Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
الذاريات
Аз-Зарият
Рассеивающие прах · Мекканская · 60 аятов
51:1–6Страница 520
وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١
Клянусь рассеивающими прах!
فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا ٢
Клянусь несущими бремя!
فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣
Клянусь плывущими легко!
فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤
Клянусь распределяющими дела!
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥
Обещанное вам есть истина,
وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦
и суд непременно наступит.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
نبتدئ الآن بمعونة الله وتوفيقه الكلام على ما يتيسَّر منْ تفسيرِ القرآن الكريم؛ لأني أحب دائمًا أن يكون للمسلمين صلة في معرفة معاني كلامِ الله، فإن الله تعالى أنزل القرآن لهذا؛ فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وتدبُّرُ الآياتِ يعني: تفهُّمَ معانيها، والتذكُّر يعني: الاتِّعاظ والعمل والتصديق.
قال الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات ١، ٢] إلى آخره.
اعلم أوَّلًا: أن البسملة آية من كتاب الله؛ لكنها آية لا تُحسَب من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، ولذلك نقول: إن الفاتحة أول آياتها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما جاء ذلك صريحًا في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم[[(٣٩٥ / ٣٨).]] عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
وبناء على ذلك لو قرأ الفاتحة بدون أن يقرأ البسملة فصلاته صحيحة؛ لأن البسملة ليست آية من الفاتحة، وتجدون في المصحف أنها معدودة من آياته، فهي رقم (١)، لكن هذا مبني على قول ضعيف، والصواب أن آياتها سبع: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سبع آيات.
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات ١ - ٤] أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات؛ لأنها دالة على عظمته تبارك وتعالى، ولما فيها من المصالح والمنافع.
أما قوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ فالذاريات هي: الرياح تذرو التراب وغير التراب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف ٤٥] ﴿أَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي: تُفَرِّقه في أمكنة متعددة.
وأقسم الله بالذاريات لما فيها من المصالح الكثيرة، ففي تصريفها حكمة بالغة؛ فمنها الرياح الدافئة، ومنها الرياح الباردة، على حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل؛ ولأنها أيضًا -أعني الرياح- تثير سحابًا، فيسقي به اللهُ الأرض؛ ولأنها تسير السفن، ففيما سبق كانت السُّفن تجري على الرياح، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس ٢٢].
وقوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ المراد بها: السحاب؛ تحمل المياه موقرة، أي: مثقلة محملة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد ١٢] فهي ثقيلة مُحمَّلة بمياه عظيمة؛ بحار، ولذلك تمطر الأرض فتجد الأرض أنهارًا بإذن الله عز وجل.
إذن: الذاريات: الرياح، والحاملات: السحاب، والارتباط بينهما ظاهر؛ لأن الرياح هي التي تثير السحاب، وأيضًا هي التي تُلَقِّح السحاب بالماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر ٢٢].
قال تعالى: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ ﴿الْجَارِيَاتِ﴾ هن السفن، ﴿يُسْرًا﴾ أي: بسهولة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] أي: في السفينة، هذه السفن تجري مُيَسَّرة بإذن الله عز وجل بما يسره الله تعالى من الرياح الطيبة.
﴿الْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ هي: السفن، تجري بإذن الله عز وجل ميسرة مسهلة، وكلما كانت الريح مناسبة كان سيرها أيسر.
جاءت السفن الآن النارية التي لا تحتاج إلى الرياح، فصارت أيسرَ وأيسر، تجدها قرى كاملة تمخُر عباب الماء، وتسير بسهولة.
الارتباط بين هذه الثلاثة: أن السحب تَحمِلُ الأمطار فتنزل إلى الأرض، ويكون فيها الرزق للمواشي والآدميين.
﴿الْجَارِيَاتِ﴾ يعني: السفن، هي أيضًا تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، لا يمكن أن تصلَ مثلًا الأرزاق من جهة إلى جهة أخرى بينها وبينها بحر إلا عن طريق السفن.
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ وهم الملائكة، وجمعهم؛ لأنه يجوز جمع المؤنث باعتبار الجماعات؛ يعني: فالجماعات المقسمات.
﴿أَمْرًا﴾ التي تُقسِّم الأمرَ أي: شؤون الخلق، ويحتمل أن يكون ﴿أَمْرًا﴾ أي: بأمر الله، والمعنى صحيح على كِلا التقديرين؛ فإن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام يُقسِّمون ما يريد الله عز وجل من أرزاق الخلق وغيرها بأمر الله عز وجل، هذه أربع جمل: الأولى؟
* طلبة: الذاريات.
* الشيخ: الثانية؟
* طلبة: الحاملات.
* الشيخ: الحاملات. الثالثة؟
* طلبة: الجاريات.
* الشيخ: الرابعة؟
* طلبة: المُقَسِّمات.
* الشيخ: كل هذه مُقْسَمٌ بها، المُقسَمُ عليه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات ٥] يعني: ما وعدكم الله تعالى فهو وَعدٌ صادق، والصادق هو: المطابق للواقع؛ وذلك لأن الخبر نوعان: نوع يخالف الواقع، وهذا يسمى كَذِبًا، ونوع يطابق الواقع، وهذا يُسمَّى صدقًا، سواء كان المخبر عنه ماضيًا أو مستقبلًا.
فأقسم الله عز وجل بهذه المخلوقات العظيمة على أن ما نُوعَدُ صادق، فلا بد أن يقع، إذا وقع ما نُوعَد وهو البعث يوم القيامة يتلوه الجزاء؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات ٦] ﴿الدِّينَ﴾ يعني: الجزاء، وتعلمون أن الدين يطلق أحيانًا بمعنى الجزاء، وأحيانًا بمعنى العمل، ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل، وفي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] المراد به الجزاء.
هنا ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ أي: الجزاء لا بد أنْ يقعَ؛ لأن الله على كل شيء قدير، وقد مر في سورة (ق) أن الله تعالى قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق ٤٤].
51:7–9Страница 521
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧
Клянусь небом, обладающим прекрасным обликом (или небом, обладающим мощью; или небом со звездами)!
إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨
Ваши (неверующих) слова противоречивы.
يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩
Отвращен от него (Мухаммада или Корана) тот, кто был отвращен.
ثم قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات ٧] ﴿السَّمَاءِ﴾ معروفة، ﴿ذَاتِ﴾ بمعنى: صاحبة، ﴿الْحُبُكِ﴾ يعني: الطُّرُق، يعني: أنها من حسنها كأنها ذات طُرُقٍ محبوكةٍ متقنة، كما ترون ذلك في جبال الرمل، جبال الرمل تجدها مضلعة، الهواء مع كثرته عليها تكون مضلعة، إذن السماء كذلك، ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات ٨] ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للكافرين، ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ يعني: يختلف بعضه عن بعض، كيف ذلك؟ بعض الكفار قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: إنه مجنون، هذا قول. وبعضهم قالوا: إنه ساحر، هذا قول. وبعضهم قالوا: إنه كاهن، هذا قول. وبعضهم قال: إنه شاعر، هذا قول. وبعضهم قال: إنه كذاب، هذا قول؛ فهم مختلفون في النبي ﷺ، واختلاف الأقوال يدل على كَذِبها وفسادها، كلما رأيتَ قولًا مختلفًا متناقضًا، فاعلم أنه باطل، وليس بصحيح؛ لأن الحق لا يمكن أن يتناقض، فهؤلاء المُكذِّبون للرسول عليه الصلاة والسلام اختلفوا على ما سمعتم.
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٨، ٩] ﴿يُؤْفَكُ﴾ بمعنى: يُصرَف، ﴿عَنْهُ﴾ قيل: إن الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، أي: يُصرَف عن الرسول ﷺ مَنْ صُرِفَ من الناس.
وقيل: إن الضمير يعود على القول، وعلى هذا القول تكون (عن) بمعنى (الباء)، أي: يؤفك بهذا القول من أفك، يُصرَف بهذا القول عن الحق من صرف، وهما -أي: المعنيان- متلازمان، والأقرب: أن الضمير في قوله: ﴿عَنْهُ﴾ يعود على القول؛ لأنه أقرب مذكور.
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ [الذاريات ٨، ٩] أي: عن هذا القول، أي: بسببه ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ أي: من صُرِفَ عن الحق؛ وذلك لأن من البيان سحرًا، إذا جاءك رجل بليغ فصيح، وصار يورد عليك الشبهات والشكوك، ألست تنخدع بقوله؟ بلى.
هؤلاء المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام عندهم فصاحة، عندهم بلاغة، عندهم تمويه، دجل، فيصرفون الناس، وقوله: مَنْ صُرِف ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ هل المراد: مَن قَدَّر الله عليه أن يُصْرَف؟ أو المراد: ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ أي: مَنْ صَرَفَه هؤلاء المختلفون؟ هما متلازمان أيضًا، فإن هؤلاء الذين يُضلُّون الناسَ لا يمكن أن يضلوهم إلا بإذن الله عز وجل، من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهديه فلا مضل له، فهم الذين يَأفكون الناس، أي: يصرفونهم سببًا -هم السبب- لكن المُقدِّر للصَّرْفِ هو الله عز وجل.
ولكن اعلم -أخي المسلم- أنَّه لا يمكن أن يُصرَفَ عن الحق إلا مَنْ علم الله منه أنه ليس أهلًا للحق، نسأل الله لنا ولكم السلامة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وكذلك ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ في الذين يمتثلونها ويؤمنون بها، ويدلُّ على هذا الذي قلنا قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]؛ ولكن احذر إذا رأيت ضالًّا أن تقول: هذا ليس أهلًا للهداية؛ لأن هناك فرقًا بين القول بالعموم، والقول بالتعيين.
القول بالتعيين حرام؛ لأنك قد ترى شخصًا ضالًّا، تراه ضالًّا وتقول: هذا لا يهتدي، وإذا به يهديه الله عز وجل، والعكس بالعكس ربما ترى شخصًا مستقيمًا تقول: هذا لا يمكن أن يضل، فإذا به يضله الله، المهم: إياك أن تشهد لمعين، لكن حقيقةً أنك إذا رأيت ضالًا متمردًا مستكبرًا عن الحق، فإنَّك بقلبك تستبعد أنَّ الله يهديه؛ لكن لا تقل: إن الله لا يهديه، ألم يبلغكم أن رجلًا كان مجتهدًا في العبادة، وهناك آخر مسرفٌ على نفسه، فكان يمرُّ به هذا الرجل وينصحه، ولكن ذاك يقول: إنك لا تحول بيني وبين ربي، دعني وربي، فقال المجتهد بالعبادة ذات يوم: والله لا يغفر الله لك، أو قال: والله لا يدخلك الله الجنة، فقال الله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ ألَّا أَغْفِرَ لفُلانٍ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢١ / ١٣٧) من حديث جندب بن عبد الله البجلي.]] نسأل الله العافية؛ لهذا لا تعجب بنفسِكَ، ولا تيأسْ من رحمة الله، لا فيما يتعلق بك، ولا فيما يتعلَّق بغيرك، فإن الله على كل شيء قدير.
لكن نعلم يعني على سبيل العموم أن الإنسان إذا لم يكن أهلًا للهداية، فإنه لن يهتدي، فإذا رأينا هذا الشخص منحرفًا مستكبرًا معاندًا فلا شك أنه يغلُبَ على ظنِّنا أنه ليس أهلًا للهداية؛ لكن ليس لنا أن ننطق بذلك، يحرم علينا أن ننطق، ويخشى أن يقال لنا كما قيل لهذا الرجل: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ».
وهنا نقطة مهمة؛ وهي الفرق بين التعيين والإطلاق، مثلًا نحن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، لكن إذا رأينا شخصًا مستقيمًا يصلِّي ويزكِّي ويصوم ويحج ويتصدق ويحسن ويبر والديه ويصل رحمه، هل نشهد بأنه في الجنة؟ لا.
التعيين شيء، والإجمال شيء آخر، رأينا رجلًا كافرًا ملحدًا مُسلَّطًا على المسلمين، يمزق كتاب الله ويدوسه برجليه، ويستهزئ بالله ورسوله، هل نقول: هذا من أهل النار؟ لا، بل نقول: مَنْ فعل هذا فهو من أهل النار، والتعيين لا تُعَيِّن؛ لأنه من الجائز في آخر لحظة أن الله يَمُنُّ عليه ويهديه، فأنت لا تدري؛ لذلك يجب عليكم أن تفرقوا بين التعيين والإطلاق، أو التعيين والإجمال.
مات رجل، ونحن نعرف أنه مات على النصرانية حسب ما يبدو لنا من حاله، هل نشهد له بالنار؟ لا نشهد؛ لأنه أوَّلًا إن كان من أهل النار فسيدخل ولو لم نشهد، وإن لم يكن من أهل النار فشهادتنا شهادةٌ بغير علم، فمثل هذه المسائل لا داعي لها، يعني: لو قال قائل: مات رجلٌ من الرُّوس من الملحدين منهم، مات رجل من الأمريكان من الملحدين، من اليهود من الملحدين، العنْه واشهدْ له بالنار، نقول: ما يمكن، نحن نقول: من مات على هذا فهو من أهل النار، من مات على هذا لعنَّاه، أما الشخص المُعيَّن فلا، ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة قالوا: لا نشهدُ لأحدٍ بالجنة أو بالنار، إلَّا لمن شهِد له النبيُّ ﷺ؛ ولكننا نرجو للمُحسِن ونخاف على المسيء، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
51:10–14Страница 521
قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠
Да будут убиты лжецы,
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١
которые окутаны невежеством и беспечны!
يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢
Они спрашивают, когда же настанет День воздаяния?
يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣
В тот день они будут гореть в Огне.
ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤
Вкусите ваше наказание, которое вы торопили.
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات ١٠، ١١] ﴿قُتِلَ﴾ كثير من المفسرين يفسِّرُها بـ(لعن)، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله؛ ولكن الصحيح أن قَتَل بمعنى: أهْلَك؛ لأنه لا داعي إلى أن نصرِفَها عن ظاهِرها، وظاهرها صحيح مستقيم، فمعنى ﴿قُتِلَ﴾: أُهلِك.
و﴿الْخَرَّاصُونَ﴾ جمع خَرَّاص، وهو الذي يتكلَّم بالظنِّ والتَّخمين والارتياب والشكِّ؛ لأنه منغمر في الجهل والسهو والغفلة، ولهذا وصفَهم بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ أي: في غمرة من الجهل، قد أحاط بهم الجهل من كل جانب، ﴿سَاهُونَ﴾ غافلون، لا يحاولون أن يقبلوا على ما أنزل الله على رُسلِه عليهم الصلاة والسلام.
ومن جهلهم أنهم ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات ١٢] سؤالَ استبعادٍ وإنكارٍ، لو كانوا يُسأَلون سؤالَ استعلامٍ واستخبارٍ لعُذِروا، كما قال جبريل للنبي ﷺ: «أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»، لكن هل قاله استبعادًا وإنكارًا؟ لا، بل استفهامًا واستخبارًا؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا المَسْؤولُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
لكن أولئك الخرَّاصون ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ -يعني: متى هو- استبعادًا؛ ولهذا قال الله عنهم في سورة (ق): ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٢، ٣] يعني: أنرجع بعد أن كنا ترابًا، هذا رَجْعٌ بعيد.
فهم يَسألون عن يوم القيامة لا سؤالَ استفهامٍ واستخبارٍ ليستيقنوا، ولكن سؤالَ استبعادٍ وإنكارٍ.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات ١٣] هذا الجواب، يعني: يوم القيامة ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾، وعلى هذا فـ﴿يَوْمَ﴾ هنا ظرف، خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: يوم القيامة ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾.
ومعنى ﴿عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يُعرَضون عليها فيحترقون بها؛ لأن الفتنةَ بمعنى الاحتراق؛ ولكنها عُدِّيَتْ بـ﴿عَلَى﴾؛ لأنَّها ضُمِّنَت معنى العرض، أي: يُعرضون على النار فيحترقون بها، هذا يوم الدين.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات ١٣، ١٤] ﴿ذُوقُوا﴾ هذه جملة مقولٍ لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾.
و﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ هذا أمر إهانة وإذلال، أي: ذوقوا احتراقكم في النار التي كنتم تُنكِرونها.
﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾؛ لأنهم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] فيستعجلون بالقيامة استبعادًا لها، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨]، فيقال لهؤلاء: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾، ويقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٥، ١٦].
أنا أسألكم الآن: يفتنون على النار فيحترقون بها ويقال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، ماذا تفهمون من هذا؟ أتفهمون أن في هذا عذابًا بدنيًّا وقلبيًّا؟ نعم؛ لأن الاحتراقَ عذاب بدني، كلما نضجت جلودُهم بدَّلوا جلودًا غيرها.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات ١٤] هذا توبيخ وإهانة وإذلال، يكون به أي عذاب؟ العذاب القلبي، فيجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني، وبين العذاب القلبي، فتجدهم في أعلى ما يكون من الحسرة، يتحسَّرون يقول: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
ثم كان القرآن الكريم مثاني تثنَّى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذُكِرَ الشيء ذكر ضده.
51:15Страница 521
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥
Воистину, богобоязненные пребудут в Райских садах и среди источников,
لما ذكر عذاب هؤلاء المكذبين الخرَّاصين، قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات ١٥]، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ هم: الذين اتَّقوا الله، وأنتم تروْنَ أنَّ التقوى تَرِدُ في القرآن الكريم على وجوه متعدِّدة، بالوصف تارة، وبالفعل تارة، وبالأمر تارة، وتارة تكون مضافة إلى الله، وتارة مضافة إلى العقوبة، وغير ذلك، المهم، مما يدلُّ على أنَّ التقوى شأنُها عظيم في الإسلام، وليست التقوى قولًا يُقالُ باللِّسانِ، بل هي قول يتْبَعُه فعل وتطبيق.
فإن سألتم: ما هي التقوى؟ قلنا: التقوى كلمتان: فعلُ ما أمر الله به، وتركُ ما نهى الله عنه، هذه التقوى؛ فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه على علمٍ وبرهانٍ واحتسابٍ وخوفٍ، تفعَلُ ما أمر الله به؛ لأنَّك تعلم أنَّ الله أمر به، تفعل ما أمر الله به؛ لأنك تحتسبُ ثوابَه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعِ مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
تترُك ما نهى الله عنه؛ لأنك تعلم أن الله نهى عنه، تترك ما نهى الله عنه خوفًا من عقاب الله؛ لأنَّك موقن بالعذاب، هذه هي التقوى.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾ يقول عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: مستقِرُّون في جنات وعيون، والجنات جمع جنة، وأنتم يمر بكم في القرآن (جنة) مفردًا، و(جنات) جمعًا، فهل هي جناتٌ متعدِّدة؟ أو هي جنة واحدة؟ هي جنات متعدِّدة، لكن ذُكِرَت بلفظ المفرد من باب ذكر الجنس، وإلا فهي جنات، انظروا إلى آخر سورة الرحمن، ذكر الله أربعَ جنات، قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢]، وقال النبي ﷺ: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. إذن فالجنات متعدِّدة.
51:16Страница 521
ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦
получая то, что даровал им их Господь. До этого они были творящими добро.
﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قوله: ﴿آخِذِينَ﴾ هذه حال من الضمير المستتر بالخبر، أي: حال كونهم ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: ما أعطاهم من النعيم، وهذه الآية كالآية التي في سورة الطور: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور ١٨]، أي: ما أعطاهم الله من النعيم في هذه الجنات، ثم بيَّن السبب الذي وصلوا به إلى هذا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾.
﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ يعني: في الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أي: قائمين بطاعة الله على الوجه الذي يرضاه الله عز وجل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]] هذا الإحسان في العبادة، أما الإحسان في معاملة الخلق، فإن أجمع ما يقال فيه، ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]] هذا هو الإحسان للناس؛ أن تعاملَ الناس بما تحب أن يعاملوك به؛ من حسن الخلق، وطلاقة الوجه، وكفِّ الأذى، وبذل النَّدَى، إلى غير ذلك مما هو معروف، فهؤلاء المحسِنون في عبادةِ الله، محسنون إلى عباد الله، ﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل أن يأخذوا ما آتاهم الله من النعيم محسنين.
51:17Страница 521
كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧
Они спали лишь малую часть ночи,
ثم فصَّل هذا الإحسانَ أو فصَّل نوعًا من هذا الإحسان؛ فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات ١٧]، ﴿مَا﴾ هذه قيل: إنها زائدة في اللفظ، لكنها ليست زائدة في المعنى، وأن التقدير: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ أي: ينامون قليلًا، وماذا يصنعون في هذه اليقظة؟ يصنعون ما ذكره الله في سورة المُزَمَّل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل ٢٠].
هم ليسوا يَسهَرون على اللَّهو واللَّغو أو يستيقظون على مثلِه، ولكنهم يقلُّ نومُهم للتفرُّغ لطاعةِ الله عز وجل.
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨] ﴿الْأَسْحَار﴾ جمع سحر وهو آخر الليل، هم يستغفرون الله، يعني: يسألون الله المغفرة، وهذا من حسن عملهم وعدم إعجابهم بأنفسهم، وكونهم يشعرون بأنهم وإن اجتهدوا فهم مقصرون، فيستغفرون الله بعد فعل الطاعة؛ جبرًا لما حصل فيها من خلل، وأنتم تعلمون أنه يُشرَع في نهاية العبادات أن يَسْتغفرَ الإنسانُ ربَّه مما قد يكون فيها من خلل؛ فبعد الصلاة يستغفر الإنسان ربه ثلاثًا، وبعد الحج قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٨، ١٩٩].
فهم يسألون المغفرة بعد تهجُّدِهم وقيامهم وسهرهم في طاعة الله؛ خوفًا من أن يكون هناك تقصير وهذا مما يدل على معرفتهم بأنفسهم، وأنهم يرون أنفسهم مقصرين، خلافًا لما يفعله بعض الناس اليوم إذا تعبَّد لله بأدنى عبادة شمَخ بنفسه وأدلَّ على الله تعالى بها، وظن أنه من عباد الله الصالحين.
صحيح أن الإنسان ينبغي أن يرجو ربه إذا أنعم عليه بالطاعة أن الله يقبلها، لكن كونه يرى أنه قد أتمَّ كل شيء، هذا يُخشَى على الإنسان أن يَحْبَطَ عملُه وهو لا يشعُر.
51:19Страница 521
وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩
Они выделяли известную долю своего имущества для просящих и обездоленных.
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٨، ١٩] في أموالهم كلِّها؛ سواء الأموال الزَّكويَّة أو غير الزكوية فيها ﴿حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ إذا أتاهم سائل أعطَوْه، إذا رأوا محرومًا -أي: ممنوعًا من الرزق وهو الفقير- أعطَوْه، فمالُهم قد أعدُّوه لما يرضي اللهُ عز وجل من السؤال والمحرومين، وغير ذلك من الإنفاق المشروع، إذن هم يقومون بطاعة الله، تهجُّدٌ في الليل واستغفار وبذل للمال؛ لكن من غير سرف ولا مَخيلَةٍ.
51:20Страница 521
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠
На земле есть знамения для людей убежденных,
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٩، ٢٠].
﴿فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ولم يُبيِّن اللهُ عز وجل هذه الآيات، بل جاءت مُنكَّرةً؛ ليشملَ كلَّ آية في الأرض، سواء كانت الآيات فيما يحدث فيها من الحوادث، أو كانت في نفسِ طبيعةِ الأرض وتركيب الأرض، فإن فيها آياتٍ عظيمة.
﴿فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ من حيث التركيب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] فتجد الحجر الواحد يشتمل على عدة معادن، وهو حجر واحد، وترى أحيانًا في الجبال ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر ٢٧].
وتجد فيها الأرض اللينة الرخوة، والأرض الصلبة إلى غير ذلك مما يعرفه علماء الجيولوجيا من الآيات العظيمة، فيها آيات من جهةِ الحوادث التي تحدُث فيها؛ من الزلازل والبراكين وغيرها.
فيها آيات أيضا من جهة طبيعة الجو من حر وبرد، ورياح عاصفة، ورياح باردة، ورياح دافئة، وغير ذلك مما إذا تأمله الإنسان عرف قدرة الله تعالى من جهة، وعرف حكمته ورحمته أيضًا من جهة أخرى؛ لأن آيات الله سبحانه وتعالى يتبصَّر بها الإنسان لا من حيث القدرة والعظمة، بل حتى من حيث الحكمة والرحمة؛ لأن كلَّ شيء تجده مناسبًا لمكانه وزمانه، وكل شيء تجده من آثار رحمة الله تبارك وتعالى.
المهم أن كلمة ﴿آيَاتٌ﴾ نجد أنها نكرة عامة لكل ما يحدث في الأرض من آيات، ولكل ما فيها من طبيعتها وتركيبها وغير ذلك.
﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أي: لمن أيقنَ بوجودِ الله عز وجل وعظمته وجلاله، أما مَنْ شكَّ -والعياذ بالله- فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، بل قد تكون هذه الآيات ضررًا عليه، فإن الآيات الكونية أو الشرعية قد تكون خيرًا للإنسان وقد تكون شرًّا، واستمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ يعني: من القرآن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥].
كذلك الآيات الكونية، من الناس من ينتفع بها ويستدل بها على ما فيها من آيات الله عز وجل، ومن الناس من يكون بالعكس يؤديه ما يجده من الآيات إلى الإلحاد والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ يعني: لا، لكل إنسان، بل للموقِن، أما الشاكُّ والمتردِّد والكافر فإنه لن ينتفع بهذه الآيات.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии