ الأوْثانِ.

وَلَكِنْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُسَمّى الشِّرْكِ يَشْمَلُ أهْلَ الكِتابِ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] .

(p-٤٠)فَجَعَلَ مَقالَةَ كُلٍّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى إشْراكًا.

وَجاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَنعُ نِكاحِ الكِتابِيَّةِ وقالَ: " وهَلْ أكْبَرُ إشْراكًا مِن قَوْلِها: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، فَهو وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْجُمْهُورِ في مَنعِ الزَّواجِ مِنَ الكِتابِيّاتِ، إلّا أنَّهُ اعْتَبَرَهُنَّ مُشْرِكاتٍ.

وَلِهَذا الخِلافِ والِاحْتِمالِ وقَعَ النِّزاعُ في مُسَمّى الشِّرْكِ، هَلْ يَشْمَلُ أهْلَ الكِتابِ أمْ لا ؟ مَعَ أنَّنا وجَدْنا فَرْقًا في الشَّرْعِ في مُعامَلَةِ أهْلِ الكِتابِ ومُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ، فَأحَلَّ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ ولَمْ يُحِلَّها مِنَ المُشْرِكِينَ، وأحَلَّ نِكاحَ الكِتابِيّاتِ ولَمْ يُحِلَّهُ مِنَ المُشْرِكاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] .

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .

وَقالَ: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، بَيَّنَ ما في حَقِّ الكِتابِيّاتِ قالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، فَكانَ بَيْنَهُما مُغايَرَةٌ في الحُكْمِ.

وَقَدْ جَمَعَ والِدُنا الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأمِينُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيْنَ تِلْكَ النُّصُوصِ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها جَمْعًا مُفَصَّلًا مَفادُهُ أنَّ الشِّرْكَ الأكْبَرَ المُخْرِجَ مِنَ المِلَّةِ أنْواعٌ، وأهْلُ الكِتابِ مُتَّصِفُونَ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، إلى آخِرِ ما أوْرَدَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ.

وَلَعَلَّ في نَفْسِ آيَةِ ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، فِيها إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ يُشابِهُونَهم في مَقالَتِهِمْ، وهَذا القَدْرُ اتَّصَفَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أنْواعِ الشِّرْكِ.

الثّانِي: تَذْيِيلُ الآيَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ عَمّا يُشْرِكُونَ بَيْنَما وصَفَ عَبَدَةَ الأوْثانِ في سُورَةِ البَيِّنَةِ بِالِاسْمِ ”والمُشْرِكِينَ“ .

(p-٤١)وَمَعْلُومٌ أنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، وصِيغَةَ الِاسْمِ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ، فَمُشْرِكُو مَكَّةَ وغَيْرُهم دائِمُونَ عَلى الإشْراكِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، وأهْلُ الكِتابِ يَقَعُ مِنهم حِينًا وحِينًا.

وَقَدْ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، فَوَرَّثَ الجَمِيعَ مِن بَعْضٍ، ومَنَعَ الآخَرُونَ عَلى أساسِ المُغايَرَةِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

تَنْبِيهٌ

بَقِيَ المَجُوسُ وجاءَتِ السُّنَّةُ أنَّهم يُعامَلُونَ مُعامَلَةَ أهْلِ الكِتابِ لِحَدِيثِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، اخْتُلِفَ في ”مُنْفَكِّينَ“ اخْتِلافًا كَثِيرًا عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، حَتّى قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ عِنْدَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما نَصُّهُ: قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ.

ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها.

وَأنا أقُولُ وجْهَ الإشْكالِ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ، إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ.

فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، الَّتِي هي الرَّسُولُ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ، هَذا مُنْتَهى الإشْكالِ فِيما أظُنُّ. ا هـ. حَرْفِيًا.

وَقَدْ سُقْتُ كَلامَهُ لِبَيانِ مَدى الإشْكالِ في الآيَتَيْنِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مُنْفَكِّينَ بِمَعْنى تارِكِينَ: وعَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ.

والَّذِي جاءَ عَنِ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في إمْلائِهِ: أنَّ مُنْفَكِّينَ أيْ: (p-٤٢)مُرْتَدِعِينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ، حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، أيْ: أتَتْهم.

وَلَكِنْ في مُنْفَكِّينَ، وجْهٌ يَرْفَعُ هَذا الإشْكالَ، وهو أنْ تَكُونَ مُنْفَكِّينَ بِمَعْنى مَتْرُوكِينَ لا بِمَعْنى تارِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا جَمِيعًا مَتْرُوكِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، أيْ: لَنْ يُتْرَكُوا وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] .

وَقَدْ حَكى أبُو حَيّانَ قَوْلًا عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلُهُ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم، حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ا هـ.

فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ يَتَّفِقُ مَعَ ما ذَكَرْناهُ، ويُزِيلُ الإشْكالَ الكَبِيرَ عَنِ المُفَسِّرِينَ، كَما أسْلَفْنا.

وَلِابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلٌ في ذَلِكَ نَسُوقُهُ لِشُمُولِهِ، وهو ضِمْنُ كَلامِهِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ في المَجْمُوعِ مُجَلَّدِ ٦١ ص ٥٩٤ قالَ:

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مُنْفَكِّينَ.

ثَلاثَةُ أقْوالٍ ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

هَلِ المُرادُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ ؟

أوْ هَلْ لَمْ يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ حَتّى بُعِثَ، فَلَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ مِن مُحَمَّدٍ والتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ حَتّى بُعِثَ.

أوِ المُرادُ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ حَتّى يُرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ.

وَناقَشَ تِلْكَ الأقْوالَ ورَدَّها كُلَّها ثُمَّ قالَ: فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ يَفْعَلُونَ ما يَهْوَوْنَهُ (p-٤٣)لا حَجْرَ عَلَيْهِمْ، كَما أنَّ المُنْفَكَّ لا حَجْرَ عَلَيْهِ، وهو لَمْ يَقُلْ مَفْكُوكِينَ، بَلْ قالَ: مُنْفَكِّينَ، وهَذا أحْسَنُ، إلى أنْ قالَ: والمَقْصُودُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ ولا تُرْسَلُ إلَيْهِمْ رُسُلٌ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يُخَلِّيهِمْ ولا يَتْرُكُهم، فَهو لا يَفُكُّهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، لا يُؤْمَرُ، ولا يُنْهى، أيْ: أيَظُنُّ أنَّ هَذا يَكُونُ ؟ هَذا ما لا يَكُونُ البَتَّةَ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُؤْمَرَ ويُنْهى.

وَقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٣ - ٥] . وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ: لِأجْلِ إسْرافِكم نَتْرُكُ إنْزالَ الذِّكْرِ، ونُعْرِضُ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ.

تَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ الأصَحَّ في ”مُنْفَكِّينَ“ مَعْنى ”مَتْرُوكِينَ“ وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي أوْرَدَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ، ويَسْتَقِيمُ السِّياقُ، ويَتَّضِحُ المَعْنى، وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ .

أجْمَلَ البَيِّنَةَ ثُمَّ فَصَّلَها فِيما بَعْدَها ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا﴾ .

وَفِي هَذا قِيلَ: إنَّ البَيِّنَةَ هي نَفْسُ الرَّسُولِ في شَخْصِهِ، لِما كانُوا يَعْرِفُونَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] .

فَكَأنَّ وُجُودَهُ ﷺ بِذاتِهِ بَيِّنَةٌ لَهم.

وَلِذا جاءَ في الآثارِ الصَّحِيحَةِ أنَّهم عَرَفُوا يَوْمَ مَوْلِدِهِ بِظُهُورِ نَجْمِ نَبِيِّ الخِتانِ إلى آخَرِ أخْبارِهِ ﷺ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ كانُوا يَعْرِفُونَهُ عَنْ طَرِيقِ أهْلِ الكِتابِ، وبِما كانَ مُتَّصِفًا بِهِ ﷺ، ومِن جَمِيلِ الصِّفاتِ كَما قالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ عِنْدَ بَدْءِ الوَحْيِ لَهُ وفَزَعِهِ مِنهُ: «كَلّا واللَّهِ لَنْ يُخْزِيَكَ اللَّهُ، واللَّهِ إنَّكَ لَتَحْمِلُ الكَلَّ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الدَّهْرِ» إلى آخِرِهِ.

وَقَوْلِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ: «واللَّهِ ما رَأيْتُهُ لَعِبَ مَعَ الصِّبْيانِ ولا عَلِمْتُ عَلَيْهِ كِذْبَةً» إلَخْ. وقَدْ لَقَّبُوهُ بِالأمِينِ.

(p-٤٤)وَحادِثَةُ شَقِّ الصَّدْرِ في رِضاعِهِ، بَلْ وقِيلَ ذَلِكَ في قِصَّةِ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، لَمّا تَعَرَّضَتْ لَهُ المَرْأةُ تُرِيدُهُ لِنَفْسِها، فَأبى. ولَمّا تَزَوَّجَ ودَخَلَ بِآمِنَةَ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَها بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ: لا حاجَةَ لِي بِكَ، فَقالَ: وكَيْفَ كُنْتِ تَتَعَرَّضِينَ لِي ؟ فَقالَتْ: رَأيْتُ نُورًا في وجْهِكَ، فَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي، فَلَمّا تَزَوَّجْتَ وضَعْتَهُ في آمِنَةَ ولَمْ أرَهُ فِيكَ الآنَ، فَلا حاجَةَ لِي فِيكَ.

فَكُلُّها دَلائِلُ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ في شَخْصِهِ بَيِّنَةٌ لَهم، ثُمَّ أكْرَمَهُ اللَّهُ بِالرِّسالَةِ، فَكانَ رَسُولًا يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، مِنَ الأباطِيلِ والزَّيْغِ وما لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ.

وَمِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ ”البَيِّنَةِ“ مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِيَّةِ، أوْ أنَّ البَيِّنَةَ ما يَأْتِيهِمْ بِهِ الرَّسُولُ مِمّا يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ.

فالتَّشْرِيعُ الَّذِي فِيها والإخْبارُ الَّذِي أعْلَنَهُ تَكُونُ البَيِّنَةُ. وعَلى كُلٍّ، فَإنَّ البَيِّنَةَ تَصْدُقُ عَلى الجَمِيعِ، كَما تَصْدُقُ عَلى المَجْمُوعِ، ولا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَلا رَسُولَ إلّا بِرِسالَةٍ تُتْلى، ولا رِسالَةَ تُتْلى إلّا بِرَسُولٍ يَتْلُوها.

وَقَدْ عُرِّفَ لَفْظُ البَيِّنَةِ، لِلْإشارَةِ إلى وُجُودِ عِلْمٍ عَنْها مُسْبَقٍ عَلَيْها.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ المَوْصُوفَةُ لَهم في كُتُبِهِمْ، ويُشِيرُ إلَيْها ما قَدَّمْنا في أخْبارِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ، وآخَرِ سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٢٩] .

98:2Страница 598

رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ ٢

Посланник от Аллаха, который читает очищенные свитки.

К этому аяту нет толкования

98:3Страница 598

فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ ٣

В них содержатся правдивые Писания.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ .

جَمْعُ كِتابٍ، وقالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في إمْلائِهِ: كُتُبٌ: بِمَعْنى مَكْتُوباتٍ.

وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قَيِّمَةٌ. يَذْكُرُ القُرْآنَ بِأحْسَنِ الذِّكْرِ، ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأحْسَنِ الثَّناءِ.

وَحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ الكُتُبَ بِمَعْنى الأحْكامِ، مُسْتَدِلًّا بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] .

(p-٤٥)وَقِيلَ: الكُتُبُ القَيِّمَةُ: هي القُرْآنُ، فَجَعَلَهُ كُتُبًا؛ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى أبْوابٍ مِنَ البَيانِ.

وَذَكَرَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ في كُتُبٍ أيِ: الآياتُ المَكْتُوبَةُ في المُصْحَفِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ.

وَقالَ الشَّوْكانِيُّ: المُرادُ: الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً، إلّا أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ أدَلُّ عَلى تَضَمُّنِ مَعْنى كُتُبٍ مِنهُ عَلى مَعْنى كِتابَةِ أحْكامٍ.

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَدْلُولَ ”كُتُبٌ“ عَلى ظاهِرِها، وهو تَضَمُّنُ تِلْكَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ لِكُتُبٍ سابِقَةٍ قَيِّمَةٍ، كَما يَنُصُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكَقَوْلِهِ في عُمُومِ الكُتُبِ الأُولى: ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وقَوْلِهِ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ [آل عمران: ٣ - ٤] .

وَلِذا قالَ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]، أيْ: بِما فِيهِ مِن كُتُبِهِمُ القَيِّمَةِ المُتَقَدِّمِ إنْزالُها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النور: ٣٤] .

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] .

وَقالَ: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ آيَ القُرْآنِ مُتَضَمِّنَةٌ كُتُبًا قَيِّمَةً مِمّا أُنْزِلَتْ مِن قَبْلُ، وقَدْ جاءَ عَمَلِيًّا في آيَةِ الرَّحْمَنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ أيْ: في التَّوْراةِ ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾، فَهَذِهِ مِنَ الكُتُبِ القَيِّمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ الكَرِيمُ، كَما قالَ: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] .

وَلَعَلَّ هَذا بَيَّنَ وجْهَ المَعْنى فِيما رَواهُ المُفَسِّرُونَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ سُورَةَ البَيِّنَةِ، فَقالَ: أوَذُكِرْتُ ثَمَّ ؟“» .

(p-٤٦)وَبَكى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّ فِيها زِيادَةَ طُمَأْنِينَةٍ لَهُ عَلى إيمانِهِ بِأنَّهُ آمَنَ بِكِتابٍ تَضَمَّنَ الكُتُبَ القَيِّمَةَ المُتَقَدِّمَةَ، والَّتِي يَعْرِفُها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ أنَّ الرَّجْمَ في التَّوْراةِ لَمّا غَطّاها الآتِي بِها، كَما هو مَعْرُوفٌ في القِصَّةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

98:4Страница 598

وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ٤

Те, кому было даровано Писание, распались только после того, как к ним явилось ясное знамение.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ .

يُلاحَظُ أنَّ السُّورَةَ في أوَّلِها عَنِ الكُفّارِ عُمُومًا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مَعًا، وهُنا الحَدِيثُ عَنْ أهْلِ الكِتابِ فَقَطْ، وذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهم في هَذا المَقامِ دُونَ المُشْرِكِينَ، وهو أنَّهم لِأنَّهم أهْلُ كُتّابٍ، وعِنْدَهم عِلْمٌ بِهِ ﷺ، وبِما سَيَأْتِي بِهِ، ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .

وَكَقَوْلِهِ صَراحَةً: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]، فَلِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، واخْتِلافِهِمْ فِيهِ بَعْدَ مَجِيئِهِ، وخَصَّهم هُنا بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ .

تَنْبِيهٌ

مِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن مَعْنى ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، أمْرانِ مِن كِتابِ اللَّهِ:

الأوَّلُ مِنها: اخْتِصاصُ أهْلِ الكِتابِ هُنا بِعَدَمِ عُمُومِ الحَدِيثِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وما قَدَّمْنا مِن نُصُوصٍ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ الرَّسُولَ يَتْلُو عَلى المُشْرِكِينَ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، فَهَذا نَفْسُ الأُسْلُوبِ، ولَكِنْ قالَ: ”آياتِهِ“؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بِالكُتُبِ الأُخْرى، فاقْتَصَرَ عَلى الآياتِ.

98:5Страница 598

وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥

А ведь им было велено лишь поклоняться Аллаху, служа ему искренне, как ханифы, совершать намаз и выплачивать закят. Это - правая вера.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ .

وَهَذا لا يَسْتَوْجِبُ التَّفَرُّقَ في أمْرِهِ ﷺ .

وَلَكِنَّ هُنا لَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، هَلْ هو في كُتُبِهِمُ السّابِقَةِ، أمْ في هَذا القُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ ؟

وَقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ العَظِيمُ أنَّ هَذا الأمْرَ مَوْجُودٌ في كُلٍّ مِن كُتُبِهِمْ والقُرْآنِ الكَرِيمِ، (p-٤٧)فَمِمّا في كُتُبِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] .

وَقَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .

فَإقامَةُ الدِّينِ وعَدَمُ التَّفْرِقَةِ فِيهِ، هو عَيْنُ عِبادَةِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

وَمِمّا في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٣] .

فَقَدْ نَصَّ عَلى كامِلِ المَسْألَةِ هُنا، أنَّ الكُتُبَ القَيِّمَةَ المَنصُوصَ عَلَيْها في الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ هي كُتُبُ أهْلِ الكِتابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾، وأنَّهم أُمِرُوا في هَذا القُرْآنِ بِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ مَعَ التَّعْلِيماتِ المَذْكُورَةِ نَفْسِها، وإقامُ الصَّلاةِ لا يَكُونُ إلّا عِبادَةَ اللَّهِ بِإخْلاصٍ.

وَهَذِهِ الأوامِرُ سَواءٌ كانَتْ في كُتُبِهِمْ أوْ في القُرْآنِ لا تَقْتَضِي التَّفَرُّقَ، بَلْ تَسْتَوْجِبُ الِاجْتِماعَ والوَحْدَةَ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ .

القَيِّمَةُ: فَيْعِلَةٌ مِنَ القَوامَةِ، وهي غايَةُ الِاسْتِقامَةِ.

وَقَدْ جاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]، أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ بِتَعالِيمِها.

وَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّ القُرْآنَ أقْوَمُها وأعْدَلُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وقالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]، فَنَفى عَنْهُ العِوَجَ، وأثْبَتَ لَهُ الِاسْتِقامَةَ.

وَهَذا غايَةٌ في القَوامَةِ كَما قَدَّمْنا مِن قَبْلُ، مِن أنَّ المُسْتَقِيمَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ انْحِناءٌ كالطَّرِيقِ المُعَبَّدِ المُسْتَقِيمِ عَنِ المُرْتَفَعاتِ والمُنْخَفَضاتِ، لَكِنَّهُ يَنْحَرِفُ تارَةً يَمِينًا وشِمالًا (p-٤٨)مَعَ اسْتِقامَتِهِ، فَهو مَعَ الِاسْتِقامَةِ لَمْ يَخْلُ مِنَ العِوَجِ.

وَلَكِنْ ما يَنْتَفِي عَنْهُ العِوَجُ وتَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِقامَةُ، هو الطَّرِيقُ الَّذِي يَمْتَدُّ في اتِّجاهٍ واحِدٍ بِدُونِ أيِّ اعْوِجاجٍ إلى أيِّ الجانِبَيْنِ، مَعَ اسْتِقامَتِهِ في سَطْحِهِ.

وَهَكَذا هو القُرْآنُ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] المِلَّةُ القَيِّمَةُ، قَيِّمَةٌ في ذاتِها، وقَيِّمَةٌ عَلى غَيْرِها: ومُهَيْمِنَةٌ عَلَيْهِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣] .

تَنْبِيهٌ

إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ رَدًّا صَرِيحًا عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ يُنادُونَ بِدُونِ عِلْمٍ إلى دَعْوَةٍ لا تَخْلُو مِن تَشْكِيكٍ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ مِن لَبْسٍ، وهي دَعْوَةُ وحْدَةِ الأدْيانِ، ومَحَلُّ اللَّبْسِ فِيها أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ حَقٌّ، ومِنهُ باطِلٌ.

أمّا الحَقُّ فَهو وحْدَةُ الأُصُولِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [البينة: ٥]، وأمّا الباطِلُ فَهو الإبْهامُ، بِأنَّ هَذا يَنْجَرُّ عَلى الفُرُوعِ مَعَ الجَزْمِ عِنْدَ الجَمِيعِ، بِأنَّ فُرُوعَ كُلِّ دِينٍ قَدْ لا تَتَّفِقُ كُلُّها مَعَ فُرُوعِ الدِّينِ الآخَرِ، فَلَمْ تَتَّحِدِ الصَّلاةُ في جَمِيعِ الأدْيانِ ولا الصِّيامُ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِما في القُرْآنِ مِن تَفْصِيلٍ لِلْفُرُوعِ، والسُّنَّةُ تُكْمِلُ تَفْصِيلَ ما أجْمَلَ.

وَهُنا النَّصُّ الصَّرِيحُ بِأنَّ ذَلِكَ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ هو دِينُ القَيِّمَةِ، وأنَّ القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ، وهي أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُعادِلَ ويُساوِيَ مَعَ غَيْرِهِ أبَدًا مَعَ نُصُوصِ القُرْآنِ، بِأنَّ اللَّهَ أخَذَ العَهْدَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ لَئِنْ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا ﷺ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، ولَيَنْصُرُنَّهُ ولَيَتَّبِعُنَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِذَلِكَ. وقَدْ أخْبَرَ الرُّسُلُ أُمَمَهم بِذَلِكَ. فَلَمْ يَبْقَ مَجالٌ في هَذا الوَقْتِ ولا غَيْرِهِ لِدَعْوَةِ الجاهِلِيَّةِ بِعُنْوانٍ مُجَوَّفٍ وحْدَةِ الأدْيانِ، بَلِ الدِّينُ الإسْلامِيُّ وحْدَهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] (p-٤٩)وَبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

98:6Страница 598

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ ٦

Воистину, неверующие из людей Писания и многобожников окажутся в огне Геенны и пребудут там вечно. Они являются наихудшими из тварей.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ .

قُرِئَتِ البَرِيَّةُ بِالهَمْزَةِ وبِالياءِ، فَقَرَأ بِالهَمْزِ: نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ والباقُونَ بِالياءِ، فاخْتُلِفَ في أخْذِها.

قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ الفَرّاءُ: إنْ أُخِذَتِ البَرِيَّةُ مِنَ البَراءَةِ بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ: أيِ التُّرابِ. فَأصْلُهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ بِقَوْلِهِ مِنهُ: بَراهُ اللَّهُ يَبْرُوهُ بَرْوًا، أيْ: خَلَقَهُ، وقِيلَ: البَرِيَّةُ مَن بَرَيْتُ القَلَمَ أيْ قَدَرْتُهُ.

وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَسْألَتَيْنِ: الأُولى مِنهُما: أنَّ أُولَئِكَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، ومَبْحَثُ خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ، تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ وافِيًا.

والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ أنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ، والبَرِيَّةُ أصْلُها البَرِيئَةُ، قُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً تَسْهِيلًا، وأُدْغِمَتِ الياءُ في الباءِ، والبَرِيئَةُ الخَلِيقَةُ، واللَّهُ تَعالى بارِئُ النَّسَمِ، هو الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ سُبْحانَهُ.

وَمِنَ البَرِيَّةِ الدَّوابُّ والطُّيُورُ، وهُنا النَّصُّ عَلى عُمُومِهِ، فَأفْهَمَ أنَّ أُولَئِكَ شَرٌّ مِنَ الحَيَواناتِ والدَّوابِّ.

وَقَدْ جاءَ النَّصُّ صَرِيحًا في هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، وقَدْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، وقالَ عَنْهم: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠]، فَهم لِصَمَمِهِمْ وعَماهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.

وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ الدَّوابَّ لَيْسَتْ في ضَلالٍ مُبِينٍ؛ لِأنَّها تَعْلَمُ وتُؤْمِنُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، كَما جاءَ في هُدْهُدِ سُلَيْمانَ، أنْكَرَ عَلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها سُجُودَهم لِلشَّمْسِ والقَمَرِ مِن دُونِ اللَّهِ.

وَنَصُّ مالِكٍ في المُوَطَّأِ في فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ: «أنَّهُ وما مِن دابَّةٍ إلّا تُصِيخُ بِأُذُنِها مِن (p-٥٠)فَجْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ خَشْيَةَ السّاعَةِ»، وهَذا كُلُّهُ لَيْسَ عِنْدَ الكافِرِ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ في الآخِرَةِ لَمّا يَجْمَعُ اللَّهُ جَمِيعَ الدَّوابِّ ويَقْتَصُّ لِلْعَجْماءِ مِنَ القَرْناءِ، فَيَقُولُ لَها: كُونِي تُرابًا، فَيَتَمَنّى الكافِرُ لَوْ كانَ مِثْلَها فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] .

وَذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ الدَّوابَّ لَمْ تَعْمَلْ خَيْرًا فَتَبْقى لِتُجازى عَلَيْهِ، ولَمْ تَعْمَلْ شَرًّا لِتُعاقَبَ عَلَيْهِ فَكانَتْ لا لَها ولا عَلَيْها إلّا ما كانَ فِيما بَيْنَها وبَيْنَ بَعْضِها، فَلَمّا اقْتُصَّ لَها مِن بَعْضِها انْتَهى أمْرُها، فَكانَتْ نِهايَتُها عَوْدَتَها إلى مَنبَتِها وهو التُّرابُ. بِخِلافِ الكافِرِ فَإنَّ عَلَيْهِ حِسابَ التَّكالِيفِ وعِقابَ المُخالَفَةِ فَيُعاقَبُ بِالخُلُودِ في النّارِ، فَكانَ شَرَّ البَرِيَّةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English