Makki ibn Abi TalibAt‑Tawbah · 9:56–72

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:56–72

9:56–59Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.

والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة.

قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.

ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منكم: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم. و "الجَمْحُ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.

قال ابن عباس: "المَلْجَأُ" الحِرْزُ في الجبل.

وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السَّربُ.

وواحد المغارات: "مغارة"، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه.

وأجاز الأخفش: "مُغارات"، من: "أَغَارَ يُغِيرُ"، كما قال:

؎ الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ∗∗∗ .................

وواحدها "مغارة" وجمعها "مغاور".

وَقَرأ عيسى بن عمر، والأعمش: "أوْ مُدَّخَّلاً" بتشديد "الدال" و "الخاء"، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.

وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.

وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من "أدخل.

وفي حرف أُبيّ: "مُدَخَّلاً" بتخفيف "الدال" وتشديد "الخاء".

ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.

يقال: "لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ"، لغتان.

والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.

و "الهُمَزَة اللُّمَزَة": العياب للناس.

وقيل: "الهُمَزَةُ": الذي يشير بعينه، و "اللُّمَزَة": الذي يعيب في السر.

* *

وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.

أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها.

قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.

وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.

قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.

أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.

9:60Page 196

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠

Zakāh expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed for it1 and for bringing hearts together [for Islām] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allāh and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allāh. And Allāh is Knowing and Wise.

قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، الآية.

﴿فَرِيضَةً﴾: نصب على المصدر.

ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن.

فقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ﴾.

قال مجاهد، وعكرمة، والزُّهري، وجابر بن زيد: "الفقير": الذي لا يسأل و "المسكين": الذي يسأل.

وقال ابن عباس: "المسكين": الطواف، و "الفقير": فقير المسلمين.

وقال قتادة "الفقير": المحتاج الذي به زمانة، و "المسكين": الصحيح المحتاج.

وقال الضحاك "الفقراء": فقراء المجاهدين، و "المساكين": [الذين] لم يهاجروا.

وذكر ابن وهب، عنه، أنّ "الفقراء": من المهاجرين، و "المساكين"): من الأعراب. قال: وكان ابن عباس يقول: "الفقراء" من المسلمين، و "المساكين" من أهل الذمة.

وقال الشافعي "الفقراء": الذين لا مال لهم ولا حرفة تغنيهم، و "المساكين" الذين لهم مال، أوْ حرفة لا تغنيهم.

وقال أبو ثور "الفقير": الذي لا شيء له، و "المسكين": الذي لا يكسب من كسبه ما يقوته.

وقال عبيد الله بن الحسن "المسكين" الذي يخشع ويستكين، بأن لم يسأل و "الفقير"، الذي يتحمل، ويقبل الشيء سراً، ولا يخشع.

وقال محمد بن مَسْلمة "الفقير": الذي له مسكن يسكنه والخادم إلى ما هو أسفل من ذلك، و "المسكين": الذي لا مال له.

وقال أهل اللغة: "المسكين": الذي لا شيء له، و "الفقير": الذي له شيء يكفيه.

قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين.

وقال عكرمة "الفقراء": من اليهود والنصارى، و "المساكين": من المسلمين.

واختار الطبري، وغيره أن يكون "الفقير": الذي يعطى بفقره فقط، و "المسكين": الذي يكون عليه مع فقره خضوع وذل السؤال.

وأنشد أهل اللغة قول الراعي:

؎ أمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وَفْقَ الِعيَالَ فَلَمْ يُتْركْ لَهُ سَبَدُ

فجعل للفقير حَلُوبَةً، مقدار ما يكفي العيال.

فـ: "المسكين" أشد حاجة من "الفقير" فكل مسكين فقير، وليس كل فقير مسكيناً.

فـ: "الفقير": الذي لا غنى له فوق قوت يومه، وهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُول، كأنَّه مفقور الظهر، وهو الذي نزعت فَقْره [من فِقَر] ظهره، فانقطع ظهره من شدة الفقر، وهذا الاشتقاق يدل على أنّ "الفقير" أشدُّ حاجةً من "المسكين" وقد قال تعالى: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسماهم: مساكين، ولهم سفينة. ولا حجة في قراءة من قرأ: "مَسَّاكِينَ"، بالتشديد؛ لأن الجماعة على التخفيف.

* *

وقوله: ﴿وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.

هم السعاة في قبضها من أهلها، يُعْطَوْنَ عليها، أغنياء كانوا أو فقراء.

وذلك عند مالك إلى الإمام، يجتهد فيما يعطيهم، وليس لهم فريضةٌ مسماة.

وأما ﴿ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، فقال ابن عباس: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ، قد أسلموا، فكان النبي عليه السلام، يَرْضَخُ لهم من الصدقات، فإذا أصابوا خيراً، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه.

وقال الزُّهري: ﴿وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: من أسلم من يهودي أو نصراني، غنياً كان أو فقيراً.

وقال الحسن: أما ﴿ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، فليس اليوم.

وكذا رُوي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

وقال الشعبي: كانت "المؤلفة"، على عهد النبي ﷺ، فلما وَلِيَ أبو بكر انقطع ذلك.

وهو قول مالك، قال: يرجع سهم المؤلف إلى أهل السهام الباقية.

وقال الشافعي "المؤلفة": من دخل في الإسلام.

وقال ابن حنبل وغيره: ﴿ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، في كل زمان.

وهو اختيار الطبري.

و "اللام" في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾، وما بعد ذلك، بمعنى: "في"، ولو حملت على ظاهرها لوجب أن يعطوا الصدقات، يفعلون فيها ما يشاؤون. وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾، يدل على أنَّ "اللام" بمعنى "في".

والمعنى إنما توضع الصدقات في هؤلاء على ما يستحقون، فيأخذونها لأنفسهم، فـ "اللام" توجب استحقاقها كلها لهم يعملون فيها ما يشاؤون.

* *

وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.

قال ابن عباس: تعتق منها الرقبة.

قال: لا بأس أن يُعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها الرقبة.

وممن قال يعتق من الزكاة الرقاب: الحسن البصري، ومالك، وابن حنبل، وغيرهم.

وكره مالك أن يعان بها المكاتبون.

وقال الحسن، والزهري، وابن زيد، والشافعي: معنى ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾، يعني المكاتبين.

والمعنى على هذا: وفي فك الرقاب، ورُوِيَ ذلك عن أبي موسى الأشعري.

وولاء من أعتق من الزكاة لجميع المسلمين عند مالك.

وقال الحسن، وابن حنبل، وإسحاق: يجعل ما يتركه المعتّق في الرقاب.

وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق.

* *

وقوله: ﴿وَٱلْغَارِمِينَ﴾.

قال مجاهد الغارَمُ: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب ماله.

وقيل: هم المستدينون في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال.

وقال الزهري: ﴿ٱلْغَارِمِينَ﴾، أصحاب الدين.

(وقال قتادة: الغارمون)، قوم غرَّقتهم الديون في غير تبذير ولا فساد.

وأجاز الحسن أن يحتسبَ الرجل من زكاته بالدين، يكون له على المعسر. وهو قول عطاء.

وأجازه الليث إذا حَلَّ الأجَلُ، وكان الذي عليه الدَّيْنُ مُسْتَوْجِباً للصدقة.

* *

وقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

المعنى: وفي نصر دين الله يعطى الغازي منها وإن كان غنياً.

هذا قول مالك، والشافعي.

* *

وقوله: ﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.

هو الضيف والمسافر، والمنقطع بهما.

وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل، يعطى من الزكاة.

وأكثر الناس على أن المتصدق بزكاته يجزيه أن يضعها في أي الأصناف المذكورين شاء. وهو قول: ابن عباس، والحسن، والنخعي، وعطاء، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة.

قال مالك: تجعل في أي الأصناف كانت فيه الحاجة.

قال مالك: من له دارٌ وخادمٌ ليس في ثمنها زيادة تكفيه لو باعهما واشترى ما هو دون منهما، فإنه يأخذ من الزكاة، فإن فضل له ما يعينه على عيشه ويكفيه إذا باعهما، واشترى غيرهما لم يأخذ من الزكاة. وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي.

وقال الشافعي: إنه قد يكون للرجل الجملة من الدنانير والدراهم، وَعَلَيْهِ عِيَالٌ، وهو محتاج إلى أكثر منها، فله أن يأخذ من الزكاة.

[وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مائتا درهمٍ، فليس له أن يأخذ من الزكاة].

وقيل: من له خمسون درهماً فلا يحل له أن يأخذ من الزكاة. وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفيه حديث عن النبي ﷺ، أنه قال: "مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ مَالٌ يُغْنِيهِ، جاءت - يعني مسألته - في وجهه يوم القيامة خُمُوشاً أو كُدُوحاً"، قالوا: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: "خمسون درهماً أو حسابها من الذهب"

وقيل: لا يأخذ من يملك أربعين درهماً من الزكاة.

ورُوِيَ عن النبي ﷺ، أنه قال: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أربعون درهماً، فقد سأل إِلحَافاً". "والأوقية: أربعون درهماً".

وقد رُوِيَ هذا عن مالك، والأول أشهر عنه. وهو [قول] أبي عبيد.

قال مالك: إذا كان الإمام يعدل فلا يسع أحداً أن يفرق زكاة ماله النَّاضِّ، ولا غيره، ولكن يدفعه إلى الإمام.

ويبعث الإمام في زكاة الماشية، وما أنبتت الأرض، ولا يبعث في زكاة العين، ولكن إن كان عدلاً سألهم ذلك، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، ويصدق الناس في ذلك.

9:61–62Page 196

وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢

They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.

قوله: ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.

روى الأعمش عن أبي بكر: "قُلُ أُذْنٌ خَيْرٌ لَّكُمْ"، بالتنوين والرفع فيهما، وهي قراءة الحسن.

ومعنى ذلك: قُل هو أذن خَيْرٍ لا أذن شّرٍٍّ، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع من كل أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه.

فقوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: أذنٌ سامعة تسمع من كل أحد.

وأصله من "أَذِنَ" إذا تَسمَّعَ.

ومنه الخبر عن النبي ﷺ: "مَا أُذِنَ اللهُ لِشَيء كَأَذِنه لِنَبِيٍ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ

ويُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، كان نَبْتَلُ يأتي النبي ﷺ، يتحدث إليه فيستمع النبي ﷺ منه، فينقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد أُذُنٌ، من حَدَّثهُ سمِعَ منه وصدَّقَه.

وهو الذي قال النبي ﷺ، فيه: "من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث"

وكان جسيماً، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين.

ومعنى قراءة من نوَّن، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم من أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم يقبل اعتذاركم.

* *

وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾.

أي: يُصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق المؤمنين لا الكافرين والمنافقين.

والعرب تقول: "آمنتُ له، وآمنْتُه" بمعنى، أي: صدَّقته، كما قال: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، بمعنى: ردفكم وكما قال: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أي: ربَّهم يرهبون.

و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. يعني: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، و﴿يَرْهَبُونَ﴾.

قال ابن عباس: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: يسمع من كلِّ أحد.

قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أُذُن، لا يُحدَّث بشيء إلا صدَّقه.

* *

وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.

أي: وهو رحمة.

ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أُذُن خير وَأُذُن رحمة لمن اتبعه.

* *

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾.

أي: يعيبونه، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلم.

ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، أي: ليرضوكم إذا بلغهم عنكم أنّكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحَلَفُوا أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم لعلى دينكم.

* *

﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾.

التقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه.

والتقدير عند المبرد: أنَّه لا حذف في الكلام، وأنَّ فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور[سوله].

وقد رُدّ هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال اللفظ على ظاهره، فإذا حَسُنَ استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ترتيبه.

وقد رُدَّ أيضاً قول سيبويه بأن قيل: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز استعمال اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله بغير زيادة على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف.

* *

وقوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.

أي: مصدقين فيما زعموا.

ذكر بعض المفسرين: أنّ رجلاً من المنافقين، انتقص النبي ﷺ، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي عليه السلام، فأخبره، فوجه النبي ﷺ، إلى المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ فأقبل المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول: اللهم صِدّق الصادق، وكِذّب الكاذب، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَحْلِفُونَ [بِٱللَّهِ] لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، الآية.

9:63–64Page 197

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣

Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤

The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."

قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿تَحْذَرُونَ﴾.

* *

قوله: ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾.

"أنّ" بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه.

وقال المبرد والجَرْمِي: "أنَّ" الثانية مكررة للتوكيد.

وقال الأخفش: "أنّ" في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: فوجوب النار له.

وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأنَّ "أنَّ" المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ويضمر الخبر.

وقال علي بن سليمان: "أَنَّ" في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: فالواجب أن له النار.

وكلهم أجاز كسر "أَنَّ"، واستحسنه سيبويه.

ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ﴾، أي: يجانبه ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حادَّ فلانٌ فلاناً، أي: صار في حد غيره حده، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً (فِيهَا)﴾، أي: لابثاً أبداً، ﴿ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: الهوان والذل.

ثم قال تعالى إخباراً عما يُسِرُّ المنافقون: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾، الآية.

المعنى: يَخْشى المنافقون، أن ينزّل الله عز وجل، سورة يخبر فيها بما في قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي ﷺ، وأصحابه بينهم، ويقولون: عسى الله ألاّ يفشي سِرَِّنا علينا.

ورُوي أنهم كانوا سبعين رجلاً، أنزل الله عز وجل، أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا مسلمين.

* *

قوله: ﴿قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ﴾.

هذا تهديد من الله عز وجل، لهم.

* *

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾.

أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر.

قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: "الفاضحة"؛ لأنها فضحت المنافقين.

9:65–66Page 197

وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦

Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، إلى قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾.

المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ذلك لعباً وخوضاً وهزؤاً، ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهم: ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، هذا توبيخ وتقريع لهم.

قال الفراء: أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله ﷺ، والقرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، يعني: الضاحك، ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾، يعني المستهزئين. فـ "الطائفة" تقع للواحد والاثنين.

وذكر أبو الحسن الدَّارَقُطِني في كتاب الرواة عن مالك أنّ اسماعيل بن داود المخراقي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله بن أُبيٍ يشتد قدام رسول الله ﷺ، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، أي: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ، فهذا متصل بقوله: ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.

﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ﴾، وهو الوقف عند نافع.

﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، وقف.

وَيُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في غزوة النبي ﷺ، إلى تبوك ويُخَوّفون المسلمين من الروم، فسألهم النبي عليه السلام عن قولهم، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.

وقال قتادة: نزلت في أُنَاس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله عز وجل، نبيه عليه السلام، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا نبي الله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.

وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول حقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فأعلم الله عز وجل، نبيه عليه السلام، بذلك، فقال لهم: ما كنتم تقولون، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ "الطائفة" التي عفا عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما سمع، يُسمّى: مَخشِي بن حُمَيّر الأَشْجَعِي.

وقيل: إنَّه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادماً تائباً، فهو"الطائفة" المعفو عنها.

فالمعنى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، بإنكار ما أنكر عليكم من قول الكفر ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ بقولهم ورضاهم بالكفر، واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله ﷺ، وآياته.

وقيل: المعنى، إن تتب طائفة منكم، يعف الله عز وجل، عنها، تعذب طائفة بترك التوبة.

قال أبو إسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد.

* *

﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.

أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، سبحانه، والطعن على رسوله عليه السلام.

9:67–69Page 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

قوله: ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.

هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد..

* *

﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.

أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه.

* *

﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام.

وعدهم الله: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أبداً، أي: ماكثين، لا يحيون ولا يموتون.

* *

﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾.

أي: كافيتهم عقاباً على كفرهم.

* *

﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾.

أي: أبعدهم من رحمته.

* *

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.

أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: دائم لا ينقطع ولا يزول.

﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وقف عند نافع.

* *

وقوله: ﴿كَٱلَّذِينَ﴾.

في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعداً، كما وعد الذين من قبلهم.

فعلى هذا لا يوقف على ما قبل "الكاف".

ومثله: ﴿كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ﴾، [أي: خوضاً كما الذي خاضوا].

والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في الآخرة، فقد ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ [قُوَّةً]﴾، أي: بطشاً، وأكثر منكم أموالاً، ﴿فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ﴾، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها المنافقون، ﴿بِخَلاَقِكُمْ﴾، أي: بنصيبكم من دنياكم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ مثل خوضهم.

وهذا يدل على أن "الكاف" في موضع نصب، نعت لمصدر "يستهزءون".

وقد قال النبي ﷺ، في هذا المعنى: "لتأخُذنَّ كما أخذت الأُمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً دخل جُحْرَ [ضَبٍّ] لَدَخَلْتُمُوه"، رواه عنه أبو هريرة:

ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، الآية.

قال أبو هريرة: "الخَلاَق": الدِّينُ.

* *

﴿أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.

يعني الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم الهالكين.

ومعنى: ﴿حَبِطَتْ﴾: بطلت ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.

أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه.

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، الآية.

والمعنى: ألم يأْت هؤلاء المنافقين خبر من كان قبلهم، من قوم نوح، وعاد، وثمود وشبههم، الذين خالفوا أمر الله عز وجل، وعصوه، جلت عظمته، فأهلكهم ودمرهم، فيتعظون بذلك، وينتهون ويتفكرون ما في خبر قوم نوح، إذ غرقوا بالطوفان، وعاد، وهم قوم هود، إذ هلكوا بريح صرصر عاتية، وخبر ثمود، وهم قوم صالح، إذ هلكوا بالرجفة، وخبر قوم إبراهيم، إذ سلبوا النعمة وأهلك نمرود ملكهم، وخبر أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، إذ أهلكوا بعذاب يوم الظُلَّة.

ويُروى: أن شعيباً اسمه مدين، على اسم المدينة، فكان قوله: ﴿وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ﴾، معناه: وأصحاب شعيب.

وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف: ٨٥].

يدل على أن مدين مدينة.

وخبر المؤتفكات، وهي مدائن قوم لوط، إذ صيَّر أعلاها أسفلها، وإنما سموا مؤتفكات؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم، وهي مأخوذة من "الإفْكِ" وهو الكذب، لأنه مقلوب على الصدق، وكانت قرى ثلاثة، ولذلك جُمِعَت.

* *

﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾.

أي: أتى كل أمة رسولها، فجمع الرسل، لأن لكل أمة رسولها.

* *

﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾.

أي: بالآيات الظاهرات، والحجج النيّرات، فكذبوا وردوا وكفروا.

* *

﴿فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾.

أي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقيها.

* *

﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

إذ عصوا الله عز وجل، وكذبوا برسوله حتى أسخطوا ربهم، سبحانه، واستوجبوا العقوبة، فظلموا بذلك أنفسهم.

9:71–72Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.

قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.

المعنى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، أي المصدقون بالله، عز وجل ورسوله عليه السلام ﴿(يَأْمُرُونَ) بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام.

وينهونهم عن الكفر، والمنافقون [هُمْ] بضد ذلك، ينهون عن الإيمان، ويأمرون بالمنكر، وهو الكفر بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.

قال أبو العالية: كل ما ذكر الله عز وجل، في القرآن من "الأمر بالمعروف" هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من "النهي عن المنكر" فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.

* *

﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾.

يعني: الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها.

* *

﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾.

يعني: المفروضة في وقتها.

* *

﴿وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.

يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه.

* *

﴿أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ [ٱللَّهُ]﴾.

أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.

والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (أبداً).

أي: ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾، أي: منازل يسكنونها.

قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فقالا: على الخبير سقَطْتَ، سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراءَ، في كل بيت سبعون سريراً".

* *

ومعنى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عند ابن عباس، أي: "معدن الرجل" الذي يكون فيه.

وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود.

والعرب تقول: "عَدَنَ فلانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا"، إذا أقام به.

ورُوي عن النبي ﷺ، أنه قال: "لا يدخلها إلا النبيّون والصديقون والشهداء

وقال كعب: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام.

وقال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي اسم لبُطْنَان الجنة، يعني وسطها.

وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صِدّيقٌ، أو شهيد أو حَكَمٌ عَدْلٌ.

وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ، قال: "إن الله عز وجل، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر

وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.

وقال عطاء ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاته على حافتيه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

[أي: أكبر] من ذلك كله، رضوان الله عز وجل، عن أهل الجنة.

قال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ: "إنَّ الله عز وجل، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ لكم رضواني فلا أسْخَطُ عليكم أبداً

ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ بالرضوان، فرفع.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.

أي: هذه الأشياء التي وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم.

﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقف.

﴿أَكْبَرُ﴾، وقف.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском