Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:71–82
10:71–72Page 217
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١
And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allāh has become burdensome upon you - then I have relied upon Allāh. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you.1 Then carry it out upon me and do not give me respite.
فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٧٢
And if you turn away [from my advice] - then no payment have I asked of you. My reward is only from Allāh, and I have been commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]."
صفحة ١٠٩
قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبَهِ والسُّؤالاتِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيانِ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الكَلامَ إذا أطالَ في تَقْرِيرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العُلُومِ، فَرُبَّما حَصَلَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَلالَةِ فَإذا انْتَقَلَ الإنْسانُ مِن ذَلِكَ الفَنِّ مِنَ العِلْمِ إلى فَنٍّ آخَرَ، انْشَرَحَ صَدْرُهُ وطابَ قَلْبُهُ ووَجَدَ في نَفْسِهِ رَغْبَةً جَدِيدَةً وقُوَّةً حادِثَةً ومَيْلًا قَوِيًّا.
وثانِيها: لِيَكُونَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِأصْحابِهِ أُسْوَةٌ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ فَإنَّ الرَّسُولَ إذا سَمِعَ أنَّ مُعامَلَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ كُلِّ الرُّسُلِ ما كانَتْ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ خَفَّ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ، كَما يُقالُ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ إذا سَمِعُوا هَذِهِ القَصَصَ، وعَلِمُوا أنَّ الجُهّالَ، وإنْ بالَغُوا في إيذاءِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَهم بِالآخِرَةِ ونَصَرَهم وأيَّدَهم وقَهَرَ أعْداءَهم، كانَ سَماعُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لِأمْثالِ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِانْكِسارِ قُلُوبِهِمْ، ووُقُوعِ الخَوْفِ والوَجَلِ في صُدُورِهِمْ، وحِينَئِذٍ يُقَلِّلُونَ مِن أنْواعِ الإيذاءِ والسَّفاهَةِ.
ورابِعُها: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الأقاصِيصَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، ومِن غَيْرِ زِيادَةٍ ومِن غَيْرِ نُقْصانٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ﷺ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثَلاثَةً.
فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها وجْهانِ مِنَ الفائِدَةِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ نُوحٍ- عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجَحْدِ عَجَّلَ اللَّهُ هَلاكَهم بِالغَرَقِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم لِتَصِيرَ تِلْكَ القِصَّةُ عِبْرَةً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، وداعِيَةً إلى مُفارَقَةِ الجَحْدِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ.
والثّانِي: أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: كَذَبْتَ، فَإنَّهُ ما جاءَنا هَذا العَذابُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُخَوِّفُهم بِهَذا العَذابِ وكانُوا يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، ثُمَّ بِالآخِرَةِ وقَعَ كَما أخْبَرَ، فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وهَذا جُمْلَةٌ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أمّا الشَّرْطُ فَهو مُرَكَّبٌ مِن قَيْدَيْنِ:
القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ قالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: يُقالُ كَبِرَ يَكْبَرُ كِبَرًا في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمْرُ والشَّيْءُ إذا عَظُمَ يَكْبُرُ كِبَرًا وكَبارَةً.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَقُلَ عَلَيْكم وشَقَّ عَلَيْكم وعَظُمَ أمْرُهُ عِنْدَكم، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإقامَةِ.
يُقالُ: أقامَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَقامًا وإقامَةً، والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وأرادَ بِالمَقامِ هَهُنا مُكْثَهُ ولُبْثَهُ فِيهِمْ وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ.
واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ هَذا الثِّقَلِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا.
والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا قَدْ ألِفُوا تِلْكَ المَذاهِبَ الفاسِدَةَ والطَّرائِقَ الباطِلَةَ، والغالِبُ أنَّ مَن ألِفَ طَرِيقَةً
صفحة ١١٠
فِي الدِّينِ فَإنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ أنْ يُدْعى إلى خِلافِها، ويُذْكَرَ لَهُ رَكاكَتُها، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ طُولُ مُدَّةِ الدُّعاءِ كانَ أثْقَلَ وأشَدَّ كَراهِيَةً، فَإنِ اقْتَرَنَ بِهِ إيرادُ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ عَلى فَسادِ ذَلِكَ المَذْهَبِ كانَتِ النَّفْرَةُ أشَدَّ، فَهَذا هو السَّبَبُ في حُصُولِ ذَلِكَ الثِّقَلِ.
والقَيْدُ الثّانِي: هو قَوْلُهُ: ﴿وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الطِّباعَ المَشْغُوفَةَ بِالدُّنْيا الحَرِيصَةَ عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ تَكُونُ شَدِيدَةَ النَّفْرَةِ عَنِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ، قَوِيَّةَ الكَراهَةِ لِسَماعِ ذِكْرِ المَوْتِ وتَقْبِيحِ صُورَةِ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَثْقِلُ الإنْسانَ الَّذِي يَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا إذا وعَظُوا الجَماعَةَ قامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَعِظُونَهم لِيَكُونَ مَكانُهم ظاهِرًا وكَلامُهم مَسْمُوعًا، كَما يُحْكى عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا وهم قُعُودٌ، واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشَّرْطُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الجَزاءُ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الجَزاءَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يَعْنِي أنَّ شِدَّةَ بُغْضِكم لِي تَحْمِلُكم عَلى الإقْدامِ عَلى إيذائِي، وأنا لا أُقابِلُ ذَلِكَ الشَّرَّ إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أبَدًا مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا اللَّفْظُ يُوهِمُ أنَّهُ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في هَذِهِ السّاعَةِ، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ إنَّما تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في دَفْعِ هَذا الشَّرِّ في هَذِهِ السّاعَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ كَلامٌ اعْتُرِضَ بِهِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ كَما تَقُولُ في الكَلامِ إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلَيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي فاعْمَلْ ما تُرِيدُ واعْلَمْ أنَّ جَوابَ هَذا الشَّرْطِ مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ خَمْسَةٍ عَلى التَّرْتِيبِ.
القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الإجْماعُ الإعْدادُ والعَزِيمَةُ عَلى الأمْرِ وأنْشَدَ:
يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا يَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ
فَإذا أرَدْتَ جَمْعَ التَّفَرُّقِ قُلْتَ: جَمَعْتُ القَوْمَ فَهم مَجْمُوعُونَ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ، أيْ جَعَلَهَ جَمِيعًا بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفَرَّقَهُ، أيْ جَعَلَ يَتَدَبَّرُهُ فَيَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ، أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ.
البَحْثُ الثّانِي: رَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ”فاجْمَعُوا أمْرَكم“ بِوَصْلِ الألِفِ مِنَ الجَمْعِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: فاجْمَعُوا ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَحُذِفَ المُضافُ، وجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما كانَ يَجْرِي عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا وُجُوهُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ،
صفحة ١١١
فالتَّقْدِيرُ: ولا تَدَعُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ.
والقَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وشُرَكاءَكُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الواوُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ، والمَعْنى: فَأجْمِعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: لَوْ تُرِكَتِ النّاقَةُ وفَصِيلَها لَرَضَعَها، ولَوْ خَلَّيْتَ نَفْسَكَ والأسَدَ لَأكَلَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأوْثانَ الَّتِي سَمَّوْها بِالآلِهَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها مَن كانَ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِمْ ودِينِهِمْ، فَإنْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلُ فَإنَّما حَثَّ الكُفّارَ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالأوْثانِ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِمْ مِن أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ فَوَجْهُ الِاسْتِعانَةِ بِها ظاهِرٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ ”وشُرَكاؤُكم“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، والتَّقْدِيرُ: فَأجْمِعُوا أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. قالَ الواحِدِيُّ: وجازَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْرَكُمْ﴾ فَصْلٌ بَيْنَ الضَّمِيرِ وبَيْنَ المَنسُوقِ، فَكانَ كالعِوَضِ مِنَ التَّوْكِيدِ. وكانَ الفَرّاءُ يَسْتَقْبِحُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها تُوجِبُ أنْ يُكْتَبَ وشُرَكاؤُكم بِالواوِ، وهَذا الحَرْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في المَصاحِفِ.
القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: أيْ مُبْهَمًا مِن قَوْلِهِمْ: غُمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ، إذا التَبَسَ؛ قالَ طَرَفَةُ:
لَعَمْرِيَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
وقالَ اللَّيْثُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا.
القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مَعْناهُ ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ بِمَكْرُوهِكم، وما تُوعِدُونَنِي بِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: قَضى فُلانٌ، يُرِيدُونَ ماتَ ومَضى، وقالَ بَعْضُهم: قَضاءُ الشَّيْءِ إحْكامُهُ وإمْضاؤُهُ والفَراغُ مِنهُ، وبِهِ يُسَمّى القاضِي، لِأنَّهُ إذا حَكَمَ فَقَدْ فَرَغَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ أيِ افْرُغُوا مِن أمْرِكم وامْضُوا ما في أنْفُسِكم واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] أيْ أعْلَمْناهم إعْلامًا قاطِعًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ ] [الحجر: ٦٦] قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ومَجازُ دُخُولِ كَلِمَةِ ”إلى“ في هَذا المَوْضِعِ مِن قَوْلِهِمْ بَرِئْتُ إلَيْكَ وخَرَجْتُ إلَيْكَ مِنَ العَهْدِ، وفِيهِ مَعْنى الإخْبارِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ثُمَّ اقْضُوا ما يَسْتَقِرُّ رَأْيُكم عَلَيْهِ، مُحْكَمًا مَفْرُوغًا مِنهُ.
البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ ”ثُمَّ أفْضُوا إلَيَّ“ بِالفاءِ بِمَعْنى ثُمَّ انْتَهُوا إلى بِشَرِّكم، وقِيلَ: هو مِن أفْضى الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ أصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ إلَيَّ.
القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ مَعْناهُ لا تُمْهِلُونِ بَعْدَ إعْلامِكم إيّايَ ما اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهِ، فَهَذا هو تَفْسِيرُ هَذِهِ الألْفاظِ، وقَدْ نَظَمَ القاضِي هَذا الكَلامَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ في أوَّلِ الأمْرِ: فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَإنِّي واثِقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ، جازِمٌ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا تَظُنُّوا أنَّ تَهْدِيدَكم إيّايَ بِالقَتْلِ والإيذاءِ يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْرَدَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْوَتِهِ فَقالَ: ”﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾“ فَكَأنَّهُ يَقُولُ
صفحة ١١٢
لَهم أجْمِعُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوجِبُ حُصُولَ مَطْلُوبِكم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلْ أمَرَهم أنْ يَضُمُّوا إلى أنْفُسِهِمْ شُرَكائَهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حالَهم يَقْوى بِمَكانِهِمْ وبِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذَيْنِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِما ثالِثًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ وأرادَ أنْ يَبْلُغُوا فِيهِ كُلَّ غايَةٍ في المُكاشَفَةِ والمُجاهَرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْها رابِعًا فَقالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ والمُرادُ أنْ وجِّهُوا كُلَّ تِلْكَ الشُّرُورِ إلَيَّ، ثُمَّ ضَمَّ إلى ذَلِكَ خامِسًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ عَجِّلُوا ذَلِكَ بِأشَدِّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ، فَهَذا آخِرُ هَذا الكَلامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ كَيْدَهم لا يَصِلُ إلَيْهِ، ومَكْرَهم لا يَنْفُذُ فِيهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ ما أخَذَ مِنهم مالًا عَلى دَعْوَتِهِمْ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ الإنْسانُ فارِغًا مِنَ الطَّمَعِ كانَ قَوْلُهُ أقْوى تَأْثِيرًا في القَلْبِ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيَّنَ أنَّهُ لا يَخافُ مِنهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَوْفَ إنَّما يَحْصُلُ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ إمّا بِإيصالِ الشَّرِّ أوْ بِقَطْعِ المَنافِعِ، فَبَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا يَخافُ شَرَّهم، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَخافُ مِنهم بِسَبَبِ أنْ يَقْطَعُوا عَنْهُ خَيْرًا؛ لِأنَّهُ ما أخَذَ مِنهم شَيْئًا فَكانَ يَخافُ أنْ يَقْطَعُوا مِنهُ خَيْرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّكم سَواءٌ قَبِلْتُمْ دِينَ الإسْلامِ أوْ لَمْ تَقْبَلُوا، فَأنا مَأْمُورٌ بِأنْ أكُونَ عَلى دِينِ الإسْلامِ.
الثّانِي: أنِّي مَأْمُورٌ بِالِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيَّ لِأجْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيْهِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
10:73Page 217
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى الكَلِماتِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، ذَكَرَ ما إلَيْهِ رَجَعَتْ عاقِبَةُ تِلْكَ الواقِعَةِ، أمّا في حَقِّ نُوحٍ وأصْحابِهِ فَأمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِنَ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهم خَلائِفَ بِمَعْنى أنَّهم يَخْلُفُونَ مَن هَلَكَ بِالغَرَقِ.
وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَهو أنَّهُ تَعالى أغْرَقَهم وأهْلَكَهم.
وهَذِهِ القِصَّةُ إذا سَمِعَها مَن صَدَّقَ الرَّسُولَ ومَن كَذَّبَ بِهِ كانَتْ زَجْرًا لِلْمُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِقَوْمِ نُوحٍ وتَكُونُ داعِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ، لِيَصِلُوا إلى مِثْلِ ما وصَلَ إلَيْهِ قَوْمُ نُوحٍ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ في التَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ إذا جَرَتْ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ كانَتْ أبْلَغَ مِنَ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ ذَكَرَ تَعالى أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وأمّا تَفاصِيلُ هَذِهِ القِصَّةِ فَهي مَذْكُورَةٌ في سائِرِ السُّوَرِ.
10:74Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٧٤
Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus We seal over the hearts of the transgressors.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ: ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا ولَمْ يُسَمِّهِمْ، وكانَ مِنهم هُودٌ وصالِحٌ وإبْراهِيمُ ولُوطٌ وشُعَيْبٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ (بِالبَيِّناتِ) وهي المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم جَرَوْا عَلى مِنهاجِقَوْمِ نُوحٍ في التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَزْجُرْهم ما بَلَّغَهم مِن إهْلاكِ اللَّهِ تَعالى المُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ ولَيْسَ المُرادُ عَيْنَ ما كَذَّبُوا بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ في زَمانِهِ بَلِ المُرادُ بِمِثْلِ ما كَذَّبُوا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ؛ لِأنَّ البَيِّناتِ الظّاهِرَةَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعَ كَأنَّها واحِدَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ المُكَلَّفَ عَنِ الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ ظاهِرٌ.
قالَ القاضِي: الطَّبْعُ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ الإيمانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] ولَوْ كانَ هَذا الطَّبْعُ مانِعًا لَما صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟
والجَوابُ: أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ سَبَقَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
10:75–77Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٧٥
Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people.
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰذَا لَسِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧٦
So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."
قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ٧٧
Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."
القِصَّةُ الثّانِيَةُ
قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْسِيرِ وفِيهِ سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ”﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾“ فَكَيْفَ حَكى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ قالَ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا﴾
صفحة ١١٤
﴿جاءَكُمْ﴾ ما تَقُولُونَ، ثُمَّ حَذَفَ عَنْهُ مَفْعُولَ ”أتَقُولُونَ“ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ حاصِلَ صُنْعِهِمْ تَخْيِيلٌ وتَمْوِيهٌ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. وأمّا قَلْبُ العَصا حَيَّةً، وفَلَقُ البَحْرِ، فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والتَّمْوِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ.
10:78–82Page 217
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ ٧٨
They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ٧٩
And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٨٠
So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."
فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١
And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.
وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢
And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلَّلُوا عَدَمَ القَبُولِ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: اللَّفْتُ في أصْلِ اللُّغَةِ الصَّرْفُ عَنْ أمْرٍ، وأصْلُهُ اللَّيُّ يُقالُ: لَفَتَ عُنُقَهُ إذا لَواها، ومِن هَذا يُقالُ: التَفَتَ إلَيْهِ، أيْ أمالَ وجْهَهُ إلَيْهِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ إذا لَواهُ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لا نَتْرُكُ الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، لِأنّا وجَدْنا آبائَنا عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ودَفَعُوا الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ بِمُجَرَّدِ الإصْرارِ.
والسَّبَبُ الثّانِي: في عَدَمِ القَبُولِ قَوْلُهُ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى ويَكُونُ لَكُما المُلْكُ والعِزُّ في أرْضِ مِصْرَ، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: سَمّى المُلْكَ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وأيْضًا فالنَّبِيُّ إذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِصِدْقِهِ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَصارَ أكْبَرَ القَوْمِ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ، والسَّبَبَ الثّانِيَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والجِدِّ في بَقاءِ الرِّياسَةِ، ولَمّا ذَكَرَ القَوْمُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ صَرَّحُوا بِالحُكْمِ وقالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَعانِيَ حاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وأرادُوا أنْ يُعارِضُوا مُعْجِزَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ؛ لِيُظْهِرُوا عِنْدَ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ وأحْضَرَهم، فَـ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ .
صفحة ١١٥
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالكُفْرِ والسِّحْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ ؟
قُلْنا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أتَوْا بِهِ عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْيٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالسِّحْرِ، فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم قالَ لَهم مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ الباطِلُ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ قالُوا لِمُوسى: إنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، فَذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلانُهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ أنَّهُ كَيْفَ أبْطَلَ ذَلِكَ السِّحْرَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ قَدْ تَلَقَّفَ كُلَّ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ.
وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences