Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:27–30
10:27Page 212
وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧
But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allāh no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
صفحة ٦٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كَما شَرَحَ حالَ المُسْلِمِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، شَرَحَ حالَ مَن أقْدَمَ عَلى السَّيِّئاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ تَعالى مِن أحْوالِهِمْ أُمُورًا أرْبَعَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا القَيْدِ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَسَناتِ وبَيْنَ السَّيِّئاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أعْمالِ البِرِّ أنَّهُ يُوصِلُ إلى المُشْتَغِلِينَ بِها الثَّوابَ مَعَ الزِّيادَةِ، وأمّا في عَمَلِ السَّيِّئاتِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا بِالمِثْلِ، والفَرْقُ هو أنَّ الزِّيادَةَ عَلى الثَّوابِ تَكُونُ تَفَضُّلًا وذَلِكَ حَسَنٌ، ويَكُونُ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ في عَمَلِ السَّيِّئاتِ فَهو ظُلْمٌ، ولَوْ فَعَلَهُ لَبَطَلَ الوَعْدُ والوَعِيدُ والتَّرْهِيبُ والتَّحْذِيرُ؛ لِأنَّ الثِّقَةَ بِذَلِكَ إنَّما تَحْصُلُ إذا ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ، ولَوْ فَعَلَ الظُّلْمَ لَبَطَلَتْ حِكْمَتُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. هَكَذا قَرَّرَهُ القاضِي تَفْرِيعًا عَلى مَذْهَبِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الهَوانِ والتَّحْقِيرِ، واعْلَمْ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، والنُّقْصانَ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، فالإنْسانُ النّاقِصُ إذا ماتَ بَقِيَتْ رُوحُهُ ناقِصَةً خالِيَةً عَنِ الكَمالاتِ، فَيَكُونُ شُعُورُهُ بِكَوْنِهِ ناقِصًا سَبَبًا لِحُصُولِ الذِّلَّةِ والمَهانَةِ والخِزْيِ والنَّكالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا عاصِمَ مِنَ اللَّهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَإنَّ قَضاءَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الكائِناتِ، وقَدَرَهُ نافِذٌ في كُلِّ المُحْدَثاتِ إلّا أنَّ الغالِبَ عَلى الطِّباعِ العاصِيَةِ أنَّهم في الحَياةِ العاجِلَةِ مُشْتَغِلُونَ بِأعْمالِهِمْ ومُراداتِهِمْ، أمّا بَعْدَ المَوْتِ فَكُلُّ أحَدٍ يُقِرُّ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ ما نَفاهُ عَنِ السُّعَداءِ حَيْثُ قالَ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾
واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذا السَّوادِ المَذْكُورِ هَهُنا سَوادُ الجَهْلِ وظُلْمَةُ الضَّلالَةِ، فَإنَّ العِلْمَ طَبْعُهُ طَبْعُ النُّورِ، والجَهْلَ طَبْعُهُ طَبْعُ الظُّلْمَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] المُرادُ مِنهُ نُورُ العِلْمِ، ورُوحُهُ وبِشْرُهُ وبِشارَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] المُرادُ مِنهُ ظُلْمَةُ الجَهْلِ وكُدُورَةُ الضَّلالَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، عَلى مَعْنى أنَّ جَزاءَهم أنْ يُجازى سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في حَقِّ المُحْسِنِينَ لَيْسَ إلّا بِالفَضْلِ، وفي حَقِّ المُسِيئِينَ لَيْسَ إلّا بِالعَدْلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ الكُفّارُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ سَوادَ الوَجْهِ مِن عَلاماتِ الكُفْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠] ولِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”هم“ عائِدٌ إلى هَؤُلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَهم
صفحة ٦٦
بِالشِّرْكِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ، ولِأنَّ العِلْمَ نُورٌ، وسُلْطانُ العُلُومِ والمَعارِفِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، فَكُلُّ قَلْبٍ حَصَلَ فِيهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الظُّلْمَةُ أصْلًا، وكانَ الشِّبْلِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ يَتَمَثَّلُ بِهَذا، ويَقُولُ:
كُلُّ بَيْتٍ أنْتَ ساكِنُهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى السُّرُجِ
وجْهُكَ المَأْمُولُ حُجَّتُنا ∗∗∗ يَوْمَ يَأْتِي النّاسُ بِالحُجَجِ
وقالَ القاضِي: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ. إلّا أنّا نَقُولُ: الصِّيغَةُ وإنْ كانَتْ عامَّةً إلّا أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها تُخَصِّصُهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الفَرّاءُ: في قَوْلِهِ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَلَهم جَزاءُ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها، كَما قالَ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أيْ: فَعَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يُعَلَّقَ الجَزاءُ بِالباءِ في قَوْلِهِ: ﴿بِمِثْلِها﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِن عائِدِ المَوْصُولِ. والتَّقْدِيرُ: فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى يُجازِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ تَقْدِيرُهُ: يُجازِي سَيِّئَةً بِمِثْلِها، وقُرِئَ (يَرْهَقُهم ذِلَّةٌ) بِالياءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿أُغْشِيَتْ﴾ أيْ أُلْبِسَتْ ﴿وُجُوهُهم قِطَعًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”قِطْعًا“ بِسُكُونِ الطّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطّاءِ، والقِطْعُ بِسُكُونِ الطّاءِ القِطْعَةُ، وهي البَعْضُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] أيْ: قِطْعَةٍ. وأمّا قِطَعٌ بِفَتْحِ الطّاءِ فَهو جَمْعُ قِطْعَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ: وصَفَ وُجُوهَهم بِالسَّوادِ، حَتّى كَأنَّها أُلْبِسَتْ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] وتِلْكَ العَلامَةُ هي سَوادُ الوَجْهِ وزُرْقَةُ العَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُظْلِمًا﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قِطَعًا﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا كَأنَّهُ قِيلَ: أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالِ ظُلْمَتِهِ.
10:28–29Page 212
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩
And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾
صفحة ٦٧
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن شَرْحِ فَضائِحِ أُولَئِكَ الكُفّارِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ [يونس: ٢٧] فَلَمّا وصَفَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَحْشُرُهم بِالشِّرْكِ والكُفْرِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ الكُفّارُ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ، ثُمَّ إنَّ المَعْبُودَ يَتَبَرَّأُ مِنَ العابِدِ، ويَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وإرادَتِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨٠] فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، بَلْ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الخِزْيِ والنَّكالِ في حَقِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، ونَظِيرُهُ آياتٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُشِيرُ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ إلى دَقِيقَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وهي أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ بِحَسَبِ ماهِيَّتِهِ، والشَّيْءُ الواحِدُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قابِلًا وفاعِلًا مَعًا، فَما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الإيجادِ والتَّكْوِينِ، فالمُمْكِنُ المُحْدِثُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا لِغَيْرِهِ، بَلِ المَعْبُودُ الحَقُّ لَيْسَ إلّا المُوجِدَ الحَقَّ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا المَوْجُودَ الحَقَّ الَّذِي هو واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَبَراءَةُ المَعْبُودِ مِنَ العابِدِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”الحَشْرُ“ الجَمْعُ مِن كُلِّ جانِبٍ إلى مَوْقِفٍ واحِدٍ، و﴿جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: نَحْشُرُ الكُلَّ حالَ اجْتِماعِهِمْ. و﴿مَكانَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ الزَمُوا، والتَّقْدِيرُ: الزَمُوا مَكانَكم و”أنْتُمْ“ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، ﴿وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْعابِدِينَ والمَعْبُودِينَ: مَكانَكم، أيِ: الزَمُوا مَكانَكم حَتّى تُسْألُوا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ جاءَتْ عَلى لَفْظِ المُضِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ وهو مُنْتَظَرٌ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ صارَ كالكائِنِ الرّاهِنِ الآنَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] .
البَحْثُ الثّانِي: زَيَّلْنا فَرَّقْنا ومَيَّزْنا. قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا﴾ لَيْسَ مِن أزَلْتُ، إنَّما هو مِن زِلْتُ إذا فَرَّقْتُ. تَقُولُ العَرَبُ: زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعْزِ فَلَمْ تَزِلْ، أيْ: مَيَّزْتُها فَلَمْ تَتَمَيَّزْ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: فالزَّيَلُ والتَّزْيِيلُ والمُزايَلَةُ: التَّمْيِيزُ والتَّفْرِيقُ. قالَ الواحِدِيُّ: وقُرِئَ ”فَزايَلْنا بَيْنَهم“ وهو مِثْلُ ”فَزَيَّلْنا“ وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: هو مِن زالَ يَزُولُ وأزَلْتُهُ أنا، ثُمَّ حَكى عَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّهُ قالَ: هَذا غَلَطٌ، لِأنَّهُ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ زالَ يَزُولُ، وبَيْنَ زالَ يَزِيلُ، وبَيْنَهُما بَوْنٌ بَعِيدٌ، والقَوْلُ ما قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: ”فَزَيَّلْنا“ أيْ: فَرَّقْنا بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ مِنَ الآلِهَةِ والأصْنامِ، وانْقَطَعَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا.
* * *
صفحة ٦٨
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: إنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ لِتِلْكَ الأصْنامِ، فَصَيَّرُوها شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ في تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ يَكْفِي في الإضافَةِ أدْنى تَعَلُّقٍ، فَلَمّا كانَ الكُفّارُ هُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا هَذِهِ الشَّرِكَةَ، لا جَرَمَ حَسُنَتْ إضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ صارُوا شُرَكاءَ في هَذا الخِطابِ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ.
فَقالَ بَعْضُهم: هُمُ المَلائِكَةُ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ هي الأصْنامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ هَذا الخِطابَ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ كَيْفَ ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، فَلا جَرَمَ قَدَرَتْ عَلى ذِكْرِ هَذا الكَلامِ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيها الكَلامَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْلُقَ فِيها الحَياةَ حَتّى يُسْمَعَ مِنها ذَلِكَ الكَلامُ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فاعِلُ ذَلِكَ القَوْلِ هُمُ الشُّرَكاءُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى فَهَلْ يُبْقِيهِمْ أوْ يُفْنِيهِمْ ؟
قُلْنا: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ ولا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، وأحْوالُ القِيامَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، إلّا القَلِيلَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القُرْآنِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ كُلُّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى: مِن صَنَمٍ، وشَمْسٍ، وقَمَرٍ، وإنْسِيٍّ، وجِنِّيٍّ، ومَلَكٍ.
البَحْثُ الثّالِثُ: هَذا الخِطابُ لا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ في حَقِّ العابِدِينَ، فَهَلْ يَكُونُ تَهْدِيدًا في حَقِّ المَعْبُودِينَ ؟ أمّا المُعْتَزِلَةُ: فَإنَّهم قَطَعُوا بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. قالُوا: لِأنَّهُ لا ذَنْبَ لِلْمَعْبُودِ، ومَن لا ذَنْبَ لَهُ فَإنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَجِّهَ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ والوَعِيدَ إلَيْهِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ الشُّرَكاءَ قالُوا: ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ وهم كانُوا قَدْ عَبَدُوهم، فَكانَ هَذا كَذِبًا، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ اخْتِلافَ النّاسِ في أنَّ أهْلَ القِيامَةِ هَلْ يَكْذِبُونَ أمْ لا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، والَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنا أنَّ مِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ هو أنَّكم ما عَبَدْتُمُونا بِأمْرِنا وإرادَتِنا.
قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ اسْتَشْهَدُوا بِاللَّهِ في ذَلِكَ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ .
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ فَأثْبَتُوا لَهم عِبادَةً، إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنْ تِلْكَ العِبادَةِ، وقَدْ صَدَقُوا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الغَفْلَةِ كَوْنَها جَماداتٍ لا حِسَّ لَها بِشَيْءٍ ولا شُعُورَ ألْبَتَّةَ.
ومِنَ النّاسِ مَن أجْرى الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، وقالُوا: إنَّ الشُّرَكاءَ أخْبَرُوا أنَّ الكُفّارَ ما عَبَدُوها.
ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، فَذَلِكَ الكَذِبُ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى كَذِبِ الصِّبْيانِ، ومَجْرى كَذِبِ
صفحة ٦٩
المَجانِينِ والمَدْهُوشِينَ.
والثّانِي: أنَّهم ما أقامُوا لِأعْمالِ الكُفّارِ وزْنًا وجَعَلُوها لِبُطْلانِها كالعَدَمِ؛ ولِهَذا المَعْنى قالُوا: إنَّهم ما عَبَدُونا.
والثّالِثُ: أنَّهم تَخَيَّلُوا في الأصْنامِ الَّتِي عَبَدُوها صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، فَهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا ذَواتٍ مَوْصُوفَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ولَمّا كانَتْ ذَواتُها خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ، فَهم ما عَبَدُوها، وإنَّما عَبَدُوا أُمُورًا تَخَيَّلُوها ولا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ الَّتِي تَخَيَّلُوها في أصْنامِهِمْ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ وتَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
10:30Page 212
هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠
There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.
﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها. وقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ مَعْناهُ: في ذَلِكَ المَقامِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ المَكانِ لِلزَّمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبْلُو﴾ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَتْلُو“ بِتاءَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ (نَبْلُو كُلَّ نَفْسٍ) بِالنُّونِ ونَصْبِ كُلَّ، والباقُونَ ”تَبْلُو“ بِالتّاءِ والباءِ.
أمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ”تَتْلُو“ أيْ تَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ؛ لِأنَّ عَمَلَهُ هو الَّذِي يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ وإلى طَرِيقِ النّارِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَقْرَأُ ما في صَحِيفَتِها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ [الإسراء: ٧١] وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَخْتَبِرُ كُلَّ نَفْسٍ بِسَبَبِ اخْتِبارِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، والمَعْنى: أنّا نَعْرِفُ حالَها بِمَعْرِفَةِ حالِ عَمَلِها، إنْ كانَ حَسَنًا فَهي سَعِيدَةٌ، وإنْ كانَ قَبِيحًا فَهي شَقِيَّةٌ، والمَعْنى نَفْعَلُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٨] وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فَمَعْناها: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ نَخْتَبِرُ أعْمالَها في ذَلِكَ الوَقْتِ.
البَحْثُ الثّانِي: الِابْتِلاءُ عِبارَةٌ عَنِ الِاخْتِبارِ قالَ تَعالى: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ويُقالُ: البَلاءُ ثُمَّ الِابْتِلاءُ أيِ الِاخْتِبارُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَبْلَ الِابْتِلاءِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَنْكَشِفُ نَتائِجُ الأعْمالِ وتَظْهَرُ آثارُ الأفْعالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَسْمِيَةُ حُدُوثِ العِلْمِ بِالِابْتِلاءِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ الِابْتِلاءَ سَبَبٌ لِحُدُوثِ العِلْمِ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الرَّدَّ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جاءَ مِنهُ، وهَهُنا فِيهِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ ورُدُّوا إلى حَيْثُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن نَظائِرِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿ورُدُّوا﴾ إلى ما يَظْهَرُ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالثَّوابِ والعِقابِ لا يَتَغَيَّرُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِإلَهِيَّتِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ:
صفحة ٧٠
﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ أعْنِي أعْرَضُوا عَنِ المَوْلى الباطِلِ ورَجَعُوا إلى المَوْلى الحَقِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ فِيما يَعْبُدُونَهُ أنَّهم شُفَعاءُ، وأنَّ عِبادَتَهم مُقَرِّبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ ذَلِكَ يَزُولُ في الآخِرَةِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ وافْتِراءٌ واخْتِلاقٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences