Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
البروج
Аль-Бурудж
Созвездия Зодиака · Мекканская · 22 аята
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
نفتتح لقاءنا هذا، وهو اللقاء الثاني من شهر ربيع الثاني، يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا جميعًا في أعمارنا وأعمالنا، وأن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاه.
هذه اللقاءات المباركة بين الناس، بين العلماء وطلبة العلم، وبين طلبة العلم وعوامِّ الناس، لا شكَّ أنها لقاءاتٌ خَيِّرةٌ نافعةٌ، تجعل الناسَ يستبصرون في دينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويشكو بعضهم إلى بعضٍ حوائجَه ونوائبَه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٢٥٨٥ / ٦٥)، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[أخرج البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) واللفظ له، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى».]]. وهذا هو الواجب في حقِّ الأُمَّة الإسلامية أن تكون جسدًا واحدًا، إذا تألَّم منه عضو تألَّم سائر الجسد له حتى يبرأ ويهدأ، وكذلك يجب أن يكونوا كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أصابعه إشارةً إلى أنَّ البنيان كلَّما تراصَّ وتلاءم كان أقوى له.
لقاءاتُنا هذه -ولله الحمد- فيها بركة، يستفيد منها الحاضرون، ويستفيد منها المستمعون، ويستفيد منها السامعون بما منَّ الله به علينا في هذا الزمن من تسهيل الأشرطة المنتشرة بين الناس؛ يكون الإنسانُ قائدًا لسيارته وهو يستمع إلى الشيخ يحدِّثه بدون تعبٍ وبدون مَلَل، ويكون الإنسانُ مضطجعًا في فراشه وهو يستمع إلى العلم، كلُّ هذا بما منَّ الله به علينا من هذه الأشرطة، ولذلك نرى -ولله الحمد- آثارَ هذه الأشرطة في البيوت، في الصغار والكبار والنساء والرجال، وهذا لا شكَّ أنه من الخير والبركة.
ومن عادتنا أنَّنا نفتتح اللقاء بالكلام على آياتٍ من القرآن الكريم ابتدأناها بسورة النبأ حتى وصلنا إلى سورة البروج، واخترنا هذا الجزء لأنَّه يَكثر سماعه من الناس في الصلوات، والقرآنُ الكريمُ لم ينزل لمجرَّد التلاوة، بل نزل للتلاوة وللتدبُّر وللتذكُّر؛ كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطحاوي في مشكل الآثار (١٤٥٢) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان أصحابُنا يُقرئونا ويعلِّمونا ويخبرونا أنَّ النبي ﷺ كان يُقرِئ أحدَهم عشر آياتٍ فما يَجُوزها حتى يتعلَّم العمل فيها. قال: وقالوا: علمنا القرآنَ والعملَ جميعًا.]].
والذي ليس حظُّه من القرآن إلا التلاوة هو أُمِّيٌّ في الحقيقة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] أي: إلا قراءةً، فوصَفهم الله بأنهم أُمِّيُّون مع أنهم يقرؤون، فلا بدَّ من أن يتعلَّم المسلمون معانِيَ القرآن؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الذي يُسَمَّى مقدمة في علم التفسير، قال: إنَّ الناس لو جُعِل لهم كتابٌ يدرسونه في الطب أو في أيِّ علمٍ كان، فلا بدَّ أن يفهموا معناه حتى يستفيدوا منه، فإذا كان هذا في الكتب العلمية التي هي من كلام البشر، فكيف بأمِّ العلم وأصل العلم الذي هو من كلام الله عز وجل؟! هو أَوْلى وأجدر أن نعتني به وأن نعرف معناه وتفسيره، ونتلقَّاه من أئمة التفسير الذين عُرِفوا بصحَّة العقيدة وسلامة المنهج.
وقفنا على سورة البروج، قال الله سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج ١، ٢].
البسملة آيةٌ مستقلَّةٌ في الكتاب العزيز ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، يؤتَى بها في أول كلِّ سورة إلا سورة (براءة)، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يكتبوها في هذه السورة فبقيتْ بدون بسملة، وما اشتهر عند العوامِّ من أنَّ الجنَّ اختطفوا بسملة سورة (براءة) فهذا لا شكَّ أنَّه باطلٌ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ولا يمكن أن يُسَلَّط عليه الشياطين أو الجن حتى يختطفوا منه، بل إنَّ الله تعالى حماه حين نزوله وحماه بعد نزوله، وما ذُكِر عن بعض العلماء أنَّها لم يُذكَر فيها البسملة لأنَّها نزلتْ بالسيف ففيها الأمر بقتال المشركين، فهذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ البسملة بركة، والجهاد في سبيل الله من أعظم ما يُطلَب فيه البركة. على كلِّ حالٍ هي آيةٌ مستقلَّةٌ في أول كلِّ سورةٍ إلا سورة (براءة).
وليستْ من الفاتحة على القول الراجح الذي دلَّ عليه الحديث القدسي، وهو قوله تبارك وتعالى فيما رواه عنه نبيُّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي ...» إلى آخر الحديث، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة ليستْ من الفاتحة، وكذلك أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سورة (اقرأ)، أقرَأَه إيَّاها جبريلُ ولم يكن فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، فدلَّ هذا على أنها ليست من السورة.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] الواو هذه حرف قَسَم؛ يعني يُقسم الله تعالى بالسماء ذاتِ البروج؛ أي: صاحبة البروج.
والبروج هي جمع بُرج، وهو المجموعة العظيمة من النجوم، وسُمِّيتْ بُروجًا لعُلُوِّها وارتفاعها وظهورها وبيانها، والبروج عند الفلكيِّين اثنا عشر بُرجًا جُمِعتْ في قول الناظم:
حَمْلٌ فَثَوْرُ فَجَوْزَاءُ فَسَرْطَانُ ∗∗∗ فَأَسَـــــــــدٌ سُنْبُـــــــــلَةٌمِـــيـــــــــزَانُ؎فَعَقْرَبٌ قَـوسٌ فَجَدْيٌ وَكَـذَا ∗∗∗ دَلْوٌ وَذِي آخِــــرُهَا الْحِــــيتَانُ
فهي اثنا عشر برجًا؛ ثلاثةٌ منها للربيع، وثلاثةٌ للصيف، وثلاثةٌ للخريف، وثلاثةٌ للشتاء. فيُقسِم الله تعالى بالسماء ذاتِ البروج، وله تعالى أن يُقسم بما شاء من خَلْقه، أمَّا نحن فلا نُقسم إلا بالله؛ بأسمائه وصفاته، ولا نُقسم بشيءٍ من المخلوقات؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[أخرجه البخاري (٢٦٧٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، ولقوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» أو: «أَشْرَكَ»[[أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]].
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ إذَنْ ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي: صاحبة البروج، وهي المجموعة العظيمة من النجوم، وفي السماء اثنا عشر برجًا.
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] اليوم الموعود هو يوم القيامة، وَعَد اللَّهُ سبحانه وتعالى به وبيَّنه في كتابه، ونصب عليه الأدلَّة العقلية التي تدلُّ على أنَّه واقعٌ حتمًا؛ كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤].
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ذكر العلماء -علماء التفسير- في الشاهد والمشهود عِدَّة أقوال، يجمعها أنَّ الله أَقْسم بكلِّ شاهدٍ وبكلِّ مشهودٍ، والشهود كثيرون، ومنهم محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيدٌ علينا، ومنهم نحن هذه الأمَّة شهداء على الناس، ومنهم أعضاء الإنسان يوم القيامة تشهد عليه بما عَمِل من خيرٍ وشرٍّ، ومنهم الملائكة يشهدون يوم القيامة، فكلُّ مَن شَهِد بحقٍّ فهو داخلٌ في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ﴾.
وأمَّا المشهود فهو يوم القيامة وما يُعْرَض فيه من الأهوال العظيمة؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]. فأقسمَ الله بكلِّ شاهدٍ وبكلِّ مشهودٍ.
﴿الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ ما هو؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة.
85:4–5Страница 590
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
Да сгинут собравшиеся у рва -
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
огненного, поддерживаемого растопкой!
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]، ﴿قُتِلَ﴾ يعني: أُهْلِكَ. وقيل: القَتْل هنا بمعنى اللَّعْن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
و﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ هم قومٌ كُفَّارٌ أحرقوا المؤمنين بالنار، وقد وردتْ قصص متعدِّدة في هؤلاء القوم منها شيءٌ في الشام ومنها شيءٌ في اليمن، والمقصود أنَّ هؤلاء الكفار حاولوا بالمؤمنين أن يرتدُّوا عن دينهم ولكنَّهم عجزوا، فحفروا أُخدودًا -حُفَرًا ممدودةً في الأرض كالنهر- وجمعوا الحطبَ الكثيرَ وأحرقوا المؤمنين بها -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج ٥]؛ يعني أنَّ الأخدود هي أخدود النار. ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ أي: الحطب الكثير المتأجِّج.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] يعني أنَّ هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين كانوا -والعياذ بالله- عندهم قسوة وجبروت، يَرَوْن النارَ تَلْتَهم هؤلاء البشر وهم قعودٌ عليها على الأسِرَّة فَكِهون كأنَّ شيئًا لم يكن، والعياذ بالله، وهذا من الجبروت أن يَرى الإنسانُ البشرَ تَلْتهمه النارُ وهو جالسٌ على سريره يتفكَّه بالحديث ولا يبالي.
85:7Страница 590
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
будучи свидетелями того, что творят с верующими.
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يعني: هم شهودٌ على ما يفعلون بالمؤمنين؛ أي: حضورٌ لا يغيب عنهم ما فعلوه بالمؤمنين، ولذلك استحقُّوا هذا الوعيد، بل استحقُّوا هذه العقوبة أنَّ الله أهلكهم ولَعَنهم وطَرَدهم وأبعدهم عن رحمته.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا ولكم بالخير وأن يُحسِن لنا ولعامَّة المسلمين العاقبة.
85:8Страница 590
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
Они вымещали им только за то, что те уверовали в Аллаха Могущественного, Достохвального,
كُنَّا تكلَّمنا في الأسبوع الماضي على أول آيات البروج إلى أن وقفنا على قول الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨] أي: ما أنكر هؤلاء الذين سَعَّروا النارَ بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا؛ أي: إلا أنهم آمنوا بالله عز وجل؛ ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهذا الإنكار أحقُّ أن يُنكَر؛ لأنَّ المؤمن بالله العزيز الحميد يجب أن يُساعَد ويُعان وأن تُسَهَّل له الطرق، أمَّا أن يُمنع ويُردع حتى يَصِل الحدُّ إلى أن يُحرق بالنار فلا شكَّ أنَّ هذا عدوانٌ كبير، وليس هذا بمنكرٍ عليهم، بل هم يُحمدون على ذلك لأنهم عبدوا مَن هو أهلٌ للعبادة، وهو الله جل وعلا الذي خَلَق الخلْقَ ليقوموا بعبادته، فمَن قام بهذه العبادة فقد عرف الحكمة من الخلق وأعطاها حقَّها.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، فهو سبحانه وتعالى له الغَلَبة والعزَّة على كلِّ أحد، ولَمَّا قال المنافقون: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
وقوله: ﴿الْحَمِيدِ﴾ بمعنى المحمود، فالله سبحانه وتعالى محمودٌ على كلِّ حال، وكان من هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه إذا جاءه ما يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»،وإذا جاءه خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرج ابن ماجه (٣٨٠٣) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلِّ حال».]]، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان؛ أن يقول عند المكروه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، أمَّا ما نسمعه من بعض الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سِواه، فهذا خلافُ ما جاءت به السُّنة، بل قلْ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، أمَّا أن تقول: الذي لا يُحمد على مكروهٍ سِواه، فكأنَّك الآن تُعلن أنَّك كارهٌ ما قدَّر الله عليك، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يرضى الإنسانُ بما قدَّر الله عليه مما يسوؤه أو يَسُرُّه؛ لأنَّ الذي قدَّره عليك مَن؟ الله عز وجل، هو ربُّك وأنت عَبْده، هو مالكك وأنت مملوكٌ له، فإذا كان الله هو الذي قدَّر عليك ما تكره فلا تجزع، يجب عليك الرضا والصبر وألَّا تتسخَّط لا بقلبك ولا بلسانك ولا بجوارحك، اصبِرْ وتحمَّل والأمر سيزول، دوام الحال من المحال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، والطبراني (١١٢٤٣) واللفظ له، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. فقوله جل وعلا: ﴿الْحَمِيدِ﴾ ما معنى ﴿الْحَمِيدِ﴾؟ أجيبوني.
* طلبة: المحمود.
* الشيخ: المحمود على كلِّ حالٍ من سَرَّاء أو ضَرَّاء؛ لأنه إن قدَّر السرَّاء فهو ابتلاءٌ وامتحان؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
ولَمَّا رأى سليمانُ عرش بلقيس بين يديه بلحظةٍ ماذا قال؟ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]، فأنت يا أخي إذا أُصِبتَ بالنعمة لا تأخذها على أنها نعمة فتمرح وتفرح، هي نعمة لا شكَّ، لكن اعلمْ أنَّك ممتحَنٌ بها هل تؤدِّي شُكرها أو لا تؤدِّي، إن أصابتك ضرَّاء فاصبِرْ فإنَّ ذلك أيضًا ابتلاء وامتحان من الله عز وجل ليبلوك هل تصبر أو لا تصبر، وإذا صبرتَ واحتسبتَ الأجر من الله فإنَّ الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠].
ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿الْحَمِيدِ﴾ أن يكون له معنًى آخَر وهو الحامد؛ فإنه سبحانه وتعالى يَحمد مَن يستحقُّ الحمد، يُثني على عباده من المرسَلين والأنبياء والصالحين، والثناء عليهم حمدٌ لهم، فهو جل وعلا حامدٌ وهو كذلك محمودٌ، وقد ثبتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام «أنَّ الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّربة فيحمده عليها»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٩) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ الله لَيَرضى عن العبد أن يأكل الأكلة...» الحديث.]]؛ لأنَّه لولا أنَّ الله يَسَّر لك هذه الأكلة والشربة ما حصلتَ عليها؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]. أجبْ على هذا السؤال، الله يسألنا: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ما هو الجواب؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الجواب: بل أنت يا رب. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥]، بعد أن يخرج وتتعلَّق به النفوس يجعله الله حطامًا، ولم يقُلْ عز وجل: لو نشاء لم نُنبِتْه؛ لأنَّ كونه ينبت وتتعلَّق به النفس ثم يكون حُطامًا أشدُّ وقعًا على النفس من كونه لا ينبت أصلًا؛ ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٥ - ٦٧]، ثم جاء للشُّرب فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربَّنا. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: مالحًا غير عذبٍ، لا يستطيع الإنسانُ أن يشربه ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٧٠] يعني: فهلَّا تشكرون الله على ذلك. وهنا لم يقُل عز وجل: لو نشاء لم نُنزله من المزن؛ لأنَّ كونه ينزل ولكن لا يُشرب لا يُطاق أشدُّ من كونه لم ينزل أصلًا، فتأمَّلوا يا أهل القرآن الكريم تجدوا فيه من الأسرار والحِكَم الشيءَ الكثير.
﴿
85:9Страница 590
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
Которому принадлежит власть над небесами и землей. Аллах же - Свидетель всякой вещи!
﴾﴿﴾﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٨، ٩].
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ له وحده مُلك السماوات والأرض، لا يملكها إلا هو عز وجل، فهو يملك السماوات ومَن فيها، والأرضين ومَن فيها، وما بينهما وما فيه، كلُّ شيءٍ ملكٌ لله ولا يشاركه أحدٌ في ملكه، وما يُضاف إلينا من الملك فيقال مثلًا: هذا البيت ملكٌ لفلان، هذه السيارة ملكٌ لفلان، فهو ملكٌ قاصرٌ وليس ملكًا حقيقيًّا؛ لأنَّه لو أنَّ إنسانًا أراد أن يهدم بيتَه بدون سببٍ فهل يملك ذلك؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لو أردتَ أن تهدم بيتك بدون سببٍ ما يمكنك هذا، هذا حرام عليك؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال.
لو أردتَ أن تحرق سيارتك بدون سبب، تملك هذا؟ ما تملك، حتى لو أنَّك فعلتَ لَحَجَر الناسُ، حتى القاضي يحجر عليك، يمنعك من التصرُّف في مالك، مع أنَّ الله مَنَعك قَبْل. إذَنْ ملكُنا قاصر، والملك التامُّ لله. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلع عز وجل على كلِّ شيء، ومن جملته ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين من الإحراق بالنار، وسوف يجازيهم.
85:10Страница 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠
Тем, которые подвергли искушению (или сожгли в огне) верующих мужчин и женщин и не раскаялись, уготованы мучения в Геенне, мучения от обжигающего Огня.
ولكنْ مع ذلك ومع فعلهم هذه الفعلة الشنيعة قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]. قال بعض السلف: انظُر إلى حِلم الله عز وجل؛ يحرقون أولياءه ثم يعرض عليهم التوبة؛ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، وإنْ تابوا فلا شيء عليهم، فتأمَّل يا أخي حِلم الله عز وجل، حيث يحرِّق هؤلاء الكفَّارُ أولياءَه، والتحريق أشدُّ ما يكون من التعذيب، ثم يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال العلماء: ﴿فَتَنُوا﴾ بمعنى أحرقوا؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات ١٣، ١٤]، هؤلاء أحرقوا المؤمنين وأحرقوا المؤمنات؛ يأتون بالرجل، بالمرأة، يحرقونهم في النار.
يقول عز وجل: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: يرجعوا إلى الله ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم أحرقوا أولياءَ الله، فكان جزاؤهم مثل عملهم جزاءً وِفاقًا.
في هذه الآيات من العِبَر: أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يُسَلِّط أعداءَه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سَلَّط الله عز وجل الكفارَ على المؤمنين وقتلوهم وحرَّقوهم وانتهكوا أعراضَهم، لا تستغرب، لله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرُهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أَمْلى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
والمسلمون الباقون لهم عِبرة وعِظَة فيما حصل لإخوانهم؛ فمثلًا نحن الآن نسمع ما يحصل بالبوسنة والهرسك من الانتهاكات العظيمة؛ انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تُبكي، فنقول: سبحان الله! ما هذا التسليط الذي سلَّطه الله على هؤلاء المؤمنين؟!
نقول: يا أخي، لا تستغربْ؛ فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالًا فيمَن سبق، يحرِّقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سُلِّطوا على إخواننا في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين .. لا تستغربْ، هذا رِفْعةُ درجاتٍ للمصابين وتكفيرُ سيِّئات، وهو عبرةٌ للباقين، علينا أن نعتبر، وهو أيضًا إغراءٌ لهؤلاء الكافرين حتى يتسلَّطوا فيأخذهم الله عز وجل أخْذ عزيزٍ مقتدر.
وفي هذه الآيات من العِبَر: أنَّ هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب، إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومَن أنكره فهو الذي يُنكَر عليه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يقينا شرَّ أعدائنا وأن يجعل كيدهم في نحورهم، إنَّه على كل شيءٍ قدير.
* * *
(...) أمَّا بعدُ فهذا هو اللقاء الثالث في شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربع مئةٍ وألف الذي يكون كلَّ خميس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعًا به، وأن يرزقنا وإيَّاكم العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ وأن يتوفَّانا على الإيمان.
اخترنا في أول لقاءاتنا أن نتكلم على التفسير من سورة النبأ؛ لأن هذا الجزء الأخير من الكتاب العزيز تكثر قراءته، فاخترنا أن يكون الناسُ فيه على علم؛ لأنَّ الفائدة من القرآن هي التدبُّر والاتِّعاظ؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
وانتهينا إلى قوله تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، فتنوهم يعني: أحرقوهم، على قول بعض أهل العلم؛ لأنَّ هؤلاء المجرمين خَدُّوا أخاديد؛ أي: شقُّوا سراديبَ في الأرض، وأوقدوا فيها النيران، وأحرقوا فيها المؤمنين، فيكون معنى ﴿فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أحرقوا المؤمنين. وقيل: فتنوهم؛ أي: صَدُّوهم عن دينهم. والصحيح أنَّ الآية شاملةٌ للمعنيين جميعًا؛ لأنه ينبغي أن نعلم أن القرآن معانيه أوسع من أفهامنا، معاني القرآن أوسع من أفهامنا، وأنَّه مهما بلغْنا من الذكاء والفطنة فلن نحيط به علمًا، إنما نعلم منه ما تيسَّر، والقاعدة في علم التفسير أنَّه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتضادَّانِ فإنها تُحمَل عليهما جميعًا، فنقول: هم فتنوا المؤمنين بصدِّهم عن سبيل الله وفتنوهم بالإحراق أيضًا.
ولكن مع هذا يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، فدلَّت الآية الكريمة على أنهم لو تابوا لَغفر الله لهم، حتى ولو فعلوا بأوليائه ما فعلوا فإنَّ الله يتوب عليهم؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥].
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ أي: عذاب النار يُعذَّبون بها، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ يُحرَقون في نار جهنم، نسأل الله العافية.
وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّ التوبة تهدم ما قبلها، ولكن يا إخواني لا بدَّ أن نعلم أنَّ التوبة لا تكون توبةً نصوحًا مقبولةً عند الله إلا إذا اشتملتْ على شروطٍ خمسة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأنْ يكون الحامل للإنسان على التوبة خوفَ الله عز وجل ورجاءَ ثوابه؛ لأنَّ الإنسان قد يتوب من الذنب من أجل أن يمدحه الناس، أو من أجل دَفْع مَذَمَّة الناس له، أو من أجل مرتبةٍ يَصِل إليها، أو من أجل مالٍ يحصل عليه، كلُّ هؤلاء لا تُقبل توبتُهم، لماذا؟ لأنَّ التوبة يجب أن تكون خالصةً لله عز وجل، وأمَّا مَن أراد بعمله الدنيا فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود ١٥، ١٦].
الثاني من شروط كون التوبة نصوحًا: الندم على ما حصل من الذنب؛ بمعنى ألَّا يكون الإنسانُ كأنَّه لم يُذنب ما يتحسَّر ولا يحزن، لا بدَّ أن يندم؛ إذا ذكر عظمة الله نَدِم: كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني؟! فيندم، كما لو عصى الإنسانُ أباه فإنه يندم.
الثالث: أن يُقلع عن الذنب؛ فلا تصحُّ التوبة مع الإصرار على الذنب؛ لأنَّ التائب هو الراجع، فإذا كان الإنسان يقول: أستغفرُ الله وأتوبُ إليه مِن أكْل الربا، ولكنَّه لايزال يُرابي، فهل تصحُّ توبتُه؟ لا، لا تصحُّ توبتُه.
لو قال: أستغفر الله من الغِيبة، والغِيبة ذِكْرك أخاك بما يكره، ولكنَّه في كلِّ مجلسٍ يغتاب الناس، هل تصحُّ توبتُه؟ لا، كيف تصح وهو مُصِرٌّ على المعصية؟! فلا بدَّ أن يُقلع.
إذا تاب من أكْل أموال الناس وقد سَرَق من هذا وأخَذ مالَ هذا بخداعٍ وغشٍّ، فهل تصِحُّ توبتُه؟ لا، حتى يرُدَّه، حتى يرُدَّ ما أخذ من أموال الناس إلى الناس.
لو فرضْنا أنَّ شخصًا أدخلَ مراسيمه في ملك جاره واقتطع جزءًا من أرضه، وقال: إني تائب، ماذا نقول له؟ رُدَّ المراسيم إلى حدودها الأولى، وإلَّا فإنَّ توبتك لا تُقبل؛ لأنه لا بدَّ من الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه.
والشرط الرابع: أن يعزم عزمًا تامًّا ألَّا يعود إلى الذنب، فإنْ تاب وهو في نفسه لو حصل له الفرصة لَعاد إلى الذنب فإنَّ توبته لا تُقبل، بل لا بدَّ أن يعزم عزمًا أكيدًا على ألَّا يعود.
والشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تُقبل فيه التوبة؛ لأنَّه يأتي أوقاتٌ ما تُقبل فيها التوبة، انتبِهوا لهذا الشرط الأخير، تأتي أوقاتٌ لا تُقبل توبة الإنسان، وذلك في حالين:
الحال الأولى: إذا حضره الموت فإنَّ توبته لا تُقبل؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، بعدما عاين الموتَ وشاهدَ العذابَ يقول: تبت؟! ما ينفع هذا.
ومثالٌ واقعٌ لهذه المسألة وهو أنَّ فرعون لَمَّا أدركه الغرقُ ماذا قال؟ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]؛ يعني بالله، ولم يقل: آمنتُ بالله، إذلالًا لنفسه؛ حيث كان يحارب بني إسرائيل على الإيمان بالله، والآن يقول: آمنتُ بالذي آمَنوا به، فكأنَّه جعل نفسَه تابعًا لِمَن؟ لبني إسرائيل، إلى هذا الحد بلغ به الذلُّ، ومع ذلك قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ آلآن تتوب؟! آلآن تؤمن بالذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل؟! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، إذَنْ إذا حضر الموتُ فإنَّ التوبة لا تُقبل.
وأنا أسأل كلَّ واحدٍ منكم: هل يعلم متى يحضره الموت؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، إذَنْ لا بدَّ من المبادرة بالتوبة؛ لأنَّك لا تدري في أيِّ وقتٍ يحضرك الموت؛ ألَمْ تعلموا أنَّ مِن الناس مَن نام على فراشه في صحَّةٍ وعافيةٍ ثم حُمِل من فراشه إلى سرير تغسيله؟! نعلم هذا، وقع. ألَمْ تعلموا أنَّ بعض الناس جَلَس على كرسيِّ العمل يعمل، ثم حُمِل مِن كرسيِّ العمل إلى سرير التغسيل؟! كل هذا واقع. فإذَنْ يجب أن نُبادر بالتوبة، أن نُبادر بها، نسأل الله أن يُعينني وإيَّاكم على ذلك، بادِروا بالتوبة قبل أن تُغلق الأبواب، بادروا.
يقول جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قلنا: إنها لا تُقبل التوبة في حالين:
الحالة الأولى: إذا حضره الموت.
والحالة الثانية: إذا طلعت الشمسُ من مغربها؛ فإنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمَنوا، لكن الله يقول: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨].
فشروط قبول التوبة خمسة، نسأل الله أن يُعيننا وإيَّاكم على تحقيقها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии