Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:4, continued
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: لا شَكَّ أنَّ بَدَنَ الحَيَوانِ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ النُّطْفَةِ، وهَذِهِ النُّطْفَةُ إنَّما اجْتَمَعَتْ مِن جَمِيعِ البَدَنِ، بِدَلِيلِ أنَّ عِنْدَ انْفِصالِ النُّطْفَةِ يَحْصُلُ الضَّعْفُ والفُتُورُ في جَمِيعِ البَدَنِ، ثُمَّ إنَّ مادَّةَ تِلْكَ النُّطْفَةِ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِنَ الأغْذِيَةِ المَأْكُولَةِ، وتِلْكَ الأغْذِيَةُ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِنَ الأجْزاءِ العُنْصُرِيَّةِ، وتِلْكَ الأجْزاءُ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، واتَّفَقَ لَها أنِ اجْتَمَعَتْ فَتَوَلَّدَ مِنها حَيَوانٌ أوْ نَباتٌ، فَأكَلَهُ إنْسانٌ، فَتَوَلَّدَ مِنهُ دَمٌ، فَتَوَزَّعَ ذَلِكَ الدَّمُ عَلى أعْضائِهِ، فَتَوَلَّدَ مِنها أجْزاءٌ لَطِيفَةٌ. ثُمَّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الشَّهْوَةِ سالَ مِن تِلْكَ الرُّطُوباتِ مِقْدارٌ مُعَيَّنٌ، وهو النُّطْفَةُ، فانْصَبَّ إلى فَمِ الرَّحِمِ، فَتَوَلَّدَ مِنهُ هَذا الإنْسانُ، فَثَبَتَ أنَّ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَوَلَّدَ بَدَنُ الإنْسانِ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في البِحارِ والجِبالِ وأوْجِ الهَواءِ، ثُمَّ إنَّها اجْتَمَعَتْ بِالطَّرِيقِ المَذْكُورِ، فَتَوَلَّدَ مِنها هَذا البَدَنُ، فَإذا ماتَ تَفَرَّقَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى مِثالِ التَّفَرُّقِ الأوَّلِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ القَطْعُ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ مَرَّةً أُخْرى عَلى مِثالِ الِاجْتِماعِ الأوَّلِ، وأيْضًا فَذَلِكَ المَنِيُّ لَمّا وقَعَ في رَحِمِ الأُمِّ، فَقَدْ كانَ قَطْرَةً صَغِيرَةً، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنهُ بَدَنُ الإنْسانِ، وتَعَلَّقَتِ الرُّوحُ بِهِ حالَ ما كانَ ذَلِكَ البَدَنُ في غايَةِ الصِّغَرِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ البَدَنَ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ الرُّطُوبَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنهُ أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ عَمَلِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فِيها، وأيْضًا فَتِلْكَ الأجْزاءُ البَدَنِيَّةُ الباقِيَةُ أبَدًا في طُولِ العُمُرِ تَكُونُ في التَّحَلُّلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ الجُوعُ، ولَما حَصَلَتِ الحاجَةُ إلى الغِذاءِ، مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذا الإنْسانَ الشَّيْخَ، هو عَيْنُ ذَلِكَ الإنْسانِ الَّذِي كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ. ثُمَّ انْفَصَلَ وكانَ طِفْلًا ثُمَّ شابًّا، فَثَبَتَ أنَّ الأجْزاءَ البَدَنِيَّةَ دائِمَةُ التَّحَلُّلِ، وأنَّ الإنْسانَ هو هو بِعَيْنِهِ. فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الإنْسانَ، إمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا مُفارِقًا مُجَرَّدًا، وإمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا نُورانِيًّا لَطِيفًا باقِيًا مَعَ تَحَلُّلِ هَذا البَدَنِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَمْتَنِعُ عَوْدُهُ إلى الجُثَّةِ مَرَّةً أُخْرى، ويَكُونُ هَذا الإنْسانُ العائِدُ عَيْنَ الإنْسانِ الأوَّلِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالمَعادِ صِدْقٌ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ في الحُجَّةِ العاشِرَةِ مِن أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَجَمَعَها اللَّهُ تَعالى وخَلَقَ مِن تَرْكِيبِها هَذا الحَيَوانَ، والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] فَإنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما يَصِحُّ بِالوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ السُّلالَةَ مِنَ الطِّينِ يَتَكَوَّنُ مِنها نَباتٌ، ثُمَّ إنْ ذَلِكَ النَّباتَ يَأْكُلُهُ الإنْسانُ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ الدَّمُ، ثُمَّ الدَّمُ يَنْقَلِبُ نُطْفَةً، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْتَظِمُ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى حَكى كَلامَ المُنْكِرِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ إمْكانَ هَذا المَذْهَبِ.
واعْلَمْ أنَّ إثْباتَ إمْكانِ الشَّيْءِ لا يُعْقَلُ إلّا بِطَرِيقَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّ مِثْلَهُ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أيْضًا مُمْكِنًا. والثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّ ما هو أعْظَمُ مِنهُ وأعْلى حالًا مِنهُ، فَهو أيْضًا مُمْكِنٌ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّرِيقَ الأوَّلَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ثُمَّ فِيهِ دَقِيقَةٌ وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ
صفحة ٢٢
العِلْمِ. ومُنْكِرُو الحَشْرِ والنَّشْرِ لا يُنْكِرُونَهُ إلّا لِجَهْلِهِمْ بِهَذَيْنِ الأصْلَيْنِ؛ لِأنَّهم تارَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى مُوجَبٌ بِالذّاتِ، والمُوجَبُ بِالذّاتِ لا يَصِحُّ مِنهُ القَصْدُ إلى التَّكْوِينِ، وتارَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ زَيْدٍ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو، ولَمّا كانَتْ شُبَهُ الفَلاسِفَةِ مُسْتَخْرَجَةً مِن هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، لا جَرَمَ كُلَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَسْألَةَ المَعادِ أرْدَفَهُ بِتَقْرِيرِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَهُ الطَّرِيقَ الثّانِيَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِالأعْلى عَلى الأدْنى، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ الحَياةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ، والتُّرابُ بارِدٌ يابِسٌ، فَحَصَلَتِ المُضادَّةُ بَيْنَهُما. إلّا أنّا نَقُولُ: الحَرارَةُ النّارِيَّةُ أقْوى في صِفَةِ الحَرارَةِ مِنَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَنِعْ تَوَلُّدُ الحَرارَةِ النّارِيَّةِ عَنِ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ كَمالِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُضادَّةِ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ حُدُوثُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ في جِرْمِ التُّرابِ ؟ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] بِمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَلَّمْتُمْ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِأجْرامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم الِامْتِناعُ مِن كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَسَمَ مادَّةَ الشُّبُهاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] والمُرادُ أنَّ تَخْلِيقَهُ وتَكْوِينَهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الآلاتِ والأدَواتِ ونُطْفَةِ الأبِ ورَحِمِ الأُمِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَلَقَ الأبَ الأوَّلَ لا عَنْ أبٍ سابِقٍ عَلَيْهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ غَنِيًّا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ عَنِ الوَسائِطِ والآلاتِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] أيْ: سُبْحانَهُ مِن أنْ لا يُعِيدَهم، ويُهْمِلَ أمْرَ المَظْلُومِينَ ولا يَنْتَصِفَ لِلْعاجِزِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، وهو المَعْنى المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ قادِرٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ المُتْقَنَ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ العالِمِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْها وإلّا لَكانَ قَدْ خَلَقَها في الأزَلِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا قادِرًا عالِمًا غَنِيًّا، ثُمَّ لَمّا تَأمَّلْنا فَقُلْنا: هَلْ يَجُوزُ في حَقِّ هَذا الحَكِيمِ الغَنِيِّ عَنِ الكُلِّ أنْ يُهْمِلَ عَبِيدَهُ ويَتْرُكَهم سُدًى، ويُجَوِّزَ لَهم أنْ يَكْذِبُوا عَلَيْهِ ويُبِيحَ لَهم أنْ يَشْتُمُوهُ، ويَجْحَدُوا رُبُوبِيَّتَهُ، ويَأْكُلُوا نِعْمَتَهُ ويَعْبُدُوا الجِبْتَ والطّاغُوتَ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، ويُنْكِرُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ ؟ فَهاهُنا حَكَمَتْ بَدِيهَةُ العَقْلِ بِأنَّ هَذِهِ المَعانِيَ لا تَلِيقُ إلّا بِالسَّفِيهِ الجاهِلِ البَعِيدِ مِنَ الحِكْمَةِ. القَرِيبِ مِنَ العَبَثِ، فَحَكَمْنا لِأجْلِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ أنَّ لَهُ أمْرًا ونَهْيًا، ثُمَّ تَأمَّلْنا فَقُلْنا: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ أمْرٌ ونَهْيٌ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ وعْدٌ ووَعِيدٌ ؟ فَحَكَمَ صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْرِنِ الأمْرَ بِالوَعْدِ بِالثَّوابِ، ولَمْ يَقْرِنِ النَّهْيَ بِالوَعِيدِ بِالعِقابِ لَمْ يَتَأكَّدِ الأمْرُ والنَّهْيُ، ولَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ، ثُمَّ تَأمَّلْنا فَقُلْنا: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَفِي بِوَعْدِهِ لِأهْلِ الثَّوابِ ولا بِوَعِيدِهِ لِأهْلِ العِقابِ ؟ فَقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَما حَصَلَ الوُثُوقُ بِوَعْدِهِ ولا بِوَعِيدِهِ، وهَذا يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى فائِدَةٌ في الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَحْقِيقِ الثَّوابِ والعِقابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَشْرِ والبَعْثِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ يَتَعَلَّقُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، كالسِّلْسِلَةِ مَتى صَحَّ بَعْضُها صَحَّ كُلُّها، ومَتى فَسَدَ بَعْضُها فَسَدَ كُلُّها، فَدَلَّ مُشاهَدَةُ أبْصارِنا لِهَذِهِ التَّغَيُّراتِ عَلى حُدُوثِ العالَمِ، ودَلَّ حُدُوثُ العالَمِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ الغَنِيِّ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ الثَّوابِ والعِقابِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ الحَشْرِ. فَإنْ لَمْ يَثْبُتِ الحَشْرُ أدّى ذَلِكَ إلى بُطْلانِ جَمِيعِ
صفحة ٢٣
المُقَدِّماتِ المَذْكُورَةِ، ولَزِمَ إنْكارُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ وإنْكارُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ القَطْعِيَّةِ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذِهِ الأجْسادِ البالِيَةِ والعِظامِ النَّخِرَةِ والأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ المُتَمَزِّقَةِ مِنَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، لِيَصِلَ المُحْسِنُ إلى ثَوابِهِ والمُسِيءُ إلى عِقابِهِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الحالَةُ لَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ والوَعِيدُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلا لَمْ يَحْصُلِ الأمْرُ والنَّهْيُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلا لَمْ تَحْصُلِ الإلَهِيَّةُ، وإنْ لَمْ تَحْصُلِ الإلَهِيَّةُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ التَّغَيُّراتُ في العالَمِ. وهَذِهِ الحُجَّةُ هي المُرادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها وهي قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ هَذا كُلُّهُ تَقْرِيرُ إثْباتِ المَعادِ، بِناءً عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا رَحِيمًا ناظِرًا مُحْسِنًا إلى العِبادِ.
أمّا الفَرِيقُ الثّانِي: وهُمُ الَّذِينَ لا يُعَلِّلُونَ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى بِرِعايَةِ المَصالِحِ، فَطَرِيقُهم إلى إثْباتِ المَعادِ أنْ قالُوا: المَعادُ أمْرٌ جائِزُ الوُجُودِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أخْبَرُوا عَنْهُ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، أمّا إثْباتُ الإمْكانِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: البَحْثُ عَنْ حالِ القابِلِ، فَنَقُولُ: الإنْسانُ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ النَّفْسِ أوْ عَنِ البَدَنِ، فَإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ النَّفْسِ وهو القَوْلُ الحَقُّ، فَنَقُولُ: لَمّا كانَ تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِالبَدَنِ في المَرَّةِ الأُولى جائِزًا كانَ تَعَلُّقُها بِالبَدَنِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جائِزًا. وهَذا الكَلامُ لا يَخْتَلِفُ، سَواءٌ قُلْنا: النَّفْسُ عِبارَةٌ عَنْ جَوْهَرٍ مُجَرَّدٍ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشاكِلٌ لِهَذا البَدَنِ، باقٍ في جَمِيعِ أحْوالِ البَدَنِ، مَصُونٌ عَنِ التَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ، وأمّا إنْ كانَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنِ البَدَنِ، وهَذا القَوْلُ أبْعَدُ الأقاوِيلِ، فَنَقُولُ: إنَّ تَألُّفَ تِلْكَ الأجْزاءِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ في المَرَّةِ الأُولى كانَ مُمْكِنًا، فَوَجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مُمْكِنًا، فَثَبَتَ أنَّ عَوْدَ الحَياةِ إلى هَذا البَدَنِ مَرَّةً أُخْرى أمْرُهُ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: فَهي في بَيانِ أنَّ إلَهَ العالَمِ قادِرٌ مُخْتارٌ. لا عِلَّةٌ مُوجِبَةً، وأنَّ هَذا القادِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي في بَيانِ أنَّ إلَهَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فَلا جَرَمَ أجْزاءُ بَدَنِ زَيْدٍ وإنِ اخْتَلَطَتْ بِأجْزاءِ التُّرابِ والبِحارِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ أمْكَنَهُ تَمْيِيزُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. ومَتى ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ الثَّلاثُ، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا الإمْكانُ فَنَقُولُ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، وهم قَطَعُوا بِوُقُوعِ هَذا المُمْكِنِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِوُقُوعِهِ، وإلّا لَزِمَنا تَكْذِيبُهم، وذَلِكَ باطِلٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. فَهَذا خُلاصَةُ ما وصَلَ إلَيْهِ عَقْلُنا في تَقْرِيرِ أمْرِ المَعادِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لِلْحَشْرِ والنَّشْرِ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قالُوا: لَوْ بُدِّلَتْ هَذِهِ الدّارُ بِدارٍ أُخْرى لَكانَتْ تِلْكَ الدّارُ إمّا أنْ تَكُونَ مِثْلَ هَذِهِ الدّارِ أوْ شَرًّا مِنها أوْ خَيْرًا مِنها، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ التَّبْدِيلُ عَبَثًا، وإنْ كانَ شَرًّا مِنها كانَ هَذا التَّبْدِيلُ سَفَهًا، وإنْ كانَ خَيْرًا مِنها فَفي أوَّلِ الأمْرِ هَلْ كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ ذَلِكَ الأجْوَدِ أوْ ما كانَ قادِرًا عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَهُ وفَعَلَ الأرْدَأ كانَ ذَلِكَ سَفَهًا، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ قادِرًا ثُمَّ صارَ قادِرًا عَلَيْهِ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِنَ العَجْزِ إلى القُدْرَةِ، أوْ مِنَ الجَهْلِ إلى الحِكْمَةِ، وأنَّ ذَلِكَ عَلى خالِقِ العالَمِ مُحالٌ.
والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: تَقْدِيمُ هَذِهِ الدّارِ عَلى تِلْكَ الدّارِ هو المَصْلَحَةُ؛ لِأنَّ الكِمالاتِ
صفحة ٢٤
النَّفْسانِيَّةَ المُوجِبَةَ لِلسَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا في هَذِهِ الدّارِ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الكَمالاتِ كانَ البَقاءُ في هَذِهِ الدّارِ سَبَبًا لِلْفَسادِ والحِرْمانِ عَنِ الخَيْراتِ.
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: حَرَكاتُ الأفْلاكِ مُسْتَدِيرَةٌ، والمُسْتَدِيرُ لا ضِدَّ لَهُ، وما لا ضِدَّ لَهُ لا يَقْبَلُ الفَسادَ.
والجَوابُ: أنّا أبْطَلْنا هَذِهِ الشُّبْهَةَ في الكُتُبِ الفَلْسَفِيَّةِ، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. والأصْلُ في إبْطالِ أمْثالِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ أنْ نُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ أجْرامَ الأفْلاكِ مَخْلُوقَةٌ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ كَوْنُها قابِلَةً لِلْعَدَمِ والتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. ولِهَذا السِّرِّ فَإنَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ بَدَأ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى حُدُوثِ الأفْلاكِ، ثُمَّ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: الإنْسانُ عِبارَةٌ عَنْ هَذا البَدَنِ، وهو لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الأجْزاءِ كَيْفَ كانَتْ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأجْزاءَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ حُدُوثِ هَذا الإنْسانِ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذا الإنْسانَ ما كانَ مَوْجُودًا، وأيْضًا أنَّهُ إذا أُحْرِقَ هَذا الجَسَدُ فَإنَّهُ تَبَقى تِلْكَ الأجْزاءُ البَسِيطَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الأجْزاءِ البَسِيطَةِ مِنَ الأرْضِ والماءِ والهَواءِ والنّارِ، ما كانَ عِبارَةً عَنْ هَذا الإنْسانِ العاقِلِ النّاطِقِ، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ إنَّما تُكَوِّنُ هَذا الإنْسانَ بِشَرْطِ وُقُوعِها عَلى تَأْلِيفٍ مَخْصُوصٍ ومِزاجٍ مَخْصُوصٍ وصُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَإذا ماتَ الإنْسانُ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ فَقَدْ عُدِمَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ والأعْراضُ، وعَوْدُ المَعْدُومِ مُحالٌ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَوْدُ بَعْضِ الأجْزاءِ المُعْتَبَرَةِ في حُصُولِ هَذا الإنْسانِ، فَوَجَبَ أنْ يَمْتَنِعَ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ مَرَّةً أُخْرى.
والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ عِبارَةٌ عَنْ هَذا الجَسَدِ المُشاهَدِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ. سَواءً فَسَّرْنا النَّفْسَ بِأنَّهُ جَوْهَرٌ مُفارِقٌ مُجَرَّدٌ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مَخْصُوصٌ مُشاكِلٌ لِهَذا الجَسَدِ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ.
الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُتِلَ إنْسانٌ واغْتَذى بِهِ إنْسانٌ آخَرُ. فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الأجْزاءُ في بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ، وذَلِكَ مُحالٌ.
والجَوابُ: هَذِهِ الشُّبْهَةُ أيْضًا مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ المُعَيَّنَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ هَذا البَدَنِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ باطِلٌ. بَلِ الحَقُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ سَواءٌ.
قُلْنا: النَّفْسُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ وأجْسامٌ لَطِيفَةٌ باقِيَةٌ مُشاكِلَةٌ لِلْجَسَدِ، وهي الَّتِي سَمَّتْها المُتَكَلِّمُونَ بِالأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ. وهَذا آخِرُ البَحْثِ العَقْلِيِّ عَنْ مَسْألَةِ المَعادِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجِهَةٍ، حَتّى يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إلَيْهِ مَرْجِعُ الخَلْقِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا. النَّفْسُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ، فالسُّؤالُ زائِلٌ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: أنَّ مَرْجِعَهم إلى حَيْثُ لا حاكِمَ سِواهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ مَرْجِعَهم إلى حَيْثُ حَصَلَ الوَعْدُ فِيهِ بِالمُجازاةِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآياتِ الكَثِيرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ لا عَنِ البَدَنِ، ويَدُلُّ أيْضًا
صفحة ٢٥
عَلى أنَّ النَّفْسَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ. أمّا أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا البَدَنِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ فالعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ بَدَنَ المَقْتُولِ مَيِّتٌ، والنَّصُّ دالٌّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ حَقِيقَتُهُ شَيْئًا مُغايِرًا لِهَذا البَدَنِ المَيِّتِ، وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ نَزْعِ رُوحِ الكُفّارِ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وأمّا أنَّ النَّفْسَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ، فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى ما قُلْنا؛ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلى المَوْضِعِ إنَّما يَحْصُلُ لَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ قَدْ كانَ هُناكَ قَبْلَ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] .
البَحْثُ الثّالِثُ: المَرْجِعُ بِمَعْنى الرُّجُوعِ، و﴿جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ذَلِكَ الرُّجُوعُ يَحْصُلُ حالَ الِاجْتِماعِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا المَرْجِعِ المَوْتَ، وإنَّما المُرادُ مِنهُ القِيامَةُ.
البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وأنَّهُ لا رُجُوعَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، ولا حُكْمَ إلّا حُكْمُهُ ولا نافِذَ إلّا أمْرُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ وعْدًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَعْناهُ الوَعْدُ بِالرُّجُوعِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: (حَقًّا) مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ فَهَذِهِ التَّأْكِيداتُ قَدْ اجْتَمَعَتْ في هَذا الحُكْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وعَدَ اللَّهُ) عَلى لَفْظِ الفِعْلِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُمْكِنَ الوُجُودِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ. أمّا ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ في نَفْسِهِ فَهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلْأفْلاكِ والأرَضِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا كَوْنُهُ خالِقًا لِكُلِّ ما في هَذا العالَمِ مِنَ الجَماداتِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وقَدْ ثَبَتَ في العَقْلِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى شَيْءٍ، وكانَتْ قُدْرَتُهُ باقِيَةً مُمْتَنِعَةَ الزَّوالِ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ إعادَتُهُ بِعَيْنِهِ، فَدَلَّ هَذا الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إعْدامِ أجْسامِ العالَمِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى هَلْ يَعْدِمُها أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ بِأنَّهُ يُعِيدُها، فَوَجَبَ أنْ يُعِيدَ الأجْسامَ أيْضًا، وإعادَتُها لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ إعْدامِها، وإلّا لَزِمَ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَحَكَمَ بِأنَّ الإعادَةَ تَكُونُ مِثْلَ الِابْتِداءِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُها في الِابْتِداءِ مِنَ العَدَمِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعِيدُها أيْضًا مِنَ العَدَمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ لِيَأْمُرَهم بِالعِبادَةِ، ثُمَّ يُمِيتُهم، ثُمَّ يُعِيدُهم، كَما قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] إلّا أنَّهُ تَعالى حَذَفَ ذِكْرَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ هاهُنا، لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾
صفحة ٢٦
﴿فاعْبُدُوهُ﴾ [يونس: ٣] وحَذَفَ ذِكْرَ الإماتَةِ لِأنَّ ذِكْرَ الإعادَةِ يَدُلُّ عَلَيْها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بِالكَسْرِ وبَعْضُهم بِالفَتْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الهَمْزَةَ مِن ”إنِّ“ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، وفي الفَتْحِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، و(يُبْدِئُ) مِن أبْدَأ، وقُرِئَ: (حَقٌّ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) كَقَوْلِكَ: حَقٌّ إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، حَتّى يَحْصُلَ الفَرْقُ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، وحَتّى يَصِلَ الثَّوابُ إلى المُطِيعِ والعِقابُ إلى العاصِي، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الكَعْبِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العِبادَ لِلثَّوابِ والرَّحْمَةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ أدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ عَلى الثَّوابِ. وأمّا العِقابُ فَما أدْخَلَ فِيهِ لامَ التَّعْلِيلِ، بَلْ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ لا لِلْعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ مِنهُمُ الكُفْرَ، وما خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ البَتَّةَ.
والجَوابُ: أنَّ لامَ التَّعْلِيلِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِعِلَّةٍ، لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَتْ حادِثَةً لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ أيْضًا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْدَأ خَلْقَهم في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَسُنَ إيصالُ تِلْكَ النِّعَمِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ واسِطَةِ خَلْقِهِمْ في هَذا العالَمِ ومِن غَيْرِ واسِطَةِ تَكْلِيفِهِمْ، لَما كانَ خَلْقُهم وتَكْلِيفُهم مُعَلَّلًا بِإيصالِ تِلْكَ النِّعَمِ إلَيْهِمْ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
والجَوابُ: هَذا بِناءً عَلى صِحَّةِ تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، وهو باطِلٌ. سَلَّمْنا صِحَّتَهُ، إلّا أنَّ كَلامَهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ عَلَّلْنا بَدْءَ الخَلْقِ وإعادَتَهُ بِهَذا المَعْنى وذَلِكَ مَمْنُوعٌ. فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ لِمَحْضِ التَّفَضُّلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُعِيدُهم لِغَرَضِ إيصالِ نِعَمِ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالقِسْطِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ، وهو يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ والمَعْنى: لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ، وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ القِسْطَ إذا كانَ مُفَسَّرًا بِالعَدْلِ، فالعَدْلُ هو الَّذِي يَكُونُ لا زائِدًا ولا ناقِصًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُهم عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ، ولا يُعْطِيهِمْ شَيْئًا عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ ابْتِداءً.
والجَوابُ: عِنْدَنا أنَّ الثَّوابَ أيْضًا مَحْضُ التَّفَضُّلِ. وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَ عَلى حُصُولِ الِاسْتِحْقاقِ، إلّا أنَّ لَفْظَ ﴿القِسْطَ﴾ يَدُلُّ عَلى تَوْفِيَةِ الأجْرِ، فَأمّا المَنعُ مِنَ الزِّيادَةِ فَلَفْظُ ﴿القِسْطَ﴾ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالقِسْطِ مَعَ أنَّهُ تَعالى يُجازِي الكافِرِينَ أيْضًا بِالقِسْطِ ؟
والجَوابُ: أنَّ تَخْصِيصَ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ في حَقِّهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ هَذا الِاحْتِياطِ.
صفحة ٢٧
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بِقِسْطِهِمْ وبِما أقْسَطُوا وعَدَلُوا ولَمْ يَظْلِمُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والعُصاةُ أيْضًا قَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهَذا الوَجْهُ أقْوى؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الحَمِيمُ: الَّذِي سُخِّنَ بِالنّارِ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ. يُقالُ: حَمَمْتُ الماءَ؛ أيْ: سَخَّنْتُهُ، فَهو حَمِيمٌ. ومِنهُ الحَمّامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ مُؤْمِنًا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ كافِرًا؛ لِأنَّهُ تَعالى اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ ذِكْرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الثّالِثِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الرّابِعِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ في مِثْلِ ذَلِكَ رُبَّما يُذْكَرُ المَقْصُودُ أوِ الأكْثَرُ، ويُتْرَكُ ذِكْرُ ما عَداهُ إذا كانَ قَدْ بُيِّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى القِسْمَ الثّالِثَ في سائِرِ الآياتِ.
والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّما يُتْرَكُ القِسْمُ الثّالِثُ الَّذِي يَجْرِي مَجْرى النّادِرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الفُسّاقَ أكْثَرُ مِن أهْلِ الطّاعاتِ، وكَيْفَ يَجُوزُ تَرْكُ ذِكْرِهِمْ في هَذا البابِ ؟ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ فَإنَّما تَرَكَ ذِكْرَ القِسْمِ الرّابِعِ والخامِسِ؛ لِأنَّ أقْسامَ ذَواتِ الأرْجُلِ كَثِيرَةٌ، فَكانَ ذِكْرُها بِأسْرِها يُوجِبُ الإطْنابَ، بِخِلافِ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ هاهُنا إلّا القِسْمُ الثّالِثُ، وهو الفاسِقُ الَّذِي يَزْعُمُ الخَصْمُ أنَّهُ لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences