Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:24–33
11:24Page 224
۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤
The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ ذَكَرَ فِيهِما مِثالًا مُطابِقًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى مَن ذُكِرَ آخِرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِن قَبْلُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ رَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [هُودٍ: ١٧] ثُمَّ ذَكَرَ مِن بَعْدِهِ الكافِرِينَ ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ولا يُبْصِرُونَ، والسَّمِيعُ والبَصِيرُ هُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الإنْسانَ مُرَكَّبًا مِنَ الجَسَدِ ومِنَ النَّفْسِ، وكَما أنَّ لِلْجَسَدِ بَصَرًا وسَمْعًا فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ سَمْعٌ وبَصَرٌ، وكَما أنَّ الجَسَدَ إذا كانَ أعْمى أصَمَّ بَقِيَ مُتَحَيِّرًا لا
صفحة ١٦٨
يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ مِنَ المَصالِحِ، بَلْ يَكُونُ كالتّائِهِ في حَضِيضِ الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ، ولا يَسْمَعُ صَوْتًا، فَكَذَلِكَ الجاهِلُ الضّالُّ المُضِلُّ، يَكُونُ أعْمى وأصَمَّ القَلْبِ، فَيَبْقى في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ حائِرًا تائِهًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ يُمْكِنُهُ عِلاجُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمِ، وإذا كانَ العِلاجُ مُمْكِنًا مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ بِسَبَبِ حُصُولِ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمِ وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَسْعى في ذَلِكَ العِلاجِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ تَعالى إذا أوْرَدَ عَلى الكافِرِ أنْواعَ الدَّلائِلِ أتْبَعَها بِالقَصَصِ؛ لِيَصِيرَ ذِكْرُها مُؤَكِّدًا لِتِلْكَ الدَّلائِلِ عَلى ما قَرَّرْنا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ:
11:25–26Page 224
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥
And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner
أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦
That you not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."
القِصَّةُ الأُولى
قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَدْ أعادَها في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا؛ لِما فِيها مِن زَوائِدِ الفَوائِدِ وبَدائِعِ الحِكَمِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: أرْسَلْنا نُوحًا بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ، ومَعْناهُ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ”أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ“، فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وهو الباءُ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا: ﴿إنِّي﴾ بِالكَسْرِ عَلى مَعْنى: قالَ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ النَّذِيرِ كَوْنُهُ مُهَدِّدًا لِلْعُصاةِ بِالعِقابِ، ومِنَ المُبِينِ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَذِيرٌ لِلْعُصاةِ مِنَ العِقابِ، وأنَّهُ مُبِينٌ بِمَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارَ عَلى الطَّرِيقِ الأكْمَلِ والبَيانِ الأقْوى الأظْهَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ إنَّما حَصَلَ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النَّفْيِ، وهو يُوجِبُ نَفْيَ غَيْرِ المُسْتَثْنى.
واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الألَمُ العَظِيمُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أُسْنِدَ
صفحة ١٦٩
ذَلِكَ الألَمُ إلى اليَوْمِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، ولَيْلُكَ قائِمٌ.
11:27Page 224
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧
So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion.1 And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الشُّبُهاتِ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، والتَّفاوُتُ الحاصِلُ بَيْنَ آحادِ البَشَرِ يَمْتَنِعُ انْتِهاؤُهُ إلى حَيْثُ يَصِيرُ الواحِدُ مِنهم واجِبُهُ الطّاعَةُ لِجَمِيعِ العالَمِينَ.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ ما اتَّبَعَهُ إلّا أراذِلُ مِنَ القَوْمِ كالحِياكَةِ وأهْلِ الصَّنائِعِ الخَسِيسَةِ، قالُوا: ولَوْ كُنْتَ صادِقًا لاتَّبَعَكَ الأكْياسُ مِنَ النّاسِ والأشْرافُ مِنهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١١١] .
والشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ والمَعْنى: لا نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ لا في العَقْلِ ولا في رِعايَةِ المَصالِحِ العاجِلَةِ ولا في قُوَّةِ الجَدَلِ، فَإذا لَمْ نُشاهِدْ فَضْلَكَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ فَكَيْفَ نَعْتَرِفُ بِفَضْلِكَ عَلَيْنا في أشْرَفِ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ ؟ فَهَذا خُلاصَةُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ.
واعْلَمْ أنَّ الشُّبْهَةَ الأُولى لا تَلِيقُ إلّا بِالبَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، أمّا الشُّبْهَتانِ الباقِيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِما مَن أقَرَّ بِنُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ. وفي لَفْظِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَلَأُ الأشْرافُ، وفي اشْتِقاقِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: مَلِيءٌ بِكَذا إذا كانَ مُطْبِقًا لَهُ، وقَدْ مُلْئِوا بِالأمْرِ، والسَّبَبُ في إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ أنَّهم مُلِئُوا بِتَرْتِيبِ المُهِمّاتِ وأحْسَنُوا في تَدْبِيرِها.
الثّانِي: أنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَتَمالَئُونَ أيْ يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ هَيْبَةً والمَجالِسَ أُبَّهَةً.
الرّابِعُ: وُصِفُوا بِهِ لِأنَّهم مَلَئُوا العُقُولَ الرّاجِحَةَ والآراءَ الصّائِبَةَ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الشُّبْهَةَ الأُولى، وهي قَوْلُهم: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ وهو مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٨] وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّ مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يُباشِرَ الأُمَّةَ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ والتَّثَبُّتِ والحُجَّةِ، لا بِالصُّورَةِ والخِلْقَةِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ بَعَثَ إلى البَشَرِ مَلَكًا لَكانَتِ الشُّبْهَةُ أقْوى في الطَّعْنِ عَلَيْهِ في رِسالَتِهِ لِأنَّهُ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ هَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ لَعَلَّ هَذا المَلَكَ هو الَّذِي أتى بِها مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بِسَبَبِ أنَّ قُوَّتَهُ أكْمَلُ وقُدْرَتَهُ أقْوى، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ ما بَعَثَ اللَّهُ إلى البَشَرِ رَسُولًا إلّا مِنَ البَشَرِ.
صفحة ١٧٠
ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ الثّانِيَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ والمُرادُ مِنهُ قِلَّةُ مالِهِمْ وقِلَّةُ جاهِهِمْ ودَناءَةُ حِرَفِهِمْ وصِناعَتِهِمْ. وهَذا أيْضًا جَهْلٌ؛ لِأنَّ الرِّفْعَةَ في الدِّينِ لا تَكُونُ بِالحَسَبِ والمالِ والمَناصِبِ العالِيَةِ، بَلِ الفَقْرُ أهْوَنُ عَلى الدِّينِ مِنَ الغِنى، بَلْ نَقُولُ: الأنْبِياءُ ما بُعِثُوا إلّا لِتَرْكِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، فَكَيْفَ تُجْعَلُ قِلَّةُ المالِ في الدُّنْيا طَعْنًا في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى الشُّبْهَةَ الثّالِثَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ وهَذا أيْضًا جَهْلٌ؛ لِأنَّ الفَضِيلَةَ المُعْتَبَرَةَ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَتْ إلّا بِالعِلْمِ والعَمَلِ، فَكَيْفَ اطَّلَعُوا عَلى بَواطِنِ الخَلْقِ حَتّى عَرَفُوا نَفْيَ هَذِهِ الفَضِيلَةِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ: ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مَعَ نُوحٍ ومَعَ قَوْمِهِ، والمُرادُ مِنهُ تَكْذِيبُ نُوحٍ في دَعْوى الرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مَعَ الأراذِلِ فَنَسَبُوهم إلى أنَّهم كَذَبُوا في أنْ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الأرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ، وهو الدُّونُ مِن كُلِّ شَيْءٍ في مَنظَرِهِ وحالاتِهِ، ورَجُلٌ رَذْلُ الثِّيابِ والفِعْلِ. والأراذِلُ جَمْعُ الأرْذَلِ، كَقَوْلِهِمْ: أكابِرُ مُجْرِمِيها، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أحاسِنُكم أخْلاقًا» “، فَعَلى هَذا الأراذِلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ فِيهِ أنْ يُقالَ: هو أرْذَلُ مِن كَذا ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قالُوا: هو الأرْذَلُ، فَصارَتِ الألِفُ واللّامُ عِوَضًا عَنِ الإضافَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ البادِي هو الظّاهِرُ مِن قَوْلِكَ: بَدا الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ، ومِنهُ يُقالُ: بادِيَةٌ لِظُهُورِها وبُرُوزِها لِلنّاظِرِ، واخْتَلَفُوا في بادِيَ الرَّأْيِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: اتَّبَعُوكَ في الظّاهِرِ وباطِنُهم بِخِلافِهِ.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اتَّبَعُوكَ في ابْتِداءِ حُدُوثِ الرَّأْيِ وما احْتاطُوا في ذَلِكَ الرَّأْيِ وما أعْطَوْهُ حَقَّهُ مِنَ الفِكْرِ الصّائِبِ والتَّدَبُّرِ الوافِي.
الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا وصَفُوا القَوْمَ بِالرَّذالَةِ قالُوا: كَوْنُهم كَذَلِكَ بادِيَ الرَّأْيِ أمْرٌ ظاهِرٌ لِكُلِّ مَن يَراهم، والرَّأْيُ عَلى هَذا المَعْنى مِن رَأْيِ العَيْنِ لا مِن رَأْيِ القَلْبِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ العَيْنِ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ ”بادِئَ“ بِالهَمْزَةِ والباقُونَ بِالياءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَمَن قَرَأ: ”بادِئَ“ بِالهَمْزَةِ فالمَعْنى أوَّلُ الرَّأْيِ وابْتِداؤُهُ، ومَن قَرَأ بِالياءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ كانَ مِن بَدا يَبْدُو أيْ ظَهَرَ. و﴿بادِيَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ أوَّلَ الضَّرْبِ.
11:28–30Page 224
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?
وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩
And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.
وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠
And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى بَعْدَهُ ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
صفحة ١٧١
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَقالَ نُوحٌ: حُصُولُ المُساواةِ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ، فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وما يَجِبُ وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ: إمّا النُّبُوَّةُ وإمّا المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى النُّبُوَّةِ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: صارَتْ مَظِنَّةً مُشْتَبِهَةً مُلْتَبِسَةً في عُقُولِكم، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى أنْ أجْعَلَكم بِحَيْثُ تَصِلُونَ إلى مَعْرِفَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ ؟ والمُرادُ أنِّي لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَأُلْزِمَها ولَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ ذَكَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الحُجَّةَ عُمِّيَتْ عَلَيْكم واشْتَبَهَتْ، فَأمّا لَوْ تَرَكْتُمُ العِنادَ واللَّجاجَ ونَظَرْتُمْ في الدَّلِيلِ لَظَهَرَ المَقْصُودُ، وتَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانا عَلَيْكم فَضْلًا عَظِيمًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِمَعْنى أُلْبِسَتْ وشُبِّهَتْ، والباقُونَ بِفَتْحِ العَيْنِ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، أيِ: التَبَسَتْ واشْتَبَهَتْ.
واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إذا بَقِيَ مَجْهُولًا مَحْضًا أشْبَهَ المُعَمّى؛ لِأنَّ العِلْمَ نُورُ البَصِيرَةِ الباطِنَةِ، والأبْصارَ نُورُ البَصَرِ الظّاهِرِ، فَحَسُنَ جَعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنها مَجازًا عَنِ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَيِّنَةَ تُوصَفُ بِالأبْصارِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النَّمْلِ: ١٣] وكَذَلِكَ تُوصَفُ بِالعَمى، قالَ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القَصَصِ: ٦٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ فِيهِ ثَلاثُ مُضْمَراتٍ: ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، وضَمِيرُ الغائِبِ، وضَمِيرُ المُخاطَبِ، وأجازَ الفَرّاءُ إسْكانَ المِيمِ الأُولى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، قالَ: وذَلِكَ أنَّ الحَرَكاتِ تَوالَتْ، فَسُكِّنَتِ المِيمُ، وهي أيْضًا مَرْفُوعَةٌ وقَبْلَها كَسْرَةٌ، والحَرَكَةُ الَّتِي بَعْدَها ضَمَّةٌ ثَقِيلَةٌ، قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُونَ إسْكانَ حَرْفِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وما يُرْوى عَنْ أبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الحَقُّ، وإنَّما يَجُوزُ الإسْكانُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فاليَوْمَ أُشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
11:31–33Page 225
وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١
And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢
They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣
He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.
صفحة ١٧٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهم: لا يَتَّبِعُكَ إلّا الأراذِلُ مِنَ النّاسِ، وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أنا لا أطْلُبُ عَلى تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ مالًا حَتّى يَتَفاوَتَ الحالُ بِسَبَبِ كَوْنِ المُسْتَجِيبِ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وإنَّما أجْرِي عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ الشّاقَّةِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَسَواءٌ كانُوا فُقَراءَ أوْ أغْنِياءَ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: إنَّكم لَمّا نَظَرْتُمْ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وجَدْتُمُونِي فَقِيرًا، وظَنَنْتُمْ أنِّي إنَّما اشْتَغَلْتُ بِهَذِهِ الحِرْفَةِ لِأتَوَسَّلَ بِها إلى أخْذِ أمْوالِكم، وهَذا الظَّنُّ مِنكم خَطَأٌ؛ فَإنِّي لا أسْألُكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أجْرًا، إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكم مِن سَعادَةِ الدِّينِ بِسَبَبِ هَذا الظَّنِّ الفاسِدِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ أنْواعًا كَثِيرَةً تُوجِبُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْعَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وإنَّما يَسْعى في طَلَبِ الدِّينِ، والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا مِن أُمَّهاتِ الفَضائِلِ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، فَلَعَلَّ المُرادَ تَقْرِيرُ حُصُولِ الفَضِيلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهَذا كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ القَوْمَ سَألُوهُ طَرْدَهم رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُشارَكَةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا: إنْ أحْبَبْتَ يا نُوحُ أنْ نَتَّبِعَكَ فاطْرُدْهم؛ فَإنّا لا نَرْضى بِمُشارَكَتِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَهم؛ لِأنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوِ اتَّبَعَكَ أشْرافُ القَوْمِ لَوافَقْناهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ ما طَرَدَهم، وذَكَرَ في بَيانِ ما يُوجِبُ الِامْتِناعَ مِن هَذا الطَّرْدِ أُمُورًا:
الأوَّلُ: أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
مِنها: أنَّهم قالُوا: هم مُنافِقُونَ فِيما أظْهَرُوا فَلا تَغْتَرَّ بِهِمْ. فَأجابَ بِأنَّ هَذا الأمْرَ يَنْكَشِفُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ.
ومِنها: أنَّهُ جَعَلَهُ عِلَّةً في الِامْتِناعِ مِنَ الطَّرْدِ، وأرادَ أنَّهم مُلاقُو ما وعَدَهم رَبُّهم، فَإنْ طَرَدْتُهُمُ اسْتَخْصَمُونِي في الآخِرَةِ.
ومِنها أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الأمْرِ عَلى أنّا نَجْتَمِعُ في الآخِرَةِ، فَأُعاقَبُ عَلى طَرْدِهِمْ فَلا أجِدُ مَن يَنْصُرُنِي.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم يَبْنُونَ أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ فَقالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ .
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ تَطابَقا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ البَرِّ التَّقِيِّ، ومِن إهانَةِ الفاجِرِ الكافِرِ، فَلَوْ قَلَبْتَ القِصَّةَ وعَكَسْتَ القَضِيَّةَ وقَرَّبْتَ الكافِرَ الفاجِرَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وطَرَدْتَ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ كُنْتَ عَلى ضِدِّ
صفحة ١٧٣
أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى عَكْسِ حُكْمِهِ، وكُنْتَ في هَذا الحُكْمِ عَلى ضِدِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن إيصالِ الثَّوابِ إلى المُحِقِّينَ، والعِقابِ إلى المُبْطِلِينَ، وحِينَئِذٍ أصِيرُ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقابِ العَظِيمِ، فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، أفَلا تَذَكَّرُونَ فَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ؟
ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ كَما لا أسْألُكم فَكَذَلِكَ لا أدَّعِي أنِّي أمْلِكُ مالًا ولا لِي غَرَضٌ في المالِ؛ لا أخْذًا ولا دَفْعًا، ولا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى أصِلَ بِهِ إلى ما أُرِيدُ لِنَفْسِي ولا أتْباعِي، ولا أقُولُ: إنِّي مَلَكٌ حَتّى أتَعَظَّمَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، بَلْ طَرِيقِي الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، ومَن كانَ هَذا شَأْنَهُ وطَرِيقَهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ مُخالَطَةِ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ولا يَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ، وإنَّما شَأْنُهُ طَلَبُ الدِّينَ وسِيرَتُهُ مُخالَطَةُ الخاضِعِينَ والخاشِعِينَ، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَتِي تُوجِبُ مُخالَطَةَ الفُقَراءِ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ ذَلِكَ عَيْبًا عَلَيَّ ؟ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِطَرِيقٍ رابِعٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَنْسُبُونَ أتْباعَهُ مَعَ الفَقْرِ والذِّلَّةِ إلى النِّفاقِ، فَقالَ: إنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الغَيْبِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَرُبَّما كانَ باطِنُهم كَظاهِرِهِمْ فَيُؤْتِيهِمُ اللَّهُ مُلْكَ الآخِرَةِ، فَأكُونُ كاذِبًا فِيما أخْبَرْتُ بِهِ، فَإنِّي إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لِنَفْسِي ومِنَ الظّالِمِينَ لَهم في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا خَيْرَ لَهم، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الخَيْرَ في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ وقالُوا: إنَّ الإنْسانَ إذا قالَ: أنا لا أدَّعِي كَذا وكَذا، فَهَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أشْرَفَ مِن أحْوالِ ذَلِكَ القائِلِ، فَلَمّا كانَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ تَكُونَ دَرَجَةُ المَلائِكَةِ أعْلى وأشْرَفَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالُوا: وكَيْفَ لا يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ والمَلائِكَةُ داوَمُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى طُولَ الدُّنْيا مُذْ خُلِقُوا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ ؟ وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّ الفَضائِلَ الحَقِيقِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا ثَلاثَةَ أشْياءَ:
أوَّلُها: الِاسْتِغْناءُ المُطْلَقُ، وجَرَتِ العادَةُ في الدُّنْيا أنَّ مَن مَلَكَ المالَ الكَثِيرَ فَإنَّهُ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنِّي لا أدَّعِي الِاسْتِغْناءَ المُطْلَقَ.
وثانِيها: العِلْمُ التّامُّ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ .
وثالِثُها: القُدْرَةُ التّامَّةُ الكامِلَةُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الخَواطِرِ أنَّ أكْمَلَ المَخْلُوقاتِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ هُمُ المَلائِكَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنَّ ما حَصَلَ عِنْدِي مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ إلّا ما يَلِيقُ بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ والطّاقَةِ الإنْسانِيَّةِ، فَأمّا الكَمالُ المُطْلَقُ فَأنا لا أدَّعِيهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْمَلُ مِنَ البَشَرِ، وأيْضًا يُمْكِنُ جَعْلُ هَذا الكَلامِ جَوابًا عَمّا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَإنَّهم طَعَنُوا في أتْباعِهِ بِالفَقْرِ، فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ حَتّى أجْعَلَهم أغْنِياءَ، وطَعَنُوا فِيهِمْ أيْضًا بِأنَّهم مُنافِقُونَ فَقالَ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ حَتّى أعْرِفَ كَيْفِيَّةَ باطِنِهِمْ، وإنَّما أُجْرِي الأحْوالَ عَلى الظَّواهِرِ، وطَعَنُوا فِيهِمْ بِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِأفْعالٍ لا كَما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى أكُونَ مُبَرَّأً عَنْ جَمِيعِ الدَّواعِي الشَّهْوانِيَّةِ والبَواعِثِ النَّفْسانِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ طَرْدَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ مِن أُصُولِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَرَدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ حَتّى عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢]
صفحة ١٧٤
وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الذَّنْبِ.
والجَوابُ: يُحْمَلُ الطَّرْدُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الطَّرْدِ المُطْلَقِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، والطَّرْدُ المَذْكُورُ في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّقْلِيلِ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِرِعايَةِ المَصالِحِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ في دَفْعِ العِقابِ بِقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ مَعْناهُ إنْ كانَ هَذا الطَّرْدُ مُحَرَّمًا فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عِقابِهِ، ولَوْ كانَتِ الشَّفاعَةُ جائِزَةً لَكانَتْ في حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا جائِزَةً، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ يُشْبِهُ اسْتِدْلالَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] والجَوابُ المَذْكُورُ هُناكَ هو الجَوابُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences