Ar-RaziIbrahim · 14:23–30

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:23–30

14:23Page 258

وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ .

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في شَرْحِ أحْوالِ الأشْقِياءِ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، شَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الثَّوابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَنفَعَةُ الخالِصَةُ إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وكَوْنُها دائِمَةً أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ والتَّعْظِيمُ حَصَلَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ إنَّما حَصَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ لِأنَّ بَعْضَهم يُحَيِّي بَعْضًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، والمَلائِكَةُ يُحَيُّونَهم بِها كَما قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] والرَّبُّ الرَّحِيمُ يُحَيِّيهِمْ أيْضًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ كَما قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .

واعْلَمْ أنَّ السَّلامَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ وإلّا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهم سَلِمُوا مِن آفاتِ الدُّنْيا وحَسَراتِها أوْ فُنُونِ

صفحة ٩٢

آلامِها وأسْقامِها، وأنْواعِ غُمُومِها وهُمُومِها، وما أصْدَقَ ما قالُوا، فَإنَّ السَّلامَةَ مِن مِحَنِ عالَمِ الأجْسامِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، لا سِيَّما إذا حَصَلَ بَعْدَ الخَلاصِ مِنها الفَوْزُ بِالبَهْجَةِ الرُّوحانِيَّةِ والسَّعادَةِ المَلَكِيَّةِ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”وأُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا“ عَلى مَعْنى وأُدْخِلُهم أنا، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ بِإذْنِ رَبِّهِمْ. يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

14:24–26Page 258

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤

Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الأشْقِياءِ وأحْوالَ السُّعَداءِ، ذَكَرَ مِثالًا يُبَيِّنُ الحالَ في حُكْمِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وهو هَذا المَثَلُ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها.

فالصِّفَةُ الأُولى لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها طَيِّبَةً، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:

أحَدُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ المَنظَرِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ.

وثانِيها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الرّائِحَةِ.

وثالِثُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ يَعْنِي أنَّ الفَواكِهَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها تَكُونُ لَذِيذَةً مُسْتَطابَةً.

ورابِعُها: كَوْنُها طَيِّبَةً بِحَسَبِ المَنفَعَةِ يَعْنِي أنَّها كَما يُسْتَلَذُّ بِأكْلِها فَكَذَلِكَ يَعْظُمُ الِانْتِفاعُ بِها، ويَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَها يُحَصِّلُ كَمالَ الطِّيبِ.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ راسِخٌ باقٍ آمِنُ الِانْقِلاعِ والِانْقِطاعِ والزَّوالِ والفَناءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ الطَّيِّبَ إذا كانَ في مَعْرِضِ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ، فَهو وإنْ كانَ يَحْصُلُ الفَرَحُ بِسَبَبِ وِجْدانِهِ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ الحُزْنُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِن زَوالِهِ وانْقِضائِهِ. أمّا إذا عُلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ باقٍ دائِمٌ لا يَزُولُ ولا يَنْقَضِي فَإنَّهُ يَعْظُمُ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ ويَكْمُلُ السُّرُورُ بِسَبَبِ الفَوْزِ بِهِ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ارْتِفاعَ الأغْصانِ وقُوَّتَها في التَّصاعُدِ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الأصْلِ ورُسُوخِ العُرُوقِ.

والثّانِي: أنَّها مَتّى كانَتْ مُتَصاعِدَةً مُرْتَفِعَةً كانَتْ بَعِيدَةً عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ فَكانَتْ ثَمَراتُها نَقِيَّةً طاهِرَةً طَيِّبَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ.

والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ والمُرادُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَذْكُورَةَ كانَتْ مَوْصُوفَةً

صفحة ٩٣

بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي أنَّ ثَمَرَتَها لا بُدَّ أنْ تَكُونَ حاضِرَةً دائِمَةً في كُلِّ الأوْقاتِ، ولا تَكُونُ مِثْلَ الأشْجارِ الَّتِي يَكُونُ ثِمارُها حاضِرًا في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَظِيمَةً، وأنَّ العاقِلَ مَتى أمْكَنَهُ تَحْصِيلُها وتَمَلُّكُها فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَغافَلَ عَنْها وأنْ يَتَساهَلَ في الفَوْزِ بِها.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقُ في مَحَبَّتِهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، تُشْبِهُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ في هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ.

أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي كَوْنُها طَيِّبَةً فَهي حاصِلَةٌ، بَلْ نَقُولُ: لا طَيِّبَ ولا لَذِيذَ في الحَقِيقَةِ إلّا هَذِهِ المَعْرِفَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّذَّةَ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ المُعَيَّنَةِ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّ إدْراكَ تِلْكَ الفاكِهَةِ أمْرٌ مُلائِمٌ لِمِزاجِ البَدَنِ، فَلِأجْلِ حُصُولِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُناسَبَةِ حَصَلَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ العَظِيمَةُ، وهَهُنا المُلائِمُ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ والرُّوحِ القُدُسِيَّةِ لَيْسَ إلّا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتَهُ والِاسْتِغْراقَ في الِابْتِهاجِ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ لَذِيذَةً جِدًّا، بَلْ نَقُولُ: اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ مِن إدْراكِ الفاكِهَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أقَلَّ حالًا مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إشْراقِ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وبَيانُ هَذا التَّفاوُتِ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُدْرَكاتِ المَحْسُوسَةَ إنَّما تَصِيرُ مُدْرَكَةً بِسَبَبِ أنَّ سَطْحَ الحاسِّ يُلاقِي سَطْحَ المَحْسُوسِ فَقَطْ، فَأمّا أنْ يُقالَ إنَّ جَوْهَرَ المَحْسُوسِ نَفَذَ في جَوْهَرِ الحاسِّ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأجْسامَ يَمْتَنِعُ تَداخُلُها. أمّا هَهُنا فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ النُّورُ وذَلِكَ الإشْراقُ صارَ سارِيًا في جَوْهَرِ النَّفْسِ مُتَّحِدًا بِهِ، وكَأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ تَصِيرُ غَيْرَ النَّفْسِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ، فَهَذا فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ البابَيْنِ.

والوجه الثّانِي: في الفَرْقِ أنَّ في الِالتِذاذِ بِالفاكِهَةِ المُدْرِكَ هو القُوَّةُ الذّائِقَةُ، والمَحْسُوسَ هو الطَّعْمُ المَخْصُوصُ، وهَهُنا المُدْرِكُ هو جَوْهَرُ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، والمَعْلُومُ والمَشْعُورُ بِهِ هو ذاتُ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وصِفاتُ جَلالِهِ وإكْرامِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ إحْدى اللَّذَّتَيْنِ إلى الأُخْرى كَنِسْبَةِ أحَدِ المُدْرَكَيْنِ إلى الآخَرِ.

الوجه الثّالِثُ: في الفَرْقِ أنَّ اللَّذّاتِ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ الطَّيِّبَةِ كُلَّما حَصَلَتْ زالَتْ في الحالِ لِأنَّها كَيْفِيَّةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ شَدِيدَةُ التَّغَيُّرِ. أمّا كَمالُ الحَقِّ وجَلالُهُ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، واسْتِعْدادُ جَوْهَرِ النَّفْسِ لِقَبُولِ تِلْكَ السَّعادَةِ أيْضًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ العَظِيمُ مِن هَذا الوجه.

واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ فَلْيُكْتَفَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ السَّلِيمِ عَلى سائِرِها.

وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهي كَوْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثابِتَةَ الأصْلِ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ في شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أقْوى وأكْمَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عُرُوقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، وهَذا الجَوْهَرُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ بَعِيدٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وأيْضًا مَدَدُ هَذا الرُّسُوخِ إنَّما هو مِن تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّجَلِّي مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ نُورَ النُّورِ ومَبْدَأ الظُّهُورِ، وذَلِكَ مِمّا يَمْتَنِعُ عَقْلًا زَوالُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، والتَّغَيُّرُ والفَناءُ والتَّبَدُّلُ والزَّوالُ والبُخْلُ والمَنعُ مُحالٌ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِكَوْنِها ثابِتَةَ الأصْلِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الشَّجَرَةَ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها بِحَيْثُ يَكُونُ فَرْعُها في السَّماءِ.

صفحة ٩٤

واعْلَمْ أنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ لَها أغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الإلَهِيِّ، وأغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ.

وأمّا النوع الأوَّلُ: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في عالَمِ الأرْواحِ، وفي عالَمِ الأجْسامِ، وفي أحْوالِ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وفي أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ويَدْخُلُ فِيهِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى والشَّوْقُ إلى اللَّهِ تَعالى والمُواظَبَةُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِقْصاءُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأقْسامِ غَيْرُ مَطْمُوعٍ فِيهِ لِأنَّها أحْوالٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.

وأمّا النوع الثّانِي: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ: الرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ والصَّفْحُ والتَّجاوُزُ عَنِ الذُّنُوبِ، والسَّعْيُ في إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم، ومُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ. وهَذِهِ الأقْسامُ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وهي فُرُوعٌ ثابِتَةٌ مِن شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ تَوَغُّلًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ عِنْدَهُ أكْمَلَ وأقْوى وأفْضَلَ.

وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأشْجارِ الجُسْمانِيَّةِ؛ لِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ مُوجِبَةٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ ومُؤَثِّرَةٌ في حُصُولِها، والسَّبَبُ لا يَنْفَكُّ عَنِ المُسَبَّبِ فَأثَرُ رُسُوخِ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ القَلْبِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ بِالعِبْرَةِ كَما قالَ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، وأنْ يَكُونَ سَماعُهُ بِالحِكْمَةِ كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ونُطْقُهُ بِالصِّدْقِ والصَّوابِ كَما قالَ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قُولُوا الحَقَّ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم» “ وهَذا الإنْسانُ كُلَّما كانَ رُسُوخُ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ قَلْبِهِ أقْوى وأكْمَلَ، كانَ ظُهُورُ هَذِهِ الآثارِ عِنْدَهُ أكْثَرَ، ورُبَّما تَوَغَّلَ في هَذا البابِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ كَلَّما لاحَظَ شَيْئًا لاحَظَ الحَقَّ فِيهِ، ورُبَّما عَظُمَ تَرَقِّيهِ فِيهِ فَيَصِيرُ لا يَرى شَيْئًا إلّا وقَدْ كانَ قَدْ رَأى اللَّهَ تَعالى قَبْلَهُ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ وأيْضًا فَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى الإلْهاماتِ النَّفْسانِيَّةِ والمَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ في جَواهِرِ الأرْواحِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَصْعَدُ مِنها في كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ وخُضُوعٌ وخُشُوعٌ وبُكاءٌ وتَذَلُّلٌ، كَثَمَرَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.

وأما قوله: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ السَّنِيَّةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ قَدْ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وقَدْ يَتَرَقّى فَلا يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ المَوْلى، وعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ فَرَحُهُ في الحَقِيقَةِ بِالمَوْلى لا بِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ”مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالفانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ، بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي شَرَحْناهُ والبَيانِ الَّذِي فَصَّلْناهُ أنَّ هَذا المِثالَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ مِثالٌ هادٍ إلى عالَمِ القُدُسِ، وحَضْرَةِ الجَلالِ، وسُرادِقاتِ الكِبْرِياءِ، فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَزِيدَ الِاهْتِداءِ والرَّحْمَةِ إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم في تَقْرِيرِ هَذا المِثالِ كَلامًا لا بَأْسَ بِهِ، فَقالَ: إنَّما مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الإيمانَ بِالشَّجَرَةِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى شَجَرَةً، إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: عِرْقٌ راسِخٌ،

صفحة ٩٥

وأصْلٌ قائِمٌ، وأغْصانٌ عالِيَةٌ. كَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةٌ في القَلْبِ، وقَوْلٌ بِاللِّسانِ، وعَمَلٌ بِالأبْدانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ .

الثّانِي: قالَ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ“ مَثَلًا ”، و“ كَلِمَةً ”بِضَرَبَ، أيْ ضَرَبَ كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا بِمَعْنى جَعَلَها مَثَلًا. وقَوْلُهُ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هي كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ.

الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ“ حَلِّ العَقْدِ ”أظُنُّ أنَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿كَلِمَةً﴾ عَطْفَ بَيانٍ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِمَعْنى مِثْلَ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ هي النَّخْلَةُ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ": إنَّها كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ وشَجَرَةِ التِّينِ والعِنَبِ والرُّمّانِ، وأرادَ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الثَّمَرَةَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْها لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها.

﴿أصْلُها﴾ أيْ أصْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ ثابِتٌ. ﴿وفَرْعُها﴾ أيْ أعْلاها في السَّماءِ، والمُرادُ الهَواءُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ وعَلاكَ فَهو سَماءٌ. ﴿تُؤْتِي﴾ أيْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ ﴿أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَها وما يُؤْكَلُ مِنها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الحِينِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ بَيْنَ حَمْلِها إلى صِرامِها سِتَّةَ أشْهُرٍ. جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: نَذَرْتُ أنْ لا أُكَلِّمَ أخِي حَتّى حِينٍ، فَقالَ: الحِينُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: سَنَةٌ لِأنَّ الشَّجَرَةَ مِنَ العامِ إلى العامِ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: شَهْرانِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ إطْعامِ النَّخْلَةِ شَهْرانِ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ مَن شاهَدْنا مِن أهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ الحِينَ اسْمٌ كالوَقْتِ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأزْمانِ كُلِّها طالَتْ أمْ قَصُرَتْ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِها في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ لَيْلًا أوْ نَهارًا أوْ شِتاءً أوْ صَيْفًا. قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النَّخْلَةَ إذا تَرَكُوا عَلَيْها الثَّمَرَ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ انْتَفَعُوا بِها في جَمِيعِ أوْقاتِ السَّنَةِ.

وأقُولُ: هَؤُلاءِ وإنْ أصابُوا في البحث عَنْ مُفْرَداتِ ألْفاظِ الآيَةِ، إلّا أنَّهم بَعُدُوا عَنْ إدْراكِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هي النَّخْلَةُ أمْ غَيْرُها، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِالصِّفاتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ شَجَرَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِها وتَمَلُّكِها لِنَفْسِهِ سَواءً كانَ لَها وُجُودٌ في الدُّنْيا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أمْرٌ مَطْلُوبُ التَّحْصِيلِ، واخْتِلافُهم في تَفْسِيرِ الحِينِ أيْضًا مِن هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالأُمُورِ.

ثم قال: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ في ضَرْبِ الأمْثالِ زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعانِيَ العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ لا يَقْبَلُها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، فَإذا ذُكِرَ ما يُساوِيها مِنَ المَحْسُوساتِ تَرَكَ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ تِلْكَ المُنازَعَةَ وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ وحَصَلَ بِهِ الفَهْمُ التّامُّ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ.

* * *

وأما قوله تَعالى: ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّ الشَّجَرَةَ الخَبِيثَةَ هي الجَهْلُ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ أوَّلُ الآفاتِ وعُنْوانُ المُخالَفاتِ ورَأْسُ الشَّقّاواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَها بِشَجَرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها تَكُونُ خَبِيثَةً. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّها الثُّومُ؛ لِأنَّهُ ﷺ وصَفَ الثُّومَ بِأنَّها شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ.

صفحة ٩٦

وقِيلَ: إنَّها الكُرّاثُ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَضارِّ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الشَّوْكِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ لا حاجَةَ إلَيْهِ، فَإنَّ الشَّجَرَةَ قَدْ تَكُونُ خَبِيثَةً بِحَسَبِ الرّائِحَةِ وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الطَّعْمِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ والمَنظَرِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ اشْتِمالِها عَلى المَضارِّ الكَثِيرَةِ. والشَّجَرَةُ الجامِعَةُ لِكُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ كانَ التَّشْبِيهُ بِها نافِعًا في المَطْلُوبِ.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ ومَعْنى اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ، وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ كُلِّها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ، فَكَذَلِكَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ ولا ثَباتٌ ولا قُوَّةٌ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ كالمُتَمِّمَةِ لِلصِّفَةِ الثّانِيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَها اسْتِقْرارٌ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا كَقَوْلِكَ: ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِها القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ فَهو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا المِثالَ في صِفَةِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ في غايَةِ الكَمالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ الكَثِيرَةِ، وخالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ. أمّا كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيثَةٍ﴾، وأمّا كَوْنُها خالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . واللَّهُ أعْلَمُ.

14:27Page 259

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧

Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ صِفَةَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أنْ يَكُونَ أصْلُها ثابِتًا، وصِفَةَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ أنْ لا يَكُونَ لَها أصْلٌ ثابِتٌ بَلْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً ولا يَكُونُ لَها قَرارٌ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ الثّابِتَ الصّادِرَ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا يُوجِبُ ثَباتَ كَرامَةِ اللَّهِ لَهم، وثَباتَ ثَوابِهِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ الثَّباتَ في المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ يُوجِبُ الثَّباتَ في الثَّوابِ والكَرامَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ أيْ عَلى الثَّوابِ والكَرامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ بِالقَوْلِ الثّابِتِ الَّذِي كانَ يَصْدُرُ عَنْهم حالَ ما كانُوا في الحَياةِ الدُّنْيا.

ثم قال: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي كَما أنَّ الكَلِمَةَ الخَبِيثَةَ ما كانَ لَها أصْلٌ ثابِتٌ ولا فَرْعٌ باسِقٌ، فَكَذَلِكَ أصْحابُ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ وهُمُ الظّالِمُونَ يُضِلُّهُمُ اللَّهُ عَنْ كَراماتِهِ ويَمْنَعُهم عَنِ الفَوْزِ بِثَوابِهِ. وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ وهو القَوْلُ المَشْهُورُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في سُؤالِ المَلَكَيْنِ في القَبْرِ، وتَلْقِينِ اللَّهِ المُؤْمِنَ كَلِمَةَ الحَقِّ في القَبْرِ عِنْدَ السُّؤالِ وتَثْبِيتِهِ إيّاهُ عَلى الحَقِّ. «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ قالَ: ”حِينَ يُقالُ لَهُ في القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ وما دِينُكَ ؟ ومِن نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينَيَ الإسْلامُ ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ“» . والمُرادُ في الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما

صفحة ٩٧

يُثَبِّتُهم في القَبْرِ بِسَبَبِ مُواظَبَتِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى هَذا القَوْلِ، ولِهَذا الكَلامِ تَقْرِيرٌ عَقْلِيٌّ وهو أنَّهُ كُلَّما كانَتِ المُواظَبَةُ عَلى الفِعْلِ أكْثَرَ كانَ رُسُوخُ تِلْكَ الحالَةِ في العَقْلِ والقَلْبِ أقْوى، فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَةُ العَبْدِ عَلى ذِكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وعَلى التَّأمُّلِ في حَقائِقِها ودَقائِقِها أكْمَلَ وأتَمَّ كانَ رُسُوخُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ في عَقْلِهِ وقَلْبِهِ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأكْمَلَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن داوَمَ عَلى الشَّهادَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا يُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلَيْها في قَبْرِهِ ويُلَقِّنُهُ إيّاها. وإنَّما فَسَّرَ ”﴿الآخِرَةِ﴾“ هَهُنا بِالقَبْرِ؛ لِأنَّ المَيِّتَ انْقَطَعَ بِالمَوْتِ عَنْ أحْكامِ الدُّنْيا ودَخَلَ في أحْكامِ الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا سُئِلُوا في قُبُورِهِمْ قالُوا: لا نَدْرِي. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي إنْ شاءَ هَدى وإنْ شاءَ أضَلَّ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ البَتَّةَ.

14:28–30Page 259

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨

Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠

And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ أحْوالِ الكُفّارِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ نَزَلَ في أهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَرَمَهُ الآمِنَ وجَعَلَ عَيْشَهم في السَّعَةِ، وبَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنْواعًا مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ.

النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا؛ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ بِسَبَبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ أتَوْا بِالكُفْرِ، فَكَأنَّهم غَيَّرُوا الشُّكْرَ إلى الكُفْرِ وبَدَّلُوهُ تَبْدِيلًا.

والثّانِي: أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا لِأنَّهم لَمّا كَفَرُوا سَلَبَ اللَّهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَنْهم فَبَقِيَ الكُفْرُ مَعَهم بَدَلًا مِنَ النِّعْمَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّسُولِ والقُرْآنِ فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ.

والنوع الثّانِي: مِمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْلُهُ: ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ وهو الهَلاكُ، يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وأرادَ بِدارِ البَوارِ جَهَنَّمَ بِدَلِيلِ أنَّهُ فَسَّرَها بِجَهَنَّمَ فَقالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيِ المَقَرُّ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ.

النوع الثّالِثُ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ذَكَرَ أنَّهم بَعْدَ أنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ جَعَلُوا لَهُ أنْدادًا، والمُرادُ مِن هَذا الجَعْلِ الحكم والِاعْتِقادُ والقَوْلُ، والمُرادُ مِنَ الأنْدادِ الأشْباهُ والشُّرَكاءُ، وهَذا الشَّرِيكُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهم جَعَلُوا لِلْأصْنامِ حَظًّا فِيما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ وهَذا لِشُرَكائِنا.

وثانِيها؛ أنَّهم شَرِكُوا بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ خالِقِ العالَمِ في العُبُودِيَّةِ.

وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وهو قَوْلُهم في الحَجِّ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.

صفحة ٩٨

المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”لِيَضِلُّوا“ بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ والباقُونَ بِضَمِّ الياءِ مِن أضَلَّ غَيْرَهُ يُضِلُّ.

المسألة الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لامُ العاقِبَةِ لِأنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ سَبَبٌ يُؤَدِّي إلى الضَّلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ؛ أيِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَثَنَ كَيْ يُضِلُّوا غَيْرَهم، هَذا إذا قُرِئَ بِالضَّمِّ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوجه يْنِ، وإذا قُرِئَ بِالنَّصْبِ فَلا يَحْتَمِلُ إلّا لامَ العاقِبَةِ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا ضَلالَ أنْفُسِهِمْ. وتَحْقِيقُ القَوْلِ في لامِ العاقِبَةِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا في آخِرِ المَراتِبِ كَما قِيلَ: أوَّلُ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ. وكُلُّ ما حَصَلَ في العاقِبَةِ كانَ شَبِيهًا بِالأمْرِ المَقْصُودِ في هَذا المَعْنى، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِحُسْنِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ ذِكْرُ اللّامِ في العاقِبَةِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ والمُرادُ أنَّ حالَ الكافِرِ في الدُّنْيا كَيْفَ كانَتْ، فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَصِلُ إلَيْهِ مِنَ العِقابِ في الآخِرَةِ تَمَتُّعٌ ونَعِيمٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . وأيْضًا إنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا فَأُولَئِكَ كانُوا في الدُّنْيا في نِعَمٍ كَثِيرَةٍ فَلا جَرَمَ حَسُنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وهَذا الأمْرُ يُسَمّى أمْرَ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском