Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:4
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ المَبْدَأِ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ لَيْسَ مِنَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ العُقَلاءَ اخْتَلَفُوا في وُقُوعِهِ وعَدَمِ وُقُوعِهِ. وقالَ بِإمْكانِهِ عالَمٌ مِنَ النّاسِ، وهم جُمْهُورُ أرْبابِ المِلَلِ والأدْيانِ. وما كانَ مَعْلُومَ الِامْتِناعِ بِالبَدِيهَةِ امْتَنَعَ وُقُوعُ الِاخْتِلافِ فِيهِ.
الثّانِي: أنّا إذا رَجَعْنا إلى عُقُولِنا السَّلِيمَةِ وعَرَضْنا عَلَيْها أنَّ الواحِدَ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ، وعَرَضْنا عَلَيْها أيْضًا هَذِهِ القَضِيَّةَ، لَمْ نَجِدْ هَذِهِ القَضِيَّةَ في قُوَّةِ الِامْتِناعِ مِثْلَ القَضِيَّةِ الأُولى.
الثّالِثُ: أنّا إمّا أنْ نَقُولَ بِثُبُوتِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، أوْ لا نَقُولَ بِهِ. فَإنْ قُلْنا بِهِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّهُ كَما لا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ هَذِهِ النَّفْسِ بِالبَدَنِ في المَرَّةِ الأُولى لَمْ يَمْتَنِعْ تَعَلُّقُها بِالبَدَنِ مَرَّةً أُخْرى. وإنْ أنْكَرْنا القَوْلَ بِالنَّفْسِ فالِاحْتِمالُ أيْضًا قائِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُ تِلْكَ الأجْزاءَ المُفَرَّقَةَ تَرْكِيبًا ثانِيًا، ويَخْلُقُ الإنْسانَ الأوَّلَ مَرَّةً أُخْرى.
والرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أمْثِلَةً كَثِيرَةً دالَّةً عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ونَحْنُ نَجْمَعُها هَهُنا.
فالمِثالُ الأوَّلُ: أنّا نَرى الأرْضَ خاشِعَةً وقْتَ الخَرِيفِ، ونَرى اليُبْسَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْها بِسَبَبِ شِدَّةِ الحَرِّ في الصَّيْفِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ المَطَرَ عَلَيْها وقْتَ الشِّتاءِ والرَّبِيعِ، فَتَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَحَلِّيَةً بِالأزْهارِ العَجِيبَةِ والأنْوارِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ [الحج: ٦] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١]
صفحة ١٥
والمُرادُ كَوْنُهُ مُنَبِّهًا عَلى أمْرِ المَعادِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢١ - ٢٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمُ الرَّبِيعَ فَأكْثِرُوا ذِكْرَ النُّشُورِ» “ ولَمْ تَحْصُلِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الرَّبِيعِ وبَيْنَ النُّشُورِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
المِثالُ الثّانِي: ما يَجِدُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا مِن نَفْسِهِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّمُوِّ بِسَبَبِ السِّمَنِ، ومِنَ النُّقْصانِ والذُّبُولِ بِسَبَبِ الهُزالِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى بِالسِّمَنِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ما جازَ تَكَوُّنُ بَعْضِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا تَكَوُّنُ كُلِّهِ، ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الإعادَةَ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] يَعْنِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى إنْشاءِ ذَواتِكم أوَّلًا، ثُمَّ عَلى إنْشاءِ أجْزائِكِمْ حالَ حَياتِكم ثانِيًا شَيْئًا فَشَيْئًا، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونُوا عالِمِينَ بِوَقْتِ حُدُوثِهِ وبِوَقْتِ نُقْصانِهِ. فَوَجَبَ القَطْعُ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إعادَتُكم بَعْدَ البِلى في القُبُورِ لِحَشْرِ يَوْمِ القِيامَةِ.
المِثالُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَنا ابْتِداءً مِن غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، فَلَأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيجادِنا مَرَّةً أُخْرى مَعَ سَبْقِ الإيجادِ الأوَّلِ كانَ أوْلى، وهَذا الكَلامُ قَرَّرَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] .
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٦، ٧] فاسْتَشْهَدَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ بِأُمُورٍ، الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالخَلْقِ الأوَّلِ عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَمّا حَصَّلَ الخَلْقُ الأوَّلُ بِانْتِقالِ هَذِهِ الأجْسامِ مِن أحْوالٍ إلى أحْوالٍ أُخْرى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَلْقُ الثّانِي بَعْدَ تَغَيُّراتٍ كَثِيرَةٍ واخْتِلافاتٍ مُتَعاقِبَةٍ ؟
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَها بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ كامِلَ القُدْرَةِ تامَّ العِلْمِ والحِكْمَةِ. فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المُسْتَنْبَطَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى إمْكانِ صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ.
والآيَةُ السّابِعَةُ في هَذا البابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١] .
المِثالُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى تَخْلِيقِ ما هو أعْظَمُ مِن أبْدانِ النّاسِ فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إعادَتِها ؟ فَإنَّ مَن كانَ الفِعْلُ الأصْعَبُ عَلَيْهِ سَهْلًا، فَلَأنْ يَكُونَ الفِعْلُ السَّهْلُ الحَقِيرُ عَلَيْهِ سَهْلًا كانَ أوْلى، وهَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]
صفحة ١٦
وثانِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣] .
وثالِثُها: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] .
المِثالُ الخامِسُ: الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ اليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ عَلى جَوازِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَإنَّ النَّوْمَ أخُو المَوْتِ، واليَقَظَةُ شَبِيهَةٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ. قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أمْرَ المَوْتِ والبَعْثِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣] والمُرادُ مِنهُ الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المِثالُ السّادِسُ: أنَّ الإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ لا يُسْتَنْكَرُ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَحْصُلُ الضِّدُّ بَعْدَ حُصُولِ الضِّدِّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا جازَ حُصُولُ المَوْتِ عَقِيبَ الحَياةِ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ حُصُولُ الحَياةِ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ المَوْتِ ؟ فَإنَّ حُكْمَ الضِّدَّيْنِ واحِدٌ. قالَ تَعالى مُقَرِّرًا لِهَذا المَعْنى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] وأيْضًا نَجِدُ النّارَ مَعَ حَرِّها ويُبْسِها تَتَوَلَّدُ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ بَرْدِهِ ورُطُوبَتِهِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فَكَذا هاهُنا، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في بَيانِ أنَّ القَوْلَ بِالمَعادِ وحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ في العُقُولِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَعادَ حَقٌّ واجِبٌ.
اعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ فَرِيقانِ؛ مِنهم مَن يَقُولُ: يَجِبُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ إلَهُ العالَمِ رَحِيمًا عادِلًا مُنَزَّهًا عَنِ الإيلامِ والإضْرارِ، إلّا لِمَنافِعَ أجَلَّ وأعْظَمَ مِنها، ومِنهم مَن يُنْكِرُ هَذِهِ القاعِدَةَ ويَقُولُ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ أصْلًا، بَلْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى وُجُودِ المَعادِ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ وأعْطاهم عُقُولًا بِها يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، وأعْطاهم قُدَرًا بِها يَقْدِرُونَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. وإذا ثَبَتَ هَذا، فَمِنَ الواجِبِ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَدْلِهِ أنْ يَمْنَعَ الخَلْقَ عَنْ شَتْمِ اللَّهِ وذِكْرِهِ بِالسُّوءِ، وأنْ يَمْنَعَهم عَنِ الجَهْلِ والكَذِبِ وإيذاءِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ والصّالِحِينَ مِن خَلْقِهِ. ومِنَ الواجِبِ في حِكْمَتِهِ أنْ يُرَغِّبَهم في الطّاعاتِ والخَيْراتِ والحَسَناتِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْنَعْ عَنْ تِلْكَ القَبائِحِ، ولَمْ يُرَغِّبْ في هَذِهِ الخَيْراتِ، قَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُحْسِنًا عادِلًا ناظِرًا لِعِبادِهِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّرْغِيبَ في الطّاعاتِ لا يُمْكِنُ إلّا بِرَبْطِ الثَّوابِ بِفِعْلِها، والزَّجْرِ عَنِ القَبائِحِ لا يُمْكِنُ إلّا بِرَبْطِ العِقابِ بِفِعْلِها، وذَلِكَ الثَّوابُ المُرَغَّبُ فِيهِ، والعِقابُ المُهَدَّدُ بِهِ غَيْرُ حاصِلٍ في دارِ الدُّنْيا. فَلا بُدَّ مِن دارٍ أُخْرى يَحْصُلُ فِيها هَذا الثَّوابُ وهَذا العِقابُ، وهو المَطْلُوبُ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُهُ كاذِبًا، وأنَّهُ باطِلٌ. وهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَكْفِي في التَّرْغِيبِ في فِعْلِ الخَيْراتِ وفي الرَّدْعِ عَنِ المُنْكَراتِ ما أوْدَعَ اللَّهُ في العُقُولِ مَن تَحْسِينِ الخَيْراتِ وتَقْبِيحِ المُنْكَراتِ، ولا حاجَةَ مَعَ ذَلِكَ إلى الوَعْدِ والوَعِيدِ ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الغَرَضُ مِنهُ مُجَرَّدُ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ لِيَحْصُلَ بِهِ نِظامُ العالَمِ
صفحة ١٧
كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] فَإمّا أنْ يَفْعَلَ تَعالى ذَلِكَ فَما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ؟ قَوْلُهُ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لَصارَ كَلامُهُ كَذِبًا فَنَقُولُ: ألَسْتُمْ تُخَصِّصُونَ أكْثَرَ عُمُوماتِ القُرْآنِ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ التَّخْصِيصِ، فَإنْ كانَ هَذا كَذِبًا وجَبَ فِيما تَحْكُمُونَ بِهِ مِن تِلْكَ التَّخْصِيصاتِ أنْ يَكُونَ كَذِبًا ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ والعِقابَ عِبارَةٌ عَمّا يَصِلُ إلى الإنْسانِ مِن أنْواعِ الرّاحاتِ واللَّذّاتِ، ومِن أنْواعِ الآلامِ والأسْقامِ، وأقْسامِ الهُمُومِ والغُمُومِ ؟
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّ العَقْلَ وإنْ كانَ يَدْعُوهُ إلى فِعْلِ الخَيْرِ وتَرْكِ الشَّرِّ إلّا أنَّ الهَوى والنَّفْسَ يَدْعُوانِهِ إلى الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، وإذا حَصَلَ هَذا التَّعارُضُ فَلا بُدَّ مِن مُرَجِّحٍ قَوِيٍّ ومُعاضِدٍ كامِلٍ، وما ذاكَ إلّا تَرْتِيبَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إذا جَوَّزَ الإنْسانُ حُصُولَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ مِنَ الوَعْدِ رَغْبَةٌ، ولا مِنَ الوَعِيدِ رَهْبَةٌ؛ لِأنَّ السّامِعَ يُجَوِّزُ كَوْنَهُ كَذِبًا.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ: أنَّ العَبْدَ ما دامَتْ حَياتُهُ في الدُّنْيا فَهو كالأجِيرِ المُشْتَغِلِ بِالعَمَلِ. والأجِيرُ حالَ اشْتِغالِهِ بِالعَمَلِ لا يَجُوزُ دَفْعُ الأُجْرَةِ بِكَمالِها إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا أخَذَها فَإنَّهُ لا يَجْتَهِدُ في العَمَلِ. وأمّا إذا كانَ مَحَلُّ أخْذِ الأُجْرَةِ هو الدّارَ الآخِرَةَ كانَ الِاجْتِهادُ في العَمَلِ أشَدَّ وأكْمَلَ، وأيْضًا نَرى في هَذِهِ الدُّنْيا أنَّ أزْهَدَ النّاسِ وأعْلَمَهم مُبْتَلًى بِأنْواعِ الغُمُومِ والهُمُومِ والأحْزانِ، وأجْهَلَهم وأفْسَقَهم في اللَّذّاتِ والمَسَرّاتِ، فَعَلِمْنا أنَّ دارَ الجَزاءِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الدّارَ، فَلا بُدَّ مِن دارٍ أُخْرى، ومِن حَياةٍ أُخْرى لِيَحْصُلَ فِيها الجَزاءُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يُوجِبُ في حِكْمَةِ الحَكِيمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُحْسِنِ وبَيْنَ المُسِيءِ، وأنْ لا يَجْعَلَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ جَحَدَهُ بِمَنزِلَةِ مَن أطاعَهُ، ولَمّا وجَبَ إظْهارُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ فَحُصُولُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ إمّا أنْ يَكُونَ في دارِ الدُّنْيا، أوْ في دارِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا نَرى الكُفّارَ والفُسّاقَ في الدُّنْيا في أعْظَمِ الرّاحاتِ، ونَرى العُلَماءَ والزُّهّادَ بِالضِّدِّ مِنهُ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، وهو المُرادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها وهي قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ وهو المُرادُ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ طه: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وبِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
فَإنْ قِيلَ: أما أنْكَرْتُمْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لا يَفْصِلُ بَيْنَ المُحْسِنِ وبَيْنَ المُسِيءِ في الثَّوابِ والعِقابِ، كَما لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في حُسْنِ الصُّورَةِ وفي كَثْرَةِ المالِ ؟
والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتَهُ مِمّا يُقَوِّي دَلِيلَنا، فَإنَّهُ ثَبَتَ في صَرِيحِ العَقْلِ وُجُوبُ التَّفْرِقَةِ، ودَلَّ الحِسُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ في الدُّنْيا، بَلْ كانَ الأمْرُ عَلى الضِّدِّ مِنهُ، فَإنّا نَرى العالِمَ والزّاهِدَ في أشَدِّ البَلاءِ، ونَرى الكافِرَ والفاسِقَ في أعْظَمِ النِّعَمِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن دارٍ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها هَذا التَّفاوُتُ، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ هَذا الزّاهِدَ العابِدَ لَوْ أعْطاهُ ما دُفِعَ إلى الكافِرِ الفاسِقِ لَطَغى وبَغى
صفحة ١٨
وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا، وأنَّ ذَلِكَ الكافِرَ الفاسِقَ لَوْ زادَ عَلَيْهِ في التَّضْيِيقِ لَزادَ في الشَّرِّ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ عَبِيدَهُ بِالعُبُودِيَّةِ فَقالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والحَكِيمُ إذا أمَرَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَجْعَلَهُ فارِغَ البالِ مُنْتَظِمَ الأحْوالِ حَتّى يُمْكِنَهُ الِاشْتِغالُ بِأداءِ تِلْكَ التَّكالِيفِ، والنّاسُ جُبِلُوا عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ وتَحْصِيلِ الرّاحاتِ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهم زاجِرٌ مِن خَوْفِ المَعادِ لَكَثُرَ الهَرَجُ والمَرَجُ ولَعَظُمَتِ الفِتَنُ، وحِينَئِذٍ لا يَتَفَرَّغُ المُكَلَّفُ لِلِاشْتِغالِ بِأداءِ العِباداتِ. فَوَجَبَ القَطْعُ بِحُصُولِ دارِ الثَّوابِ والعِقابِ لِتَنْتَظِمَ أحْوالُ العالَمِ حَتّى يَقْدِرَ المُكَلَّفُ عَلى الِاشْتِغالِ بِأداءِ العُبُودِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَكْفِي في بَقاءِ نِظامِ العالَمِ مَهابَةُ المُلُوكِ وسِياساتُهم ؟ وأيْضًا فالأوْباشُ يَعْلَمُونَ أنَّهم لَوْ حَكَمُوا بِحُسْنِ الهَرَجَ والمَرَجِ لانْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ ولَقَدَرَ غَيْرُهم عَلى قَتْلِهِمْ، وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَلِهَذا المَعْنى يَحْتَرِزُونَ عَنْ إثارَةِ الفِتَنِ.
والجَوابُ: أنَّ مُجَرَّدَ مَهابَةِ السَّلاطِينِ لا تَكْفِي في ذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّلْطانَ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ إلى حَيْثُ لا يَخافُ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ خائِفًا مِنهم، فَإنْ كانَ لا يَخافُ الرَّعِيَّةَ مَعَ أنَّهُ لا خَوْفَ لَهُ مِنَ المَعادِ، فَحِينَئِذٍ يُقْدِمُ عَلى الظُّلْمِ والإيذاءِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَةَ النَّفْسانِيَّةَ قائِمَةٌ، ولا رادِعَ لَهُ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأمّا إنْ كانَ يَخافُ الرَّعِيَّةَ فَحِينَئِذٍ الرَّعِيَّةُ لا يَخافُونَ مِنهُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَلا يَصِيرُ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنِ القَبائِحِ والظُّلْمِ. فَثَبَتَ أنَّ نِظامَ العالَمِ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِالرَّغْبَةِ في المَعادِ والرَّهْبَةِ عَنْهُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ السُّلْطانَ القاهِرَ إذا كانَ لَهُ جَمْعٌ مِنَ العَبِيدِ، وكانَ بَعْضُهم أقْوِياءَ وبَعْضُهم ضُعَفاءَ، وجَبَ عَلى ذَلِكَ السُّلْطانِ إنْ كانَ رَحِيمًا ناظِرًا مُشْفِقًا عَلَيْهِمْ أنْ يَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِ الضَّعِيفِ مِنَ الظّالِمِ القادِرِ القَوِيِّ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كانَ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، والرِّضا بِالظُّلْمِ لا يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ النّاظِرِ المُحْسِنِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ سُلْطانٌ قاهِرٌ قادِرٌ حَكِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ والعَبَثِ. فَوَجَبَ أن يَنْتَصِفَ لِعَبِيدِهِ المَظْلُومِينَ مِن عَبِيدِهِ الظّالِمِينَ، وهَذا الِانْتِصافُ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الدّارِ؛ لِأنَّ المَظْلُومَ قَدْ يَبْقى في غايَةِ الذِّلَّةِ والمَهانَةِ، والظّالِمَ يَبْقى في غايَةِ العِزَّةِ والقُدْرَةِ، فَلا بُدَّ مِن دارٍ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها هَذا العَدْلُ وهَذا الإنْصافُ، وهَذِهِ الحُجَّةُ يَصْلُحُ جَعْلُها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها.
فَإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أقْدَرَ الظّالِمَ عَلى الظُّلْمِ في هَذِهِ الدّارِ، وما أعْجَزَهُ عَنْهُ، دَلَّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ.
قُلْنا: الإقْدارُ عَلى الظُّلْمِ عَيْنُ الإقْدارِ عَلى العَدْلِ والطّاعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُقْدِرْهُ تَعالى عَلى الظُّلْمِ لَكانَ قَدْ أعْجَزَهُ عَنْ فِعْلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، فَوَجَبَ في العَقْلِ إقْدارُهُ عَلى الظُّلْمِ والعَدْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْتَقِمُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ هَذا العالَمَ وخَلَقَ كُلَّ مَن فِيهِ مِنَ النّاسِ، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى
صفحة ١٩
خَلَقَهم لا لِمَنفَعَةٍ ولا لِمَصْلَحَةِ، أوْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَهم لِمَصْلَحَةٍ ومَنفَعَةٍ. والأوَّلُ: يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ. والثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ خَلَقَهم لِمَقْصُودٍ ومَصْلَحَةٍ وخَيْرٍ، فَذَلِكَ الخَيْرُ والمَصْلَحَةُ إمّا أنْ يَحْصُلَ في هَذِهِ الدُّنْيا أوْ في دارٍ أُخْرى، والأوَّلُ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ لَذّاتِ هَذا العالَمِ جُسْمانِيَّةٌ، واللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ لا حَقِيقَةَ لَها إلّا إزالَةُ الألَمِ، وإزالَةُ الألَمِ أمْرٌ عَدَمِيٌّ، وهَذا العَدَمُ كانَ حاصِلًا حالَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَلائِقِ مَعْدُومًا، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلتَّخْلِيقِ فائِدَةٌ. والثّانِي: أنَّ لَذّاتِ هَذا العالَمِ مَمْزُوجَةٌ بِالآلامِ والمِحَنِ، بَلِ الدُّنْيا طافِحَةٌ بِالشُّرُورِ والآفاتِ والمِحَنِ والبَلِيّاتِ، واللَّذَّةُ فِيها كالقَطْرَةِ في البَحْرِ. فَعَلِمْنا أنَّ الدّارَ الَّتِي يَصِلُ فِيها الخَلْقُ إلى تِلْكَ الرّاحاتِ المَقْصُودَةِ دارٌ أُخْرى سِوى دارِ الدُّنْيا.
فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى يُؤْلِمُ أهْلَ النّارِ بِأشَدِّ العَذابِ لا لِأجْلِ مَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ ؟ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ لا لِمَصْلَحَةٍ ولا لِحِكْمَةٍ.
قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ ذَلِكَ الضَّرَرَ ضَرَرٌ مُسْتَحَقٌّ عَلى أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، وأمّا الضَّرَرُ الحاصِلُ في الدُّنْيا فَغَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَوَجَبَ أنْ يَعْقُبَهُ خَيْراتٌ عَظِيمَةٌ ومَنافِعُ جابِرَةٌ لِتِلْكَ المَضارِّ السّالِفَةِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ شِرِّيرًا مُؤْذِيًا، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وأكْرَمَ الأكْرَمِينَ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْإنْسانِ مَعادٌ لَكانَ الإنْسانُ أخَسَّ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ في المَنزِلَةِ والشَّرَفِ. واللّازِمُ باطِلٌ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ. بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ مَضارَّ الإنْسانِ في الدُّنْيا أكْثَرُ مِن مَضارِّ جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَإنَّ سائِرَ الحَيَواناتِ قَبْلَ وُقُوعِها في الآلامِ والأسْقامِ تَكُونُ فارِغَةَ البالِ طَيِّبَةَ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَها فِكْرٌ وتَأمُّلٌ. أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ العَقْلِ يَتَفَكَّرُ أبَدًا في الأحْوالِ الماضِيَةِ والأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ أكْثَرِ الأحْوالِ الماضِيَةِ أنْواعٌ مِنَ الحُزْنِ والأسَفِ، ويَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ أكْثَرِ الأحْوالِ الآتِيَةِ أنْواعٌ مِنَ الخَوْفِ؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي أنَّهُ كَيْفَ تَحْدُثُ الأحْوالُ. فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ العَقْلِ لِلْإنْسانِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَضارِّ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا والآلامِ النَّفْسانِيَّةِ الشَّدِيدَةِ القَوِيَّةِ. وأمّا اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ فَهي مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ لِأنَّ السِّرْقِينَ في مَذاقِ الجُعْلِ طَيِّبٌ، كَما أنَّ اللَّوْزِينْجَ في مَذاقِ الإنْسانِ طَيِّبٌ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْإنْسانِ مَعادٌ بِهِ تَكْمُلُ حالَتُهُ وتَظْهَرُ سَعادَتُهُ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَمالُ العَقْلِ سَبَبًا لِمَزِيدِ الهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ مِن غَيْرِ جابِرٍ يَجْبُرُ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ الخِسَّةِ والدَّناءَةِ والشَّقاءِ والتَّعَبِ الخالِيَةِ عَنِ المَنفَعَةِ. فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْلا حُصُولُ السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ لَكانَ الإنْسانُ أخَسَّ الحَيَواناتِ حَتّى الخَنافِسِ والدِّيدانِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا قَطْعًا عَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ، وأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ لا لِلدُّنْيا، وأنَّهُ بِعَقْلِهِ يَكْتَسِبُ مُوجِباتِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ. فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ العَقْلُ شَرِيفًا.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إلى عَبِيدِهِ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ النِّعَمُ مَشُوبَةً بِالآفاتِ والأحْزانِ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنْها، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا بِالمَرْتَبَةِ الأُولى وجَبَ أنْ يُنْعِمَ عَلَيْنا بِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ في دارٍ أُخْرى؛ إظْهارًا لِكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، فَهُناكَ يُنْعِمُ عَلى المُطِيعِينَ ويَعْفُو عَنِ المُذْنِبِينَ، ويُزِيلُ الغُمُومَ والهُمُومَ والشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ. والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ، ويُقَرِّرُ هَذا
صفحة ٢٠
الكَلامَ أنَّ الإنْسانَ حِينَ كانَ جَنِينًا في بَطْنِ أُمِّهِ، كانَ في أضْيَقِ المَواضِعِ وأشَدِّها عُفُونَةً وفَسادًا، ثُمَّ إذا خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ كانَتِ الحالَةُ الثّانِيَةُ أطْيَبَ وأشْرَفَ مِنَ الحالَةِ الأُولى، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُوضَعُ في المَهْدِ ويُشَدُّ شَدًّا وثِيقًا، ثُمَّ بَعْدَ حِينٍ يَخْرُجُ مِنَ المَهْدِ، ويَعْدُو يَمِينًا وشِمالًا، ويَنْتَقِلُ مِن تَناوُلِ اللَّبَنِ إلى تَناوُلِ الأطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وهَذِهِ الحالَةُ الثّالِثَةُ لا شَكَّ أنَّها أطْيَبُ مِنَ الحالَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ حِينٍ يَصِيرُ أمِيرًا نافِذَ الحُكْمِ عَلى الخَلْقِ، أوْ عالِمًا مُشْرِفًا عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ الرّابِعَةَ أطْيَبُ وأشْرَفُ مِنَ الحالَةِ الثّالِثَةِ. وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ بِحُكْمِ هَذا الِاسْتِقْراءِ أنْ يُقالَ: الحالَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ المَوْتِ تَكُونُ أشْرَفَ وأعْلى وأبْهَجَ مِنَ اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ والخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: طَرِيقَةُ الِاحْتِياطِ، فَإنّا إذا آمَنّا بِالمَعادِ وتَأهَّبْنا لَهُ، فَإنْ كانَ هَذا المَذْهَبُ حَقًّا، فَقَدْ نَجَوْنا وهَلَكَ المُنْكِرُ، وإنْ كانَ باطِلًا، لَمْ يَضُرَّنا هَذا الِاعْتِقادُ. غايَةُ ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَفُوتُنا هَذِهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ، إلّا أنّا نَقُولُ: يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يُبالِيَ بِفَوْتِها لِأمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّها في غايَةِ الخَساسَةِ؛ لِأنَّها مُشْتَرَكٌ فِيها بَيْنَ الخَنافِسِ والدِّيدانِ والكِلابِ. والثّانِي: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالُ. فَثَبَتَ أنَّ الِاحْتِياطَ لَيْسَ إلّا في الإيمانِ بِالمَعادِ، ولِهَذا قالَ الشّاعِرُ:
قالَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُما لا تُحْشَرُ الأمْواتُ قُلْتُ إلَيْكُما
إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَيَوانَ ما دامَ يَكُونُ حَيَوانًا، فَإنَّهُ إنْ قُطِعَ مِنهُ شَيْءٌ مِثْلُ ظُفْرٍ أوْ ظِلْفٍ أوْ شَعْرٍ، فَإنَّهُ يَعُودُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وإنْ جُرِحَ انْدَمَلَ، ويَكُونُ الدَّمُ جارِيًا في عُرُوقِهِ وأعْضائِهِ جَرَيانَ الماءِ في عُرُوقِ الشَّجَرِ وأغْصانِهِ، ثُمَّ إذا ماتَ انْقَلَبَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَإنْ قُطِعَ مِنهُ شَيْءٌ مِن شَعْرِهِ أوْ ظُفْرِهِ لَمْ يَنْبُتْ، وإنْ جُرِحَ لَمْ يَنْدَمِلْ ولَمْ يَلْتَحِمْ، ورَأيْتَ الدَّمَ يَتَجَمَّدُ في عُرُوقِهِ، ثُمَّ بِالآخِرَةِ يَؤُولُ حالُهُ إلى الفَسادِ والِانْحِلالِ. ثُمَّ إنّا لَمّا نَظَرْنا إلى الأرْضِ وجَدْناها شَبِيهَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنّا نَراها في زَمانِ الرَّبِيعِ تَفُورُ عُيُونُها وتَرْبُو تِلالُها ويَنْجَذِبُ الماءُ إلى أغْصانِ الأشْجارِ وعُرُوقِها، والماءُ في الأرْضِ بِمَنزِلَةِ الدَّمِ الجارِي في بَدَنِ الحَيَوانِ، ثُمَّ تَخْرُجُ أزْهارُها وأنْوارُها وثِمارُها كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وإنْ جُذَّ مِن نَباتِها شَيْءٌ أخْلَفَ ونَبَتَ مَكانَهُ آخَرُ مِثْلُهُ، وإنْ قُطِعَ غُصْنٌ مِن أغْصانِ الأشْجارِ أخْلَفَ، وإنْ جُرِحَ التَأمَ، وهَذِهِ الأحْوالُ شَبِيهَةٌ بِالأحْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها لِلْحَيَوانِ. ثُمَّ إذا جاءَ الشِّتاءُ واشْتَدَّ البَرْدُ غارَتْ عُيُونُها وجَفَّتْ رُطُوبَتُها وفَسَدَتْ بُقُولُها، ولَوْ قَطَعْنا غُصْنًا مِن شَجَرَةٍ ما أخْلَفَ، فَكانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ شَبِيهَةً بِالمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ. ثُمَّ إنّا نَرى الأرْضَ في الرَّبِيعِ الثّانِي تَعُودُ إلى تِلْكَ الحَياةِ، فَإذا عَقَلْنا هَذِهِ المَعانِيَ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ، فَلِمَ لا نَعْقِلُ مِثْلَهُ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ ؟ بَلْ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ أشْرَفُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ، والحَيَوانَ أشْرَفُ مِنَ النَّباتِ، وهو أشْرَفُ مِنَ الجَماداتِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ في الأرْضِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ حُصُولُها في الإنْسانِ ؟ !
فَإنْ قالُوا: إنْ أجْسادَ الحَيَوانِ تَتَفَرَّقُ وتَتَمَزَّقُ بِالمَوْتِ، وأمّا الأرْضُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ.
فالجَوابُ أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وهو جَوْهَرٌ باقٍ، أوْ إنْ لَمْ نَقُلْ بِهَذا المَذْهَبِ فَهو عِبارَةٌ عَنْ أجْزاءٍ أصْلِيَّةٍ باقِيَةٍ مِن أوَّلِ وقْتِ تَكَوُّنِ الجَنِينِ إلى آخِرِ العُمُرِ، وهي جارِيَةٌ في البَدَنِ، وتِلْكَ الأجْزاءُ
صفحة ٢١
باقِيَةٌ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences