Ar-RaziAl‑Hijr · 15:87–91

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:87–91

15:87–89Page 266

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧

And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.

لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.

وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ الصَّفْحَ الجَمِيلَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْهِ الصَّفْحُ والتَّجاوُزُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الآياتِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ السُّوَرِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الفَوائِدِ. ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ. وأمّا المَثانِي: فَهو صِيغَةُ جَمْعٍ، واحِدُهُ مُثَنّاةٌ، والمُثَنّاةُ كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى، أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ أوْ ضَمَمْتَ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ: لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْها مَثانِيَ؛ لِأنَّها تُثْنى بِالفَخِذِ والعَضُدِ، ومَثانِي الوادِي مَعاطِفُهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُهُ سَبْعَةُ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَدْرَ مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ولِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ فاتِحَةُ الكِتابِ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ الفاتِحَةَ، وقالَ: هي السَّبْعُ المَثانِي» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاسْمِ عَلى الفاتِحَةِ أنَّها سَبْعُ آياتٍ، وأمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي فَوُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ بِمَعْنى أنَّها تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ.

والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها يُثَنّى بَعْدَها ما يُقْرَأُ مَعَها.

الثّالِثُ: سُمِّيَتْ آياتُ الفاتِحَةِ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قُسِّمَتْ قِسْمَيْنِ اثْنَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» “ والحَدِيثُ مَشْهُورٌ.

الرّابِعُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قِسْمانِ ثَناءٌ ودُعاءٌ، وأيْضًا النِّصْفُ الأوَّلُ مِنها حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ وهو الثَّناءُ، والنِّصْفُ الثّانِي حَقُّ العُبُودِيَّةِ وهو الدُّعاءُ.

الخامِسُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ في أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ.

السّادِسُ: سُمِّيَتْ بِالمَثانِي؛ لِأنَّ كَلِماتِها مُثَنّاةٌ مِثْلُ: ”الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ“ وفي قِراءَةِ عُمَرَ: ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضّالِّينَ“ .

صفحة ١٦٥

السّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِاشْتِمالِها عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو حَمْدُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ ومُلْكُهُ.

* * *

واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ عَلى سُورَةِ الفاتِحَةِ فَهَهُنا أحْكامٌ:

(الحكم الأوَّلُ)

نَقَلَ القاضِي عَنْ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّهُ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْتُبُ في مُصْحَفِهِ فاتِحَةَ الكِتابِ رَأى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ. وأقُولُ: لَعَلَّ حُجَّتَهُ فِيهِ أنَّ السَّبْعَ المَثانِيَ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ هو الفاتِحَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَطَفَ السَّبْعَ المَثانِيَ عَلى القُرْآنِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ السَّبْعُ المَثانِي غَيْرَ القُرْآنِ، إلّا أنَّ هَذا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَذْكُرَ الكُلَّ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ ذِكْرَ بَعْضِ أجْزائِهِ وأقْسامِهِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ الأقْسامِ. أمّا إذا ذُكِرَ شَيْءٌ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ كانَ المَذْكُورُ أوَّلًا مُغايِرًا لِلْمَذْكُورِ ثانِيًا، وهَهُنا ذَكَرَ السَّبْعَ المَثانِيَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ القُرْآنَ العَظِيمَ، فَوَجَبَ حُصُولُ المُغايَرَةِ.

والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِمَجْمُوعِهِ، فَلِمَ لا يَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ المُغايَرَةِ في حُسْنِ العَطْفِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

(الحكم الثّانِي)

أنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ هو الفاتِحَةُ، دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أفْضَلُ سُوَرِ القُرْآنِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ إفْرادَها بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها جُزْءًا مِن أجْزاءِ القُرْآنِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِاخْتِصاصِها بِمَزِيدِ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَها مَرَّتَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ فَضْلِها وشَرَفِها.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا رَأيْنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واظَبَ عَلى قِراءَتِها في جَمِيعِ الصَّلَواتِ طُولَ عُمْرِهِ، وما أقامَ سُورَةً أُخْرى مَقامَها في شَيْءٍ مِنَ الصَّلَواتِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَقْرَأها في صِلاتِهِ وأنْ لا يُقِيمَ سائِرَ آياتِ القُرْآنِ مَقامَها، وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ هَذا الإبْدالِ فَإنَّ فِيهِ خَطَرًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ.

القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾: أنَّها السَّبْعُ الطِّوالُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ومُجاهِدٍ وهي: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والأنْفالُ، والتَّوْبَةُ مَعًا. قالُوا: وسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّوَرُ مَثانِيَ؛ لِأنَّ الفَرائِضَ والحُدُودَ والأمْثالَ والعِبَرَ ثُنِّيَتْ فِيها وأنْكَرَ الرَّبِيعُ هَذا القَوْلَ وقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ وأكْثَرُ هَذِهِ السُّوَرِ السَّبْعَةِ مَدَنِيَّةٌ، وما نَزَلَ شَيْءٌ مِنها في مَكَّةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْها.

وأجابَ قَوْمٌ عَنْ هَذا الإشْكالِ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ مِنها نُجُومًا، فَلَمّا أنْزَلَهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وحَكَمَ بِإنْزالِهِ عَلَيْهِ، فَهو مِن جُمْلَةِ ما آتاهُ، وإنْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ بَعْدُ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأمّا الَّذِي أنْزَلَهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وهو لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهَذا الكَلامُ لا يَصْدُقُ فِيهِ. وأما قوله بِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِإنْزالِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ما نَزَلَ

صفحة ١٦٦

عَلَيْهِ فَهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ إقامَةَ ما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ مَقامَ النّازِلِ عَلَيْهِ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي: أنَّها هي السُّوَرُ الَّتِي هي دُونَ الطِّوالِ والمِئِينَ وفَوْقَ المُفَصَّلِ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ قَوْمٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِما رَوى ثَوْبانُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي المَثانِيَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي رَبِّي بِالمُفَصَّلِ» “ . قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّوَرِ مَثانِي كالقَوْلِ في تَسْمِيَةِ الطِّوالِ مَثانِي.

وأقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا غُبارَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ فَهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المُسَمّى بِالسَّبْعِ المَثانِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن سائِرِ السُّوَرِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّوَرَ الَّتِي سَمُّوها بِالمَثانِي لَيْسَتْ أفْضَلَ مِن غَيْرِها، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ السَّبْعِ المَثانِي عَلى تِلْكَ السُّوَرِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ السَّبْعَ المَثانِيَ هو القُرْآنُ كُلُّهُ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ وقَوْلِ طاوُسٍ قالُوا: ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] فَوَصَفَ كُلَّ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَثانِيَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ في أنَّهُ ما المُرادُ بِالسَّبْعِ ؟ وما المُرادُ بِالمَثانِي ؟ أمّا السَّبْعُ فَذَكَرَ فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ سَبْعَةُ أسْباعٍ.

وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى سَبْعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ: التَّوْحِيدُ، والنُّبُوَّةُ، والمَعادُ، والقَضاءُ، والقَدَرُ، وأحْوالُ العالَمِ، والقَصَصُ، والتَّكالِيفُ.

وثالِثُها: أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، والخَبَرِ والِاسْتِخْبارِ، والنِّداءِ، والقَسَمِ، والأمْثالِ. وأمّا وصْفُ كُلِّ القُرْآنِ بِالمَثانِي؛ فَلِأنَّهُ كَرَّرَ فِيهِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والتَّكالِيفِ. وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالسَّبْعِ المَثانِي القُرْآنَ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ العَطْفِ فِيهِ؛ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ

واعْلَمْ أنَّ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا لِأجْلِ وُرُودِهِ في هَذا البَيْتِ، إلّا أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الأصْلَ خِلافُهُ.

والقَوْلُ الخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ؛ لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالمَثانِي كُلَّ القُرْآنِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعَ آياتٍ هي الفاتِحَةُ وهي مِن جُمْلَةِ المَثانِي الَّذِي هو القُرْآنُ وهَذا القَوْلُ عَيْنُ الأوَّلِ، والتَّفاوُتُ لَيْسَ إلّا بِقَلِيلٍ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ فِيها وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ مِنَ القُرْآنِ أيْ: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعَ آياتٍ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي يُثْنى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وآتَيْناكَ القُرْآنَ العَظِيمَ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةً، والمَعْنى: آتَيْناكَ سَبْعًا هي المَثانِي كَما قالَ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] المَعْنى: اجْتَنِبُوا الأوْثانَ، لا أنَّ بَعْضَها رِجْسٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

أما قوله تَعالى ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَ رَسُولَهُ عِظَمَ نِعَمِهِ عَلَيْهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وهو أنَّهُ آتاهُ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ، نَهاهُ عَنِ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا فَحَظَرَ عَلَيْهِ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلَيْها رَغْبَةً فِيها. وفي مَدِّ العَيْنِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ أُوتِيتَ القُرْآنَ العَظِيمَ فَلا تَشْغَلْ سِرَّكَ وخاطِرَكَ بِالِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا ومِنهُ

صفحة ١٦٧

الحَدِيثُ ”«لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ» “ وقالَ أبُو بَكْرٍ: مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا أفْضَلَ مِمّا أُوتِيَ فَقَدْ صَغَّرَ عَظِيمًا وعَظَّمَ صَغِيرًا، وقِيلَ: وافَتْ مِن بَعْضِ البِلادِ سَبْعُ قَوافِلَ لِيَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فِيها أنْواعُ البَزِّ والطِّيبِ والجَواهِرِ وسائِرِ الأمْتِعَةِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأمْوالُ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها، ولَأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لَقَدْ أعْطَيْتُكم سَبْعَ آياتٍ هي خَيْرٌ مِن هَذِهِ القَوافِلِ السَّبْعِ.

القَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ”لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ“ أيْ: لا تَتَمَنَّ ما فَضَّلْنا بِهِ أحَدًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وقَرَّرَ الواحِدِيُّ هَذا المَعْنى فَقالَ: إنَّما يَكُونُ مادًّا عَيْنَيْهِ إلى الشَّيْءِ إذا أدامَ النَّظَرَ نَحْوَهُ، وإدامَةُ النَّظَرِ إلى الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلى اسْتِحْسانِهِ وتَمَنِّيهِ، وكانَ ﷺ لا يَنْظُرُ إلى ما يُسْتَحْسَنُ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ورُوِيَ أنَّهُ نَظَرَ إلى نَعَمِ بَنِي المُصْطَلَقِ، وقَدْ عَبَسَتْ في أبْوالِها وأبْعارِها، فَتَقَنَّعَ في ثَوْبِهِ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلُهُ عَبَسَتْ في أبْوالِها وأبْعارِها هو أنْ تَجِفَّ أبْوالُها وأبْعارُها عَلى أفْخاذِها إذا تُرِكَتْ مِنَ العَمَلِ أيّامَ الرَّبِيعِ، فَتَكْثُرُ شُحُومُها ولُحُومُها وهي أحْسَنُ ما تَكُونُ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم ”ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ“ أيْ: لا تَحْسُدَنَّ أحَدًا عَلى ما أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الحَسَدَ مِن كُلِّ أحَدٍ قَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ إرادَةٌ لِزَوالِ نِعَمِ الغَيْرِ عَنْهُ، وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى الِاعْتِراضِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِقْباحِ لِحُكْمِهِ وقَضائِهِ، وذَلِكَ مِن كُلِّ أحَدٍ قَبِيحٌ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ تَخْصِيصُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ ؟

أما قوله تَعالى: ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ أصْنافًا مِنَ الكُفّارِ، والزَّوْجُ في اللُّغَةِ الصِّنْفُ، ثم قال: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيَقْوى بِمَكانِهِمُ الإسْلامُ ويَنْتَعِشُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ. والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أمْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، وأنْ يَحْصُلَ لَهم في قَلْبِهِ قَدْرٌ ووَزْنٌ.

ثم قال: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخَفْضُ: مَعْناهُ في اللُّغَةِ نَقِيضُ الرَّفْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ القِيامَةِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقِعَةِ: ٣] أيْ: أنَّها تَخْفِضُ أهْلَ المَعاصِي، وتَرْفَعُ أهْلَ الطّاعاتِ، فالخَفْضُ مَعْناهُ الوَضْعُ. وجَناحُ الإنْسانِ يَدُهُ، قالَ اللَّيْثُ: يَدا الإنْسانِ جَناحاهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القَصَصِ: ٣٢] وخَفْضُ الجَناحِ كِنايَةٌ عَنِ اللِّينِ والرِّفْقِ والتَّواضُعِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أُولَئِكَ الأغْنِياءِ مِنَ الكُفّارِ أمَرَهُ بِالتَّواضُعِ لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقالَ في صِفَةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] .

15:90–91Page 266

كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠

Just as We had revealed [scriptures] to the separators1

ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١

Who have made the Qur’ān into portions.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالزُّهْدِ في الدُّنْيا، وخَفْضِ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلْقَوْمِ: ﴿إنِّي﴾

صفحة ١٦٨

﴿أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ كَوْنِهِ نَذِيرًا، كَوْنُهُ مُبَلِّغًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ واجِبًا تَرَتَّبَ عَلى تَرْكِهِ عِقابٌ، وكُلَّ ما كانَ حَرامًا تَرَتَّبَ عَلى فِعْلِهِ عِقابٌ فَكانَ الإخْبارُ بِحُصُولِ هَذا العِقابِ داخِلًا تَحْتَ لَفْظِ النَّذِيرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا كَوْنُهُ شارِحًا لِمَراتِبِ الثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، ومَعْناهُ كَوْنُهُ آتِيًا في كُلِّ ذَلِكَ بِالبَياناتِ الشّافِيَةِ والبَيِّناتِ الوافِيَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُقْتَسِمِينَ مَن هم ؟ وفِيهِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَقْرُبُ عَدَدُهم مِن أرْبَعِينَ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أيّامَ المَوْسِمِ، فاقْتَسَمُوا عَقَباتِ مَكَّةَ وطُرُقَها يَقُولُونَ لِمَن يَسْلُكُها: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا، والمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانُوا يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ شاعِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ خِزْيًا فَماتُوا شَرَّ مِيتَةٍ، والمَعْنى: أنْذَرْتُكم مِثْلَ ما نَزَلَ بِالمُقْتَسِمِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ المُقْتَسِمِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، واخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّهَ تَعالى لِمَ سَمّاهم مُقْتَسِمِينَ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ آمَنُوا بِما وافَقَ التَّوْراةَ وكَفَرُوا بِالباقِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ اسْتِهْزاءً بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: سُورَةُ كَذا لِي. وقالَ بَعْضُهم: سُورَةُ كَذا لِي. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: اقْتَسَمُوا القُرْآنَ، فَقالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: كَذِبٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ المُقْتَسِمِينَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ تَقاسَمُوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ، فَرَمَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهم، فَعَلى هَذا والِاقْتِسامُ مِنَ القَسْمِ لا مِنَ القِسْمَةِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

البحث الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِذَلِكَ فَما ذَلِكَ الشَّيْءُ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وجَهْلِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلْتَوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ تَوَسَّطَ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلى آخِرِهِ ؟

قُلْنا: لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعَداوَتِهِمْ، اعْتَرَضَ بِما هو مَدارٌ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى دُنْياهم والتَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ.

والوجه الثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ هَذا الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا الوجه لا يَتِمُّ إلّا بِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا التِزامُ إضْمارٍ أوِ التِزامُ حَذْفٍ، أمّا الإضْمارُ فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ عَذابًا كَما أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، وعَلى هَذا الوجه، المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو المُشَبَّهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ المُشَبَّهُ بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: رَأيْتُ كالقَمَرِ في الحُسْنِ، أيْ: رَأيْتُ إنْسانًا كالقَمَرِ في

صفحة ١٦٩

الحُسْنِ، وأمّا الحَذْفُ فَهو أنْ يُقالَ: الكافُ زائِدَةٌ مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ما أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، وزِيادَةُ الكافِ لَهُ نَظِيرٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، وقالَ بَعْضُهم: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ والحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي أنا النَّذِيرُ أيْ: أُنْذِرُ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: في هَذا اللَّفْظِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

البحث الثّانِي: ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ في واحِدِ عِضِينَ قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ واحِدَها عِضَةٌ مِثْلَ عِزَةٍ وبِرَةٍ وثِبَةٍ، وأصْلُها عُضْوَةٌ مِن عَضَيْتُ الشَّيْءَ إذا فَرَّقْتَهُ، وكُلُّ قِطْعَةٍ عِضَةٌ، وهي مِمّا نَقَصَ مِنها واوٌ هي لامُ الفِعْلِ، والتَّعْضِيَةُ التَّجْزِئَةُ والتَّفْرِيقُ، يُقالُ: عَضَّيْتُ الجَزُورَ والشّاةَ تَعْضِيَةً إذا جَعَلْتَها أعْضاءً وقَسَّمْتَها، وفي الحَدِيثِ: «”لا تَعْضِيَةَ في مِيراثٍ إلّا فِيما احْتَمَلَ القِسْمَةَ“» أيْ: لا تَجْزِئَةَ فِيما لا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ كالجَوْهَرَةِ والسَّيْفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ يُرِيدُ جَزَّؤُهُ أجْزاءً، فَقالُوا: سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُفْتَرًى.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ واحِدَها عِضَةٌ وأصْلُها عِضَهَةٌ، فاسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ هاءَيْنِ، فَقالُوا: عِضَةٌ كَما قالُوا شِفَةٌ، والأصْلُ شِفَهَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: شافَهْتُ مُشافَهَةً، وسِنَةٌ وأصْلُها سِنْهَةٌ في بَعْضِ الأقْوالِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِضَةِ بِمَعْنى الكَذِبِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «”إيّاكم والعِضَةَ“» وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: العِضَةُ بِأنْ يَعِضَهُ الإنْسانُ، ويَقُولَ فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ. وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ فِيما رَوى اللَّيْثُ عَنْهُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ: جَعَلُوهُ مُفْتَرًى. وجُمِعَتِ العِضَةُ جَمْعَ ما يَعْقِلُ لِما لَحِقَها مِنَ الحَذْفِ، فَجَعَلَ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِمّا لَحِقَها مِنَ الحَذْفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском