Al-QurtubiAn‑Nur · 24:37–39

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:37–39

24:37Page 355

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

لما قال تعالى : ( رجال ) وخصهم بالذكر دل على أن النساء لا حظ لهن في المساجد ؛ إذ لا جمعة عليهن ، ولا جماعة ، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل . روى أبو داود ، عن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها .( لا تلهيهم ) أي لا تشغلهم . ( تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلاة . فإن قيل : فلم كرر ذكر البيع ، والتجارة تشمله . قيل له : أراد بالتجارة الشراء لقوله : ( ولا بيع ) . نظيره قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها قاله الواقدي . وقال الكلبي : التجار هم الجلاب [ ص: 260 ] المسافرون ، والباعة هم المقيمون . عن ذكر الله اختلف في تأويله ؛ فقال عطاء : يعني حضور الصلاة ؛ وقاله ابن عباس ، وقال : المكتوبة . وقيل عن الأذان ؛ ذكره يحيى بن سلام . وقيل : عن ذكره بأسمائه الحسنى ؛ أي يوحدونه ويمجدونه . والآية نزلت في أهل الأسواق ؛ قاله ابن عمر . قال سالم : جاز عبد الله بن عمر بالسوق وقد أغلقوا حوانيتهم ، وقاموا ليصلوا في جماعة ، فقال : فيهم نزلت : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع الآية . وقال أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله . وقيل : إن رجلين كانا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدهما بياعا فإذا سمع النداء بالصلاة ، فإن كان الميزان بيده طرحه ، ولا يضعه وضعا ، وإن كان بالأرض لم يرفعه . وكان الآخر قينا يعمل السيوف للتجارة ، فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة ، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان ؛ فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما .قوله تعالى : ( وإقام الصلاة ) هذا يدل على أن المراد بقوله : عن ذكر الله غير الصلاة ؛ لأنه يكون تكرارا . يقال : أقام الصلاة إقامة ، والأصل إقواما فقلبت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا وبعدها ألف ساكنة فحذفت إحداهما ، وأثبتت الهاء لئلا تحذفها فتجحف ، فلما أضيفت قام المضاف مقام الهاء فجاز حذفها ، وإن لم تضف لم يجز حذفها ؛ ألا ترى أنك تقول : وعد عدة ، ووزن زنة ، فلا يجوز حذف الهاء ، لأنك قد حذفت واوا ؛ لأن الأصل وعد وعدة ، ووزن وزنة ، فإن أضفت حذفت الهاء ، وأنشد الفراء :إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوايريد عدة ، فحذف الهاء لما أضاف . وروي من حديث أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجب بيض قوائمها من العنبر ، وأعناقها من الزعفران ، ورءوسها من المسك ، وأزمتها من الزبرجد الأخضر ، وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها ، وأئمتها يسوقونها ، وعمارها متعلقون بها ، فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف ، فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقربون أو أنبياء مرسلون ، فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ، ولكنهم أهل المساجد ، والمحافظون على الصلوات من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - . وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال : ( يأتي [ ص: 261 ] على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه ، يعمرون مساجدهم وهي من ذكر الله خراب ، شر أهل ذلك الزمن علماؤهم ، منهم تخرج الفتنة ، وإليهم تعود ) يعني أنهم يعلمون ولا يعملون بواجبات ما علموا .قوله تعالى : وإيتاء الزكاة قيل : الزكاة المفروضة ؛ قاله الحسن . وقال ابن عباس : الزكاة هنا طاعة الله تعالى والإخلاص ؛ إذ ليس لكل مؤمن مال . ( يخافون يوما ) يعني يوم القيامة . تتقلب فيه القلوب والأبصار يعني من هوله وحذر الهلاك . والتقلب التحول ، والمراد قلوب الكفار وأبصارهم . فتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر ، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج . وأما تقلب الأبصار فالزرق بعد الكحل ، والعمى بعد البصر . وقيل : تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة ، والخوف من الهلاك ، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم ، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم . وقيل : إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك ، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين ؛ وذلك مثل قوله تعالى : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فما كان يراه في الدنيا غيا يراه رشدا ؛ إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة . وقيل : تقلب على جمر جهنم ، كقوله تعالى : يوم تقلب وجوههم في النار ، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم . في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار . وقيل : تقلب بأن تلفحها النار مرة وتنضجها مرة . وقيل : إن تقلب القلوب وجيبها ، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال .

24:38Page 355

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

ليجزيهم الله أحسن ما عملوا فذكر الجزاء على الحسنات ، ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لأمرين : أحدهما : أنه ترغيب ، فاقتصر على ذكر الرغبة . الثاني : أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر ؛ فكانت صغائرهم مغفورة . ويزيدهم من فضله يحتمل وجهين : أحدهما : ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها . الثاني : ما يتفضل به من غير جزاء . والله يرزق من يشاء بغير حساب أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه ؛ إذ لا نهاية لعطائه . وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء مسجد قباء ، فحضر عبد الله بن رواحة فقال : يا رسول الله ، قد أفلح من بنى المساجد ؟ قال : نعم ، يابن رواحة قال : وصلى فيها قائما وقاعدا ؟ قال : نعم ، يابن رواحة ، قال : ولم يبت لله إلا ساجدا ؟ قال : نعم ، يابن رواحة كف عن السجع فما أعطي عبد شرا من طلاقة في لسانه ؛ ذكره الماوردي .

24:39Page 355

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩

But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.

قوله تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحسابقوله تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر . قال مقاتل : نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، كان يترهب متلمسا للدين ، فلما خرج - صلى الله عليه وسلم - كفر . أبو سهل : في أهل الكتاب . الضحاك : في أعمال الخير للكافر ؛ كصلة الرحم ونفع الجيران . ( والسراب ) : ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر ، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض . والآل الذي يكون ضحا كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء . وسمي السراب سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء . ويقال : سرب الفحل أي مضى وسار في الأرض . ويسمى الآل أيضا ، ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان . قال الشاعر :فكنت كمهريق الذي في سقائه لرقراق آل فوق رابية صلدوقال آخر :فلما كففنا الحرب كانت عهودهم كلمع سراب بالفلا متألقوقال امرؤ القيس :ألم أنض المطي بكل خرق أمق الطول لماع السرابوالقيعة جمع القاع ؛ مثل جيرة وجار ؛ قاله الهروي ، وقال أبو عبيدة : قيعة وقاع واحد ؛ حكاه النحاس . والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت ، وفيه يكون السراب . وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء ، وجمعه قيعان . قال الجوهري : والقاع المستوي من الأرض ؛ والجمع أقوع ، وأقواع ، وقيعان ، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها ؛ والقيعة مثل القاع ، وهو أيضا من الواو . وبعضهم يقول : هو جمع . يحسبه الظمآن أي العطشان ماء أي يحسب السراب ماء . حتى إذا جاءه لم يجده شيئا مما قدره ، ووجد أرضا لا ماء فيها . وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ، يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر ؛ أي لم يجدوا شيئا كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضا لا ماء [ ص: 263 ] فيها ؛ فهو يهلك أو يموت . ووجد الله عنده أي وجد الله بالمرصاد . فوفاه حسابه أي جزاء عمله . قال امرؤ القيس :فولى مدبرا يهوي حثيثا وأيقن أنه لاقى الحساباوقيل : وجد وعد الله بالجزاء على عمله . وقيل : وجد أمر الله عند حشره ؛ والمعنى متقارب . وقرئ ( بقيعات ) . المهدوي : ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحة العين . ويجوز أن تكون مثل رجل عزة وعزهاة ، للذي لا يقرب النساء . ويجوز أن يكون جمع قيعة ، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف . وروي عن نافع ، وأبي جعفر ، وشيبة ( الظمان ) بغير همز ، والمشهور عنهما الهمز ؛ يقال : ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن ، وإن خففت الهمزة قلت الظمان وقوله : ( والذين كفروا ) ابتداء ، ( أعمالهم ) ابتداء ثان . والكاف من ( كسراب ) الخبر ، والجملة خبر عن الذين . ويجوز أن تكون ( أعمالهم ) بدلا من ( الذين كفروا ) ؛ أي وأعمال الذين كفروا كسراب ، فحذف المضاف .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском