Ar-RaziAl‑Hijr · 15:51–71

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:51–71

15:51–56Page 264

وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٥١

And inform them about the guests of Abraham,

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ ٥٢

When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful [i.e., apprehensive] of you."

قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٥٣

[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."

قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤

He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"

قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥

They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."

قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦

He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أحْوالَ القِيامَةِ وصِفَةِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِيَكُونَ سَماعُها مُرَغِّبًا في الطّاعَةِ المُوجِبَةِ لِلْفَوْزِ بِدَرَجاتِ الأنْبِياءِ، ومُحَذِّرًا عَنِ المَعْصِيَةِ لِاسْتِحْقاقِ دَرَكاتِ الأشْقِياءِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَبِّئْهُمْ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿عِبادِي﴾ والتَّقْدِيرُ: ونَبِّئْ عِبادِي عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ، يُقالُ: أنْبَأْتُ القَوْمَ إنْباءً ونَبَّأْتُهم تَنْبِئَةً إذا أخْبَرْتَهم، وذَكَرَ تَعالى في الآيَةِ أنَّ ضَيْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ بَعْدَ الكِبَرِ، وبِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِ لُوطٍ مِنَ العَذابِ، وأخْبَرُوهُ أيْضًا بِأنَّهُ تَعالى سَيُعَذِّبُ الكُفّارَ مِن قَوْمِ لُوطٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُقَوِّي ما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّ عَذابَهُ عَذابٌ ألِيمٌ في حَقِّ الكُفّارِ.

المسألة الثّانِيَةُ: الضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرُ ضافَ يَضِيفُ إذا أتى إنْسانًا لِطَلَبِ القِرى، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ، ولِذَلِكَ وحَّدَ في اللَّفْظِ وهم جَماعَةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمّاهم ضَيْفًا مَعَ امْتِناعِهِمْ عَنِ الأكْلِ ؟

صفحة ١٥٦

قُلْنا: لَمّا ظَنَّ إبْراهِيمُ أنَّهم إنَّما دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ الضِّيافَةِ جازَ تَسْمِيَتُهم بِذَلِكَ. وقِيلَ أيْضًا: إنَّ مَن يَدْخُلُ دارَ الإنْسانِ، ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ يُسَمّى ضَيْفًا وإنْ لَمْ يَأْكُلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ: نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا أوْ سَلَّمْتُ سَلامًا، فَقالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ، وكانَ خَوْفُهُ لِامْتِناعِهِمْ مِنَ الأكْلِ، وقِيلَ: لِأنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنٍ وبِغَيْرِ وقْتٍ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”لا تُوجَلْ“ بِضَمِّ التّاءِ مِن أوْجَلَهُ يُوجِلُهُ إذا أخافَهُ. وقُرِئَ لا تَأْجَلْ ولا تُواجَلْ مِن واجَلَهُ بِمَعْنى أوْجَلَهُ، وهَذِهِ القِصَّةُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ. وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ فِيهِ أبْحاثُ:

البحث الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (إنّا نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ، وتَخْفِيفِ الباءِ، والباقُونَ: ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.

البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والمَعْنى: أنَّكَ بِمَثابَةِ الآمِنِ المُبَشَّرِ فَلا تَوْجَلْ.

البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ بَشَّرُوهُ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الوَلَدَ ذَكَرٌ والآخَرُ أنَّهُ يَصِيرُ عَلِيمًا، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ العَلِيمِ، فَقِيلَ: بَشَّرُوهُ بِنُبُوَّتِهِ بَعْدَهُ. وقِيلَ: بَشَّرُوهُ بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِالدِّينِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، فَمَعْنى: ﴿عَلى﴾ هَهُنا لِلْحالِ أيْ: حالَةَ الكِبَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: لَفْظُ ما هَهُنا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونِي ؟

فَإنْ قِيلَ: في الآيَةِ إشْكالانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ اسْتَبْعَدَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِنهُ في زَمانِ الكِبَرِ، وإنْكارُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ كُفْرٌ.

الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ بَيَّنُوا ما بَشَّرُوهُ بِهِ، وما فائِدَةُ هَذا الإسْتِفَهامِ. قالَ القاضِي: أحْسَنُ ما قِيلَ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الوَلَدَ مَعَ أنَّهُ يُبْقِيهِ عَلى صِفَةِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ يَقْلِبُهُ شابًّا، ثُمَّ يُعْطِيهِ الوَلَدَ، والسَّبَبُ في هَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الوَلَدُ حالَ الشَّيْخُوخَةِ التّامَّةِ وإنَّما يَحْصُلُ في حالِ الشَّبابِ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ مَعْنى الكَلامِ ما ذَكَرْتُمْ فَلِمَ قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ.

قُلْنا: إنَّهم بَيَّنُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَهُ بِالوَلَدِ مَعَ إبْقائِهِ عَلى صِفَةِ الشَّيْخُوخَةِ وقَوْلُهُ: فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ صَرَّحَ في جَوابِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ وفِيهِ جَوابٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في شَيْءٍ وفاتَهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ ذَلِكَ المُرادِ فِيهِ، فَإذا بُشِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُصُولِهِ عَظُمَ فَرَحُهُ وسُرُورُهُ ويَصِيرُ ذَلِكَ الفَرَحُ القَوِيُّ كالمُدْهِشِ لَهُ والمُزِيلِ لِقُوَّةِ فَهْمِهِ وذَكائِهِ، فَلَعَلَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلِماتٍ مُضْطَرِبَةٍ في ذَلِكَ الفَرَحِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّهُ يَسْتَطِيبُ تِلْكَ البِشارَةَ فَرُبَّما يُعِيدُ السُّؤالَ لِيَسْمَعَ تِلْكَ البِشارَةَ مَرَّةً أُخْرى ومَرَّتَيْنِ وأكْثَرَ طَلَبًا لِلِالتِذاذِ بِسَماعِ تِلْكَ البِشارَةِ، وطَلَبًا لِزِيادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ والوُثُوقِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وقِيلَ أيْضًا: اسْتَفْهَمَ أبِأمْرِ اللَّهِ تُبَشِّرُونِ أمْ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم واجْتِهادِكم ؟

المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: ﴿تُبَشِّرُونَي﴾ بِكَسْرِ النُّونِ خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وتَشْدِيدِها. والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ خَفِيفَةً، أمّا الكَسْرُ والتَّشْدِيدُ فَتَقْدِيرُهُ تُبَشِّرُونَنِي أُدْغِمَتْ نُونُ الجَمْعِ في نُونِ

صفحة ١٥٧

الإضافَةِ، وأمّا الكَسْرُ والتَّخْفِيفُ فَعَلى حَذْفِ نُونِ الجَمْعِ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ وطَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذَفَ نافِعٌ الياءَ مَعَ النُّونِ. قالَ: وإسْقاطُ الحَرْفَيْنِ لا يَجُوزُ، وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ أسْقَطَ حَرْفًا واحِدًا وهي النُّونُ الَّتِي هي عَلامَةٌ لِلرَّفْعِ. وعَلى أنَّ حَذْفَ الحَرْفَيْنِ جائِزٌ قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ: ﴿ولا تَكُ﴾ وفي مَوْضِعٍ: ﴿ولا تَكُنْ﴾ فَأمّا فَتْحُ النُّونِ فَعَلى غَيْرِ الإضافَةِ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، وهي مَفْتُوحَةٌ أبَدًا، وقَوْلُهُ: ﴿بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَضى أنْ يُخْرِجَ مِن صُلْبِ إبْراهِيمَ إسْحَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُخْرِجَ مِن صُلْبِ إسْحَقَ مِثْلَ ما أخْرَجَ مِن صُلْبِ آدَمَ فَإنَّهُ تَعالى بَشَّرَ بِأنَّهُ يُخْرِجُ مِن صُلْبِ إسْحَقَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ نَهْيٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ القُنُوطِ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ نَهْيَ الإنْسانِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابِ: ١] ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: هَذا الكَلامُ حَقٌّ؛ لِأنَّ القُنُوطَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِأُمُورٍ:

أحَدُها: أنْ يَجْهَلَ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ.

وثانِيها: أنْ يَجْهَلَ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِاحْتِياجِ ذَلِكَ العَبْدِ إلَيْهِ.

وثالِثُها: أنْ يَجْهَلَ كَوْنَهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ البُخْلِ والحاجَةِ والجَهْلِ فَكُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ سَبَبٌ لِلضَّلالِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ .

المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: (يَقْنِطُ) بِكَسْرِ النُّونِ ولا تَقْنِطُوا كَذَلِكَ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ: قَنَطَ يَقْنِطُ، نَحْوَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ نَحْوَ عَلِمَ يَعْلَمُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: قَنَطَ يَقْنُطُ بِضَمِّ النُّونِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَنَطَ يَقْنِطُ بِفَتْحِ النُّونِ في الماضِي وكَسْرِها في المُسْتَقْبَلِ مِن أعْلى اللُّغاتِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اجْتِماعُهم في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشُّورى: ٢٨] وحِكايَةُ أبِي عُبَيْدَةَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ قَنَطَ بِفَتْحِ النُّونِ أكْثَرُ؛ لِأنَّ المُضارِعَ مِن فَعَلَ يَجِيءُ عَلى يَفْعِلُ ويَفْعَلُ مِثْلَ فَسَقَ يَفْسِقُ ويَفْسَقُ ولا يَجِيءُ مُضارِعُ فَعَلَ عَلى يَفْعُلُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

15:57–61Page 265

قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٧

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٥٨

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٩

Except the family of Lot; indeed, we will save them all

إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٦٠

Except his wife." We [i.e., Allāh] decreed that she is of those who remain behind.1

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٦١

And when the messengers came to the family of Lot,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ سُؤالٌ عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والخَطْبُ والشَّأْنُ والأمْرُ سَواءٌ: إلّا أنَّ لَفْظَ الخَطْبِ أدَلُّ عَلى عِظَمِ الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ الذَّكَرِ العَلِيمِ فَكَيْفَ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ .

صفحة ١٥٨

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ ما الأمْرُ الَّذِي تَوَجَّهْتُمْ لَهُ سِوى البُشْرى.

الثّانِي: قالَ القاضِي: إنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ كَمالُ المَقْصُودِ إيصالَ البِشارَةِ لَكانَ الواحِدُ مِنَ المَلائِكَةِ كافِيًا، فَلَمّا رَأى جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلِمَ أنَّ لَهم غَرَضًا آخَرَ سِوى إيصالِ البِشارَةِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ .

الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهم قالُوا: إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. في مَعْرِضِ إزالَةِ الخَوْفِ والوَجَلِ، ألا تَرى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا خافَ قالُوا لَهُ: لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. ولَوْ كانَ تَمامُ المَقْصُودِ مِنَ المَجِيءِ هو ذِكْرَ تِلْكَ البِشارَةِ لَكانُوا في أوَّلِ ما دَخَلُوا عَلَيْهِ ذَكَرُوا تِلْكَ البِشارَةَ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّهُ ما كانَ مَجِيئُهم لِمُجَرَّدِ هَذِهِ البِشارَةِ بَلْ كانَ لِغَرَضٍ آخَرَ فَلا جَرَمَ سَألَهم عَنْ ذَلِكَ الغَرَضِ فَقالَ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ .

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى هَذا القَدْرِ لِعِلْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ المَلائِكَةَ إذا أُرْسِلُوا إلى المُجْرِمِينَ كانَ ذَلِكَ لِإهْلاكِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ وأيْضًا فَقَوْلُهم: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الإرْسالِ إهْلاكُ القَوْمِ.

أما قوله تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ فالمُرادُ مِن آلِ لُوطٍ أتْباعُهُ الَّذِينَ كانُوا عَلى دِينِهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ هَلْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ ؟

قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ كانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءً مِن (قَوْمٍ) كانَ مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ القَوْمَ مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ وآلُ لُوطٍ ما كانُوا مُجْرِمِينَ، فاخْتَلَفَ الجِنْسانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا. وإنْ كانَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ في (مُجْرِمِينَ) كانَ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: إلى قَوْمٍ قَدْ أجْرَمُوا كُلُّهم إلّا آلَ لُوطٍ وحْدَهم كَما قالَ: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٣٦] ثم قال صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَخْتَلِفُ المَعْنى بِحَسَبِ اخْتِلافِ هَذَيْنِ الوجهيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ آلَ لُوطٍ يَخْرُجُونَ في المُنْقَطِعِ مِن حُكْمِ الإرْسالِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَلائِكَةَ أُرْسِلُوا إلى القَوْمِ المُجْرِمِينَ خاصَّةً وما أُرْسِلُوا إلى آلِ لُوطٍ أصْلًا، وأمّا في المُتَّصِلِ فالمَلائِكَةُ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِيُهْلِكُوا هَؤُلاءِ ويُنَجُّوا هَؤُلاءِ، وأما قوله: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”مُنْجُوهم“ خَفِيفَةً، والباقُونَ مُشَدَّدَةً وهُما لُغَتانِ.

أما قوله تَعالى: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إنَّما يَكُونُ فِيما اتَّحَدَ الحكم فِيهِ، كَما لَوْ قِيلَ: أهْلَكْناهم إلّا آلَ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ، وكَما لَوْ قالَ المُطَلِّقُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إلّا ثِنْتَيْنِ إلّا واحِدَةً، وكَما إذا قالَ: المُقِرُّ لِفُلانٍ عَلى عَشَرَةِ دَراهِمَ إلّا ثَلاثَةً إلّا دِرْهَمًا، فَأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الحُكْمانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُرْسِلْنا﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ قَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا اسْتِثْناءً مِنَ اسْتِثْناءٍ.

وأما قوله: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى التَّقْدِيرِ في اللُّغَةِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ. يُقالُ: قَدِّرْ هَذا الشَّيْءَ بِهَذا أيِ: اجْعَلْهُ عَلى مِقْدارِهِ، وقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى الأقْواتَ أيْ: جَعَلَها عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ، ثُمَّ يُفَسَّرُ التَّقْدِيرُ

صفحة ١٥٩

بِالقَضاءِ، فَقالَ: قَضى اللَّهُ عَلَيْهِ كَذا، وقَدَّرَهُ عَلَيْهِ أيْ: جَعَلَهُ عَلى مِقْدارِ ما يَكْفِي في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقِيلَ في مَعْنى: ﴿قَدَّرْنا﴾ كَتَبْنا. قالَ الزَّجّاجُ: دَبَّرْنا. وقِيلَ: قَضَيْنا، والكُلُّ مُتَقارِبٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”قَدَرْنا“ بِتَخْفِيفِ الدّالِ هَهُنا وفي النَّمْلِ. وقَرَأ الباقُونَ فِيهِما بِالتَّشْدِيدِ. قالَ الواحِدِيُّ يُقالُ: قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وقَدَرْتُهُ، ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ: (نَحْنُ قَدَرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ) [الواقِعَةِ: ٦٠] خَفِيفًا، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) [ الأعْلى: ٣] ثم قال: والمُشَدَّدَةُ في هَذا المَعْنى أكْثَرُ اسْتِعْمالًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فُصِّلَتْ: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] .

المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ أسْنَدَ المَلائِكَةُ فِعْلَ التَّقْدِيرِ إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ولِمَ لَمْ يَقُولُوا: قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى ؟

والجَوابُ: إنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ العِبارَةَ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِاللَّهِ تَعالى كَما يَقُولُ خاصَّةُ المَلِكِ: دَبَّرْنا كَذا، وأمَرْنا بِكَذا والمُدَبِّرُ والآمِرُ هو المَلِكُ لا هم، وإنَّما يُرِيدُونَ بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ إظْهارَ ما لَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِذَلِكَ المَلِكِ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ التَّقْدِيرُ قَضَيْنا أنَّها تَتَخَلَّفُ، وتَبْقى مَعَ مَن يَبْقى حَتّى تَهْلِكَ كَما يَهْلِكُونَ. ولا تَكُونُ مِمَّنْ يَبْقى مَعَ لُوطٍ فَتَصِلُ إلى النَّجاةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

15:62–64Page 265

قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٦٢

He said, "Indeed, you are people unknown."

قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣

They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,

وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤

And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوا إبْراهِيمَ بِالوَلَدِ وأخْبَرُوهُ بِأنَّهم مُرْسَلُونَ لِعَذابِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ذَهَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلى لُوطٍ وإلى آلِهِ، وأنَّ لُوطًا وقَوْمَهُ ما عَرَفُوا أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ لَهم: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وفي تَأْوِيلِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما وصَفَهم بِأنَّهم مُنْكَرُونَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما عَرَفَهم، فَلَمّا هَجَمُوا عَلَيْهِ اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ وخافَ أنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ؛ لِأجْلِ شَرٍّ يُوَصِّلُونَهُ إلَيْهِ، فَقالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا شَبابًا مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَخافَ أنْ يَهْجُمَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طَلَبِهِمْ فَقالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ النَّكِرَةَ ضِدُّ المَعْرِفَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ: لا أعْرِفُكم، ولا أعْرِفُ أنَّكم مِن أيِّ الأقْوامِ، ولِأيِّ غَرَضٍ دَخَلْتُمْ عَلَيَّ، فَعِنْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ في نُزُولِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ما ذَكَرُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: بِالعَذابِ، وقِيلَ: بِاليَقِينِ والأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ وهو عَذابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذا التَّأْكِيدَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ .

15:65–71Page 265

فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥

So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."

وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦

And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.

وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧

And the people of the city came rejoicing.1

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨

[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.

وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩

And fear Allāh and do not disgrace me."

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠

They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١

[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."

صفحة ١٦٠

﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ .

قُرِئَ ”فَأسْرِ“ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها مِن أسْرى وسَرى. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ عَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ فَسِرْ ”مِنَ“ السَّيْرِ. والقِطْعُ آخِرُ اللَّيْلِ. قالَ الشّاعِرُ:

افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ

وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ مَعْناهُ: اتَّبِعْ آثارَ بَناتِكَ وأهْلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ الفائِدَةُ فِيهِ أشْياءُ:

أحَدُها: لِئَلّا يَتَخَلَّفَ مِنكم أحَدٌ فِينالَهُ العَذابُ.

وثانِيها: لِئَلّا يَرى عَظِيمَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ.

وثالِثُها: مَعْناهُ الإسْراعُ وتَرْكُ الِاهْتِمامِ لِما خَلَّفَ وراءَهُ كَما تَقُولُ: امْضِ لِشَأْنِكَ ولا تُعَرِّجْ عَلى شَيْءٍ.

ورابِعُها: لَوْ بَقِيَ مِنهُ مَتاعٌ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلا يَرْجِعَنَّ بِسَبَبِهِ ألْبَتَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الشّامَ. قالَ المُفَضَّلُ: حَيْثُ يَقُولُ لَكم جِبْرِيلُ، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَمْضُوا إلى قَرْيَةٍ مُعَيَّنَةٍ أهْلُها ما عَمِلُوا مِثْلَ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ عَدّى قَضَيْنا بِإلى؛ لِأنَّهُ ضِمْنَ مَعْنى أوْحَيْنا، كَأنَّهُ قِيلَ: وأوْحَيْناهُ إلَيْهِ مَقْضِيًّا مَبْتُوتًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسْراءِ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ [يُونُسَ: ٧١] ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ القَضاءَ المَبْتُوتَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا، وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا تَفْخِيمٌ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمٌ لَهُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ ”إنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ كَأنَّ قائِلًا، قالَ: أخْبِرْنا عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ، فَقالَ: إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقُلْنا: ”أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ“ ودابِرُهم آخِرُهم، يَعْنِي: يُسْتَأْصَلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ وقَوْلُهُ: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: حالَ ظُهُورِ الصُّبْحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском