Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:13–16
11:13Page 223
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣
Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَ قالَ: مُعْجِزِي هَذا القُرْآنُ، ولَمّا حَصَلَ المُعْجِزُ الواحِدُ كانَ طَلَبُ
صفحة ١٥٦
الزِّيادَةِ بَغْيًا وجَهْلًا، ثُمَّ قَرَّرَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا بِأنْ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالِاسْتِقْصاءِ قَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ وفي سُورَةِ يُونُسَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿افْتَراهُ﴾ عائِدٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ: إنْ قالُوا: إنَّ هَذا الَّذِي يُوحى إلَيْكَ مُفْتَرًى فَقُلْ لَهم حَتّى يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِثْلِهِ﴾ بِمَعْنى أمْثالِهِ حَمْلًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ السُّوَرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو المَجْمُوعَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ السُّوَرِ العَشْرَةِ شَيْءٌ واحِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي وقَعَ بِها هَذا التَّحَدِّي مُعَيَّنَةٌ، وهي سُورَةُ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ والمائِدَةِ والأنْعامِ والأعْرافِ والأنْفالِ والتَّوْبَةِ ويُونُسَ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ إشارَةٌ إلى السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذا فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وبَعْضَ السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ العَشْرِ سُوَرٍ الَّتِي ما نَزَلَتْ عِنْدَ هَذا الكَلامِ ؟ فالأوْلى أنْ يُقالَ: التَّحَدِّي وقَعَ بِمُطْلَقِ السُّوَرِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها قُوَّةُ تَرْكِيبِ الكَلامِ وتَأْلِيفِهِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّحَدِّيَ بِعَشْرِ سُوَرٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سابِقًا عَلى التَّحَدِّي بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وهو مِثْلُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: اكْتُبْ عَشَرَةَ أسْطُرٍ مِثْلَما أكْتُبُ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهُ عَنْهُ قالَ: قَدِ اقْتَصَرْتُ مِنها عَلى سَطْرٍ واحِدٍ مِثْلِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ الواحِدَةِ ورَدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي سُورَةِ يُونُسَ كَما تَقَدَّمَ، أمّا تَقَدُّمُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وسُورَةَ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وأمّا في سُورَةِ يُونُسَ فالإشْكالُ زائِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مَكِّيَّةٌ، والدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ سُورَةُ هُودٍ مُتَقَدِّمَةً في النُّزُولِ عَلى سُورَةِ يُونُسَ حَتّى يَسْتَقِيمَ الكَلامُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا، فَقالَ بَعْضُهم: هو الفَصاحَةُ، وقالَ بَعْضُهم: هو الأُسْلُوبُ، وقالَ ثالِثٌ: هو عَدَمُ التَّناقُضِ، وقالَ رابِعٌ: هو اشْتِمالُهُ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، وقالَ خامِسٌ: هو الصَّرْفُ، وقالَ سادِسٌ: هو اشْتِمالُهُ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، والمُخْتارُ عِنْدِي وعِنْدَ الأكْثَرِينَ أنَّهُ مُعْجِزٌ بِسَبَبِ الفَصاحَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ وجْهُ الإعْجازِ هو كَثْرَةَ العُلُومِ أوِ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ أوْ عَدَمَ التَّناقُضِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مَعْنًى، أمّا إذا كانَ وجْهُ الإعْجازِ هو الفَصاحَةَ صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَصاحَةَ الفَصِيحِ تَظْهَرُ بِالكَلامِ، سَواءٌ كانَ الكَلامُ صِدْقًا أوْ كَذِبًا، وأيْضًا لَوْ كانَ الوَجْهُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا هو الصَّرْفَ لَكانَ دَلالَةُ الكَلامِ الرَّكِيكِ النّازِلِ في الفَصاحَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ أوْكَدَ مِن دَلالَةِ الكَلامِ العالِي في الفَصاحَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ وجْهَ التَّحَدِّي قالَ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، والمُرادُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُفْتَرًى كَما قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في إثْباتِ الدِّينِ مِن تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْرَدَ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الدَّلِيلَ وهَذِهِ الحُجَّةَ، ولَوْلا أنَّ الدِّينَ لا يَتِمُّ إلّا بِالدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ.
11:14Page 223
فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤
And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى خِطابَيْنِ:
أحَدُهُما: خِطابُ الرَّسُولِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ .
والثّانِي: خِطابُ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَلَمّا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا في المُعارَضَةِ لِتَعَذُّرِها عَلَيْهِمْ، واحْتَمَلَ أنَّ مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ:
فَبَعْضُهم قالَ: هَذا خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّ الكُفّارَ إنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في الإتْيانِ بِالمُعارَضَةِ، فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: فاثْبُتُوا عَلى العِلْمِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ وازْدادُوا يَقِينًا وثَباتَ قَدَمٍ عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُخْلِصُونَ.
ومِنهم مَن قالَ: فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا أيُّها المُسْلِمُونَ لِلْكُفّارِ: اعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ إذا لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في الإعانَةِ عَلى المُعارَضَةِ، فاعْلَمُوا أيُّها الكُفّارُ أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ، فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْكم، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّكم في القَوْلِ الأوَّلِ احْتَجْتُمْ إلى أنْ حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ عَلى الأمْرِ بِالثَّباتِ أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ لا حاجَةَ فِيهِ إلى إضْمارٍ، فَكانَ هَذا أوْلى، وأيْضًا فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ واجِبٌ، وأقْرَبُ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هو هَذا الِاحْتِمالُ الثّانِي، وأيْضًا أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ كانَ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾، والخِطابَ الثّانِيَ كانَ مَعَ جَماعَةِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الجَماعَةِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ أوْلى.
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَسْتَجِيبُوا فِيهِ ؟
الجَوابُ: المَعْنى: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في مُعارَضَةِ القُرْآنِ، وقالَ بَعْضُهم: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في جُمْلَةِ الإيمانِ، وهو بَعِيدٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ؟
والجَوابُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ ظاهِرٌ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الرَّسُولِ فَعَنْهُ جَوابانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَدُّونَهم، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِتَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما فِيها مِنَ الجَزاءِ ؟
والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ ادَّعَوْا كَوْنَ القُرْآنِ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: لَوْ كانَ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ لَوَجَبَ أنْ
صفحة ١٥٨
يَقْدِرَ الخَلْقُ عَلى مِثْلِهِ، ولَمّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثَبَتَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ومِن قِبَلِهِ، كَما يَقُولُ الحاكِمُ: هَذا الحُكْمُ جَرى بِعِلْمِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بِعَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ ؟
والجَوابُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ حَتّى يَطْلُبَ مِنَ الكُفّارِ أنْ يَسْتَعِينُوا بِالأصْنامِ في تَحْقِيقِ المُعارَضَةِ ثُمَّ ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِإثْباتِ كَوْنِهِمْ آلِهَةً، فَصارَ عَجْزُ القَوْمِ عَنِ المُعارَضَةِ بَعْدَ الِاسْتِعانَةِ بِالأصْنامِ مُبْطِلًا لِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ ودَلِيلًا عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةً إلى ما ظَهَرَ مِن فَسادِ القَوْلِ بِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ.
الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ القَوْلَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي يُمْكِنُ إثْباتُها بِقَوْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا ثَبَتَ عَجْزُ الخُصُومِ عَنِ المُعارَضَةِ ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ حَقًّا، وثَبَتَ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا في دَعْوى الرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَلَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُحِقًّا في دَعْوى النُّبُوَّةِ ثَبَتَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ جارٍ مَجْرى التَّهْدِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا ثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا في دَعْوى الرِّسالَةِ وعَلِمْتُمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَكُونُوا خائِفِينَ مِن قَهْرِهِ وعَذابِهِ واتْرُكُوا الإصْرارَ عَلى الكُفْرِ واقْبَلُوا الإسْلامَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ التَّحَدِّي: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ كانَ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في زِيادَةِ الإخْلاصِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ كانَ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في أصْلِ الإسْلامِ.
11:15–16Page 223
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥
Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦
Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنازِعُونَ مُحَمَّدًا ﷺ في أكْثَرِ الأحْوالِ، فَكانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا مُبْطِلٌ ونَحْنُ مُحِقُّونَ، وإنَّما نُبالِغُ في مُنازَعَتِهِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، وكانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، بَلْ كانَ غَرَضُهم مَحْضَ الحَسَدِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ المُتابَعَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى.
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٥٩
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ والصِّدِّيقُ والزِّنْدِيقُ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها والِانْتِفاعَ بِخَيْراتِها وشَهَواتِها، إلّا أنَّ آخِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا العامِّ الخاصُّ وهو الكافِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَقَطْ، أيْ تَكُونُ إرادَتُهُ مَقْصُورَةً عَلى حُبِّ الدُّنْيا وزِينَتِها ولَمْ يَكُنْ طالِبًا لِسَعاداتِ الآخِرَةِ، كانَ حُكْمُهُ كَذا وكَذا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهم مُنْكِرُو البَعْثِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ الآخِرَةَ ولا يَرْغَبُونَ إلّا في سَعاداتِ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، وكَلامُهُ ظاهِرٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَطْلُبُونَ بِغَزْوِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ الغَنائِمَ مِن دُونِ أنْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ وثَوابِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وهو مَنقُولٌ عَنْ أنَسٍ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي: أنَّ المُرادَ مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِ الخَيْرِ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها.
وعَمَلُ الخَيْرِ قِسْمانِ: العِباداتُ، وإيصالُ المَنفَعَةِ إلى الحَيَوانِ، ويَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي البِرُّ وصِلَةُ الرَّحِمِ والصَّدَقَةُ وبِناءُ القَناطِرِ وتَسْوِيَةُ الطُّرُقِ والسَّعْيُ في دَفْعِ الشُّرُورِ وإجْراءُ الأنْهارِ. فَهَذِهِ الأشْياءُ إذا أتى بِها الكافِرُ لِأجْلِ الثَّناءِ في الدُّنْيا، فَإنَّ بِسَبَبِها تَصِلُ الخَيْراتُ والمَنافِعُ إلى المُحْتاجِينَ، فَكُلُّها تَكُونُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فَلا جَرَمَ هَذِهِ الأعْمالُ تَكُونُ طاعاتٍ، سَواءٌ صَدَرَتْ مِنَ الكافِرِ أوِ المُسْلِمِ. وأمّا العِباداتُ: فَهي إنَّما تَكُونُ طاعاتٍ بِنِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَإذا لَمْ يُؤْتَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وإنَّما أتى فاعِلُها بِها عَلى طَلَبِ زِينَةِ الدُّنْيا، وتَحْصِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيها صارَ وُجُودُها كَعَدَمِها، فَلا تَكُونُ مِن بابِ الطّاعاتِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ المُرادُ مِنهُ الطّاعاتُ الَّتِي يَصِحُّ صُدُورُها مِنَ الكافِرِ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ تَجْرِيَ الآيَةُ عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ونَقُولُ: إنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ الَّذِي يَأْتِي بِالطّاعاتِ عَلى سَبِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الكافِرُ الَّذِي هَذا صِفَتُهُ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ لا يَلِيقُ المُؤْمِنَ إلّا إذا قُلْنا: المُرادُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ.
ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا أخْبارًا كَثِيرَةً في هَذا البابِ:
رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن جُبِّ الحَزَنِ، قِيلَ: وما جُبُّ الحَزَنِ ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُلْقى فِيهِ القُرّاءُ المُراءُونَ» “ .
وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن يَرى النّاسُ أنَّ فِيهِ خَيْرًا ولا خَيْرَ فِيهِ» “ .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِرَجُلٍ جَمَعَ القُرْآنَ، فَيُقالُ لَهُ: ما عَمِلْتَ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، قُمْتُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِصاحِبِ المالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: ألَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ فَماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: وصَلْتُ الرَّحِمَ وتَصَدَّقْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ
صفحة ١٦٠
تَعالى: كَذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَوادٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ: قاتَلْتُ في الجِهادِ حَتّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ“ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُكْبَتِي وقالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ أوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
ورُوِيَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ قالَ الرّاوِي: فَبَكى حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ هالِكٌ ثُمَّ أفاقَ وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن تَوْفِيَةِ أُجُورِ تِلْكَ الأعْمالِ هو أنَّ كُلَّ ما يَسْتَحِقُّونَ بِها مِنَ الثَّوابِ فَإنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، فَإذا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَبْقَ مَعَهم مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ مِن آثارِ الخَيْراتِ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِنها إلّا النّارُ.
واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن أتى بِالأعْمالِ لِأجْلِ طَلَبِ الثَّناءِ في الدُّنْيا ولِأجْلِ الرِّياءِ، فَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ غَلَبَ عَلى قَلْبِهِ حُبُّ الدُّنْيا، ولَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ حُبُّ الآخِرَةِ؛ إذْ لَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الآخِرَةِ وما فِيها مِنَ السَّعاداتِ لامْتَنَعَ أنْ يَأْتِيَ بِالخَيْراتِ لِأجْلِ الدُّنْيا ويَنْسى أمْرَ الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِأعْمالِ البِرِّ لِأجْلِ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، عَدِيمَ الطَّلَبِ لِلْآخِرَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإذا ماتَ فَإنَّهُ يَفُوتُهُ جَمِيعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ويَبْقى عاجِزًا عَنْ وِجْدانِها، غَيْرَ قادِرٍ عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أحَبَّ شَيْئًا ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَطْلُوبِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَشْتَعِلَ في قَلْبِهِ نِيرانُ الحَسَراتِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ لِطَلَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِدُ تِلْكَ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ إذا ماتَ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ إلّا النّارُ ويَصِيرُ ذَلِكَ العَمَلُ في الدّارِ الآخِرَةِ مُحْبَطًا باطِلًا عَدِيمَ الأثَرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences