Ar-RaziYunus · 10:99–106

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:99–106

10:99–100Page 220

وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muḥammad], would you compel the people in order that they become believers?

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠

And it is not for a soul [i.e., anyone] to believe except by permission of Allāh, and He will place defilement1 upon those who will not use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ حِكايَةِ شُبُهاتِ الكُفّارِ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها، وكانَتْ إحْدى شُبُهاتِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ العَذابِ مَعَ الكافِرِينَ، ويَعِدُ أتْباعَهُ أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم ويُعْلِي شَأْنَهم ويُقَوِّي جانِبَهم، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ ما رَأوْا ذَلِكَ فَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وكانُوا يُبالِغُونَ في اسْتِعْجالِ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ تَأْخِيرَ المَوْعُودِ بِهِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الوَعْدِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِهَذا أمْثِلَةً، وهي واقِعَةُ نُوحٍ وواقِعَةُ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ، وامْتَدَّتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى هَذِهِ المَقاماتِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ جِدَّ الرَّسُولِ في دُخُولِهِمْ في الإيمانِ لا يَنْفَعُ، ومُبالَغَتَهُ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ لا تُفِيدُ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وإرْشادِهِ وهِدايَتِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: كَلِمَةُ (لَوْ) تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ وما حَصَلَ إيمانُ أهْلِ الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ إيمانَ الكُلِّ، أجابَ الجُبّائِيُّ والقاضِي وغَيْرُهُما بِأنَّ المُرادَ مَشِيئَةُ الإلْجاءِ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ ولَصَحَّ ذَلِكَ مِنهُ، ولَكِنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ لا يَنْفَعُهُ ولا يُفِيدُهُ فائِدَةٌ، ثُمَّ قالَ الجُبّائِيُّ: ومَعْنى إلْجاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى ذَلِكَ أنْ يُعَرِّفَهُمُ اضْطِرارًا أنَّهم لَوْ حاوَلُوا تَرْكَهُ حالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، وعِنْدَ هَذا لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ما أُلْجِئُوا إلَيْهِ، كَما أنَّ مَن عَلِمَ مِنّا أنَّهُ إنْ حاوَلَ قَتْلَ مَلِكٍ فَإنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ قَهْرًا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ لِذَلِكَ الفِعْلِ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّوابِ، فَكَذا هَهُنا.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ كانَ قادِرًا عَلى الكُفْرِ، فَهَلْ كانَ قادِرًا عَلى الإيمانِ أوْ ما كانَ قادِرًا عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قَدَرَ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى الإيمانِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةً لِلْكُفْرِ، فَإذا كانَ خالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهَ تَعالى لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِ قُدْرَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلْكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ مِنهُ الكُفْرَ، وأمّا إنْ كانَتِ القُدْرَةُ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ كَما هو مَذْهَبُ القَوْمِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ حَصَلَ الرُّجْحانُ لا لِمُرَجِّحٍ وهَذا باطِلٌ، وإنْ تَوَقَّفَ عَلى مُرَجِّحٍ فَذَلِكَ المُرَجِّحُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ العَبْدِ أوْ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ كانَ مِنَ العَبْدِ عادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ

صفحة ١٣٤

وهُوَ مُحالٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَجْمُوعُ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مُوجِبًا لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَإذا كانَ خالِقُ القُدْرَةِ والدّاعِيَةُ هو اللَّهَ تَعالى فَحِينَئِذٍ عادَ الإلْزامُ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَطْلُبُ أنْ يَحْصُلَ لَهم إيمانٌ لا يُفِيدُهم في الآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلرَّسُولِ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيمانِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو هَذا الإيمانُ النّافِعُ حَتّى يَكُونَ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، فَأمّا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَشِيئَةِ القَهْرِ والإلْجاءِ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ.

الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا الإلْجاءِ، إمّا أنْ يَكُونَ هو أنْ يُظْهِرَ لَهُ آياتٍ هائِلَةً يَعْظُمُ خَوْفُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها، ثُمَّ يَأْتِي بِالإيمانِ عِنْدَها. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقَ الإيمانِ فِيهِمْ. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ لا يُفِيدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾، وقالَ أيْضًا: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنْعامِ: ١١١]، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ لَمْ يَكُنْ هَذا الإلْجاءُ إلى الإيمانِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ، ثُمَّ يُقالُ: لَكِنَّهُ ما خَلَقَ الإيمانَ فِيهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ حُصُولَ الإيمانِ لَهم، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِنا.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَكَ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا حُكْمَ لِلْأشْياءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قالُوا: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الإذْنَ عِبارَةٌ عَنِ الإطْلاقِ في الفِعْلِ ورَفْعِ الحَرَجِ. وصَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ حُصُولِ هَذا المَعْنى لَيْسَ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى هَذا الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالَ بِشُكْرِهِ والثَّناءَ عَلَيْهِ لا يَدُلُّ العَقْلُ عَلى حُصُولِ نَفْعٍ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ ذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَشْكُورِ أوْ إلى الشّاكِرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ في الشّاهِدِ المَشْكُورُ يَنْتَفِعُ بِالشُّكْرِ فَيَسُرُّهُ الشُّكْرُ ويَسُوءُهُ الكُفْرانُ، فَلا جَرَمَ كانَ الشُّكْرُ حَسَنًا والكُفْرانُ قَبِيحًا، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ لا يَسُرُّهُ الشُّكْرُ ولا يَسُوءُهُ الكُفْرانُ، فَلا يَنْتَفِعُ بِهَذا الشُّكْرِ أصْلًا. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الشّاكِرَ يَتْعَبُ في الحالِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ ويَبْذُلُ الخِدْمَةَ، مَعَ أنَّ المَشْكُورَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ البَتَّةَ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الشُّكْرَ عِلَّةُ الثَّوابِ؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ عَلى الغَيْرِ إنَّما يُعْقَلُ إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْطِ لَأوْجَبَ امْتِناعُهُ مِن إعْطاءِ ذَلِكَ الحَقِّ حُصُولَ نُقْصانٍ في حَقِّهِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ النُّقْصانِ والزِّيادَةِ لَمْ يُعْقَلْ ذَلِكَ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالإيمانِ وبِالشُّكْرِ لا يُفِيدُ نَفْعًا بِحَسَبِ العَقْلِ المَحْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ العَقْلُ مُوجِبًا لَهُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ الإيمانَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ أوْ بِتَكْلِيفِهِ أوْ بِإقْدارِهِ عَلَيْهِ.

وجَوابُنا: أنَّ حَمْلَ الإذْنِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ العَقْلِيَّ يُقَوِّي قَوْلَنا.

صفحة ١٣٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”ونَجْعَلُ“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ كِنايَةً عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ خالِقَ الكُفْرِ والإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرِّجْسَ قَدْ يُرادُ بِهِ العَمَلُ القَبِيحُ؛ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، والمُرادُ مِنَ الرِّجْسِ هَهُنا العَمَلُ القَبِيحُ، سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ مَعْصِيَةً، وبِالتَّطْهِيرِ نَقْلُ العَبْدِ مِن رِجْسِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إلى طَهارَةِ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ الرِّجْسَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. والرِّجْسُ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ لَيْسَ إلّا الكُفْرَ، فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ النَّحْوِيُّ عَنْهُ فَقالَ: الرِّجْسُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَذابَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ يُلْحِقُ العَذابَ بِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الفَتْحِ: ٦] .

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم رِجْسٌ كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] والمَعْنى أنَّ الطَّهارَةَ الثّابِتَةَ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ تَحْصُلْ لَهم.

والجَوابُ: أنّا قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ الجَهْلَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَقْصِدُ إلى تَكْوِينِهِ، وإنَّما يُرِيدُ ضِدَّهُ، وإنَّما قَصَدَ إلى تَحْصِيلِ ضِدِّهِ، فَلَوْ كانَ بِهِ لَما حَصَلَ إلّا ما قَصَدَهُ، وأوْرَدْنا السُّؤالاتِ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ وأجَبْنا عَنْها فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ. وأمّا حَمْلُ الرِّجْسِ عَلى العَذابِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الرِّجْسَ عِبارَةٌ عَنِ الفاسِدِ المُسْتَقْذَرِ المُسْتَكْرَهِ، فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا صِدْقًا صَوابًا، وأمّا حَمْلُ لَفْظِ الرِّجْسِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ بِرَجاسَتِهِمْ، فَهو في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ صِفَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ صِفَةَ اللَّهِ رِجْسٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحُجَّةَ الَّتِي ذَكَرْناها ظاهِرَةٌ.

10:101Page 220

قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١

Say, "Observe what is in the heavens and the earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِكَسْرِ اللّامِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والأصْلُ فِيهِ الكَسْرُ، والباقُونَ بِضَمِّها؛ نَقَلُوا حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ السّالِفَةِ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في الدَّلائِلِ حَتّى لا يُتَوَهَّمَ أنَّ الحَقَّ هو الجَبْرُ المَحْضُ، فَقالَ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالتَّدَبُّرِ في الدَّلائِلِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ» “ .

والثّانِي: وهو أنَّ الدَّلائِلَ إمّا أنْ تَكُونَ

صفحة ١٣٦

مِن عالَمِ السَّماواتِ أوْ مِن عالَمِ الأرْضِ، أمّا الدَّلائِلُ السَّماوِيَّةُ فَهي حَرَكاتُ الأفْلاكِ ومَقادِيرُها وأوْضاعُها وما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وأمّا الدَّلائِلُ الأرْضِيَّةُ فَهي النَّظَرُ في أحْوالِ العَناصِرِ العُلْوِيَّةِ، وفي أحْوالِ المَعادِنِ وأحْوالِ النَّباتِ وأحْوالِ الإنْسانِ خاصَّةً، ثُمَّ يَنْقَسِمُ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ إلى أنْواعٍ لا نِهايَةَ لَها. ولَوْ أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يَتَفَكَّرُ في كَيْفِيَّةِ حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في تَخْلِيقِ جَناحِ بَعُوضَةٍ لانْقَطَعَ عَقْلُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى أقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ تِلْكَ الحِكَمِ والفَوائِدِ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أكْثَرُ مَن ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ في القُرْآنِ المَجِيدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ التَّفْصِيلَ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، حَتّى إنَّ العاقِلَ يَتَنَبَّهُ لِأقْسامِها، وحِينَئِذٍ يَشْرَعُ في تَفْصِيلِ حِكْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِقَدْرِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِهَذا التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَذا التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الآياتِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَن حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ في الأزَلِ بِالشَّقاءِ والضَّلالِ، فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ نَفْيًا بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الآياتِ والنُّذُرَ لا تُفِيدُ الفائِدَةَ في حَقِّ مَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كَقَوْلِكَ: ما يُغْنِي عَنْكَ المالُ إذا لَمْ تُنْفِقْ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَقَوْلِكَ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهم، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآياتُ هي الدَّلائِلُ، والنُّذُرُ: الرُّسُلُ المُنْذِرُونَ أوِ الإنْذاراتُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (وما يُغْنِي) بِالياءِ مِن تَحْتُ.

10:102–103Page 220

فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ١٠٢

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٣

Then We will save Our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أيّامًا مِثْلَ أيّامِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والمُرادُ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِمَجِيءِ أيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها ويَسْتَعْجِلُونَها عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وكَذَلِكَ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةِ نُصَيْرٍ: ”نُنْجِي“ خَفِيفَةً، وقَرَأ الباقُونَ مُشَدَّدَةً، وهُما لُغَتانِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ثُمَّ) حَرْفُ عَطْفٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ كانَتْ عادَتُنا فِيما مَضى أنْ نُهْلِكَهم سَرِيعًا ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا.

صفحة ١٣٧

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ في الآيَةِ الأُولى أنْ يُوافِقَ الكُفّارَ في انْتِظارِ العَذابِ، ذَكَرَ التَّفْصِيلَ فَقالَ: العَذابُ لا يَنْزِلُ إلّا عَلى الكُفّارِ، وأمّا الرَّسُولُ وأتْباعُهُ فَهم أهْلُ النَّجاةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ونُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، و”حَقًّا عَلَيْنا“ اعْتِراضٌ، يَعْنِي حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ المُرادُ بِهِ الوُجُوبُ؛ لِأنَّ تَخْلِيصَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ إلى الثَّوابِ واجِبٌ، ولَوْلاهُ لَما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُلْزِمَهُمُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ، وإذا ثَبَتَ وجُوبُهُ لِهَذا السَّبَبِ جَرى مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ لِلسَّبَبِ المُتَقَدِّمِ.

والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الوَعْدِ والحُكْمِ، ولا نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خالِقِهِ شَيْئًا.

10:104–106Page 220

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٤

Say, [O Muḥammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allāh; but I worship Allāh, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٥

And [commanded], 'Direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allāh;

وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦

And do not invoke1 besides Allāh that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى أقْصى الغاياتِ وأبْلَغِ النِّهاياتِ، أمَرَ رَسُولَهُ بِإظْهارِ دِينِهِ وبِإظْهارِ المُبايَنَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ؛ لِكَيْ تَزُولَ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ في أمْرِهِ وتَخْرُجَ عِبادَةُ اللَّهِ مِن طَرِيقَةِ السِّرِّ إلى الإظْهارِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ما كانُوا يَعْرِفُونَ دِينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: قَدْ صَبَأ، وهو صابِئٌ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠]، ولِقَوْلِهِ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنْعامِ: ٧٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافِرُونَ: ٢]، والمَعْنى أنَّكم إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ دِينِي فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أُمُورًا:

فالقَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما وجَبَ تَقْدِيمُ هَذا النَّفْيِ لِما ذَكَرْنا أنَّ إزالَةَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ عَنِ اللَّوْحِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى إثْباتِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ اللَّوْحِ، وإنَّما وجَبَ هَذا النَّفْيُ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَتْ لَهُ غايَةُ الجَلالِ والإكْرامِ، وأمّا الأوْثانُ فَإنَّها أحْجارٌ، والإنْسانُ أشْرَفُ حالًا مِنها، وكَيْفَ يَلِيقُ بِالأشْرَفِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ الأخَسِّ.

صفحة ١٣٨

القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المَعْبُودِ الحَقِّ في هَذا المَقامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ؟

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنِّي أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم أوَّلًا، ثُمَّ يَتَوَفّاكم ثانِيًا، ثُمَّ يُعِيدُكم ثالِثًا، وهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ قَدْ قَرَّرْناها في القُرْآنِ مِرارًا وأطْوارًا، فَهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ التَّوَفِّي مِنها؛ لِكَوْنِهِ مُنَبِّهًا عَلى البَواقِي.

الثّانِي: أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الأشْياءِ مَهابَةً، فَنَخُصُّ هَذا الوَصْفَ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ لِيَكُونَ أقْوى في الزَّجْرِ والرَّدْعِ.

الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا نُزُولَ العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ أُولَئِكَ الكُفّارَ ويُبْقِي المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّي دَوْلَتَهم، فَلَمّا كانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ لا جَرَمَ قالَ هَهُنا: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما قَرَّرَهُ وبَيَّنَهُ في تِلْكَ الآيَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أعْبُدُ ذَلِكَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِهِمْ وبِإبْقائِي.

والقَيْدُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العِبادَةَ، وهي مِن جِنْسِ أعْمالِ الجَوارِحِ، انْتَقَلَ مِنها إلى الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما لَمْ يَصِرِ الظّاهِرُ مُزَيَّنًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ.

والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ حَرْفُ عَطْفٍ، وفي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وقِيلَ لِي: كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ .

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وأُمِرْتُ بِإقامَةِ الوَجْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبِإقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إقامَةُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ؛ لِأنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرًا بِالِاسْتِقْصاءِ، فَإنَّهُ يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ بِحَيْثُ لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ عَنْهُ ولَوْ بِالقَلِيلِ فَقَدْ بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، وإذا بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، فَقَدِ اخْتَلَّ الإبْصارُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ جَعْلُ إقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةً عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا إلَيْهِ مَيْلًا كُلِّيًّا مُعْرِضًا عَمّا سِواهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، وحاصِلُ هَذا الكَلامِ هو الإخْلاصُ التّامُّ، وتَرْكُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ أوَّلًا: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ أصْلِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِغْراقِ في نُورِ الإيمانِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِواهُ.

والقَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صارَ مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهو أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ، فَلَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا، وهَذا هو الَّذِي تُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ.

صفحة ١٣٩

والقَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما سِوى الحَقِّ فَلا وُجُودَ لَهُ إلّا بِإيجادِ الحَقِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ، ولا ضارَّ إلّا الحَقُّ، فَكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا رُجُوعَ في الدّارَيْنِ إلّا إلى اللَّهِ.

ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي لَوِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا كانَ ما سِوى الحَقِّ مَعْزُولًا عَنِ التَّصَرُّفِ كانَتْ إضافَةُ التَّصَرُّفِ إلى ما سِوى الحَقِّ وضْعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ظُلْمًا.

فَإنْ قِيلَ: فَطَلَبُ الشِّبَعِ مِنَ الأكْلِ والرِّيِّ مِنَ الشُّرْبِ هَلْ يَقْدَحُ في ذَلِكَ الإخْلاصِ ؟

قُلْنا: لا؛ لِأنَّ وُجُودَ الخُبْزِ وصِفاتَهُ كُلَّها بِإيجادِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ، وطَلَبُ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِانْتِفاعِ بِهِ لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلرُّجُوعِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّ شَرْطَ هَذا الإخْلاصِ أنْ لا يَقَعَ بَصَرُ عَقْلِهِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَوْجُوداتِ إلّا ويُشاهِدُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ أنَّها مَعْدُومَةٌ بِذَواتِها ومَوْجُودَةٌ بِإيجادِ الحَقِّ وحالَّةٌ بِأنْفُسِها وباقِيَةٌ بِإبْقاءِ الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَرى ما سِوى الحَقِّ عَدَمًا مَحْضًا بِحَسَبِ أنْفُسِها ويَرى نُورَ وُجُودِهِ وفَيْضَ إحْسانِهِ عالِيًا عَلى الكُلِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском