Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:73–75
قوله تعالى : فأخذتهم الصيحة مشرقينقوله تعالى : فأخذتهم الصيحة مشرقين نصب على الحال ، أي وقت شروق الشمس . يقال : أشرقت الشمس أي أضاءت ، وشرقت إذا طلعت . وقيل : هما لغتان بمعنى . وأشرق القوم أي دخلوا في وقت شروق الشمس . مثل أصبحوا وأمسوا ، وهو المراد في الآية . وقيل : أراد شروق الفجر . وقيل : أول العذاب كان عند الصبح وامتد إلى شروق الشمس ، فكان تمام الهلاك عند ذلك . والله أعلم .والصيحة العذاب .
15:74Page 266
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤
And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.
دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم ; وقد تقدم في " الأعراف " .وفي التفسير : أمطرنا في العذاب , ومطرنا في الرحمة .وأما كلام العرب فيقال : مطرت السماء وأمطرت : حكاه الهروي .واختلف في " السجيل " فقال النحاس : السجيل الشديد الكثير ; وسجيل وسجين اللام والنون أختان .وقال أبو عبيدة : السجيل الشديد ; وأنشد : ضربا تواصى به الأبطال سجينا قال النحاس : ورد عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال : هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به ؟ ! قال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ; لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى ; وقول أبي عبيدة يرد من جهة أخرى ; وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلا ; لأنه لا يقال : حجارة من شديد ; لأن شديدا نعت .وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل .وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء .وقالت طائفة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق : إن سجيلا لفظة غير عربية عربت , أصلها سنج وجيل .ويقال : سنك وكيل ; بالكاف موضع الجيم , وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا .وقيل هو من لغة العرب .وقال قتادة وعكرمة : السجيل الطين بدليل قوله : " لنرسل عليهم حجارة من طين " [ الذاريات : 33 ] .وقال الحسن : كان أصل الحجارة طينا فشددت .والسجيل عند العرب كل شديد صلب .وقال الضحاك : يعني الآجر .وقال ابن زيد : طين طبخ حتى كان كالآجر ; وعنه أن سجيلا اسم السماء الدنيا ; ذكره المهدوي ; وحكاه الثعلبي عن أبي العالية ; وعن عكرمة : أنه بحر معلق بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة .وقيل : هي جبال في السماء , وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله : " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " [ النور : 43 ] .وقيل : هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم ; فهو في معنى سجين ; قال الله تعالى : " وما أدراك ما سجين .كتاب مرقوم " [ المطففين : 8 - 9 ] قاله الزجاج واختاره .وقيل : هو فعيل من أسجلته أي أرسلته فكأنها مرسلة عليهم .وقيل : هو من أسجلته إذا أعطيته ; فكأنه عذاب أعطوه ; قال : من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب وقال أهل المعاني : السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب ; قال ابن مقبل : ورجلة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصى به الأبطال سجينا
15:75Page 266
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥
Indeed in that are signs for those who discern.
قوله تعالى : إن في ذلك لآيات للمتوسمين [ ص: 39 ] فيه مسألتان :الأولى : قوله - تعالى - : للمتوسمين روى الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( للمتفرسين ) وهو قول مجاهد . وروى أبو عيسى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله - ثم قرأ - إن في ذلك لآيات للمتوسمين . قال : هذا حديث غريب . وقال مقاتل وابن زيد : للمتوسمين للمتفكرين . الضحاك : للنظارين . قال الشاعر :أوكلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلى عريفهم يتوسموقال قتادة : للمعتبرين . قال زهير :وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسموقال أبو عبيدة : للمتبصرين ، والمعنى متقارب . وروى الترمذي الحكيم من حديث ثابت عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن لله - عز وجل - عبادا يعرفون الناس بالتوسم . قال العلماء : التوسم تفعل من الوسم ، وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها . يقال : توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه ; ومنه قول عبد الله بن رواحة للنبي - صلى الله عليه وسلم - :إني توسمت فيك الخير أعرفه الله يعلم أني ثابت البصرآخر :توسمته لما رأيت مهابة عليه وقلت المرء من آل هاشم[ ص: 40 ] واتسم الرجل إذا جعل لنفسة علامة يعرف بها . وتوسم الرجل طلب كلأ النسمي . وأنشد :وأصبحن كالدوم النواعم غدوة على وجهة من ظاعن متوسموقال ثعلب : الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك . وأصل التوسم التثبت والتفكر ; مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره ، وذلك يكون بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر . زاد غيره : وتفريغ القلب من حشو الدنيا ، وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا . روى نهشل عن ابن عباس للمتوسمين قال : لأهل الصلاح والخير . وزعمت الصوفية أنها كرامة . وقيل : بل هي استدلال بالعلامات ، ومن العلامات ما يبدو ظاهرا لكل أحد وبأول نظرة ، ومنها ما يخفى فلا يبدو لكل أحد ولا يدرك ببادئ النظر . قال الحسن : المتوسمون هم الذين يتوسمون الأمور فيعلمون أن الذي أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار ; فهذا من الدلائل الظاهرة . ومثله قول ابن عباس ، : ( ما سألني أحد عن شيء إلا عرفت أفقيه هو أو غير فقيه ) . وروي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما : أراه نجارا ، وقال الآخر : بل حدادا ، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأل فقال : كنت نجارا وأنا اليوم حداد . وروي عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ القرآن فوقف فقال : من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به . فقلنا له : كأنك عرضت بهذا الرجل ، فقال : إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ويخرج غدا حروريا ; فكان رأس الحرورية ، واسمه مرداس . وروي عن الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال : هذا سيد فتيان البصرة إن لم يحدث ، فكان من أمره من القدر ما كان ، حتى هجره عامة إخوانه . وقال لأيوب : هذا سيد فتيان أهل البصرة ، ولم يستثن . وروي عن الشعبي أنه قال لداود الأزدي وهو يماريه : إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك ، وكان كذلك . وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر ، فصعد فيه النظر وصوبه وقال : أيهم هذا ؟ قالوا : مالك بن الحارث . فقال : ما له قاتله الله ! إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا ; فكان منه في الفتنة ما كان . وروي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : أن أنس بن مالك دخل عليه ، وكان قد مر بالسوق فنظر إلى امرأة ، فلما نظر إليه قال عثمان : ( يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزنا ! فقال له أنس : أوحيا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال لا ولكن برهان وفراسة وصدق ) . ومثله كثير عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - .الثانية : قال أبو بكر بن العربي : " إذا ثبت أن التوسم والتفرس من مدارك المعاني فإن [ ص: 41 ] ذلك لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس . وقد كان قاضي القضاة الشامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الأحكام ، جريا على طريق إياس بن معاوية أيام كان قاضيا ، وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر الشاشي صنف جزءا في الرد عليه ، كتبه لي بخطه وأعطانيه ، وذلك صحيح ; فإن مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة منها
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences