Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:86–89
16:86–87Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧
And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِن بَقِيَّةِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ، وفي الشُّرَكاءِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ الأصْنامَ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ، والمَقْصُودُ مِن إعادَتِها أنَّ المُشْرِكِينَ يُشاهِدُونَها في غايَةِ الذِّلَّةِ والحَقارَةِ. وأيْضًا أنَّها تُكَذِّبُ المُشْرِكِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ زِيادَةَ الغَمِّ والحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِمْ شُرَكاءَ لِوَجْهَيْنِ:
الأوْلُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُسَمُّونَها بِأنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوُا الكُفّارَ إلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وإنَّما ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ الشُّرَكاءِ أنَّهم ألْقَوْا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا أنَّهم لَكاذِبُونَ، والأصْنامُ جَماداتٌ فَلا يَصِحُّ مِنهم هَذا القَوْلُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّرَكاءِ الشَّياطِينَ حَتّى يَصِحَّ مِنهم هَذا القَوْلُ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الحَياةِ في تِلْكَ الأصْنامِ وعَلى خَلْقِ العَقْلِ والنُّطْقِ فِيها، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ مِنها هَذا القَوْلُ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم إذا رَأوْا تِلْكَ الشُّرَكاءَ قالُوا: رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَتُهم في هَذا القَوْلِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ إحالَةُ الذَّنْبِ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُنْقِصُ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ هَذا تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامُ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، وأنَّهُ لا نُصْرَةَ ولا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ؛ تَعَجُّبًا مِن حُضُورِ تِلْكَ الأصْنامِ مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَها، واعْتِرافًا بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في عِبادَتِها. ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ الأصْنامَ يُكَذِّبُونَهم، فَقالَ: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ في تِلْكَ الأصْنامِ حَتّى تَقُولَ هَذا القَوْلَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقَوْا إلَيْهِمْ إنَّكم لَكاذِبُونَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ ما قالُوا، إلّا أنَّهم لَمّا أشارُوا إلى الأصْنامِ قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ، وقَدْ كانُوا صادِقِينَ في كُلِّ ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالَتِ الأصْنامُ ”إنَّكم لَكاذِبُونَ“ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: والأصَحُّ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ ”هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا“ هو أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَقُولُ أنَّهم
صفحة ٧٩
شُرَكاءُ اللَّهِ في المَعْبُودِيَّةِ، فالأصْنامُ كَذَّبُوهم في إثْباتِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنَّكم لَكاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنّا نَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ [مَرْيَمَ: ٨٢] .
ثم قال تَعالى: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمَ العابِدُ والمَعْبُودُ، وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وبِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. وقِيلَ: ذَهَبَ عَنْهم ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا. وقِيلَ: بَطَلَ ما كانُوا يَأْمَلُونَ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
16:88Page 277
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨
Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أتْبَعَهُ بِوَعِيدِ مَن ضَمَّ إلى كُفْرِهِ صَدَّ الغَيْرِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وجْهانِ، قِيلَ: مَعْناهُ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والأصَحُّ أنَّهُ يَتَناوَلُ جُمْلَةَ الإيمانِ بِاللَّهِ والرَّسُولِ وبِالشَّرائِعِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَلا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم زادُوا عَلى كُفْرِهِمْ صَدَّ غَيْرِهِمْ عَنِ الإيمانِ فَهم في الحَقِيقَةِ ازْدادُوا كُفْرًا عَلى كُفْرٍ، فَلا جَرَمَ يَزِيدُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَذابًا عَلى عَذابٍ، وأيْضًا أتْباعُهم إنَّما اقْتَدَوْا بِهِمْ في الكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ عِقابِ أتْباعِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١٣] . ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن ذَكَرَ تَفْصِيلَ تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ خَمْسَةُ أنْهارٍ مِن نارٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها؛ ثَلاثَةٌ بِاللَّيْلِ واثْنانِ بِالنَّهارِ، وقالَ بَعْضُهم: زِدْناهم عَذابًا بِحَيّاتٍ وعَقارِبَ كَأمْثالِ البُخْتِ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالهَرَبِ مِنها إلى النّارِ، ومِنهم مَن ذَكَرَ: لِكُلِّ عَقْرَبٍ ثَلاثُمِائَةِ فَقْرَةٍ في ثَلاثِمِائَةِ قُلَّةٍ مِن سُمٍّ. وقِيلَ: عَقارِبُ لَها أنْيابُ كالنَّخْلِ الطُّوالِ.
ثم قال تَعالى: ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ العَذابِ إنَّما حَصَلَتْ مُعَلَّلَةً بِذَلِكَ الصَّدِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ فَقَدْ عَظُمَ عَذابُهُ، فَكَذَلِكَ إذا دَعا إلى الدِّينِ واليَقِينِ، فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
16:89Page 277
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩
And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّهْدِيداتِ المانِعَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ المَعاصِي. واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ عِبارَةٌ عَنِ القَرْنِ والجَماعَةِ.
صفحة ٨٠
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ جَمْعٍ وقَرْنٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيهِمْ واحِدٌ يَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ.
أمّا الشَّهِيدُ عَلى الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو الرَّسُولُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] .
وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ زَمانٍ بَعْدَ زَمانِ الرَّسُولِ مِنَ الشَّهِيدِ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ عَصْرًا مِنَ الأعْصارِ لا يَخْلُو مِن شَهِيدٍ عَلى النّاسِ، وذَلِكَ الشَّهِيدُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ جائِزِ الخَطَأِ، وإلّا لافْتَقَرَ إلى شَهِيدٍ آخَرَ، ويَمْتَدُّ ذَلِكَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِن أقْوامٍ تَقُومُ الحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إجْماعُ الأُمَّةِ حُجَّةً. قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ بِذَلِكَ الشَّهِيدِ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً -مِن أعْضاءِ الإنْسانِ إنَّها تَشْهَدُ عَلَيْهِ، وهي الأُذُنانِ والعَيْنانِ والرِّجْلانِ واليَدانِ والجِلْدُ واللِّسانُ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ أنَّهُ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذِهِ الأعْضاءُ لا شَكَّ أنَّها مِن أنْفُسِهِمْ.
أجابَ القاضِي عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الأُمَّةِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهم.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ -ذَلِكَ الشَّهِيدُ مِنَ الأُمَّةِ، وآحادُ الأعْضاءِ لا يَصِحُّ وصْفُها بِأنَّها مِنَ الأُمَّةِ، وأمّا حَمْلُ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ عَلى الأنْبِياءِ فَبَعِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهم أنْبِياءَ مَبْعُوثِينَ إلى الخَلْقِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَلا فائِدَةَ في حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ.
* * *
ثم قال تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ أزاحَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ.
المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: القُرْآنُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ لِأنَّ العُلُومَ إمّا دِينِيَّةٌ أوْ غَيْرُ دِينِيَّةٍ، أمّا العُلُومُ الَّتِي لَيْسَتْ دِينِيَّةً فَلا تَعَلُّقَ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما مَدَحَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى عُلُومِ الدِّينِ، فَأمّا ما لا يَكُونُ مِن عُلُومِ الدِّينِ فَلا التِفاتَ إلَيْهِ، وأمّا عُلُومُ الدِّينِ فَإمّا الأُصُولُ، وإمّا الفُرُوعُ، أمّا عِلْمُ الأُصُولِ فَهو بِتَمامِهِ مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، وأمّا عِلْمُ الفُرُوعِ فالأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ إلّا ما ورَدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ في هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا ما ورَدَ في هَذا القُرْآنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ القَوْلُ بِالقِياسِ باطِلًا، وكانَ القُرْآنُ وافِيًا بِبَيانِ كُلِّ الأحْكامِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهم قالُوا: القُرْآنُ إنَّما كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ وخَبَرَ الواحِدِ والقِياسَ حُجَّةٌ، فَإذا ثَبَتَ حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ بِأحَدِ هَذِهِ الأُصُولِ كانَ ذَلِكَ الحكم ثابِتًا بِالقُرْآنِ. وهَذِهِ المسألة قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأعْرافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: تِبْيانًا في مَعْنى اسْمِ البَيانِ، ومِثْلُ التِّبْيانِ التِلْقاءُ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهم قالُوا: لَمْ يَأْتِ مِنَ المَصادِرِ عَلى تِفْعالٍ إلّا حَرْفانِ (تِبْيانًا وتِلْقاءً)، وإذا تَرَكْتَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ اسْتَوى لَكَ القِياسُ فَقُلْتَ: في كُلِّ مَصْدَرٍ تَفْعالٌ بِفَتْحِ التّاءِ مِثْلُ تَسْيارٍ وتَذْكارٍ وتَكْرارٍ، وقُلْتَ: في كُلِّ اسْمٍ تِفْعالٌ بِكَسْرِ التّاءِ -مِثْلُ تِقْصارٍ وتِمْثالٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences