Al-QurtubiAs‑Sajdah · 32:13–15

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:13–15

32:13Page 416

وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣

And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.

قوله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين .قال محمد بن كعب القرظي : لما قالوا : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون رد عليهم بقوله : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها يقول : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ولكن حق القول مني الآية ; ذكره ابن المبارك في ( رقائقه ) في حديث طويل . وقد ذكرناه في ( التذكرة ) . النحاس : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها في معناه قولان : أحدهما : أنه في الدنيا . والآخر : أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة ; أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي حق القول مني لأعذبن من عصاني بنار جهنم . وعلم الله تبارك وتعالى أنه لو ردهم لعادوا ; كما قال تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب . وتأويل المعتزلة : ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة ، لكن لا يحسن منه فعله ; لأنه ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره . وقالت الإمامية في تأويلها : إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا ، لكن حق القول منه أنه يملأ جهنم ، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها ; قالوا : بل الواجب هداية المعصومين ، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله . وفي جواز ذلك منع ; لقطعهم على أن المراد هداها إلى الإيمان . وقد تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين . وأقرب ما لهم في الجواب أن يقال : فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه ، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية ، وهو مذهب رذل عندنا وعندكم ، فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا ; قال الله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم ، وقال : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا . ثم عقب هاتين الآيتين بقوله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله . فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم ، ونفى أن يشاءوا إلا أن يشاء الله ; ولهذا فرطت المجبرة لما رأوا [ ص: 91 ] أن هدايتهم إلى الإيمان معلق بمشيئة الله تعالى ، فقالوا : الخلق مجبورون في طاعتهم كلها ، التفاتا إلى قوله : وما تشاءون إلا أن يشاء الله . وفرطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معلق بمشيئة العباد ، فقالوا : الخلق خالقون لأفعالهم ، التفاتا منهم إلى قوله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم . ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد ; وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية ; وخير الأمور أوساطها . وذلك أن أهل الحق قالوا : نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه ، وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته ، وبين حركة الاختيار إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش ; ومن لا يفرق بين الحركتين : حركة الارتعاش وحركة الاختيار ، وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته - فهو معتوه في عقله ومختل في حسه ، وخارج من حزب العقلاء . وهذا هو الحق المبين ، وهو طريق بين طريقي الإفراط والتفريط .كلا طرفي قصد الأمور ذميم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدوبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سموا هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا ، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز ، وهو قوله سبحانه : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

32:14Page 416

فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤

So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."

قوله تعالى : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون .قوله تعالى فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا فيه قولان ; أحدهما : أنه من النسيان الذي لا ذكر معه ; أي لم يعملوا لهذا اليوم فكانوا بمنزلة الناسين . والآخر : أن نسيتم بما تركتم ، وكذا إنا نسيناكم . واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي قال : والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر عن إبليس أنه قال : [ ص: 92 ] ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره . وأنشد [ النابغة الذبياني ] :كأنه خارج من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأدأي تركوه . ولو كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة . قال الضحاك : نسيتم أي تركتم أمري . يحيى بن سلام : أي تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم . نسيناكم تركناكم من الخير ; قاله السدي . مجاهد : تركناكم في العذاب . وفي استئناف قوله : إنا نسيناكم وبناء الفعل على ( إن ) واسمها تشديد في الانتقام منهم . والمعنى : فذوقوا هذا ; أي ما أنتم فيه من نكس الرءوس والخزي والغم بسبب نسيان الله . أو ذوقوا العذاب المخلد ، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم . وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما ، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم . قال عمر بن أبي ربيعة :فذق هجرها إن كنت تزعم أنها فساد ألا يا ربما كذب الزعمالجوهري : وذقت ما عند فلان ; أي خبرته . وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها . وأذاقه الله وبال أمره . قال طفيل :فذوقوا كما ذقنا غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوبوتذوقته أي ذقته شيئا بعد شيء . وأمر مستذاق أي مجرب معلوم . قال الشاعر :وعهد الغانيات كعهد قين ونت عنه الجعائل مستذاقوالذواق : الملول .

32:15Page 416

إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥

Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.

قوله تعالى : إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون .هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ; أي أنهم لإلفهم الكفر لا يؤمنون بك ; إنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له والمتعظون به ، وهم الذين إذا قرئ عليهم القرآن خروا سجدا قال ابن عباس : ركعا . قال المهدوي : وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة ; واستدل [ ص: 93 ] بقوله تبارك وتعالى : وخر راكعا وأناب . وقيل : المراد به السجود ، وعليه أكثر العلماء ; أي خروا سجدا لله تعالى على وجوههم تعظيما لآياته وخوفا من سطوته وعذابه . وسبحوا بحمد ربهم أي خلطوا التسبيح بالحمد ; أي نزهوه وحمدوه ; فقالوا في سجودهم : سبحان الله وبحمده ، سبحان ربي الأعلى وبحمده ; أي تنزيها لله تعالى عن قول المشركين . وقال سفيان : وسبحوا بحمد ربهم أي صلوا حمدا لربهم . وهم لا يستكبرون عن عبادته ; قاله يحيى بن سلام . النقاش : لا يستكبرون كما استكبر أهل مكة عن السجود .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском