Makki ibn Abi TalibTaha · 20:54–82

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Taha 20:54–82

20:54–59Page 315

كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤

Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.

۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥

From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.

وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦

And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.

قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧

He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?

فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨

Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1

قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩

[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1

قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.

أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول.

قال قتادة: "لأولي النهى" لأولي الورع.

"والنهى" جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض.

* *

ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.

أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم "تارة أخرى" أي: مرة أخرى.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: ردّ بها. أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً، فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.

* *

ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا ولك، قاله قتادة.

وقال مجاهد: "مكانا منصفاً بينهم".

وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.

وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: عدل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾.

أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني يوم عيد كان لهم.

وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.

﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يساق الناس ويجمعون من كل فج وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.

وقد قرأ الحسن "يوم" بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة "وأن يحشر الناس".

إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون "وإن" في موضع خفض عطفاً على الزينة.

قال السدي: "يوم الزينة يوم عيد لهم".

وقال ابن جبير: "هو يوم سوق لهم".

* *

وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت في الموضع.

وعن ابن عباس أنه قال: "يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى الأعمش.

والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.

وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.

20:60–64Page 315

فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠

So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١

Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."

فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢

So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.

قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣

They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].

فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤

So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."

قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.

أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف.

* *

﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.

قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم".

وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).

وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.

* *

ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾.

أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.

أي: تنازع السحرة فيما بينهم.

قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾.

قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم.

وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.

أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.

وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما.

ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.

واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف.

وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر:

؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر

وقال ابن قيس الرقيات:

؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه

؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه

وأنشد ثعلب:

؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء.

أي: نعم.

فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.

وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر.

لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.

وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.

وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام.

والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.

؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً

وأنشدوا أيضاً:

؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم.

وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.

وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.

ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل.

والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر.

والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.

والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.

والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.

والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.

روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.

وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.

فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.

فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.

وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.

أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.

والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨].

ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة.

قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.

وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب".

وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً".

وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.

وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.

ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾.

أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.

ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.

فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال.

* *

ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾.

أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.

قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".

20:65–70Page 316

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥

They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."

قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦

He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].

فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧

And he sensed within himself apprehension, did Moses.

قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨

We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.

وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩

And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠

So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾.

أي: قال السحرة: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾.

وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً. فألقوا سبعين ألف عصاً، وسبعين ألف حبل.

وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.

وقال السدي: "كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً".

وقال وهب بن منبه: "كانوا خمسة عشر ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه".

وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.

وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.

قيل: "إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى ﷺ حينئذ أنها تسعى" قاله وهب بن منبه.

وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.

أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.

قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.

وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.

وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.

* *

ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ﴾، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.

وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما "بمعنى الذي ومع ﴿صَنَعُواْ﴾ "هاء" محذوفة. و ﴿كَيْدُ﴾ خبر "إن" و "الذي" اسمها.

فإن جعلت "ما" كافة لـ "إن" عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و "الكيد": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.

* *

ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.

وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.

وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً﴾.

في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.

قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.

ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.

20:71–73Page 316

قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١

[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.

المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خرّوا سجّداً: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ فكان فرعون أول مَن قطع الأيدي والأرجل من خلاف.

* *

﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾.

أي: عليها. وكان أول مَن صلب في جذوع النخل.

ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال. وذلك أنه لما رأى ما نزل به، قال للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر فواطيتموه على ما صنعتم وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى "خلاف" أن يقطع يمين اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾. أي: أنا أشد عذاباً أو موسى. يخاطب بذلك السحرة.

ومعنى: ﴿وَأَبْقَىٰ﴾ وأدوم.

* *

ثم قال: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾.

أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج والبراهين فنتبعك ونكذب موسى.

* *

ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي فَطَرَنَا﴾.

أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا.

وقيل: الواو، واو قسم. و ﴿فَطَرَنَا﴾ خلقنا.

* *

﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾.

أي: افعل ما أنت فاعل.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ﴾.

أي: قال له السحرة ذلك. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا.

و "ما" كافة لـ "إن" عن العمل. ولو جعلت "ما" بمعنى "الذي" رفعت "هذه الحياة الدنيا" أي: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا.

وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾.

أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر. ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾. فـ "ما" نافيه. أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون ﴿مِنَ﴾ لإبانة الجنسِ.

وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر. فتكون ﴿مِنَ﴾ للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول الأول.

وهذا القول رويَ عن ابن عباس، قال: "ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة يعلمهم السحر".

وقال ابن زيد: "أمرهم بتعلم السحر"

وقال الحسن: "كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر.

* *

ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ أي: خير ثواباً وأبقى عذاباً.

قال محمد بن كعب: معناه: "خير منك ثواباً أن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى" وهذا جواب منهم لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ﴾.

20:74–77Page 316

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.

وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥

But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1

وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧

And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.

والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه" كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله.

* *

ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.

أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ماكثين فيها أبداً.

* *

ثم قال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾.

هذه الإشارة بـ "ذلك" هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء مَن تطهر من الذنوب.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.

أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل.

* *

﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً﴾.

أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً. أي: يابساً. وهو مصدر نعت به الطريق. والمعنى: ذا يبس.

* *

ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾.

أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك.

قال ابن جريج: "قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أصحاب فرعون، ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ من البحر وحلاً.

وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه. ثم حذف "فيه".

ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى.

وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه.

وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة.

ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جواباً للأمر في قوله: ﴿فَٱضْرِبْ﴾.

وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ مقطوعاً من الأول.

وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر.

20:78–82Page 317

فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨

So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1

وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠

O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,

كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١

[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."

وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢

But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.

قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾.

في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.

والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.

وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر، فرأوه منفلقاً. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، فهلكوا أجمعين.

* *

وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.

أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.

قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.

أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه.

* *

ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾.

أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.

* *

ثم قال: ﴿يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.

يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.

* *

ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾.

يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.

* *

﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.

أي: من شهية وحلاله.

* *

﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾.

أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.

والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب.

* *

﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾.

أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.

قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض.

والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك.

وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره.

وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك.

وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.

وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾: أي: أخذ بسنة نبيه ﷺ.

وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ ثم أصاب العمل.

وقال الفراء: "ثم اهتدى" ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском