Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:91–97
16:91–92Page 277
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١
And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢
And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.
ثم قال تَعالى: ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أمْرُهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ ونَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] . أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى الأمْرِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، والنَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ القُرْآنِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ هو هَذِهِ التَّكالِيفُ السِّتَّةُ، وهي في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، ومِن نَتائِجِ الأرْواحِ العالِيَةِ القُدْسِيَّةِ، إلّا أنَّهُ دَخَلَ في هَذا العالَمِ خالِيًا عارِيًا عَنِ التَّعَلُّقاتِ، فَتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها هي الَّتِي تُرَقِّيها بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وتِلْكَ المَعارِفُ والأعْمالُ هي الَّتِي
صفحة ٨٥
تُرَقِّيها إلى عالَمِ الغَيْبِ وسُرادِقاتِ القُدْسِ، ومُجاوَرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ في جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، وتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها هي الَّتِي تَصُدُّها عَنْ تِلْكَ السَّعاداتِ، وتَمْنَعُها عَنِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الخَيْراتِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ونَهى عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ نَبَّهَ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُونَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى مَبْدَأِ عَرْصَةِ القِيامَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ تَدُّلُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الجَوْرَ والفَحْشاءَ. وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَيْفَ يَنْهاهم عَمّا يَخْتَرِعُهُ فِيهِمْ، وكَيْفَ يَنْهى عَمّا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ فِيهِمْ ؟ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا لَكانَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَفْعَلُوا خِلافَ ما خَلَقَهُ فِيكم، ويَنْهاكم عَنْ أفْعالٍ خَلَقَها فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ونَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، فَلَوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ما فَعَلَها لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٤ ] . وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٣ ] .
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَعِظُكم لِإرادَةِ أنْ تَتَذَكَّرُوا طاعَتَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ صَرَّحَ وقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ولَكِنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ ويَصُدُّ عَنْهُ، ولا يُمَكِّنُ العَبْدَ مِنهُ، ثم قال: ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، ولَكِنَّهُ يُوجِدُ كُلَّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ في العَبْدِ، شاءَ أمْ أبى، وأرادَهُ مِنهُ، ومَنَعَهُ مِن تَرْكِهِ ومِنَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ - لَحَكَمَ كُلُّ أحَدٍ عَلَيْهِ بِالرَّكاكَةِ وفَسادِ النَّظْمِ والتَّرْكِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُتَعالِيًا عَنْ فِعْلِ القَبائِحِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا النوع مِنَ الِاسْتِدْلالِ كَثِيرٌ، وقَدْ مَرَّ الجَوابُ عَنْهُ. والمُعْتَمَدُ في دَفْعِ هَذِهِ المُشاغَباتِ التَّعْوِيلُ عَلى سُؤالِ الدّاعِي وسُؤالِ العِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ ومِنَ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ تَذَكُّرَ الأشْياءِ مِن فِعْلِ اللَّهِ، لا مِن فِعْلِ العَبْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ التَّذْكِرَةَ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المُتَذَكَّرِ، فَحالَ الطَّلَبُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ بِهِ شُعُورٌ أوْ لا يَكُونُ لَهُ بِهِ شُعُورٌ، فَإنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ فَذَلِكَ الذِّكْرُ حاصِلٌ، والحاصِلُ لا يُطْلَبُ تَحْصِيلُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ شُعُورٌ فَكَيْفَ يَطْلُبُهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَ الطَّلَبِ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ حالَ ما لا يَكُونُ هو بِعَيْنِهِ مُتَصَوَّرًا - مُحالٌ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الوَعْظِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ التَّذَكُّرُ فِعْلًا لَهُ فَكَيْفَ طَلَبَ مِنهُ تَحْصِيلَهُ، وهَذا هو الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
* * *
صفحة ٨٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا جَمَعَ كُلَّ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ في الآيَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ تِلْكَ الأقْسامِ، فَبَدَأ تَعالى بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: عَهْدُ اللَّهِ هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] . أيْ: ولا تَنْقُضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: بَعْدَ تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ عَهْدٍ يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِاخْتِيارِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَعْدُ مِنَ العَهْدِ، وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: مَن عاهَدْتَهُ وفِّ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ مِنهُ الجِهادُ وما فَرَضَ اللَّهُ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ.
الرّابِعُ: عَهْدُ اللَّهِ هو اليَمِينُ بِاللَّهِ، وقالَ هَذا القائِلُ: إنَّما يَجِبُ الوَفاءُ بِاليَمِينِ إذا لَمْ يَكُنِ الصَّلاحُ في خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ» “ .
الخامِسُ: قالَ القاضِي: العَهْدُ يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ أدِلَّةَ العَقْلِ والسَّمْعِ أوْكَدُ في لُزُومِ الوَفاءِ بِما يَدُلّانِ عَلى وُجُوبِهِ مِنَ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ التَّغَيُّرُ والِاخْتِلافُ، ويَصِحُّ ذَلِكَ في اليَمِينِ، ورُبَّما نَدَبَ فِيهِ خِلافَ الوَفاءِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾، فَهَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالعُهُودِ الَّتِي يَلْتَزِمُها الإنْسانُ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي مُعْتَبَرًا؛ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ فِيمَن آمَنَ بِاللَّهِ والرَّسُولِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ لا يُحْمَلَ هَذا العَهْدُ عَلى اليَمِينِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلَيْهِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ تَكْرارًا؛ لِأنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمَنعَ مِنَ النَّقْضِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ التَّرْكِ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ عامٌّ فَدَخَلَ تَحْتَهُ اليَمِينُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أوْلى أنْواعِ العَهْدِ بِوُجُوبِ الرِّعايَةِ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا العَهْدُ عَلى ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِاخْتِيارِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُبايَعَةُ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ عَهْدُ الجِهادِ، وعَهْدُ الوَفاءِ بِالمُلْتَزَماتِ مِنَ المَنذُوراتِ والأشْياءِ الَّتِي أكَّدَها بِالحَلِفِ واليَمِينِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ مَباحِثُ:
البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ وكَّدْتُ وأكَّدْتُ لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها.
البحث الثّانِي: قالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَمِينُ اللَّغْوِ هي يَمِينُ الغَمُوسِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ نَقْضِ الأيْمانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ يَمِينٍ قابِلًا لِلْبِرِّ والحِنْثِ، ويَمِينُ الغَمُوسِ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْبِرِّ والحِنْثِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مِنَ الأيْمانِ.
واحْتَجَّ الواحِدِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ هي قَوْلُ العَرَبِ لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. قالَ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ بِالعَزْمِ وبِالعَقْدِ وبَيْنَ لَغْوِ اليَمِينِ.
صفحة ٨٧
البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَتى كانَ الصَّلاحُ في نَقْضِ الأيْمانِ جازَ نَقْضُها.
ثم قال: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ هَذِهِ واوُ الحالِ، أيْ: لا تَنْقُضُوها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ كَفِيلًا عَلَيْكم بِالوَفاءِ، وذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهَ كَفِيلًا بِالوَفاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَلِفِ.
ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، والمُرادُ: فَيُجازِيكم عَلى ما تَفْعَلُونَ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ الوَفاءِ وتَحْرِيمَ النَّقْضِ، وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في المُشَبَّهِ بِهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَها: رايِطَةُ، وقِيلَ: رَيْطَةُ، وقِيلَ: تُلَقَّبُ جَعْراءَ، وكانَتْ حَمْقاءَ تَغْزِلُ الغَزْلَ هي وجَوارِيها، فَإذا غَزَلَتْ وأبْرَمَتْ أمَرَتْهُنَّ فَنَقَضْنَ ما غَزَلْنَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ الوَصْفُ دُونَ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ القَصْدَ بِالأمْثالِ صَرْفُ المُكَلَّفِ عَنْهُ إذا كانَ قَبِيحًا، والدُّعاءُ إلَيْهِ إذا كانَ حَسَنًا، وذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ مِن دُونِ التَّعْيِينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قُوَّةِ الغَزْلِ بِإبْرامِها وفَتْلِها.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: واحِدُها نِكْثٌ، وهو الغَزْلُ مِنَ الصُّوفِ والشَّعْرِ يُبْرَمُ ويُنْسَجُ، فَإذا أحْكَمَتِ النَّسِيجَةَ قَطَعَتْها ونَكَثَتْ خُيُوطَها المُبْرَمَةَ ونَفَشَتْ تِلْكَ الخُيُوطَ، وخَلَطَتْ بِالصُّوفِ ثُمَّ غَزَلَتْ ثانِيَةً، والنَّكْثُ المَصْدَرُ، ومِنهُ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ، كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أنْكاثًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أنْكاثًا مَنصُوبٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى نَكَثَتْ نَقَضَتْ، ومَعْنى نَقَضَتْ نَكَثَتْ، وهَذا غَلَطٌ مِنهُ؛ لِأنَّ الأنْكاثَ: جَمْعُ نِكْثٍ وهو اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ بِمَعْنى المَصْدَرِ ؟
الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: أنْكاثًا مَفْعُولٌ ثانٍ، كَما تَقُولُ: كَسَرَهُ أقْطاعًا، وفَرَّقَهُ أجْزاءً عَلى مَعْنى جَعَلَهُ أقْطاعًا وأجْزاءً، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: نَقَضَتْ غَزْلَها أنْكاثًا؛ أيْ جَعَلَتْ غَزْلَها أنْكاثًا.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
المسألة الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ مِثْلَ المَرْأةِ الَّتِي غَزَلَتْ غَزْلًا وأحْكَمَتْهُ، فَلَمّا اسْتَحْكَمَ نَقَضَتْهُ فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا.
ثم قال تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الدَّخَلُ والدَّغَلُ الغِشُّ والخِيانَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما دَخَلَهُ عَيْبٌ، قِيلَ: هو مَدْخُولٌ، وفِيهِ دَخَلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: الدَّخَلُ ما أُدْخِلَ في الشَّيْءِ عَلى فَسادٍ.
ثم قال: ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾، أرْبى أيْ أكْثَرُ؛ مِن رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ قَدْ تَكُونُ في العَدَدِ وفي القُوَّةِ وفي الشَّرَفِ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ، ثُمَّ يَجِدُونَ مَن كانَ أعَزَّ مِنهم وأشْرَفَ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ الأوَّلِينَ، ويُحالِفُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أعَزُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: (أنْ)
صفحة ٨٨
﴿تَكُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّكم تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ في العَدَدِ والقُوَّةِ والشَّرَفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى: أتَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم بِسَبَبِ أنَّ أُمَّةً أزْيَدُ في القُوَّةِ والكَثْرَةِ مِن أُمَّةٍ أُخْرى ؟
ثم قال تَعالى: ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: بِما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْرِ والنَّهْيِ: ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ مِن دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
16:93Page 277
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣
And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَ القَوْمَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وتَحْرِيمِ نَقْضِهِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَهم عَلى هَذا الوَفاءِ وعَلى سائِرِ أبْوابِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ بِحُكْمِ الإلَهِيَّةِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ: فَإنَّهم حَمَلُوا ذَلِكَ عَلى الإلْجاءِ؛ أيْ لَوْ أرادَ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ أوْ إلى الكُفْرِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ، فَلا جَرَمَ ما ألْجَأهم إلَيْهِ وفَوَّضَ الأمْرَ إلى اخْتِيارِهِمْ في هَذِهِ التَّكالِيفِ، وأمّا قَوْلُ أصْحابِنا فِيهِ فَهو ظاهِرٌ، وهَذِهِ المُناظَرَةُ قَدْ تَكَرَّرَتْ مِرارًا كَثِيرَةً، ورَوى الواحِدِيُّ أنَّ عُزَيْرًا قالَ: يا رَبِّ، خَلَقْتَ الخَلْقَ فَتُضِلُّ مَن تَشاءُ وتْهَدِي مَن تَشاءُ، فَقالَ: يا عُزَيْزُ، أعْرِضْ عَنْ هَذا، فَأعادَهُ ثانِيًا، فَقالَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا، فَأعادَهُ ثالِثًا، فَقالَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا وإلّا مَحَوْتُ اسْمَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المَشِيئَةِ مَشِيئَةُ الإلْجاءِ - أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ كانَتْ أعْمالُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ سُؤالُهم عَنْها عَبَثًا، والجَوابُ عَنْهُ قَدْ سَبَقَ مِرارًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
16:94–97Page 278
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤
And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥
And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧
Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ٨٩
﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ نَقْضِ العُهُودِ والأيْمانِ عَلى الإطْلاقِ، حَذَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: (﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ . ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْذِيرَ عَنْ نَقْضِ مُطْلَقِ الأيْمانِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، بَلِ المُرادُ نَهْيُ أُولَئِكَ الأقْوامِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ عَنْ نَقْضِ أيْمانٍ مَخْصُوصَةٍ أقْدَمُوا عَلَيْها، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْضِ عَهْدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدٍ قَبْلَهُ، وإنَّما يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإيمانِ بِهِ وشَرائِعِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَثَلٌ يُذْكَرُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ بَعْدَ عافِيَةٍ، ومِحْنَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ، فَإنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَ الإسْلامِ فَقَدْ سَقَطَ عَنِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ ووَقَعَ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّلالَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ العَذابَ: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ بِصَدِّكم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّوءُ الَّذِي تَذُوقُونَهُ سُوءٌ عَظِيمٌ وعِقابٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا التَّحْذِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَعْنِي: أنَّكم وإنْ وجَدْتُمْ عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ خَيْرًا مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى البَقاءِ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ مِمّا يَجِدُونَهُ في الدُّنْيا عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ التَّفاوُتَ بَيْنَ خَيْراتِ الدُّنْيا وبَيْنَ خَيْراتِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجِدُونَهُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البحث الأوَّلُ: الحِسُّ شاهِدٌ بِأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ باقِيَةٌ، والباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا المُنْقَطِعَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا، أوْ كانَ خَيْرًا دَنِيًّا خَسِيسًا، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا فالعِلْمُ بِأنَّهُ سَيَنْقَطِعُ يَجْعَلُهُ مُنَغَّصًا حالَ حُصُولِهِ، وأمّا حالَ حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِطاعِ فَإنَّها تَعْظُمُ الحَسْرَةُ والحُزْنُ، وكَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ كَذَلِكَ يُنَغِّصُ فِيها ويُقَلِّلُ مَرْتَبَتَها، وتَفْتُرُ الرَّغْبَةُ فِيها، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ المُنْقَطِعَةَ كانَتْ مِنَ الخَيْراتِ الخَسِيسَةِ فَهَمُّنا مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الدّائِمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُنْقَطِعِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا.
البحث الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَنْقَطِعُ. وقالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدِ التَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ والإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَصْبِرَ عَلى ذَلِكَ الِالتِزامِ، وأنْ لا يَرْجِعَ عَنْهُ وأنْ لا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ ما هو مِن شَرائِعِ الإسْلامِ ولَوازِمِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الأوَّلِ وهو الصَّبْرُ عَلى ما التَزَمُوهُ، فَقالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ . أيْ: عَلى ما التَزَمُوهُ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . أيْ: يَجْزِيهِمْ
صفحة ٩٠
عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَأْتِي بِالمُباحاتِ وبِالمَندُوباتِ وبِالواجِباتِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى فِعْلِ المَندُوباتِ والواجِباتِ يُثابُ، لا عَلى فِعْلِ المُباحاتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو الإتْيانُ بِكُلِّ ما كانَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظَةُ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تُفِيدُ العُمُومَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الذَّكَرِ والأُنْثى ؟
والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِلْوَعْدِ بِالخَيْراتِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الوَعْدِ مِن أعْظَمِ دَلائِلِ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ؛ إثْباتًا لِلتَّأْكِيدِ وإزالَةً لِوَهْمِ التَّخْصِيصِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ؟
والجَوابُ: نَعَمْ. لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا في كَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ مُوجِبًا لِلثَّوابِ؛ وشَرْطُ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إنَّما يُفِيدُ الأثَرَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُفِيدُ الأثَرَ، سَواءٌ كانَ مَعَ الإيمانِ أوْ كانَ مَعَ عَدَمِهِ.
والجَوابُ: أنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، أمّا إفادَتُهُ لِأثَرٍ غَيْرِ هَذِهِ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ وهو تَخْفِيفُ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإيمانِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَحْصُلُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ ؟
والجَوابُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّها تَحْصُلُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجْزِيهِمْ عَلى ما هو أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَهَذا لا امْتِناعَ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ إنَّما تَحْصُلُ في الدُّنْيا فَما هي ؟
والجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
قِيلَ: هو الرِّزْقُ الحَلالُ الطَّيِّبُ، وقِيلَ: عِبادَةُ اللَّهِ مَعَ أكْلِ الحَلالِ، وقِيلَ: القَناعَةُ، وقِيلَ: رِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”قَنِّعْنِي بِما رَزَقْتَنِي“» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَدْعُو: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفافًا» “ .
قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ القَناعَةُ - حَسَنٌ مُخْتارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَطِيبُ عَيْشُ أحَدٍ في الدُّنْيا إلّا عَيْشَ القانِعِ، وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ.
صفحة ٩١
واعْلَمْ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدَّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وعَرَفَ أنَّهُ تَعالى مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ، وعَلِمَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، أمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ.
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ أبَدًا يَسْتَحْضِرُ في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها وعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها يَرْضى بِها؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَعِنْدَ وُقُوعِها لا يَسْتَعْظِمُها؛ بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ.
وثالِثُها: أنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ المَعارِفِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا، أمّا قَلْبُ الجاهِلِ فَإنَّهُ خالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ يَصِيرُ مَمْلُوءًا مِنَ الأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا.
ورابِعُها: أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ بِأنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ، فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها، أمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها.
وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ فَلَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها لَمْ تَصِلْ مِن غَيْرِهِ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ ما كانَ واجِبَ التَّغَيُّرِ فَإنَّهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ لا تَنْقَلِبُ حَقِيقَتُهُ ولا تَتَبَدَّلُ ماهِيَّتُهُ، فَعِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ يَكُونُ أيْضًا واجِبَ التَّغَيُّرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَطْبَعُ العاقِلُ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ولا يُقِيمُ لَهُ في قَلْبِهِ وزْنًا، بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، فَيَطْبَعُ قَلْبَهُ عَلَيْها ويُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَعِنْدَ فَوْتِهِ وزَوالِهِ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ ويَعْظُمُ البَلاءُ عِنْدَهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كافِيَةٌ في بَيانِ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ العارِفِ أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ، هَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ بِأنَّها في الدُّنْيا.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في القَبْرِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] . فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الكَدْحَ باقٍ إلى أنْ يَصِلَ إلى رَبِّهِ وذَلِكَ ما قُلْناهُ، وأمّا بَيانُ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الجَنَّةِ؛ فَلِأنَّها حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ، وصِحَّةٌ بِلا مَرَضٍ، ومُلْكٌ بِلا زَوالٍ، وسَعادَةٌ بِلا شَقاءٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لَيْسَتْ إلّا تِلْكَ الحَياةَ. ثَمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences