Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
النازعات
Ан-Назиат
Исторгающие · Мекканская · 46 аятов
79:1–9Страница 583
وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١
Клянусь исторгающими души неверующих жестоко!
وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢
Клянусь извлекающими души верующих нежно!
وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣
Клянусь плывущими стремительно,
فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤
опережающими уверенно
فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥
и исполняющими повеления!
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦
В тот день сотрясется сотрясающаяся (раздастся первый трубный глас, после которого творения умрут),
تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧
вслед за чем последует еще одно сотрясение (раздастся второй трубный глас, после которого начнется воскрешение),
قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨
В тот день затрепещут сердца,
أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩
а их взоры будут смиренны.
درسنا في هذا اليوم هو أول سورة النازعات.
قال الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات ١-٥].
البسملة آية من كتاب الله مستقلة، لا تتبع السورة التي قبلها ولا التي بعدها، ولهذا كان القول الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة، بل هي مستقلة، ودليل ذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، وذكر تمام الحديث.
كما أنها أيضًا ليست آية من السور الأخرى، وما نشاهده في المصحف من جَعْلِها آية في الفاتحة دون غيرها إنما هو على رأي بعض العلماء، ولكن الصواب ما ذكرت لكم؛ أنها آية مستقلة، ولهذا لو اقتصر الإنسان في سورة الفاتحة على قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] إلى آخر السورة لكانت صلاته صحيحة.
إلا أنها لا توجد في أول سورة براءة، وسبب ذلك أنه لم ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين السورتين آية البسملة، فلذلك لم تكن موجودة.
وأما تعليل بعض العلماء بأنها - أي سورة براءة- نزلت بالسيف، فإنه تعليل عليل لا يصح؛ لأن السيف إذا كان بحق فهو حق ولا يضر.
يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ كل هذه الأوصاف للملائكة على حسب أعمالهم التي أمرهم الله عز وجل بها، فقوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ يعني الملائكة الْمُوَكَّلَة بقَبْض أرواح الكفار، تنزعها ﴿غَرْقًا﴾ أي: نزعًا بشدة.
﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ يعني: الملائكة الْمُوَكَّلة بقبض أرواح المؤمنين، تنشطها نشطًا، أي: تَسُلُّها برفق كالأُنْشُوطة، وأظنكم تعرفون الأنشوطة: الرَّبْط الذي يسمونه عندنا (التكة) أو ما أشبه ذلك من الكلمات، يعني يكون ربطًا، بحيث إذا سَلَلْتَ أحد الطرفين انفكت العقدة، هذا ينحل بسرعة وبسهولة.
فهؤلاء الملائكة الْمُوَكَّلَة بقبض أرواح المؤمنين تنشطها نشطًا، أي: تَسُلُّها برفق، وسبب ذلك أن الملائكة الْمُوَكَّلَة بقبض أرواح الكفار إذا دَعَت الروح إلى الخروج تناديها بأقبح الأوصاف، تقول الملائكة لروح الكافر: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى غضب الله، وما أشبه هذا من الكلام، فتنفر الروح، لا تريد أن تخرج إلى هذا، وتتفرق في الجسد -والعياذ بالله- حتى يقبضوها بشدة، ينزعونها نزعًا، يكاد يتمزق الجسد منها من شدة النزع.
أما أرواح المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- فإن الملائكة إذا نَزَلَتْ لقبضها تبشرها: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى رضوان الله، وما أشبه هذا من الكلام الذي يُهَوِّن عليها أن تفارق جسدها الذي أَلِفَتْه، فتخرج بسهولة.
ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قالت عائشة: يا رسول الله، كُلُّنَا يكره الموت، فقال: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ » -يعني إذا جاءه أجله-«يُبَشَّرُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ فَيُحِبُّ لِقَاءَ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٧) عن عبادة بن الصامت، ومسلم (٢٦٨٤/١٥) عن عائشة رضي الله عنهما. ]]؛ لأنه في تلك اللحظة يرى أنه سينتقل إلى دار أحسن من الدار التي فارقها، فيفرح كما يفرح أحدنا إذا قيل له: اخرج من بيت الطين إلى بيت المسلَّح القصر المشيد الطيِّب، فيفرح فيحب لقاء الله.
والكافر -والعياذ بالله- بالعكس، إذا بُشِّرَ بالغضب والعذاب فإنه يكره أن يموت، يكره لقاء الله فيكره الله لقاءه.
إذن ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ هي من؟ الملائكة التي تنزع أرواح الكفار تنزعها بشدة، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: الملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بسهولة ويسر.
﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ أيضًا هي الملائكة تسبق إلى أمر الله عز وجل، ولهذا كانت الملائكة أسبق إلى أمر الله وأَقْوَمَ بأمر الله من بني آدم، قال الله تعالى في وصف ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، فهم سَبَّاقُون إلى أمر الله عز وجل بما يأمرهم، لا يعصونه ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرُون؛ لقوتهم وقدرتهم على فِعْل أوامر الله عز وجل.
﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ أيضًا الملائكة تسبح بأمر الله، أي: تُسْرِع فيه كما يُسْرِع السابح في الماء، وكما قال تعالى عن الشمس والقمر والليل والنهار: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣]، فالمعنى أنها تسبح بأمر الله عز وجل على حسب ما أراد الله سبحانه وتعالى، وهم -أي الملائكة- أقوى من الجن، والجن أقوى من البشر، انظر إلى قوله تعالى عن سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٣٨-٤٠] يعني: إذا مددت طرفك ثم رجعته، فقبل أن يرجع إليك آتيك به، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل ٤٠] في الحال رآه، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]، قال العلماء: إنه حَمَلَتْهُ الملائكة حتى جاءت به إلى سليمان، من أين؟ من اليمن، وسليمان بالشام، بلحظة، فدل هذا على أن قوة الملائكة أكبر بكثير من قوة الجن، وقوة الجن أكبر من بني آدم؛ لأنه لا يستطيع أحد من بني آدم أن يأتي بعرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشمال قبل مدة طويلة.
الحاصل أن الملائكة تَسْبَح بأمر الله عز وجل بما يأمرها به.
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ أيضًا وصْف للملائكة تُدَبِّر الأمر، وهو واحد الأمور، يعني: أمور الله عز وجل لها ملائكة تُدَبِّرُها، ولننظر جبرائيل مُوَكَّل بالوحي يتلقاه من الله وينزل به على الرسل، إسرافيل مُوَكَّل بنفخ الصور الذي يكون عند يوم القيامة، ينفخ في الصور فيفزع الناس ويموتون، ثم ينفخ فيه أخرى فيُبْعَثُون، وهو أيضًا من حَمَلَةِ العرش، ميكائيل مُوَكَّل بالقَطْر والنبات -بالمطر والنبات- ملك الموت مُوَكَّل بالأرواح، مالك مُوَكَّل بالنار، رضوان مُوَكَّل بالجنة، عن اليمين وعن الشمال قعيد مُوَكَّل بالأعمال، كلٌّ يُدَبِّر ما أمره الله عز وجل به، ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
إذن هذه الأوصاف كلها لمن؟ هذه الأوصاف للملائكة على حسب أعمالهم، وأَقْسَمَ الله سبحانه وتعالى بالملائكة؛ لأنهم من خير المخلوقات، ولا يُقْسِم الله سبحانه وتعالى بشيء إلا وله شأن عظيم؛ إما في ذاته، وإما لكونه من آيات الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات ٦، ٧]، هذه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ متعلِّقة بمحذوف، والتقدير: اذكر يا محمد وذَكِّر الناس بهذا اليوم العظيم، ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾، وهما النفختان في الصور؛ النفخة الأولى: ترجف الناس ويفزعون، ثم يموتون عن آخرهم إلا مَن شاء الله، والنفخة الثانية: يُبْعَثُون من قبورهم، يقوم الناس من قبورهم مرة واحدة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤].
إذا رجفت الراجفة وتبعتها الرادفة انقسم الناس إلى قسمين: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات ٨، ٩]، وهذه قلوب الكفار، ﴿وَاجِفَةٌ﴾ أي: خائفة خوفًا شديدًا.
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ يعني: ذليلة، لا تكاد تُحْدِق أو تنظر بقوة، ولكنه قد غُضَّت أبصارهم -والعياذ بالله- لذلِّهم، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
نسأل الله تعالى أن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن نجوا في ذلك اليوم من عذاب الله، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين إنه جواد كريم.
79:10Страница 583
يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠
Они говорят: «Неужели мы вернемся в прежнее состояние
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
79:12Страница 583
قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢
Они говорят: «Если так, то это - невыгодное возвращение!».
К этому аяту нет толкования
79:13–16Страница 583
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣
Но раздастся лишь один глас,
فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤
и все они окажутся на поверхности земли.
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥
Дошел ли до тебя рассказ о Мусе (Моисее)?
إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦
Вот Господь его воззвал к нему в священной долине Тува (Това):
نبدأ في هذا اللقاء بما وقفنا عليه من تفسير سورة النازعات.
قال الله تبارك وتعالى في بيان قيام الساعة: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، زجرة من الله عز وجل يُزْجَرُون ويُصَاح بهم، فيقومون من قبورهم قيامَ رجل واحد على ظهر الأرض بعد أن كانوا في بطنها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣].
كل الخلق في هذه الكلمة الواحدة يخرجون من قبورهم أحياء، ثم يُحْضَرُون إلى الله عز وجل ليجازيهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠]، يعني: ما أَمْرُ الله إن أراد شيئًا أن يكون إلا واحدة فقط: ﴿كُنْ﴾، ولا يتأخَّر هذا عن قول الله لحظة، ﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ والله عز وجل لا يُعْجِزُه شيء، فإذا كان الخلق كلهم يقومون من قبورهم لله عز وجل بكلمة واحدة فهذا أدلّ دليل على أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الله لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، ثم قال تعالى مُبَيِّنًا ما جرى للأمم قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وليُعْلَم أن قصص الله عز وجل علينا أخبار الأمم السابقة له فوائد كثيرة وعِبَر عظيمة كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١].
* فمن ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام عما أصابه من قومه من الأذى القولي والفعلي، فكأن الله يقول له: إن الرسل من قبلك قد أُوذُوا، ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام ٣٤].
* ومن ذلك أن فيها تهديدًا للمكذِّبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠].
والعِبَر في القصص -قصص الأنبياء- كثيرة.
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات ١٥]، والخطاب في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل مَن يَتَأَتَّى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، ويكون على المعنى الأول: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ يا محمد، وعلى المعنى الثاني: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أيها الإنسان.
﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ وهو ابن عمران عليه الصلاة والسلام أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم الخمسة الذين هم: محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وقد ذُكِرُوا –أعني: هؤلاء الخمسة- في القرآن في موضعين، أحدهما: في الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب ٧]، والثاني: في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى ١٣].
وحديث موسى عليه الصلاة والسلام ذُكِرَ في القرآن أكثر من غيره؛ لأن موسى هو نبي اليهود، وهم كثيرون في المدينة وحولها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت قصص موسى أكثر ما قُصَّ علينا من نبأ الأنبياء وأشملها وأوسعها.
وفي قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ تشويق للسامع ليستمع إلى ما جرى في هذه القصة.
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات ١٦] ناداه الله عز وجل نداءً سمعه بصوت الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]، ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات ١٦، ١٧]، فرعون كان ملك مصر، وكان يقول لقومه: إنه ربهم الأعلى، وأنه لا إله غيره، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، فادَّعى ما ليس له، وأنكر حق غيره، وهو الله عز وجل.
وقوله: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ هو الطور، والوادي هو مجرى الماء، وسَمَّاه الله مقدَّسًا لأنه كان فيه الوحي إلى موسى عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿طُوًى﴾ اسم للوادي.
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات ١٧، ١٨].
وسيأتي -إن شاء الله- بقية القصة؛ لأن الوقت اليوم كان قليلًا، فنقتصر على هذا، نسأل الله تعالى أن يجعله لقاءً مباركًا نافعًا.
79:17–26Страница 584
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧
«Ступай к Фараону, ибо он преступил границы дозволенного,
فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨
и скажи: «Не следует ли тебе очиститься?
وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩
Я укажу тебе путь к твоему Господу, и ты станешь богобоязнен»».
فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠
Он показал ему величайшее знамение,
فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١
но тот счел его ложью и ослушался,
ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢
а потом отвернулся, принявшись усердствовать.
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣
Он собрал толпу и громко воззвал,
فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤
и сказал: «Я - ваш всевышний господь!».
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥
Тогда Аллах подверг его наказанию как в Последней жизни, так и в первой жизни.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦
Воистину, в этом было назидание для тех, кто богобоязнен.
في كلامنا هذا، أو في مبدأ لقائنا هذا نتكلم عن بقية الآيات في سورة النازعات عند قوله تعالى مخاطبًا موسى صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، فأَمَرَ الله نبيه موسى أن يذهب إلى فرعون، وهذا هو الرسالة، وبيَّن سبب ذلك، وهو طغيان هذا الرجل -أعني فرعون- وفي سورة طه قال: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه ٤٣]، ولا منافاة بين الآيتين؛ وذلك أن الله تعالى أرسل موسى أولًا، ثم طلب موسى صلى الله عليه وآله وسلم من ربه أن يشد أَزْرَه بأخيه هارون، فأرسل هارون مع موسى، فصار موسى وهارون كلاهما مُرْسَل إلى فرعون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: زاد على حَدِّه؛ لأن الطغيان هو الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١]، ﴿طَغَى﴾ أي: زاد، ومنه الطاغوت؛ لأن فيه مجاوزة الحد.
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾، الاستفهام هنا للتشويق، تشويق فرعون أن يتزكى مما هو عليه من الشر والفساد، وأصل الزكاة النمو والزيادة، وتُطْلَق بمعنى الإسلام والتوحيد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت ٦، ٧]، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠].
﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات ١٨، ١٩] أي: أدلك إلى ربك، أي: إلى دين الله عز وجل الْمُوصِل إلى الله.
﴿فَتَخْشَى﴾ أي: فتخاف الله عز وجل على علمٍ منك؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم، فإن لم يكن علم فهو خوف مجرَّد، وهذا هو الفرق بين الخشية والخوف؛ الفرق بينهما أن الخشية عن علم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، وأما الخوف فهو خوف مجرَّد، ذُعْرٌ يحصل للإنسان ولو بلا علم، ولهذا قد يخاف الإنسان من شيء يتوهَّمه، قد يرى في الليلة الظلماء شبحًا لا حقيقة له فيخاف منه، فهذا ذعر مبني على وهم، لكن الخشية تكون عن علم، ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾.
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات ٢٠] أي: فذهب موسى عليه الصلاة والسلام وقال لفرعون ما أمره الله به، ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾، ولَمَّا كان البشر لا يؤمنون ولا يقبلون دعوى شخص أنه رسول إلا بآية، كما هو ظاهر أن الإنسان لا يقبل من أحد دعوى إلا ببينة، جعل الله سبحانه وتعالى مع كل رسول آية تدل على صدقه، وهنا قال: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ يعني: أرى موسى فرعون الآية الكبرى، فما هي هذه الآية؟ الآية أن معه عصًا من خشب من فروع الشجر كما هو معروف، فكان إذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى، ثم يحملها فتعود عصا، وهذا من آيات الله؛ أن شيئًا جمادًا إذا وُضِعَ على الأرض صار حية تسعى، وإذا حُمِلَ من الأرض عاد في الحال فورًا إلى حاله الأولى وهي أنه عصا من جملة العصيان.
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾، وإنما بعثه عليه الصلاة والسلام بهذه الآية، وبكونه يُدْخِل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، أي: من غير عيب، أي: بيضاء بياضًا ليس بياض البرص، ولكنه بياض جعله الله آية، إنما بعثه الله بذلك -بالعصا واليد- لأنه كان في زمن موسى السحرُ منتشرًا شائعًا، فأرسله الله عز وجل بشيء يشبه السحر، لكنه ليس بسحر حقيقة، من أجل أن يغلب السحرة الذين تصدَّوْا لموسى عليه الصلاة والسلام.
قال أهل العلم: وفي عهد عيسى صلى الله عليه وآله وسلم انتشر الطب انتشارًا عظيمًا، فجاء عيسى بأمر يُعْجِز الأطباء، وهو أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بَرَأَ، إذا جِيءَ إليه بشخص فيه عاهة، أي عاهة تكون، مَسَحَهُ بيده ثم برأ بإذن الله، يبرئ الأَكْمَه والأبرص، مع أن البرص لا دواء له، لكن هو يبرئ الأبرص بإذن الله عز وجل، ويبرئ الأكمه الذي خُلِقَ بلا عيون يبرئه، أشد من هذا وأعظم أنه يحيي الموتى بإذن الله، يؤتَى إليه بالميِّت فيتكلم معه ثم تعود إليه الحياة، وأشد من ذلك وأبلغ أنه يُخْرِج الموتى بإذن الله، يخرجهم من أي مكان؟ من قبورهم، يقف على القبر وينادي صاحبَ القبر فيخرج من القبر حيًّا، هذا شيء لا يمكن لأي طب أن يبلغه، ولهذا كانت آية عيسى في هذا الوقت مناسبة تمامًا لما كان عليه الناس.
قال أهل العلم: أما رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد أتى إلى العرب وهم يتفاخرون في الفصاحة، ويرون أن الفصاحة أعظم مَنْقَبَةٍ للإنسان، فجاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا القرآن العظيم الذي أعجز أمراء الفصاحة، وعجزوا عن أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: ولو كان بعضهم يعاون بعضًا فإنهم لن يأتوا بمثله.
حينئذ نقول: إن موسى عليه الصلاة والسلام أرى فرعونَ الآية الكبرى، ولكن هل انتفع بالآيات؟ لا، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]، فالذين ليس في قلوبهم استعداد للهداية لا يهتدون ولو جاءتهم كل آية -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ [النازعات ٢١] : كَذَّبَ الخبر، وعصى الأمر، يعني: قال لموسى: إنك لست رسولًا، بل قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧]، وعصى الأمر، فلم يمتثل أمر موسى ولم يَنْقَدْ لشرعه.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات ٢٢]، ﴿أَدْبَرَ﴾ أي: تولى مُدْبِرًا يسعى حثيثًا.
﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات ٢٣]، حشر الناس أي: جمعهم، ونادى فيهم بصوت مرتفع ليكون ذلك أبلغ في نهيهم عما يريد منهم موسى عليه الصلاة والسلام.
﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٣، ٢٤] -والعياذ بالله- قال لقومه: أنا ربكم الأعلى، يعني لا أحد فوقي؛ لأن (الأعلى) هذه اسم تفضيل من العلوّ، فانظر كيف استكبر هذا الرجل، وادَّعَى لنفسه ما ليس له في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وكان يفتخر بالأنهار والْمُلك الواسع، يقول لقومه فيما قال لهم؛ لأنه قال لهم أقوالًا كثيرة: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢].
فما الذي حصل؟
أغرقه الله عز وجل بالماء الذي كان يفتخر به، وأورث الله ملك مصر بني إسرائيل الذين كان يستضعفهم.
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات ٢٥] أخذه الله تعالى أَخْذَ عزيز مقتدر، ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ يعني: أنه نكَّل به في الآخرة وفي الأولى، فكان عبرة في زمنه، وعبرة فيما بعد زمنه إلى يوم القيامة، كل مَن قَرَأَ كتاب الله وما صنع الله بفرعون فإنه يتَّخِذُ ذلك عبرة يعتبر به، وكيف أهلكه الله مع هذا الملك العظيم، وهذا الجبروت وهذا الطغيان، فصار أهون على الله تعالى من كل هين.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات ٢٦]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما جرى من إرسال موسى إلى فرعون، ومحاورته إياه، واستهتار فرعون به، واستكباره عن الانقياد له عبرة، عبرة لمن؟ ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ أي: يخشى الله عز وجل، فمن كان عنده خشية من الله وتدبَّرَ ما حصل لموسى مع فرعون، والنتيجة التي كانت لهذا ولهذا، فإنه يعتبر، يأخذ من ذلك عبرة، والعِبَر في قصة موسى كثيرة، ولو أن أحدًا منكم انتدب ليجمع القصة من الآيات في كل سورة ثم يستنتج ما حصل في هذه القصة من العِبَر لكان جيدًا، فهل منكم أحد يقوم بذلك؟
* طالب: ليكن بعد أيام إن شاء الله.
* الشيخ: نعم، لك خمسة عشر يومًا، على كل حال إن وجدنا أحدًا قبلك فهو أحق، وإلا فهو لك. اللي يأتي الأول فهو السابق.
* طالب: يجمع العِبَر يا شيخ؟
* الشيخ: إي، يعني يأتي بالقصة كلها في كل الآيات؛ لأن السور في بعضها شيء ليس في البعض الآخر، فإذا جمعها وقال –مثلًا-: يؤخَذ من هذه القصة العظيمة العِبَر التالية، ثم يسردها، يعني: ما هو لازم الأحكام الشرعية الفقهية هذه ما أريدها منكم؛ لأن هذه يمكن تطول، لكن العبر؛ كيف أرسلهم الله عز وجل إلى فرعون؟ كيف قال لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه ٤٤] مع أنه مستكبر خبيث؟ وكيف كانت النتيجة؟ وكيف كان موسى عليه الصلاة والسلام خرج من مصر خائفًا على نفسه يترقب، كما خرج الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة يترقب، وصارت النتيجة العاقبة للرسول عليه الصلاة والسلام ولموسى، لكن العاقبة للرسول بفعل الرسول وأصحابه، عذَّب الله أعداءهم بأيديهم، وعاقبة موسى بفعل الله عز وجل، يعني يجيب الإنسان عِبَرًا من هذا، ما أريد أحكامًا فقهية، لا، أريد عِبَرًا يعتبر بها الإنسان يُصْلِحُ بها نفسه وقلبه حتى يتبين الأمر. على كل حال ذِكْر كلام العلماء طيب؛ لأن كلام العلماء يستعان بها على فَهْم المعنى، ونقف على قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات ٢٧]، وأظن تكلَّمْنَا عليها، لكن لا مانع، على كل حال طيب، التكرار لا بأس به إذا كان فيه فائدة.
وإلى هنا تنتهي هذه الكلمات التي أسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة له نافعة لنا جميعًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии