Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:5–8
10:5Page 208
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥
It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْها صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى الإلَهِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ المُتَقَدِّمَةَ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والإلَهِيَّةِ هي التَّمَسُّكُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا النَّوْعُ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وهَذا النَّوْعُ الأخِيرُ إشارَةٌ إلى ما يُؤَكِّدُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى
صفحة ٢٨
صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ القَوْلَ بِصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، بِناءً عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إيصالِ الثَّوابِ إلى أهْلِ الطّاعَةِ، وإيصالِ العِقابِ إلى أهْلِ الكُفْرِ، وأنَّهُ يَجِبُ في الحِكْمَةِ تَمْيِيزُ المُحْسِنِ عَنِ المُسِيءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ؛ لِيَتَوَصَّلَ المُكَلَّفُ بِذَلِكَ إلى مَعْرِفَةِ السِّنِينَ والحِسابِ، فَيُمْكِنُهُ تَرْتِيبُ مُهِمّاتِ مَعاشِهِ مِنَ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ، وإعْدادِ مُهِمّاتِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَمْيِيزُ المُحْسِنِ عَنِ المُسِيءِ والمُطِيعِ عَنِ العاصِي أوْجَبُ في الحِكْمَةِ مِن تَعْلِيمِ أحْوالِ السِّنِينَ والشُّهُورِ. فَلَمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والرَّحْمَةُ خَلْقَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِهَذا المُهِمِّ الَّذِي لا نَفْعَ لَهُ إلّا في الدُّنْيا. فَبِأنْ تَقْتَضِيَ الحِكْمَةُ والرَّحْمَةُ تَمْيِيزَ المُحْسِنِ عَنِ المُسِيءِ بَعْدَ المَوْتِ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي النَّفْعَ الأبَدِيَّ والسَّعادَةَ السَّرْمَدِيَّةَ كانَ ذَلِكَ أوْلى. فَلَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِنَ الوَجْهِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ مِن وجْهٍ، وعَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ هَذا الدَّلِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُقَدِّرِ هو أنْ يُقالَ: الأجْسامُ في ذَواتِها مُتَماثِلَةٌ، وفي ماهِيّاتِها مُتَساوِيَةٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ جِسْمِ الشَّمْسِ بِضَوْئِهِ الباهِرِ وشُعاعِهِ القاهِرِ، واخْتِصاصُ جِسْمِ القَمَرِ بِنُورِهِ المَخْصُوصِ لِأجْلِ الفاعِلِ الحَكِيمِ المُخْتارِ، أمّا بَيانُ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في ذَواتِها وماهِيّاتِها، فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأجْسامَ لا شَكَّ أنَّها مُتَساوِيَةٌ في الحَجْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والجِرْمِيَّةِ، فَلَوْ خالَفَ بَعْضُها بَعْضًا لَكانَتْ تِلْكَ المُخالَفَةُ في أمْرٍ وراءَ الحَجْمِيَّةِ والجِرْمِيَّةِ؛ ضَرُورَةَ أنَّ ما بِهِ المُخالَفَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُشارَكَةُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ ما بِهِ حَصَلَتِ المُخالَفَةُ مِنَ الأجْسامِ، إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها أوْ مَوْصُوفًا بِها، أوْ لا صِفَةً لَها ولا مَوْصُوفًا بِها، والكُلُّ باطِلٌ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَلِأنَّ ما بِهِ حَصَلَتِ المُخالَفَةُ لَوْ كانَتْ صِفاتٍ قائِمَةً بِتِلْكَ الذَّواتِ، فَتَكُونُ الذَّواتُ في أنْفُسِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ، مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكُلُّ ما يَصِحُّ عَلى جِسْمٍ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ جِسْمٍ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِي بِهِ خالَفَ بَعْضُ الأجْسامِ بَعْضًا، أُمُورٌ مَوْصُوفَةٌ بِالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والمِقْدارِ. فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْصُوفَ، إمّا أنْ يَكُونَ حَجْمًا ومُتَحَيِّزًا أوْ لا يَكُونَ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ افْتِقارُهُ إلى مَحَلٍّ آخَرَ، ويَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ. وأيْضًا فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَحَلُّ مَثَلًا لِلْحالِّ، ولَمْ يَكُنْ كَوْنُ أحَدِهِما مَحَلًّا والآخَرِ حالًّا أوْلى مِنَ العَكْسِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَحَلًّا لِلْآخَرِ وحالًّا فِيهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ المَحَلُّ غَيْرَ مُتَحَيِّزٍ، ولَهُ حَجْمٌ. فَنَقُولُ: مِثْلُ هَذا الشَّيْءِ لا يَكُونُ لَهُ اخْتِصاصٌ بِحَيِّزٍ ولا تَعَلُّقٌ بِجِهَةٍ، والجِسْمُ مُخْتَصٌّ بِالحَيِّزِ وحاصِلٌ في الجِهَةِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ واجِبَ الحُصُولِ في الحَيِّزِ والجِهَةِ، يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حالًّا في الشَّيْءِ الَّذِي يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في الحَيِّزِ والجِهَةِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ، وهو أنْ يُقالَ: ما بِهِ خالَفَ جِسْمٌ جِسْمًا، لا حالٌّ في الجِسْمِ ولا مَحَلٌّ لَهُ، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ شَيْئًا مُبايِنًا عَنِ الجِسْمِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ ذَواتُ الأجْسامِ مِن حَيْثُ ذَواتِها مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، فَثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ بِأسْرِها
صفحة ٢٩
مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأشْياءُ المُتَساوِيَةُ في تَمامِ الماهِيَّةِ تَكُونُ مُتَساوِيَةً في جَمِيعِ لَوازِمَ الماهِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى بَعْضِها وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى الباقِي، فَلَمّا صَحَّ عَلى جِرْمِ الشَّمْسِ اخْتِصاصُهُ بِالضَّوْءِ القاهِرِ الباهِرِ، وجَبَ أنْ يَصِحَّ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّوْءِ القاهِرِ عَلى جِرْمِ القَمَرِ أيْضًا، وبِالعَكْسِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ جِرْمِ الشَّمْسِ بِضَوْئِهِ القاهِرِ، واخْتِصاصُ القَمَرِ بِنُورِهِ الضَّعِيفِ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وإيجادِ مُوجِدٍ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، فَثَبَتَ أنَّ اخْتِصاصَ الشَّمْسِ بِذَلِكَ الضَّوْءِ بِجَعْلِ جاعِلٍ، وأنَّ اخْتِصاصَ القَمَرِ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِن النُّورِ بِجَعْلِ جاعِلٍ، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ وهو المَطْلُوبُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الضِّياءُ لا يَخْلُو مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ ضَوْءٍ كَسَوْطٍ وسِياطٍ وحَوْضٍ وحِياضٍ، أوْ مَصْدَرَ ضاءَ يَضُوءُ ضِياءً، كَقَوْلِكَ: قامَ قِيامًا، وصامَ صِيامًا، وعَلى أيِّ الوَجْهَيْنِ حَمَلْتَهُ، فالمُضافُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى جَعَلَ الشَّمْسَ ذاتَ ضِياءٍ، والقَمَرَ ذا نُورٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا عَظُمَ الضَّوْءُ والنُّورُ فِيهِما جُعِلا نَفْسَ الضِّياءِ والنُّورِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الكَرِيمِ: إنَّهُ كَرَمٌ وجُودٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ (ضِئاءً) بِهَمْزَتَيْنِ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى تَغْلِيطِهِ فِيهِ؛ لِأنَّ ياءَ ضِياءٍ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ مِثْلَ ياءِ قِيامٍ وصِيامٍ، فَلا وجْهَ لِلْهَمْزَةِ فِيها. ثُمَّ قالَ: وعَلى البُعْدِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قُدِّمَ اللّامُ الَّتِي هي الهَمْزَةُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ، وأُخِّرَ العَيْنُ الَّتِي هي واوٌ إلى مَوْضِعِ اللّامِ، فَلَمّا وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ ألِفٍ زائِدَةٍ انْقَلَبَتْ هَمْزَةً، كَما انْقَلَبَتْ في سِقاءٍ وبابِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ النُّورَ كَيْفِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلْأشَدِّ والأضْعَفِ، فَإنَّ نُورَ الصَّباحِ أضْعَفُ مِن النُّورِ الحاصِلِ في أفَنِيَةِ الجُدْرانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وهو أضْعَفُ مِنَ النُّورِ السّاطِعِ مِنَ الشَّمْسِ عَلى الجُدْرانِ، وهو أضْعَفُ مِنَ الضَّوْءِ القائِمِ بِجِرْمِ الشَّمْسِ، فَكَما هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالضَّوْءِ عَلى ما يُحَسُّ بِهِ في جِرْمِ الشَّمْسِ، وهو في الإمْكانِ وُجُودُ مَرْتَبَةٍ في الضَّوْءِ أقْوى مِنَ الكَيْفِيَّةِ القائِمَةِ بِالشَّمْسِ، فَهو مِن مَواقِفِ العُقُولِ. واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الشُّعاعَ الفائِضَ مِنَ الشَّمْسِ: هَلْ هو جِسْمٌ أوْ عَرَضٌ ؟ والحَقُّ أنَّهُ عَرَضٌ، وهو كَيْفِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ عَرَضٌ، فَهَلْ حُدُوثُهُ في هَذا العالَمِ بِتَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِخَلْقِ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ في الأجْرامِ المُقابِلَةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ عَلى سَبِيلِ العادَةِ ؟ فَهي مَباحِثُ عَمِيقَةٌ، وإنَّما يَلِيقُ الِاسْتِقْصاءُ فِيها بِعُلُومِ المَعْقُولاتِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النُّورُ اسْمٌ لِأصْلِ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الضَّوْءُ، فَهو اسْمٌ لِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ إذا كانَتْ كامِلَةً تامَّةً قَوِيَّةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى سَمّى الكَيْفِيَّةَ القائِمَةَ بِالشَّمْسِ (ضِياءً) والكَيْفِيَّةَ القائِمَةَ بِالقَمَرِ ﴿نُورًا﴾ ولا شَكَّ أنَّ الكَيْفِيَّةَ القائِمَةَ بِالشَّمْسِ أقْوى وأكْمَلُ مِنَ الكَيْفِيَّةِ القائِمَةِ بِالقَمَرِ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿وجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] .
صفحة ٣٠
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ نَظِيرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقَدَّرَ مَسِيرَهُ مَنازِلَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ لَهُما، وإنَّما وحَّدَ الضَّمِيرَ لِلْإيجازِ، وإلّا فَهو في مَعْنى التَّثْنِيَةِ اكْتِفاءً بِالمَعْلُومِ؛ لِأنَّ عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ إنَّما يُعْرَفُ بِسَيْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى القَمَرِ وحْدَهُ؛ لِأنَّ بِسَيْرِ القَمَرِ تُعْرَفُ الشُّهُورُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّهُورَ المُعْتَبَرَةَ في الشَّرِيعَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى رُؤْيَةِ الأهِلَّةِ، والسَّنَةُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرِيعَةِ هي السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] .
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ انْتِفاعَ الخَلْقِ بِضَوْءِ الشَّمْسِ وبِنُورِ القَمَرِ عَظِيمٌ، فالشَّمْسُ سُلْطانُ النَّهارِ والقَمَرُ سُلْطانُ اللَّيْلِ. وبِحَرَكَةِ الشَّمْسِ تَنْفَصِلُ السَّنَةُ إلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وبِالفُصُولِ الأرْبَعَةِ تَنْتَظِمُ مَصالِحُ هَذا العالَمِ. وبِحَرَكَةِ القَمَرِ تَحْصُلُ الشُّهُورُ، وبِاخْتِلافِ حالِهِ في زِيادَةِ الضَّوْءِ ونُقْصانِهِ تَخْتَلِفُ أحْوالُ رُطُوباتِ هَذا العالَمِ. وبِسَبَبِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ يَحْصُلُ النَّهارُ واللَّيْلُ، فالنَّهارُ يَكُونُ زَمانًا لِلتَّكَسُّبِ والطَّلَبِ، واللَّيْلُ يَكُونُ زَمانًا لِلرّاحَةِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في مَنافِعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في تَفْسِيرِ الآياتِ اللّائِقَةِ بِها فِيما سَلَفَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ وعِظَمِ عِنايَتِهِ بِهِمْ، فَإنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ. ومَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ كُلِّ جِسْمٍ بِشَكْلِهِ المُعَيَّنِ ووَضْعِهِ المُعَيَّنِ، وحَيِّزِهِ المُعَيَّنِ، وصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ، لَيْسَ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ قادِرٍ قاهِرٍ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الحاصِلَةِ في هَذا العالَمِ بِسَبَبِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ، ومَسِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، ما حَصَلَ إلّا بِتَدْبِيرِ المُدَبِّرِ المُقَدِّرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ ومُطابَقَةِ المَصْلَحَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١] وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ مُرِيدًا لِكُلِّ ظُلْمٍ وخالِقًا لِكُلِّ قَبِيحٍ، ومُرِيدًا لِإضْلالِ مَن ضَلَّ، لَما صَحَّ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ: ما خَلَقَ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْدَعَ في أجْرامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ خَواصَّ مُعَيَّنَةً وقُوًى مَخْصُوصَةً، بِاعْتِبارِها تَنْتَظِمُ مَصالِحُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ. إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَها آثارٌ وفَوائِدُ في هَذا العالَمِ، لَكانَ خَلْقُها عَبَثًا وباطِلًا وغَيْرَ مُفِيدٍ، وهَذِهِ النُّصُوصُ تُنافِي ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ، ومَعْنى التَّفْصِيلِ هو ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ واحِدًا عَقِيبَ الآخَرِ فَصْلًا فَصْلًا مَعَ الشَّرْحِ والبَيانِ.
وفِي قَوْلِهِ: (نُفَصِّلُ) قِراءَتانِ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يُفَصِّلُ“ بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ العَقْلُ الَّذِي يَعُمُّ الكُلَّ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن تَفَكَّرَ وعَلِمِ فَوائِدَ مَخْلُوقاتِهِ وآثارَ إحْسانِهِ. وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: عُمُومُ اللَّفْظِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّهُ
صفحة ٣١
لا يَمْتَنِعُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى العُلَماءَ بِهَذا الذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهَذِهِ الدَّلائِلِ، فَجاءَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنْذِرًا لِلْكُلِّ.
10:6Page 208
إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦
Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى التَّوْحِيدِ والإلَهِيّاتِ أوَّلًا: بِتَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وثانِيًا: بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وثالِثًا: في هَذِهِ الآيَةِ بِالمَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ورابِعًا: بِكُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، وهي أقْسامُ الحَوادِثِ الحادِثَةِ في هَذا العالَمِ، وهي مَحْصُورَةٌ في أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها: الأحْوالُ الحادِثَةُ في العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، ويَدْخُلُ فِيها أحْوالُ الرَّعْدِ والبَرْقِ والسَّحابِ والأمْطارِ والثُّلُوجِ. ويَدْخُلُ فِيها أيْضًا أحْوالُ البِحارِ، وأحْوالُ المَدِّ والجَزْرِ، وأحْوالُ الصَّواعِقِ والزَّلازِلِ والخَسْفِ. وثانِيها: أحْوالُ المَعادِنِ، وهي عَجِيبَةٌ كَثِيرَةٌ. وثالِثُها: اخْتِلافُ أحْوالِ النَّباتِ. ورابِعُها: اخْتِلافُ أحْوالِ الحَيَواناتِ، وجُمْلَةُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ داخِلَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والِاسْتِقْصاءُ في شَرْحِ هَذِهِ الأحْوالِ مِمّا لا يُمْكِنُ في ألْفِ مُجَلَّدٍ، بَلْ كُلُّ ما ذَكَرَهُ العُقَلاءُ في أحْوالِ أقْسامِ هَذا العالَمِ فَهو جُزْءٌ مُخْتَصَرٌ مِن هَذا البابِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ فَخَصَّها بِالمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهم يَحْذَرُونَ العاقِبَةَ فَيَدْعُوهُمُ الحَذَرُ إلى التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ. قالَ القَفّالُ: مَن تَدَبَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمَ أنَّ الدُّنْيا مَخْلُوقَةٌ لِشَقاءِ النّاسِ فِيها، وأنَّ خالِقَها وخالِقَهم ما أهْمَلَهم، بَلْ جَعَلَها لَهم دارَ عَمَلٍ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، ثُمَّ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، لِيَتَمَيَّزَ المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ في الحَقِيقَةِ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِإثْباتِ المَبْدَأِ وإثْباتِ المَعادِ.
10:7–8Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧
Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨
For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِإثْباتِ الإلَهِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ، وعَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، شَرَعَ بَعْدَهُ في شَرْحِ أحْوالِ مَن يَكْفُرُ بِها، وفي شَرْحِ أحْوالِ مَن يُؤْمِنُ بِها. فَأمّا شَرْحُ أحْوالِ الكافِرِينَ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٣٢
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا الرَّجاءِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ البَعْثَ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها. والدَّلِيلُ عَلى تَفْسِيرِ الرَّجاءِ هاهُنا بِالخَوْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] وتَفْسِيرُ الرَّجاءِ بِالخَوْفِ جائِزٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] قالَ الهُذَلِيُّ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
والقَوْلُ الثّانِي: تَفْسِيرُ الرَّجاءِ بِالطَّمَعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ: لا يَطْمَعُونَ في ثَوابِنا، فَيَكُونُ هَذا الرَّجاءُ هو الَّذِي ضِدُّهُ اليَأْسُ، كَما قالَ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَفْسِيرَ الضِّدِّ بِالضِّدِّ غَيْرُ جائِزٍ، ولا مانِعَ هاهُنا مِن حَمْلِ الرَّجاءِ عَلى ظاهِرِهِ البَتَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ لِقاءَ اللَّهِ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ تَجَلِّيَ جَلالِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ، وإشْراقَ نُورِ كِبْرِيائِهِ في رُوحِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الوُصُولَ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وإلى رَحْمَتِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو أعْظَمُ الدَّرَجاتِ وأشْرَفُ السَّعاداتِ وأكْمَلُ الخَيْراتِ، فالعاقِلُ كَيْفَ لا يَرْجُوهُ ؟ وكَيْفَ لا يَتَمَنّاهُ ؟ وإنْ كانَ الثّانِيَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَصِّلَهُ إلى ثَوابِهِ ومَقاماتِ رَحْمَتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَهو يَرْجُو ثَوابَهُ، وكُلُّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ولا بِالمَعادِ فَقَدْ أبْطَلَ عَلى نَفْسِهِ هَذا الرَّجاءَ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ عَدَمِ هَذا الرَّجاءِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللِّقاءُ هو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحَدِّ والنِّهايَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ مَجازًا عَنِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مَجازٌ ظاهِرٌ. فَإنَّهُ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا: إذا رَأيْتُهُ، وحَمْلُهُ عَلى لِقاءِ ثَوابِ اللَّهِ يَقْتَضِي زِيادَةً في الإضْمارِ وهو خِلافُ الدَّلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أنَّ سَعادَةَ النَّفْسِ بَعْدَ المَوْتِ في أنْ تَتَجَلّى فِيها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، ويَكْمُلُ إشْراقُها ويَقْوى لَمَعانُها، وذَلِكَ هو الرُّؤْيَةُ، وهي مَن أعْظَمِ السَّعاداتِ. فَمَن كانَ غافِلًا عَنْ طَلَبِها مُعْرِضًا عَنْها مُكْتَفِيًا بَعْدَ المَوْتِ بِوُجْدانِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ كانَ مِنَ الضّالِّينَ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ الأُولى إشارَةٌ إلى خُلُوِّ قَلْبِهِ عَنْ طَلَبِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وفَراغِهِ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الحاصِلَةِ بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، وأمّا هَذِهِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ فَهي إشارَةٌ إلى اسْتِغْراقِهِ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ واكْتِفائِهِ بِها، واسْتِغْراقِهِ في طَلَبِها.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: صِفَةُ السُّعَداءِ أنْ يَحْصُلَ لَهم عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ والخَوْفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] ثُمَّ إذا قَوِيَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَصَلَتِ الطُّمَأْنِينَةُ في ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وصِفَةُ الأشْقِياءِ أنْ تَحْصُلَ لَهُمُ الطُّمَأْنِينَةُ في حُبِّ الدُّنْيا، وفي الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ لَذّاتِها كَما قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾
صفحة ٣٣
فَحَقِيقَةُ الطُّمَأْنِينَةِ أنْ يَزُولَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الوَجَلُ، فَإذا سَمِعُوا الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ لَمْ تَوْجَلْ قُلُوبُهم وصارَتْ كالمَيِّتَةِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُقْتَضى اللُّغَةِ أنْ يُقالَ: واطْمَأنُّوا إلَيْها، إلّا أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يَحْسُنُ إقامَةُ بَعْضِها مَقامَ البَعْضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ .
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم صارُوا في الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ لِقاءِ اللَّهَ تَعالى بِمَنزِلَةِ الغافِلِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَخْطُرُ بِبالِهِ طُولَ عُمُرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ بُعْدِهِ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِسْعادِ بِالسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، وعَلى شِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في طَلَبِ هَذِهِ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ والسَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: النِّيرانُ عَلى أقْسامٍ: النّارُ الَّتِي هي جِسْمٌ مَحْسُوسٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ صاعِدًا بِالطَّبْعِ، والإقْرارُ بِهِ واجِبٌ، لِأجْلِ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ أنَّ الإقْرارَ بِالجَنَّةِ والنّارِ حَقٌّ.
القِسْمُ الثّانِي: النّارُ الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا حُبًّا شَدِيدًا، ثُمَّ ضاعَ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ وباطِنُهُ، وكُلُّ عاقِلٍ يَقُولُ: إنَّ فُلانًا مُحْتَرِقُ القَلْبِ مُحْتَرِقُ الباطِنِ بِسَبَبِ فِراقِ ذَلِكَ المَحْبُوبِ. وألَمُ هَذِهِ النّارِ أقْوى بِكَثِيرٍ مِن ألَمِ النّارِ المَحْسُوسَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الأرْواحَ الَّتِي كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في حُبِّ الجُسْمانِيّاتِ وكانَتْ غافِلَةً عَنْ حُبِّ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الإنْسانُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَ ذَلِكَ الرُّوحِ وبَيْنَ مَعْشُوقاتِهِ ومَحْبُوباتِهِ، وهي أحْوالُ هَذا العالَمِ، ولَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ العالَمِ ولا إلْفٌ مَعَ أهْلِ ذَلِكَ العالَمِ، فَيَكُونُ مِثالُهُ مِثالَ مَن أُخْرِجَ مِن مُجالَسَةِ مَعْشُوقِهِ وأُلْقِيَ في بِئْرٍ ظَلْمانِيَّةٍ لا إلْفَ لَهُ بِها، ولا مَعْرِفَةَ لَهُ بِأحْوالِها، فَهَذا الإنْسانُ يَكُونُ في غايَةِ الوَحْشَةِ وتَألُّمِ الرُّوحِ، فَكَذا هُنا، أمّا لَوْ كانَ نافِرًا عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ عارِفًا بِمَقابِحِها ومَعايِبِها، وكانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، عَظِيمَ الحُبِّ لِلَّهِ، كانَ مِثالُهُ مِثالَ مَن كانَ مَحْبُوسًا في سِجْنٍ مُظْلِمٍ عَفِنٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الحَشَراتِ المُؤْذِيَةِ والآفاتِ المُهْلِكَةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أنْ فُتِحَ بابُ السِّجْنِ وأُخْرِجَ مِنهُ وأُحْضِرَ في مَجْلِسِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ مَعَ الأحْبابِ والأصْدِقاءِ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَهَذا هو الإشارَةُ إلى تَعْرِيفِ النّارِ الرُّوحانِيَّةِ والجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ الأعْمالَ السّابِقَةَ هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ هَذا العَذابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences