Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
الصافات
Ас-Саффат
Выстроившиеся в ряды · Мекканская · 182 аята
37:1–17Страница 446
وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١
Клянусь выстроившимися в ряды,
فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢
гонящими упорно,
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣
читающими напоминание!
إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ ٤
Воистину, ваш Бог - Единственный.
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Он - Господь небес, земли и того, что между ними, Господь восходов.
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Мы украсили ближайшее небо красотой звезд (или звездами)
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
и оберегаем его от всякого мятежного дьявола.
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
Они не могут прислушаться к высшему сонму, и их забрасывают со всех сторон,
دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ ٩
чтобы изгнать оттуда. Им уготованы вечные мучения.
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Но если кто из дьяволов выхватит слово, то за ним последует яркий пылающий огонь.
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Спроси их (людей), они созданы прочнее или то, что Мы сотворили? Воистину, Мы сотворили их из липкой глины.
بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ ١٢
Но ты удивлен, а они глумятся.
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذۡكُرُونَ ١٣
Когда же им напоминают, они отказываются помнить.
وَإِذَا رَأَوۡاْ ءَايَةٗ يَسۡتَسۡخِرُونَ ١٤
Когда же они видят знамение, то высмеивают его.
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
Они говорят: «Это - всего лишь очевидное колдовство.
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
Неужели мы будем воскрешены после того, как умрем и станем прахом и костями?
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ١٧
Или же наши праотцы?».
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الكلام عن البسملة.. يقول المؤلف: (سورة الصافات مكية مئة وثنتان وثمانون آية) المكية هي التي نزلت قبل الهجرة، فكل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وإن نزل في غير مكة، وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة؛ وعليه فإن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] التي نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة من المدني، هذا أصح الأقوال في المكي والمدني؛ أن ما نزل بعد الهجرة مدني، وما نزل قبلها مكي.
أما البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإنها آية من كتاب الله مستقلة؛ ولهذا لا تُحْسَب من آيات السورة التي بعدها، حتى في الفاتحة على القول الراجح أنها ليست من السورة، وعلى هذا فالترقيم الموجود في المصاحف على خلاف القول الراجح، فإن الترقيم الموجود في المصاحف في الفاتحة عُدَّتْ فيه البسملة آيةً من آياتها، والصحيح أنها كغيرها من السور أن البسملة فيها آية مستقلة لا تُحْسَب من آياتها، وهي مذكورة قبل كل سورة إلا سورةَ براءة، فإن سورة براءة لم يتقدمها بسملة، لماذا؟ قيل: لأنها نزلت بالسيف، والبسملة رحمة فلا يناسب أن يُذْكَر قبلها بسملة، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل براءة من الأنفال أو ليست من الأنفال فتركوا البسملة، ووضعوا خطًّا فاصلًا بينها وبين سورة الأنفال دون أن يضعوا البسملة.
ونحن نعلم أنها لو نزلت البسملة قبل سورة براءة لثبتت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، فيكون اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في ذلك مطابقًا للواقع؛ أي: مطابقًا لكونها لم تنزل في أول هذه السورة.
أما من حيث معناها فإن قول القائل: (باسم الله) يعني بكل اسم من أسماء الله، وإنما قلنا: بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف فيكون للعموم، فليس قول القائل: (باسم الله) يعني اسمًا واحدًا من أسماء الله بل يعني جميع أسماء الله، وهذا يدلك على عظمة هذه البسملة؛ أنك تَبْتَدِئ متبركًا ومستعينًا بكل اسم من أسماء الله عز وجل.
والباء فيها للمصاحبة والاستعانة؛ للمصاحبة من أجل حصول بركتها، فإن البسملة فيها بركة، ولذلك إذا ذُكِرَت على الذبيحة صارت الذبيحة حلالًا طاهرة، وإذا لم تُذْكَر صارت حرامُا نجسة، إذا ذُكِرَت قبل الوضوء صار الوضوء صحيحُا، وإذا لم تذكر صار الوضوء فاسدًا على قول مَنْ يرى أن البسملة من شروط الوضوء أو من واجبات الوضوء، ولكن القول الراجح في البسملة في الوضوء أنها سنة لقول الإمام أحمد رحمه الله: لا يثبت في هذا الباب -أي: باب التسمية- في الوضوء شيء.
إذا ذُكِرَتْ على الطعام طردت الشيطان عنه، وإن لم تُذْكَر فإن الشيطان يشارك الآكلَ والشارب.
المهم أنها بركة؛ ولهذا نقول: الباء للمصاحبة؛ أي أن المبسمل يصطحب بالبسملة البركة، والاستعانة؛ لأنها تُعين الإنسان على مهماته.
أما (الله) فهو العلم الخاص بالله سبحانه وتعالى، لا يُسَمَّى به غيرُ الله، ومعناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. أي أن (إلاه) بمعنى (مألوه) أي: معبود.
فإذا قال قائل: أين الهمزة إذا قلت: إن أصله إلاه؟
فالجواب: أنها حُذِفَت للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال كما حُذِفَت من (ناس) وأصلها (أناس)، وحُذِفَت من (شَرٍّ) و(خير) وأصلها (أشر) و(أخير).
أما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهي اسم من أسماء الله، و﴿الرَّحِيمِ﴾ كذلك اسم من أسمائه، والفرق بينهما أن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ ولهذا جاءت الرحمن بهذه الصيغة الدالة على السَّعَة، فرحمة الله تعالى واسعة شاملة لكل شيء، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو الموصِل رحمته إلى خلقه.
ونقسم الرحمة باعتبار اسم ﴿الرَّحِيمِ﴾ إلى قسمين: عامة، وخاصة. أما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ باعتبار الوصف فهو عام؛ يعني لأنه ذو رحمة واسعة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام ١٤٧].
هذه البسملة -كما ترون- مشتملة على جار ومجرور، والجار والمجرور معمول لا بد له من عامل، وهو المسمى بالمتعلَّق؛ أعني أن عامل الجار والمجرور هو الذي يُسْمَّى بالمتعلَّق فيقال مثلًا: الجار والمجرور متعلق بكذا. فأين متعلَّق البسملة؟
قال أهل العلم: متعلَّق البسملة فعل مقدر متأخر موافق للمبدوء به في مادته، فإذا كنت تريد أن تتوضأ كان تقدير هذا المحذوف باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تقرأ كان تقديره باسم الله أقرأ، وعلى هذا فقِسْ.
قال النبي ﷺ: «وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]] فقدَّر الفعل يعني: ليقل: ذبحت باسم الله. لماذا قُدِّر فعلًا؟ لأنه الأصل في العمل؛ ولهذا كانت الأفعال تعمل بدون شرط، والأسماء لا تعمل إلا بشروط كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وغير ذلك.
وقدَّر متأخرًا من وجهين: الوجه الأول تيمنا بالبداءة باسم الله، وثانيا: من أجل الاختصاص؛ لأن تأخير العامل عن المعمول يفيد الاختصاص والحصر، وقُدِّرَ موافقًا للمبدوء به في مادته؛ لأنه أخص وأدلُّ على المقصود فأنت إذا أردت أن تتوضأ وقلت: باسم الله أتوضأ كان هذا أخص مما لو قدرت باسم الله ابْتَدِئ.
على كل حال إذا سُئِلْنا كيف نُقَدِّر العامل في البسملة؟
الجواب: نقدره فعلًا متأخرًا موافقًا للمبدوء به في مادته؛ إذا كان الضمير وضوءًا قلنا: أتوضأ. قراءة؛ قلنا: أقرأ. دخولًا؛ قلنا: أدخل. وهكذا.
قال الله عز وجل: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات ١، ٢] إلى آخره، الواو هنا حرف قسم، والقسم تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بصيغة مخصوصة. هذا القسم.
فقولنا: تأكيد الشيء، هذه فائدة القسم أنه يفيد التوكيد، (بذكر معظم) وجهه كأن المُقْسِم يقول: إنني أؤكد هذا كما أؤكد عظمة المحلوف به، ولا يمكن أن أحلف بهذا العظيم عندي إلَّا على أمر مؤكد، وقولنا: بصيغة مخصوصة هي صيغة القسم.
وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء. فالواو أكثرها استعمالًا، والباء أكثرها صيغة؛ يعني: أن الباء يُحْلَف بها مع وجود الفعل وحذفه وتدخل على الظاهر وعلى المُضْمَر. والتاء أخص من الواو.
فإذن أعم أدوات القسم أو حروف القسم بالنسبة للاستعمال الباء؛ لأنها تستعمل مع وجود الفعل. فتقول: أحلف بالله لتفعلنَّ كذا، ومع حذفه فتقول: بالله لتفعلن كذا، وتُسْتَعمل أيضًا مع الاسم الظاهر مثل أحلف بالله. ومع الاسم المضمر مثل: إن الله وبه أحلف لعلى كل شيء قدير، فهنا دخلت الباء على الضمير.
أما الواو فهي أكثرها استعمالًا لكنها لا تدخل إلا على الظاهر، ولا يُذْكَر معها فعل القسم، التاء هي أقلها استعمالًا، وتختص بالظاهر وتختص أيضًا بأسماء معينة، وهي الله ورب؛ قال ابن مالك:
.................. ∗∗∗ ..... وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ
فتقول: تالله، لأفعلن كذا، وتقول: تَرَبِّ الكعبة لأفعلنَّ كذا، أو تَالربِّ لأفعلن كذا، ويُذْكَر معها فعل القسم أو لا؟ لا يُذْكَر معها فعل القسم؛ إذن فهي أضيقها استعمالًا.
طيب، الواو هنا حرف قسم. ﴿الصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ﴿الصَّافَّاتِ﴾ اسم مجرور بالواو، واو القسم؛ لأن حروف القسم تَجُرُّ. ﴿الصَّافَّاتِ﴾ لها معنى ولها مراد، فالمعنى في ﴿الصَّافَّاتِ﴾ يعني: الأشياء القائمات على خطٍّ واحد مستقيم، كل شيء متعدد يقوم على خط واحد مستقيم يُسَمَّى صافًّا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤] يعني: على خط مستقيم، هذا المعنى للصافات.
لكن ما المراد به؟ المراد به قال المؤلف: (الملائكة)، وأُنِّثَت باعتبارها جماعات، وجماعات مؤنث، وقد أخذ الزائغون بهذا الاشتباه أي: تأنيث الملائكة، وقالوا: إن الملائكة بنات الله؛ ولهذا تُذْكَر بصيغة التأنيث، ولكن لا شك أن هذا من باب التلبيس والتشبيه؛ فإن الله تعالى ذكر الملائكة بصيغة المذكر ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٥]، ولم يقل: (يُسَبِّحْنَ بحمد ربهم).
على كل حال أُنِّثَت الملائكة باعتبارها جماعات؛ لأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام جماعات مختلفة، كل جماعة لها وظيفة معينة؛ فمنها مَنْ وظيفتُهم العبادة الخاصة لله مِنَ التسبيح والركوع والسجود وغير ذلك، ومنهم ملائكة مُوَكَّلون بحفظ بني آدم، وملائكة موكلون بحفظ أعمالهم وكتابتها، وملائكة موكلون بأشياء أخرى منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم.
فإذا قال قائل: من الملائكة؟ فالجواب: أنهم عالم غيبيٌّ خُلِقُوا من نور، واستعبدهم الله سبحانه وتعالى في طاعته فقاموا بها على أَتَمِّ وجه ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦].
فإن قال قائل: هذا التعريف يَرِدُ عليه أن الملائكة قد تُرَى؛ «فإن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها وله سِتُّ مئة جناح قد سدَّ الأفق»[[أخرج الترمذي (٣٢٧٨) بسنده أن مسروقًا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء قَفَّ له شعري، قلت: رويدًا ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، قالت: أين يذهب بك؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدًا رأى ربه أو كتم شيئًا مما أمر به أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فقد أعظم الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في جياد له ست مئة جناح قد سدَّ الأفق.]]، وأحيانًا يأتي جبريل بصورة بشر.
فالجواب: أن هذا على سبيل النُّدْرَة، وما كان نادرًا فإنه لا يخرم القاعدة، ولا يُبْطِل التعريف، والنادر كما يقول العلماء: ليس له حكم.
طيب، ما وجه كون الملائكة تُوصف بالصافَّات؟ قال المؤلف: (تَصُفُّ نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تُؤْمَر به) هذا الصافات وُصِفَت بها الملائكة؛ لأنها تصف أنفسها للعبادة؛ يعني: تُهَيِّئُها لها، أو يصفون عند الله عز وجل كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات ١٦٥، ١٦٦]، أو (تَصُفُّ أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به) كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك ١٩]، فالطير إذا كان في الهواء وقد وضع أجنحته هكذا لا تتحرك، يقال: إنه صافٌّ.
فإذا قال قائل: (أو) هنا للتنويع أو للشك أو ماذا؟ يحتمل أن هذه للتنويع؛ يعني أنها تَصُفُّ هكذا وهكذا، أو أنها للشك يعني: للتردد بين قولين قال بهما المفسرون، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن هذا وَصْفٌ للملائكة فهي تصُف أنفسها للعبادة، وكذلك تصف أجنحتها في الهواء تَنْتَظر ما تُؤْمَر به.
(﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات ٢] الملائكة تَزْجُر السحاب أي: تسوقه) إذن فالموصوف شيء واحد، ﴿الصَّافَّاتِ﴾ هن ﴿الزَّاجِرَاتِ﴾ وقوله: (تزجر السحاب أي تسوقه) لعل هذا على سبيل المثال من زجر الملائكة؛ لأن الملائكة تزجر السحاب أي: تسوقه، وكذلك تزجر الميت الكافر عند موته، تزجر نفسَه لتخرج؛ تقول: اخرُجي أيتها النفس الخبيثة، وكذلك أيضًا لعلها تزجر أشياء أخرى لا نعلمها.
المهم أن المراد بالزاجرات من؟ الملائكة. وكيف كانت زاجرة؟ نقول: لهذا عدة أوجه؛ منها زجر السحاب، وزجر النفوس الكافرة عند الموت، وغير ذلك مما يأمرها الله به أن تزجره.
(﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ أي: قُرَّاء القرآن يتلونه ﴿ذِكْرًا﴾ مصدر من معنى التاليات) قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات ٣] عَدَل المؤلف بهذا الوصف عن الأول، أي: عن الموصوف الأول؛ فقال: التاليات؛ يعني الذين يقرؤون القرآن؛ أي: النفوس التاليات، ولو قيل: إن المراد بها الملائكة أيضًا؛ لأن الملائكة تتلو القرآن كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦] فالملائكة تتلو القرآن، فيمكن أن نجعل هذه الأوصاف الثلاثة كلها لمن؟ للملائكة.
* طالب: شيخ، الملائكة يصلون؟
* الشيخ: إي نعم، كما جاء في الحديث: «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ إِلَّا وَفِيهَا مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرج الترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، لوددت أني كنت شجرة تعضد».]].
* الطالب: «أَلَا تُصَفُّونَ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ»[[أخرجه مسلم (٤٣٠ / ١١٩) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.]] (...) في غير الصلاة؟
* الشيخ: وصفوفها الذي في الحديث يحتمل أنهم في الصلاة أو في غيرها أيضًا، يصفون للتسبيح والتعظيم.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، (...) أنها لم تنزل (...). هل هذا صحيح؟ (...) قد يعترض معترض ويقول: إن القرآن لم يحفظ (...) الأمة الشك؟
* الشيخ: لا، أبدًا، مسألة النسيان ثم يهدون للأصل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، نقول: تَرَدُّدُهم في ذلك؛ لأنه لو قال قائل: إذا التزمتم بأنها لم تنزل، فلماذا يجعلون الفاصل؛ لأننا إذا جزمنا بأنها لم تنزل لزم أن نجزم بأن براءة بقية سورة الأنفال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا من باب الاحتياط، هم يقولون: الآن ما نقصنا شيئًا من الكتاب ولا زدنا منه، غاية ما هنالك أنا احتطنا خوفًا من أن يكون الأمر كذلك، والنسيان وارد، لكن كونها لم تُذْكَر نجزم جزمًا أنها لم تنزل.
* الطالب: زجر الشيء معناه (...) أو سوقه أو أيش معناه؟
* الشيخ: لا، زجر الشيء نهره، زجرته: يعني: نهرتُه بكلامي بشدة وقوة.
* الطالب: هل الملائكة تزجر (...).
* الشيخ: لا، ربما لأنه.. بناء على ما ورد من أن الرعد هو صوت الملَك يَزْجُر السحاب.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات ١ - ١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ إلى آخره، تكلمنا أمس عن المكي والمدني، فما هو المكي؟
* طالب: المكي ما نزل بمكة على الرسول عليه الصلاة والسلام.
* الشيخ: هذا قول، ولكن الذي رجحناه؟
* طالب: ما نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هل تحفظ آية نزلت في مكة بعد الهجرة؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] نزلت في حجة الوداع والنبي ﷺ راكب في عرفة.
* الشيخ: أحسنت، وكذلك ذكروا أن سورة النصر نزلت في أيام التشريق وهو في منى، فالله أعلم. تكلمنا أيضًا عن البسملة وقلنا: إن البسملة تشتمل على جار ومجرور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المعنى المتعلق من حيث الإعراب.
* الطالب: الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف (...).
* الشيخ: كمِّل. أيش (...) المناسب للمقام؟
* الطالب: مناسب للمقام.
* الشيخ: كيف تُقَدِّرُه فيما إذا أردت أن تتوضأ فسمَّيْتَ؟
* الطالب: باسم الله أتوضأ.
* الشيخ: باسم الله أتوضأ، تمام، لماذا قدرناه فعلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن الأصل في الفعل العمل خلاف الاسم فلا يعمل إلا بشروط.
* الشيخ: الفعل هو الأصل في العمل بخلاف الاسم، طيب، ولماذا قدَّرْناه متأخِّرًا؟
* طالب: لغرضين.
* الشيخ: لسببين؟
* طالب: الأول التبرك بالبداءة باسم الله، والثاني الحصر.
* الشيخ: الثاني الحصر؛ لأن تأخير العامل يدل على الحصر، طيب، ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟
* طالب: (الرحمن) هو عموم الرحمة في الدنيا على المسلمين وعلى الكفار، والرحيم هو خصوص الرحمة في الآخرة على المسلمين، على المؤمنين (...).
* الشيخ: هذا لا شك أنه كلام جيد، وهو من لازم ما أريده.
* طالب: الرحمن صفة، والرحيم موصوف.
* الشيخ: لا، الرحمن صفة؛ يعني: مراد به اتصاف الله بالرحمة، والثاني الفعل وهو إيصال الرحمة إلى المرحوم، وكما قال الأخ هداية الله: باعتبار المتعلَّق أن الأول عام، والثاني خاص.
* طالب: خص الآخرة (...).
* الشيخ: إي، الآخرة نعم؛ لأن الرحمة بالمؤمنين خاصة في الآخرة، أما في الكفار فهو عموم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هو ذكرها في العموم.
* الطالب: الرحيم.
* الشيخ: إي نعم، ربما تكون أيضًا في الدنيا والآخرة، ما المراد بـ﴿الصَّافَّاتِ﴾؟
* طالب: الملائكة التي تصف عند ربها للعبادة تصف أجنحتها (...).
* الشيخ: تنتظر ما تؤمر به، طيب، وما معنى ﴿الصَّافَّاتِ﴾؟
* الطالب: (...) أن الملائكة تتصاف.
* الشيخ: لا.
* الطالب: الصافات؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما كان على خط مستقيم أو صف (...).
* الشيخ: الوقوف على صف مستقيم متساو يُسَمَّى هذا صفًّا، ومنه صَفُّ المسجد في الجماعة وغيرها، طيب، إذن هناك فرق بين المعنى وبين المراد، المعنى ما دل عليه..؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عمومًا.
* طالب: الصافات..
* الشيخ: اترك الكلمة هذه.. هناك فرق بين المعنى وبين المراد باللفظ.
* طالب: موضوع المعنى هو الصف على خط مستقيم.
* الشيخ: لا، ما هو بها الآية هذه، كل القرآن يُفَسَّر أحيانًا بالمعنى، وأحيانًا بالمراد.
* الطالب: المعنى اللغوي.
* الشيخ: صحيح، ما دل عليه اللفظ باعتبار اللغة فهو معنى، وما كان مرادًا للمتكلم فهو المراد؛ فمثلًا لو نظرنا إلى الصافات من حيث اللغة العربية لقلنا: إنها وصف لكل ما هو صَفَّ، ما هو للملائكة، للملائكة وغيرها، وأما المراد فهو الملائكة. لماذا أَنَّثَ ﴿الصَّافَّاتِ﴾؟
* طالب: لكونها جماعات.
* الشيخ: لكونها جماعات، صح، لكونها جماعات كل جماعة لها عمل خاص، طيب.
﴿الزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾؟
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: الملائكة، لماذا وصفت بـ﴿الزَّاجِرَاتِ﴾؟
* الطالب: تزجر الرياح.
* الشيخ: تزجر السحاب.
* الطالب: السحاب، (...) أفعال الشَّرِّ.
* الشيخ: تزجر أرواح الكفار عند قبضها، طيب، ﴿التَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
ما المراد بالتاليات ذكرا؟
* طالب: أن الملائكة تتلو القرآن.
* الشيخ: نعم، فيه قول آخر؟
* طالب: (...) التاليات.
* الشيخ: فتكون أعم من الملائكة.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ مصدر من معنى التاليات) فالمؤلف رحمه الله أعرب ﴿ذِكْرًا﴾ على أنها مصدر من معنى ﴿التَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾، فاستفدنا من هذا فائدة نحوية؛ وهي أن المصدر قد يكون من اللفظ، وقد يكون من المعنى؛ إذا كان من المعنى فهو مصدر معنوي، وإذا كان من اللفظ فهو مصدر لفظي؛ فإذا قلت: قعدت جلوسًا. فـ(جلوسًا) مصدر معنوي، قعدت قعودًا مصدر لفظي.
﴿التَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ يقول المؤلف: إن التاليات أصلها الذاكرات ذكرًا، فالتاليات عنده بمعنى الذاكرات، و﴿ذِكْرًا﴾ مصدر لها من معناها، ولكن الذي يظهر خلاف كلام المؤلف، وأن ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول للتَّالِيَاتِ؛ لأن ﴿التَّالِيَاتِ﴾ اسم فاعل قد استوفى شروط العمل؛ لكونه محلى بـ(أل)، و﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به؛ أي: فالتاليات يعني فاللاتي يتلين الذكر، والمراد بالذكر القرآن، وسُمِّيَ ذِكْرًا؛ لأنه ذكر لله عز وجل، فإنه من أفضل الذكر، ولأنه يُذَكِّر الإنسان بربه، ولأنه يذكر الإنسان بأحكام ربه، ولأنه يذكر الإنسان بنعم ربه، ولأنه ذِكْر لمن عمل به؛ أي: شرف ورفعة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، ولأنه يعظ صاحبه ويُذَكِّره، وهو يذكره كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، فالقرآن ذكر من هذه الوجوه الخمسة. تعيدونها؟
* طالب: إي نعم، أولًا: لأنه ذكر للإنسان يتذكر به، ويذكرك بالله سبحانه وتعالى وأنه يرفع شأنه، وأنه يذكرك بأحكام الله سبحانه وتعالى، وأنه يذكرك بالأخلاق (...).
* الشيخ: بمن مضى، وبنعمة الله، وهو أيضًا نفسه هو نفسه ذكر لله، من أفضل أنواع الذكر.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ الجملة هذه جواب القسم؛ ولذلك كُسرِت النون هنا لوقوعها في جواب القسم ولأنه اقترن خبرها باللام ﴿لَوَاحِدٌ﴾، وإذا وقعت إن جوابًا للقسم وجب كسرها، وإذا اقترن خبرها باللام أو اسمها المؤخر أو معمول أحدهما باللام وجب كسرها.
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ الخطاب يقول المؤلف: (يا أهل مكة)، ولكن الصحيح أنه عام يشمل كل خوطب، لكن الذي أوجب المؤلف أن يجعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن هذه الآية مكية والمشركون هم أهل مكة، ولكن لا ينبغي أن يُقَيَّد المعنى العام بمكان نزوله، وإذا كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان، فالصواب ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ يعني: أيها الناس ﴿لَوَاحِدٌ﴾ واحد يعني: لا شريك له، الواحد والأحد وما أشبههما تدل على الانفراد أي: أنه عز وجل لا شريك له.
﴿إِلَهَكُمْ﴾ (فعال) بمعنى (مفعول) أي مألوهكم، والمألوه هو الذي يُعْبَد محبة وتعظيمًا، فبمحبته يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبتعظيمه ينتهي عن النواهي؛ إذن إن معبودكم أيها الناس لواحد لا شريك له، فالله عز وجل لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، فمن يأتي بالدليل على أنه لا شريك له في ربوبيته؟
* طالب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩].
* طالب آخر: (إن ربكم لواحد).
* الشيخ: وين (إن ربكم لواحد)؟ ما احفظ آية بهذا اللفظ.
* طالب: (...).
* الشيخ: إحنا نتكلم عن الربوبية.
* الطالب: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد ١٦]
* الشيخ: نعم. طيب، الألوهية ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد ١٩]، الأسماء والصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فالله تعالى واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الصافات ٥] ﴿رَبُّ﴾ هذه إما أن تكون عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو رب السماوات والأرض، و(رب) بمعنى خالق ومالك ومدبر، فهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يملك السماوات والأرض، وهو المدبر للسماوات والأرض؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، وهذا انفراده بالخلق والتدبير، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩] وهذا انفراده بالملك.
و(السماوات) جمع سماء، وهي معروفة، وعددها سبع سماوات بنص القرآن؛ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]. الأرض كذلك سبع لظاهر القرآن وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن ففي قوله.. يدل ظاهر القرآن على أنها سبع أراضين؟
* طالب: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢].
* الشيخ: قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، فالمثلية هنا في العدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماء في ذاتها ولا في سعتها وعظمتها؛ فالسماء أوسع وأعظم ومادتها غير مادة الأرض. إذن يتعين أن تكون مماثلة في العدد، أما السنة فصريحة مثل قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.]].
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الصافات ٥] يعني: ورب ما بينهما، فما الذي بينهما؟ لا شك أن الذي بينهما مخلوقات عظيمة بدليل أنها جُعِلَت قسيمة وعديلة للسماوات والأرض فلا بد أن تكون شيئًا عظيمًا، ليس هي مجرد ما نرى من السحاب المسخر بين السماء والأرض، بل هناك أشياء عظيمة بين السماء والأرض من آيات الله عز وجل، نعرف منها السحاب فإنه بين السماء والأرض، النجوم بين السماء والأرض، الشمس بين السماء والأرض، القمر بين السماء والأرض؛ لقول الله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣].
وما اشتهر عن علماء الفلك سابقًا من أن الشمس في السماء الرابعة، والقمر في السماء الدنيا، وعطارد وزحل والمشتري في السماوات الأخرى، وهي على هذا الترتيب:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ
كم هذه؟ سبعة مرتبة من الأعلى إلى الأدنى.
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ
أعلاها (زحل) في السماء السابعة، (شرى) المشتري في السادسة، (مريخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في الرابعة، (فتزاهرت) الزهرة في الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) في السماء الدنيا، هذا هو المشهور عند علماء الفك سابقًا، ولكن هذا خلاف الصواب؛ لأن ظاهر النصوص أن الشمس والقمر والنجوم كلها دون السماء ليست مُلْصَقَة في السماوات، بل هي في فلك يدور بين السماء والأرض، والقمر هو أقربها إلى الأرض؛ بدليل أنه يَكْسِفُ ما فوقه، كما شاهدناه وشاهده غيرنا أحيانًا تجده يَمُرُّ من تحت النَّجْمَة، فتغيب به، وهذا يدل على أنه تحت النجوم.
على كل حال، نقول: ما بين السماوات السبع: السحاب، الشمس، والقمر، والنجوم، والكوكب، وغيرها من أمور لا نعملها، قد لا نعلم هذه الأمور، ويمكن العلم فيما بعد يُطْلِعنا على شيء كثير منها.
قال: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (أي: والمغارب للشمس ولها كل يوم مَشْرِق وَمَغْرِب). قال: ﴿الْمَشَارِقِ﴾ قال: (أي: والمغارب) فكأنه من باب الاكتفاء بذكر المقابل عن مقابله، نظير قول تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد، فإن السرابيل التي هي القُمُص وشبهها تقي الحر والبرد.
هنا قال: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ قال المؤلف: يعني (والمغارب).
على كل حال ﴿الْمَشَارِقِ﴾ جمع مشرق، فما المراد بالمشارق؟ هل المراد كما قال المؤلف مشارق الشمس؛ لأنها كل يوم لها مشرق؟ أو نقول: إن المشارق أعم فتشمل مشارق الشمس ومشارق القمر ومشارق النجوم ومشارق كل شارق، أيهما؟ الثاني أعم. فنقول: ﴿رَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ يعني: مشارق الشمس ومشارق القمر ومشارق النجوم ومشارق كل ما يشرق، وذَكَر الله المشارق دون المغارب؛ لأن المشارق أدلُّ على القدرة من المغارب؛ إذ إن الشروق ابتداء والغروب انتهاء، وفي الشروق أيضًا ولا سيما في شروق الشمس إضاءة ونور يظهر فيه تمامًا كمال النعمة.
وقوله: ﴿الْمَشَارِقِ﴾ هنا بالجمع في بعض الآيات جاءت بالتثنية مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن ١٧]، وفي بعض الآيات جاءت بالإفراد ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل ٩] فهل هذا تناقض أم ماذا؟
الجواب: لا، وليس في القرآن شيء من التناقض، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، فالقرآن لا يمكن أن يتناقض بنفسه ولا أن يتناقض مع صحيح السنة؛ لأنه قد تأتي سنة ضعيفة تناقض القرآن ومناقضتها للقرآن يدل على ضعفها، لكن مع صحيح السنة لا يمكن.
فإن وجد شيء ظاهره التعارض فإنه لا بد أن يكون هناك وجه لتصحيح التعارض؛ إما بإمكان الجمع وهو المرتبة الأولى للعمل بالنصوص التي ظاهرها التعارض، وإما بالنسخ إن عُلِمَ التاريخ وكان النص مما يدخله النسخ، والثالث الترجيح يكون أحدهما أرجح من الآخر. ولا بد من هذه المراتب الثلاثة، لكن أحيانًا قد لا يتسنى للناظر وجه من هذه الوجوه، قد يعجز عن الجمع، وقد لا يعرف النسخ، وقد لا يمكنه الترجيح، فما موقفه حينئذ؟ التَّوَقُّف؛ أن يقول: الله أعلم، ولا يجوز أن يعتقد بأي حال من الأحوال أن في القرآن أو صحيح السنة تناقضًا أبدًا، لكن هل له أن يُحاوِل معرفة هذه المراتب؟ أو إذا أَشْكَل عليه أول مرة وَقَفْ؟ يجب أن يحاول النظر مرة بعد أخرى حتى يَتَبَيَّن؛ لئلا يقع في نفسه شَكٌّ فيزيغ، والعياذ بالله. فهذه الفائدة جاءت عَرَضًا، وهي أنه ليس في القرآن تناقض لا في نفسه ولا مع صحيح السنة، فإن وُجِد شيء ظاهره التعارض والتناقض وجب أن نستعمل المراتب الثلاث: أولًا: الجمع، فإن لم يمكن فالنسخ، فإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم نصل إلى ذلك فالتوقُّف، لكن مع محاولة الوصول إلى مرتبة من هذه المراتب.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии