Makki ibn Abi TalibTaha · 20:1–21

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

طه

Taha

Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs

20:1–6Page 312

طه ١

Ṭā, Hā.1

مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢

We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed

إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ ٣

But only as a reminder for those who fear [Allāh] -

تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤

A revelation from He who created the earth and highest heavens,

ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥

The Most Merciful [who is] above the Throne established.1

لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦

To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.

قوله تعالى ذكره: ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾.

قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول "مريم".

وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور يحتمل أن يكون ما بعدها خبراً لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد "طه" خبراً لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى "يا رجل" و "يا إنسان".

وقيل: هو أمر من وطيء.

وروي عن بعضهم أنه قرأ "طه" بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك.

وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفاً، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى بهاء للسكت.

وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت.

وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة.

ومن قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من الهمزة ألفاً قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ "طه" بحذف الألف، وإسكان الهاء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عند ربي جلّ وعزّ عشرة أسماء""فذكر أن منها "طه" و "يس" إسمان له.

قال ابن عباس: "طه" بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك.

وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ.

وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل.

وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة.

وقال عكرمة: "طه" بالنبطية: يا إنسان.

وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به].

وهذه الآية نزلت فيما كان النبي ﷺ يصنعه من السهر والتعب والقيام بالليل.

قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾.

أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.

وقيل: كان النبي ﷺ يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾.

قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].

قال قتادة: "أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.

ونصب تذكرة على البدل من "لتشقى".

وقيل: هي مفعول من أجله.

وقيل" نصبها على المصدر.

وقال الكوفيون: هي تكرير.

وقيل: من حروف الهجاء.

وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.

وقال الطبري: "طه": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر:

؎ هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ∗∗∗ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ

وقال آخر:

؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ

والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا يوقف على "طه" على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.

ثم ابتدأ فخاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.

وأجاز أبو حاتم الوقف على "طا" ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.

وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.

* *

ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾.

أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. "والعلى" جمع "علياً": كالفضلى. والفضل.

* *

ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.

أي: على عرشه، ارتفع وعلا.

قال أبو عبيدة: استوى: علا.

وقال القتبي: استقر.

وقيل: معناه: استولى.

وأحسن الأقوال في هذه "علا" والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.

وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً. أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.

وروي أن خباب بن الأرت قرأ "طه" على عمر بن الخطاب إلى قوله: "فتردى" فأسلم عمر عند ذلك.

و "العلى" تمام إن رفعت "الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في "خلق" لم تقف عليه.

و "استوى" تمام إن جعلت "الرحمن" بدلاً من الضمير في "خلق" أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت "له ما في السماوات" في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.

* *

ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.

أي: هو يملك ذلك كله ويدبره .

* *

وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.

وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.

وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [لقمان: ١٦] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.

وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.

وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.

وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.

وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش.

وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى المغرب.

20:7–10Page 312

وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧

And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨

Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.

وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩

And has the story of Moses reached you? -

إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠

When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.

أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه.

قال الحسن ومجاهد وعكرمة: "السر": ما أسررته إلى غيرك، "وأخفى" ما حدثت به نفسك.

وقال الضحاك: "السر" ما حدثت به نفسك، و "أخفى" ما لم تفعله وأنت فاعله"، وكذلك، روي عن ابن عباس.

قال ابن عباس: و "أخفى" ما تعمل غداً.

وقال ابن جبير: "السر": ما أسره الإنسان في نفسه، "وأخفى": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن.

وقيل: معنى: "وأخفى": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكون ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن يجري.

وقال ابن زيد: "يعلم السر" أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري.

* *

وقوله: ﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله "وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر.

* *

ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.

من جعل الله بدلاً من الضمير في "يعلم" لم يقف على "أخفى"، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.

أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ . هي تسعة وتسعون اسماً على ما روي عن النبي ﷺ، وفي ألفاضها اختلاف.

قال النبي ﷺ: لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة أي: من حفظها.

وقيل: من آمن بها.

وقيل: من قالها معتقداً لصحتها.

ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾.

معناه: أن الله يخبر نبيه ﷺ بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش.

ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امكثوا لعلي أتيكم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد.

قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق.

قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها... الآية...

وقيل: معنى: "آنست" علمت ووجدت.

و "القبس" النار في طرف العود أو قصبة.

* *

﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾.

أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: "هدى" أي: هادياً يهدي إلى الطريق.

وقال وهب: "أو أجد على النار هدى" أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه.

20:11–15Page 312

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١

And when he came to it, he was called, "O Moses,

إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢

Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.

وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣

And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].

إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤

Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥

Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.

قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾.

أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.

قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.

قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.

وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي

وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.

* *

وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾.

أي: المطهر.

وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك.

وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.

ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.

وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي.

فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.

وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن.

وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد.

وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي.

وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.

ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت.

وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.

معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.

ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.

والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.

وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾.

أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.

* *

﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾.

أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.

﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.

وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.

وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك".

وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح.

وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.

وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.

وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها.

وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.

وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.

وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك.

وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.

وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.

وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.

وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها.

وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.

وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.

واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.

* *

وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية".

وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.

و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.

20:16–21Page 313

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦

So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.

وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ١٧

And what is that in your right hand, O Moses?"

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨

He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."

قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩

[Allāh] said, "Throw it down, O Moses."

فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠

So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.

قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١

[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.

قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾.

أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.

﴿فَتَرْدَىٰ﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.

وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ﴾.

"ما" لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت.

وقال الزجاج: "تلك" هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك.

وقال الفراء: "تلك" بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي.

* *

وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.

أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.

* *

﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾.

أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾.

أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة. بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه.

وقال: "أخرى" ولم يقل "أخر". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.

قال السدي: "حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ﴾.

أي: ألق عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.

قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ﴾. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.

وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.

وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.

وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.

ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس "والآس" الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني في وسط الورقة المستطيل ، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.

ويروى أن موسى ﷺ أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском