Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:107–109
10:107Page 221
وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧
And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَرَّرَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلَيْهِ، وجَمِيعَ الكائِناتِ مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ، والعُقُولَ والِهَةٌ فِيهِ، والرَّحْمَةَ والجُودَ والوُجُودَ فائِضٌ مِنهُ.
واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إمّا أنْ يَكُونَ ضارًّا وإمّا أنْ يَكُونَ نافِعًا، وإمّا أنْ يَكُونَ لا ضارًّا ولا نافِعًا، وهَذانَ القِسْمانِ مُشْتَرِكانِ في اسْمِ الخَيْرِ، ولَمّا كانَ الضُّرُّ أمْرًا وُجُودِيًّا لا جَرَمَ قالَ فِيهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ولَمّا كانَ الخَيْرُ قَدْ يَكُونُ وُجُودِيًّا وقَدْ يَكُونُ عَدَمِيًّا لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الإمْساسِ فِيهِ، بَلْ قالَ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الضُّرَّ والخَيْرَ واقِعانِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبِقَضائِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُفْرُ والإيمانُ والطّاعَةُ والعِصْيانُ والسُّرُورُ والآفاتُ والخَيْراتُ والآلامُ واللَّذّاتُ والرّاحاتُ والجِراحاتُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ إنْ قَضى لِأحَدٍ شَرًّا فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو، وإنْ قَضى لِأحَدٍ خَيْرًا فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ البَتَّةَ.
ثُمَّ في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ جانِبَ الخَيْرِ عَلى جانِبِ الشَّرِّ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إمْساسَ الضُّرِّ بَيَّنَ أنَّهُ لا كاشِفَ لَهُ إلّا هو، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُزِيلُ المَضارَّ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، ولَمّا ذَكَرَ الخَيْرَ لَمْ يَقُلْ بِأنَّهُ يَدْفَعُهُ، بَلْ قالَ: إنَّهُ لا رادَّ لِفَضْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، وأنَّ الشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ
صفحة ١٤٠
كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ رِوايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الخَيْرِ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ أقْوى وأغْلَبُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ جانِبِ الرَّحْمَةِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، وأنَّهُ لا مُوجِدَ سِواهُ، ولا مَعْبُودَ إلّا إيّاهُ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مُرادٌ بِالعَرَضِ. وتَحْتَ هَذا البابِ أسْرارٌ عَمِيقَةٌ، فَهَذا ما نَقُولُهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى في صِفَةِ الأصْنامِ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها لا تَقْدِرُ أيْضًا عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ الواصِلِ مِنَ الغَيْرِ، وعَلى الخَيْرِ الواصِلِ مِنَ الغَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ يَعْنِي بِمَرَضٍ وفَقْرٍ، فَلا دافِعَ لَهُ إلّا هو.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ: هو مِنَ المَقْلُوبِ، مَعْناهُ: وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ إبْدالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ. وأقُولُ: التَّقْدِيمُ في اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ العِنايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ هو الإنْسانُ، وسائِرُ الخَيْراتِ مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِهِ، فَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ لا تُسْتَفادُ إلّا مِن هَذا التَّرْكِيبِ.
10:108Page 221
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ١٠٨
Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وزَيَّنَ آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَبِدًّا بِالخَلْقِ والإبْداعِ والتَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ، خَتَمَها بِهَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ العالِيَةِ، وفي تَفْسِيرِها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَن حَكَمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ، فَسَيَقَعُ لَهُ ذَلِكَ، ومَن حَكَمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في دَفْعِهِ.
الثّانِي: وهو الكَلامُ اللّائِقُ بِالمُعْتَزِلَةِ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
10:109Page 221
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩
And follow what is revealed to you, [O Muḥammad], and be patient until Allāh will judge. And He is the best of judges.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الخاتِمَةَ بِخاتِمَةٍ أُخْرى لَطِيفَةٍ فَقالَ: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ .
والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، فَإنْ وصَلَ إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاتِّباعِ مَكْرُوهٌ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ
صفحة ١٤١
إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ فِيهِ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ. وأنْشَدَ بَعْضُهم في الصَّبْرِ شِعْرًا فَقالَ:
سَأصْبِرُ حَتّى يَعْجِزَ الصَّبْرُ عَنْ صَبْرِي وأصْبِرُ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ في أمْرِي
سَأصْبِرُ حَتّى يَعْلَمَ الصَّبْرُ أنَّنِي ∗∗∗ صَبَرْتُ عَلى شَيْءٍ أمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وبِأسْرارِ كِتابِهِ - بِعَوْنِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ. يَقُولُ جامِعُ هَذا الكِتابِ: خَتَمْتُ تَفْسِيرَ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ مِن شَهْرِ اللَّهِ الأصَمِّ رَجَبٍ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، وكُنْتُ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَثِيرَ الحُزْنِ بِسَبَبِ وفاةِ الوَلَدِ الصّالِحِ مُحَمَّدٍ أفاضَ اللَّهُ عَلى رُوحِهِ وجَسَدِهِ أنْوارَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وأنا ألْتَمِسُ مِن كُلِّ مَن يَقْرَأُ هَذا الكِتابَ ويَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ المِسْكِينَ وهَذا المِسْكِينَ بِالدُّعاءِ والرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences