Ar-RaziAl‑Hijr · 15:72–86

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:72–86

15:72–77Page 266

لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢

By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣

So the shriek1 seized them at sunrise.

فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥

Indeed in that are signs for those who discern.

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦

And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧

Indeed in that is a sign for the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ الخَبَرُ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ وبابُ القَسَمِ يُحْذَفُ مِنهُ الفِعْلُ نَحْوَ: بِاللَّهِ لِأفْعَلَنَّ، والمَعْنى: أحْلِفُ بِاللَّهِ فَيُحْذَفُ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِأنَّكَ حالِفٌ.

ثم قال تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ قِيلَ بِهِ، وإلّا فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ إلّا عَلى أنَّهُ جاءَتْهم صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ مُهْلِكَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ يُقالُ: شَرَّقَ الشّارِقُ يُشَرِّقُ شُرُوقًا لِكُلِّ ما طَلَعَ مِن جانِبِ الشَّرْقِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ما ذَرَّ شارِقٌ أيْ: طَلَعَ طالِعٌ فَقَوْلُهُ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، يُقالُ: أشْرَقَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عَذَّبَهم بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ:

أحَدُها: الصَّيْحَةُ الهائِلَةُ المُنْكَرَةُ.

وثانِيها: أنَّهُ جَعَلَ عالِيَها سافِلَها.

وثالِثُها: أنَّهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، وكُلُّ هَذِهِ الأحْوالِ قَدْ مَرَّ

صفحة ١٦٢

تَفْسِيرُها في سُورَةِ هُودٍ.

ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ يُقالُ: تَوَسَّمْتُ في فُلانٍ خَيْرًا أيْ: رَأيْتُ فِيهِ أثَرًا مِنهُ وتَفَرَّسْتُهُ فِيهِ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ المُتَوَسِّمِينَ قِيلَ: المُتَفَرِّسِينَ، وقِيلَ: النّاظِرِينَ، وقِيلَ: المُتَفَكِّرِينَ، وقِيلَ: المُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ: المُتَبَصِّرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: حَقِيقَةُ المُتَوَسِّمِينَ في اللُّغَةِ المُتَثَبِّتُونَ في نَظَرِهِمْ حَتّى يَعْرِفُوا سِمَةَ الشَّيْءِ وصِفَتَهُ وعَلامَتَهُ، والمُتَوَسِّمُ النّاظِرُ في السِّمَةِ الدّالَّةِ تَقُولُ: تَوَسَّمْتُ في فُلانٍ كَذا أيْ: عَرَفْتُ وسْمَ ذَلِكَ وسَمْتَهُ فِيهِ.

ثم قال: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّها﴾ عائِدٌ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ [الحِجْرِ: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ: هَذِهِ القُرى وما ظَهَرَ فِيها مِن آثارِ قَهْرِ اللَّهِ وغَضَبِهِ لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ثابِتٍ لَمْ يَنْدَرِسْ ولَمْ يُخْفَ، والَّذِينَ يَمُرُّونَ مِنَ الحِجازِ إلى الشّامِ يُشاهِدُونَها.

ثم قال: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وصَدَّقَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى انْتَقَمَ لِأنْبِيائِهِ مِن أُولَئِكَ الجُهّالِ، أمّا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَإنَّهم يَحْمِلُونَهُ عَلى حَوادِثِ العالَمِ ووَقائِعِهِ، وعَلى حُصُولِ القِراناتِ الكَوْكَبِيَّةِ والِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

15:78–84Page 266

وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨

And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠

And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.

وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣

But the shriek seized them at early morning,

فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤

So nothing availed them [from] what they used to earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

15:85–86Page 266

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

هَذِهِ هي القِصَّةُ الرّابِعَةُ، وهي قِصَّةُ صالِحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الحِجْرُ اسْمُ وادٍ كانَ يَسْكُنُهُ ثَمُودُ وقَوْلُهُ: ﴿المُرْسَلِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ صالِحٌ وحْدَهُ، ولَعَلَّ القَوْمَ كانُوا بَراهِمَةً مُنْكِرِينَ لِكُلِّ الرُّسُلِ وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ يُرِيدُ النّاقَةَ، وكانَ في النّاقَةِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ، وعِظَمِ خَلْقِها وظُهُورِ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وكَثْرَةِ لَبَنِها، وأضافَ الإيتاءَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ النّاقَةُ آيَةً لِصالِحٍ؛ لِأنَّها آياتُ رَسُولِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ واجِبٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ مَذْمُومٌ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّحْتِ في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ يُرِيدُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وقالَ الفَرّاءُ: ﴿آمِنِينَ﴾ أنْ يَقَعَ سَقْفُهم عَلَيْهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ الضُّرَّ والبَلاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن نَحْتِ تِلْكَ الجِبالِ ومِن جَمْعِ تِلْكَ الأمْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ الكُفّارَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإهْلاكُ والتَّعْذِيبُ كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ. فَأجابَ عَنْهُ بِأنِّي إنَّما خَلَقْتُ الخَلْقَ لِيَكُونُوا مُشْتَغِلِينَ بِالعِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإذا تَرَكُوها وأعْرَضُوا عَنْها وجَبَ في الحِكْمَةِ إهْلاكُهم وتَطْهِيرُ وجْهِ الأرْضِ مِنهم، وهَذا النَّظْمُ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا حَقًّا، وبِكَوْنِ الحَقِّ لا يَكُونُ الباطِلَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما فُعِلَ باطِلًا، وأُرِيدَ بِفِعْلِهِ كَوْنَ الباطِلِ لا يَكُونُ حَقًّا ولا يَكُونُ مَخْلُوقًا بِالحَقِّ، وفِيهِ بُطْلانُ مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ أكْثَرَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي باطِلٌ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ أعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما بَيْنَهُما. ولا شَكَّ أنَّ أفْعالَ العِبادِ بَيْنَهُما فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ في النَّظْمِ وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ تَصْبِيرُ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَإنَّهُ إذا سَمِعَ أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا يُعامِلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ سَهُلَ تَحَمُّلُ تِلْكَ السَّفاهاتِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ العَذابَ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ فَعِنْدَ هَذا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ وإنَّ اللَّهَ لَيَنْتَقِمُ لَكَ فِيها مِن أعْدائِكَ، ويُجازِيكَ وإيّاهم عَلى حَسَناتِكَ وسَيِّئاتِهِمْ، فَإنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ والعَدْلِ والإنْصافِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إهْمالُ أمْرِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ رَغَّبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ في الصَّفْحِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فَقالَ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ أيْ: فَأعْرِضْ عَنْهم، واحْتَمِلْ ما تَلْقى مِنهم إعْراضًا جَمِيلًا

صفحة ١٦٤

بِحِلْمٍ وإغْضاءٍ، وقِيلَ: هو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ أنْ يُظْهِرَ الخُلُقَ الحَسَنَ والعَفْوَ والصَّفْحَ، فَكَيْفَ يَصِيرُ مَنسُوخًا.

ثم قال: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ مَعَ اخْتِلافِ طَبائِعِهِمْ، وتَفاوُتِ أحْوالِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما خَلَقَهم مَعَ هَذا التَّفاوُتِ، ومَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ التَّفاوُتِ. أمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ فَلِمَحْضِ المَشِيئَةِ والإرادَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأجْلِ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском