Ar-RaziAl‑Isra · 17:11–12

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:11–12

17:11Page 283

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ .

وفِي الآيَةِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ هو أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ القُرْآنَ وخَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ والكَرامَةِ الكامِلَةِ، قَدْ يَعْدِلُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِشَرائِعِهِ والرُّجُوعِ إلى بَياناتِهِ، ويُقْدِمُ عَلى ما لا فائِدَةَ فِيهِ فَقالَ: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ .

البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن دُعاءِ الإنْسانِ بِالشَّرِّ عَلى أقْوالٍ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وضُرِبَتْ رَقَبَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ. وآخَرُونَ يَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْجَهْلِ واعْتِقادِ أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ فِيما يَقُولُ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ في وقْتِ الضَّجَرِ يَلْعَنُ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ووَلَدَهُ ومالَهُ، ولَوِ اسْتُجِيبَ لَهُ في الشَّرِّ كَما يُسْتَجابُ لَهُ في الخَيْرِ لَهَلَكَ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ أسِيرًا فَأقْبَلَ يَئِنُّ بِاللَّيْلِ فَقالَتْ لَهُ: ما لَكَ تَئِنُّ ؟ فَشَكى ألَمَ القَيْدِ فَأرْخَتْ لَهُ مِن كِتافِهِ، فَلَمّا نامَتْ أخْرَجَ يَدَهُ وهَرَبَ، فَلَمّا أصْبَحَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا بِهِ فَأُعْلِمَ بِشَأْنِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَها“ فَرَفَعَتْ سَوْدَةُ يَدَها تَتَوَقَّعُ أنْ يَقْطَعَ اللَّهُ يَدَها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنِّي سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ دُعائِي عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ عَذابًا مِن أهْلِي رَحْمَةً لِأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ كَما تَغْضَبُونَ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَها“» .

والقَوْلُ الثّالِثُ: أقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُبالِغُ في الدُّعاءِ طَلَبًا لِشَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّ خَيْرَهُ فِيهِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ مَنبَعَ شَرِّهِ وضَرَرِهِ، وهو يُبالِغُ في طَلَبِهِ لِجَهْلِهِ بِحالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وإنَّما يُقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لِكَوْنِهِ عَجُولًا مُغْتَرًّا بِظَواهِرِ الأُمُورِ غَيْرَ مُتَفَحِّصٍ عَنْ حَقائِقِها وأسْرارِها.

البَحْثُ الرّابِعُ: القِياسُ: إثْباتُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُ﴾ إلّا أنَّهُ حُذِفَ في المُصْحَفِ مِنَ الكِتابَةِ، لِأنَّهُ لا يَظْهَرُ في اللَّفْظِ، أمّا لَمْ تُحْذَفْ في المَعْنى لِأنَّها في مَوْضِعِ الرَّفْعِ، ونَظِيرُهُ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ [ق: ٤١] ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] ولَوْ كانَ بِالواوِ والياءِ لَكانَ صَوابًا هَذا كَلامُ الفَرّاءِ. وأقُولُ: إنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عَصَمَ هَذا القُرْآنَ المَجِيدَ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ فَإنَّ إثْباتَ الياءِ والواوِ في أكْثَرِ ألْفاظِ القُرْآنِ وعَدَمَ إثْباتِهِما في هَذِهِ المَواضِعِ المَعْدُودَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ نُقِلَ كَما سُمِعَ، وأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ بِمِقْدارِ فَهْمِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ وفي هَذا الإنْسانِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا انْتَهَتِ الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ نَظَرَ إلى جَسَدِهِ فَأعْجَبَهُ فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الجِنْسِ، لِأنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ لا يَعْرى عَنْ عَجَلَةٍ، ولَوْ تَرَكَها لَكانَ تَرْكُها أصْلَحَ لَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، وأقُولُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو القَوْلَ الأوَّلَ، كانَ المَقْصُودُ عائِدًا إلى

صفحة ١٣١

القَوْلِ الثّانِي، لِأنّا إذا حَمَلْنا الإنْسانَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ المَعْنى أنَّ آدَمَ الَّذِي كانَ أصْلَ البَشَرِ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ العَجَلَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَةً لازِمَةً لِلْكُلِّ، فَكانَ المَقْصُودُ عائِدًا إلى القَوْلِ الثّانِي، واللَّهُ أعْلَمُ.

17:12Page 283

وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢

And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما أوْصَلَ إلى الخَلْقِ مِن نِعَمِ الدِّينِ وهو القُرْآنُ أتْبَعَهُ بِبَيانِ ما أوْصَلَ إلَيْهِمْ مِن نِعَمِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ وكَما أنَّ القُرْآنَ مُمْتَزِجٌ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَكَذَلِكَ الدَّهْرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّهارِ واللَّيْلِ. فالمُحْكَمُ كالنَّهارِ، والمُتَشابِهُ كاللَّيْلِ، وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ لا يَتِمُّ إلّا بِذِكْرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَكَذَلِكَ الوَقْتُ والزَّمانُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِالنَّهارِ واللَّيْلِ.

والوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ، وذَلِكَ الأقْوَمُ لَيْسَ إلّا ذِكْرَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، لا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وهو عَجائِبُ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا وصَفَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ عَجُولًا أيْ: مُنْتَقِلًا مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، بَيَّنَ أنَّ كُلَّ أحْوالِ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ، وهو الِانْتِقالُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالضِّدِّ، وانْتِقالُ نُورِ القَمَرِ مِنَ الزِّيادَةِ إلى النُّقْصانِ وبِالضِّدِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَتَيْنِ نَفْسَ اللَّيْلِ والنَّهارِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُما دَلِيلَيْنِ لِلْخَلْقِ عَلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. أمّا في الدِّينِ: فَلِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُضادٌّ لِلْآخَرِ مُغايِرٌ لَهُ، مَعَ كَوْنِهِما مُتَعاقِبَيْنِ عَلى الدَّوامِ، مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ لِذاتِهِما، بَلْ لا بُدَّ لَهُما مِن فاعِلٍ يُدَبِّرُهُما ويُقَدِّرُهُما بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ، وأمّا في الدُّنْيا: فَلِأنَّ مَصالِحَ الدُّنْيا لا تَتِمُّ إلّا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلَوْلا اللَّيْلُ لَما حَصَلَ السُّكُونُ والرّاحَةُ، ولَوْلا النَّهارُ لَما حَصَلَ الكَسْبُ والتَّصَرُّفُ في وُجُوهِ المَعاشِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ: تَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِلتَّبْيِينِ، والتَّقْدِيرُ: فَمَحْوُنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ النَّهارِ مُبْصِرَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: نَفْسُ الشَّيْءِ

صفحة ١٣٢

وذاتُهُ، فَكَذَلِكَ آيَةُ اللَّيْلِ هي نَفْسُ اللَّيْلِ. ويُقالُ أيْضًا: دَخَلْتُ بِلادَ خُراسانَ أيْ: دَخَلْتُ البِلادَ الَّتِي هي خُراسانُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا.

القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وجَعَلْنا نُرِي اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وهي القَمَرُ، وفي تَفْسِيرِ مَحْوِ القَمَرِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ ما يَظْهَرُ في القَمَرِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في النُّورِ، فَيَبْدُو في أوَّلِ الأمْرِ في صُورَةِ الهِلالِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَزايَدُ نُورُهُ حَتّى يَصِيرَ بَدْرًا كامِلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وذَلِكَ هو المَحْوُ، إلى أنْ يَعُودَ إلى المَحاقِ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِن مَحْوِ القَمَرِ الكَلَفُ الَّذِي يَظْهَرُ في وجْهِهِ يُرْوى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ كانا سَواءً في النُّورِ والضَّوْءِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأمَرَّ جَناحَهُ عَلى وجْهِ القَمَرِ فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ. ومَعْنى المَحْوِ في اللُّغَةِ: إذْهابُ الأثَرِ، تَقُولُ: مَحَوْتُهُ أمْحُوهُ وانْمَحى وامْتَحى إذا ذَهَبَ أثَرُهُ، وأقُولُ: حَمْلُ المَحْوِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما هو مَذْكُورٌ قَبْلُ، وهو مَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ. وجَعْلُ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ إنَّما يُؤَثِّرُ في ابْتِغاءِ فَضْلِ اللَّهِ. إذا حَمَلْنا المَحْوَ عَلى زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، لِأنَّ سَبَبَ حُصُولِ هَذِهِ الحالَةِ يَخْتَلِفُ بِأحْوالِ نُورِ القَمَرِ، وأهْلُ التَّجارِبِ بَيَّنُوا أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ في مَقادِيرِ النُّورِ لَهُ أثَرٌ عَظِيمٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ ومَصالِحِهِ، مِثْلَ أحْوالِ البِحارِ في المَدِّ والجَزْرِ، ومِثْلَ أحْوالِ التَّجْرِباتِ عَلى ما تَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ، وأيْضًا بِسَبَبِ زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ يَحْصُلُ الشُّهُورُ، وبِسَبَبِ مُعاوَدَةِ الشُّهُورِ يَحْصُلُ السُّنُونَ العَرَبِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلى رُؤْيَةِ الأهِلَّةِ كَما قالَ: ﴿ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ المَحْوِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى. وأقُولُ أيْضًا: لَوْ حَمَلْنا المَحْوَ عَلى الكَلَفِ الحاصِلِ في وجْهِ القَمَرِ، فَهو أيْضًا بُرْهانٌ عَظِيمٌ قاهِرٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ المُسْلِمِينَ في المَبْدَأِ والمَعادِ، أمّا دَلالَتُهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في المَبْدَأِ، فَلِأنَّ جِرْمَ القَمَرِ جِرْمٌ بَسِيطٌ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَشابِهَ الصِّفاتِ، فَحُصُولُ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ المَحْوِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ خَصَّصَ بَعْضَ أجْزائِهِ بِالنُّورِ القَوِيِّ، وبَعْضَ أجْزائِهِ بِالنُّورِ الضَّعِيفِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ. وأحْسَنُ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في الِاعْتِذارِ عَنْهُ، أنَّهُ ارْتَكَزَ في وجْهِ القَمَرِ أجْسامٌ قَلِيلَةُ الضَّوْءِ مِثْلُ ارْتِكازِ الكَواكِبِ في أجْرامِ الأفْلاكِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأجْرامُ أقَلَّ ضَوْءٍ مِن جِرْمِ القَمَرِ، لا جَرَمَ شُوهِدَتْ تِلْكَ الأجْرامُ في وجْهِ القَمَرِ كالكَلَفِ في وجْهِ الإنْسانِ، وهَذا لا يُفِيدُ مَقْصُودَ الخَصْمِ، لِأنَّ جِرْمَ القَمَرِ لَمّا كانَ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ فَلِمَ ارْتَكَزَتْ تِلْكَ الأجْرامُ الظُّلْمانِيَّةُ في بَعْضِ أجْزاءِ القَمَرِ دُونَ سائِرِ الأجْزاءِ ؟ وبِمِثْلِ هَذا الطَّرِيقِ يَتَمَسَّكُ في أحْوالِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفَلَكَ جِرْمٌ بَسِيطٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَلِمَ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ جِرْمِ الكَواكِبِ في بَعْضِ جَوانِبِهِ أوْلى مِن حُصُولِهِ في سائِرِ الجَوانِبِ ؟ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ ذَلِكَ الكَوْكَبِ بِذَلِكَ المَوْضِعِ المُعَيَّنِ مِنَ الفَلَكِ لِأجْلِ تَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ هَذِهِ الدَّلائِلِ إنَّما يُرادُ مِن تَقْرِيرِها وإيرادِها التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العالَمِ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِها مُبْصِرَةً أيْ: مُضِيئَةً وذَلِكَ لِأنَّ

صفحة ١٣٣

الإضاءَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإبْصارِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ الإبْصارِ عَلى الإضاءَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ.

والثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ يُقالُ: قَدْ أبْصَرَ النَّهارُ إذا صارَ النّاسُ يُبْصِرُونَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ مُخْبِثٌ إذا كانَ أصْحابُهُ خُبَثاءَ، ورَجُلٌ مُضْعِفٌ إذا كانَتْ ذَرارِيهِ ضِعافًا، فَكَذا قَوْلُهُ: ”النَّهارُ مُبْصِرٌ“، أيْ: أهْلُهُ بُصَراءُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مَنافِعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] وقالَ أيْضًا: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: لِتُبْصِرُوا كَيْفَ تَتَصَرَّفُونَ في أعْمالِكم ﴿ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الحِسابَ مَبْنِيٌّ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: السّاعاتُ والأيّامُ والشُّهُورُ والسُّنُونَ، فالعَدَدُ لِلسِّنِينَ، والحِسابُ لِما دُونَ السِّنِينَ، وهي الشُّهُورُ والأيّامُ والسّاعاتُ، وبَعْدَ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعِ لا يَحْصُلُ إلّا التَّكْرارُ كَما أنَّهم رَتَّبُوا العَدَدَ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: الآحادُ والعَشَراتُ والمِئاتُ والأُلُوفُ، ولَيْسَ بَعْدَها إلّا التَّكْرارُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وهُما مِن وجْهٍ دَلِيلانِ قاطِعانِ عَلى التَّوْحِيدِ، ومِن وجْهٍ آخَرَ نِعْمَتانِ عَظِيمَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ الدُّنْيا، فَلَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى حالَهُما وفَصَّلَ ما فِيهِما مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى الخالِقِ ومِن وُجُوهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ، كانَ ذَلِكَ تَفْصِيلًا نافِعًا وبَيانًا كامِلًا، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ في مَصالِحِ دِينِكم ودُنْياكم، فَقَدْ فَصَّلْناهُ وشَرَحْناهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] وإنَّما ذَكَرَ المَصْدَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَفْصِيلًا﴾ لِأجْلِ تَأْكِيدِ الكَلامِ وتَقْرِيرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: وفَصَّلْناهُ حَقًّا وفَصَّلْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском