Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:22–23
17:22Page 284
لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢
Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.
صفحة ١٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ وجْهِ النَّظْمِ. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ النّاسَ فَرِيقانِ مِنهم مَن يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا فَقَطْ وهم أهْلُ العِقابِ والعَذابِ، ومِنهم مَن يُرِيدُ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ وهم أهْلُ الثَّوابِ. ثُمَّ شَرَطَ ذَلِكَ بِشَرائِطَ ثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: إرادَةُ الآخِرَةِ.
وثانِيها: أنْ يَعْمَلَ عَمَلًا ويَسْعى سَعْيًا مُوافِقًا لِطَلَبِ الآخِرَةِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا لا جَرَمَ فَصَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ المُجْمَلاتِ فَبَدَأ أوَّلًا بِشَرْحِ حَقِيقَةِ الإيمانِ، وأشْرَفُ أجْزاءِ الإيمانِ هو التَّوْحِيدُ ونَفْيُ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ فَقالَ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ سائِرَ الأعْمالِ الَّتِي يَكُونُ المُقْدِمُ عَلَيْها والمُشْتَغِلُ بِها ساعِيًا سَعْيًا يَلِيقُ بِطَلَبِ الآخِرَةِ، وصارَ مِنَ الَّذِينَ سَعِدَ طائِرُهم وحَسُنَ بَخْتُهم وكَمُلَتْ أحْوالُهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في الظّاهِرِ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولَكِنْ في المَعْنى عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْإنْسانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها الإنْسانُ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] وهَذا لا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّ أبَوَيْهِ ما بَلَغا الكِبَرَ عِنْدَهُ فَعَلِمْنا أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا هو نَوْعُ الإنْسانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ كانَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكَ كاذِبٌ والكاذِبَ يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ والخِذْلانَ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ لا إلَهَ ولا مُدَبِّرَ ولا مُقَدِّرَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ جَمِيعُ النِّعَمِ حاصِلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أضافَ بَعْضَ تِلْكَ النِّعَمِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ الحَقَّ أنَّ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، لِأنَّ الخالِقَ تَعالى اسْتَحَقَّ الشُّكْرَ بِإعْطاءِ تِلْكَ النِّعَمِ فَلَمّا جَحَدَ كَوْنَها مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ قابَلَ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى بِالإساءَةِ والجُحُودِ والكُفْرانِ فاسْتَوْجَبَ الذَّمَّ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الخِذْلانَ، لِأنَّهُ لَمّا أثْبَتَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى اسْتَحَقَّ أنْ يُفَوَّضَ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ الشَّرِيكِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الشَّرِيكُ مَعْدُومًا بَقِيَ بِلا ناصِرٍ ولا حافِظٍ ولا مُعِينٍ. وذَلِكَ عَيْنُ الخِذْلانِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَمالَ في الوَحْدَةِ والنُّقْصانَ في الكَثْرَةِ، فَمَن أثْبَتَ الشَّرِيكَ فَقَدْ وقَعَ في جانِبِ النُّقْصانِ واسْتَوْجَبَ الذَّمَّ والخِذْلانَ، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّ لَفْظُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُشْرِكَ مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ وجَبَ بِحُكْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُوَحِّدُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”القُعُودُ“ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ: المُكْثُ أيْ: فَتَمْكُثَ في النّاسِ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في لِسانِ العَرَبِ والفُرْسِ في هَذا المَعْنى، فَإذا سَألَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ ما يَصْنَعُ فُلانٌ في تِلْكَ البَلْدَةِ ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: هو قاعِدٌ بِأسْوَأِ حالٍ مَعْناهُ: المُكْثُ سَواءً كانَ قائِمًا أوْ جالِسًا.
الثّانِي: إنَّ مِن شَأْنِ المَذْمُومِ المَخْذُولِ أنْ يَقْعُدَ نادِمًا مُتَفَكِّرًا عَلى ما فَرَطَ مِنهُ.
الثّالِثُ: أنَّ المُتَمَكِّنَ مِن تَحْصِيلِ الخَيْراتِ يَسْعى في تَحْصِيلِها، والسَّعْيُ إنَّما يَتَأتّى بِالقِيامِ، وأمّا العاجِزُ عَنْ تَحْصِيلِها فَإنَّهُ لا يَسْعى بَلْ يَبْقى جالِسًا قاعِدًا عَنِ الطَّلَبِ فَلَمّا كانَ القِيامُ عَلى الرَّجُلِ أحَدَ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَتِمُّ الفَوْزُ بِالخَيْراتِ، وكانَ القُعُودُ والجُلُوسُ عَلامَةً عَلى عَدَمِ تِلْكَ المَكِنَةِ والقُدْرَةِ لا جَرَمَ جُعِلَ القِيامُ كِنايَةً عَنِ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِ الخَيْراتِ. والقُعُودُ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ والضَّعْفِ.
صفحة ١٤٧
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ انْتَصَبَ لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ الفاءِ جَوابًا لِلنَّهْيِ وانْتِصابُهُ بِإضْمارِ ”أنْ“ كَقَوْلِكَ لا تَنْقَطِعْ عَنّا فَنَجْفُوَكَ، والتَّقْدِيرُ: لا يَكُنْ مِنكَ انْقِطاعٌ فَيَحْصُلُ أنْ نَجْفُوَكَ فَما بَعْدَ الفاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِحَرْفِ الفاءِ الَّتِي هي حَرْفُ العَطْفِ. وإنَّما سَمّاهُ النَّحْوِيُّونَ جَوابًا لِكَوْنِهِ مُشابِهًا لِلْجَزاءِ في أنَّ الثّانِيَ مُسَبَّبٌ عَنِ الأوَّلِ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى إنِ انْقَطَعَتْ جَفْوَتُكَ كَذَلِكَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنْ جَعَلْتَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ قَعَدْتَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا.
17:23Page 284
۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣
And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى ما هو الرَّكْنُ الأعْظَمُ في الإيمانِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما هو مِن شَعائِرِ الإيمانِ وشَرائِطِهِ وهي أنْواعٌ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: القَضاءُ مَعْناهُ الحُكْمُ الجَزْمُ البَتُّ الَّذِي لا يَقْبَلُ النَّسْخَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ قَضى عَلَيْهِ، أمّا إذا أمَرَهُ أمْرًا جَزْمًا وحَكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الحُكْمِ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، فَهَهُنا يُقالُ: قَضى عَلَيْهِ، ولَفْظُ القَضاءِ في أصْلِ اللُّغَةِ يَرْجِعُ إلى إتْمامِ الشَّيْءِ وانْقِطاعِهِ. ورَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ كانَ الأصْلُ: ”ووَصّى رَبُّكَ“ فالتَصَقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بِالصّادِ فَقُرِئَ: ”وقَضى رَبُّكَ“ ثُمَّ قالَ: ولَوْ كانَ عَلى القَضاءِ ما عَصى اللَّهَ أحَدٌ قَطُّ، لِأنَّ خِلافَ قَضاءِ اللَّهِ مُمْتَنِعٌ، هَكَذا رَواهُ عَنْهُ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهو قِراءَةُ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّهُ يَفْتَحُ بابَ أنَّ التَّحْرِيفَ والتَّغْيِيرَ قَدْ تَطَرَّقَ إلى القُرْآنِ، ولَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الأمانُ عَنِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حَجَّةً ولا شَكَّ أنَّهُ طَعْنٌ عَظِيمٌ في الدِّينِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَدُلُّ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو الحَقُّ، وذَلِكَ لِأنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ المُشْتَمِلِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ، ونِهايَةُ الإنْعامِ عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ الوُجُودِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والشَّهْوَةِ والعَقْلِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ المُعْطِيَ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ، وإذا كانَ المُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ هو اللَّهَ لا غَيْرَهُ، لا جَرَمَ كانَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو اللَّهَ تَعالى لا غَيْرَهُ، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ .
*
صفحة ١٤٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلْأوّابِينَ غَفُورًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، وبَيانُ المُناسِبَةِ بَيْنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ الأمْرِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ لِوُجُودِ الإنْسانِ هو تَخْلِيقُ اللَّهِ تَعالى وإيجادُهُ، والسَّبَبُ الظّاهِرِيُّ هو الأبَوانِ، فَأمَرَ بِتَعْظِيمِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِتَعْظِيمِ السَّبَبِ الظّاهِرِيِّ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ مُعامَلَةُ الإنْسانِ مَعَ الإلَهِ القَدِيمِ بِالتَّعْظِيمِ والعُبُودِيَّةِ، ومَعَ المُحْدَثِ بِإظْهارِ الشَّفَقَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ وأحَقُّ الخَلْقِ بِصَرْفِ الشَّفَقَةِ إلَيْهِ هو الأبَوانِ لِكَثْرَةِ إنْعامِهِما عَلى الإنْسانِ فَقَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِشُكْرِ المُنْعِمِ واجِبٌ، ثُمَّ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ هو الخالِقُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقَدْ يَكُونُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ مُنْعِمًا عَلَيْكَ، وشُكْرُهُ أيْضًا واجِبٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» “ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ نِعْمَةٌ عَلى الإنْسانِ مِثْلَ ما لِلْوالِدَيْنِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الوَلَدَ قِطْعَةٌ مِنَ الوالِدَيْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» “ .
وثانِيها: أنَّ شَفَقَةَ الأبَوَيْنِ عَلى الوَلَدِ عَظِيمَةٌ وجِدَّهُما في إيصالِ الخَيْرِ إلى الوَلَدِ كالأمْرِ الطَّبِيعِيِّ واحْتِرازَهُما عَنْ إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ كالأمْرِ الطَّبِيعِيِّ، ومَتى كانْتِ الدَّواعِي إلى إيصالِ الخَيْرِ مُتَوَفِّرَةً، والصَّوارِفُ عَنْهُ زائِلَةً لا جَرَمَ كَثُرَ إيصالُ الخَيْرِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِعَمُ الوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ كَثِيرَةً أكْثَرَ مِن كُلِّ نِعْمَةٍ تَصِلُ مِن إنْسانٍ إلى إنْسانٍ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ ما يَكُونُ في غايَةِ الضَّعْفِ ونِهايَةِ العَجْزِ يَكُونُ في إنْعامِ الأبَوَيْنِ فَأصْنافُ نِعَمِهِما في ذَلِكَ الوَقْتِ واصِلَةٌ إلَيْهِ، وأصْنافُ رَحْمَةِ ذَلِكَ الوَلَدِ واصِلَةٌ إلى الوالِدَيْنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإنْعامَ إذا كانَ واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ مَوْقِعُهُ عَظِيمًا.
ورابِعُها: أنَّ إيصالَ الخَيْرِ إلى الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ لِداعِيَةِ إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ، وقَدْ يَمْتَزِجُ بِهَذا الغَرَضِ سائِرُ الأغْراضِ، وإيصالُ الخَيْرِ إلى الوَلَدِ لَيْسَ لِهَذا الغَرَضِ فَقَطْ. فَكانَ الإنْعامُ فِيهِ أتَمَّ وأكْمَلَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ نِعْمَةٌ عَلى غَيْرِهِ مِثْلَ ما لِلْوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ، فَبَدَأ اللَّهُ تَعالى بِشُكْرِ نِعْمَةِ الخالِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِشُكْرِ نِعْمَةِ الوالِدَيْنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ والسَّبَبُ فِيهِ ما بَيَّنّا أنَّ أعْظَمَ النِّعَمِ بَعْدَ إنْعامِ الإلَهِ الخالِقِ نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: الوالِدانِ إنَّما طَلَبا تَحْصِيلَ اللَّذَّةِ لِنَفْسَيْهِما فَلَزِمَ مِنهُ دُخُولُ الوَلَدِ في الوُجُودِ وحُصُولُهُ في عالَمِ الآفاتِ والمَخافاتِ، فَأيُّ إنْعامٍ لِلْأبَوَيْنِ عَلى الوَلَدِ ؟ حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُتَّسِمِينَ بِالحِكْمَةِ كانَ يَضْرِبُ أباهُ ويَقُولُ: هو الَّذِي أدْخَلَنِي في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وعَرَّضَنِي لِلْمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والزَّمانَةِ، وقِيلَ لِأبِي العَلاءِ المَعَرِّي: ماذا نَكْتُبُ عَلى قَبْرِكَ ؟ قالَ اكْتُبُوا عَلَيْهِ:
صفحة ١٤٩
هَذا جَناهُ أبِي عَلَيَّ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدِ
وقالَ في تَرْكِ التَّزَوُّجِ والوَلَدِ:
وتَرَكْتُ أوْلادِي وهم في نِعْمَةِ الـ ∗∗∗ ـعَدَمِ الَّتِي سَبَقَتْ نَعِيمَ العاجِلِ
ولَوَ انَّهم وُلِدُوا لَعانَوْا شِدَّةً ∗∗∗ تَرْمِي بِهِمْ في مُوبِقاتِ الآجِلِ
وقِيلَ لِلْإسْكَنْدَرِ: أُسْتاذُكَ أعْظَمُ مِنَّةً عَلَيْكَ أمْ والِدُكَ ؟ فَقالَ: الأُسْتاذُ أعْظَمُ مِنَّةً، لِأنَّهُ تَحَمَّلَ أنْواعَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ عِنْدَ تَعْلِيمِي، أرْتَعَنِي في نُورِ العِلْمِ، وأمّا الوالِدُ فَإنَّهُ طَلَبَ تَحْصِيلَ لَذَّةِ الوِقاعِ لِنَفْسِهِ، وأخْرَجَنِي إلى آفاتِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ. ومِنَ الكَلِماتِ المَشْهُورَةِ المَأْثُورَةِ: خَيْرُ الآباءِ مَن عَلَّمَكَ.
والجَوابُ: هَبْ أنَّهُما في أوَّلِ الأمْرِ طَلَبا لَذَّةَ الوِقاعِ إلّا أنَّ الِاهْتِمامَ بِإيصالِ الخَيْراتِ، وفي دَفْعِ الآفاتِ مِن أوَّلِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ إلى وقْتِ بُلُوغِهِ الكِبَرَ ألَيْسَ أنَّهُ أعْظَمُ مِن جَمِيعِ ما يُتَخَيَّلُ مِن جِهاتِ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، فَسَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبُهاتُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وأنْ تُحْسِنُوا، أوْ يُقالُ: وقَضى ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ بِالإحْسانِ لِأنَّ المَصْدَرَ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ ثُمَّ لَمْ يُذْكُرْ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَصْدَرَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ صِلَتُهُ. وقالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: الباءُ في ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ مِن صِلَةِ الإحْسانِ وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ بِزَيْدٍ فامْرُرْ، وهَذا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ غَيْرُ مُطابِقٍ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَقْدِيمُ صِلَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والمِثالُ المَذْكُورُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القَفّالُ: لَفْظُ الإحْسانِ قَدْ يُوصَلُ بِحَرْفِ الباءِ تارَةً، وبِحَرْفِ ”إلى“ أُخْرى، وكَذَلِكَ الإساءَةُ، يُقالُ: أحْسَنْتُ بِهِ وإلَيْهِ. وأسَأْتُ بِهِ وإلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقالَ القائِلُ:
أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
وأقُولُ لَفْظُ الآيَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ كَثِيرَةٍ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأعْمالِ الَّتِي بِواسِطَتِها يَحْصُلُ الفَوْزُ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ فَذَكَرَ مِن جُمْلَتِها البِرَّ بِالوالِدَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الطّاعَةَ مِن أصُولِ الطّاعاتِ الَّتِي تُفِيدُ سَعادَةَ الآخِرَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وثَنّى بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وثَلَّثَ بِالبِرِّ بِالوالِدَيْنِ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ ومُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَعْظِيمِ هَذِهِ الطّاعَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: وإحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، بَلْ قالَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ فَتَقْدِيمُ ذِكْرِهِما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿إحْسانًا﴾ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، والتَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، والمَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أنْ تُحْسِنُوا إلى الوالِدَيْنِ إحْسانًا عَظِيمًا كامِلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ إحْسانُهُما إلَيْكَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ العَظِيمَةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ إحْسانُكَ إلَيْهِما كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَلا تَحْصُلُ المُكافَأةُ، لِأنَّ إنْعامَهُما عَلَيْكَ كانَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ، وفي الأمْثالِ المَشْهُورَةِ أنَّ البادِيَ بِالبِرِّ لا يُكافَأُ.
صفحة ١٥٠
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”إمّا“ لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن لَفْظَتَيْنِ: إنْ، وما. أمّا كَلِمَةُ ”إنْ“ فَهي لِلشَّرْطِ، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“ فَهي أيْضًا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] فَلَمّا جَمَعَ بَيْنَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ أفادَ التَّأْكِيدَ في مَعْنى الِاشْتِراطِ، إلّا أنَّ عَلامَةَ الجَزْمِ لَمْ تَظْهَرْ مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ، لِأنَّ الفِعْلَ يُبْنى مَعَ نُونِ التَّأْكِيدِ وأقُولُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نُونَ التَّأْكِيدِ إنَّما يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ اللّائِقُ بِهِ تَأْكِيدَ ذَلِكَ الحُكْمِ المَذْكُورِ وتَقْرِيرِهِ وإثْباتِهِ عَلى أقْوى الوُجُوهِ، إلّا أنَّ هَذا المَعْنى لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: الشَّيْءُ إمّا كَذا وإمّا كَذا، فالمَطْلُوبُ مِنهُ تَرْدِيدُ الحُكْمِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الشَّيْئَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ لا يَلِيقُ بِهِ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ فَكَيْفَ يَلِيقُ الجَمْعُ بَيْنَ كَلِمَةِ إمّا وبَيْنَ نُونِ التَّأْكِيدِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الحُكْمَ المُتَقَرِّرَ المُتَأكِّدَ إمّا أنْ يَقَعَ وإمّا أنْ لا يَقَعَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الأكْثَرُونَ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ فِعْلٌ وفاعِلُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿أحَدُهُما﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كِلاهُما﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو: ولَوْ أسْنَدَ قَوْلَهُ: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كِلاهُما﴾ جازَ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ، تَقُولُ قالَ رَجُلٌ، وقالَ رَجُلانِ، وقالَتِ الرِّجالُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَبْلُغانِ“ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أحَدُهُما﴾ بَدَلٌ مِن ألِفِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الوالِدَيْنِ (وكِلاهُما) عَطْفٌ عَلى (أحَدُهُما) فاعِلًا أوْ بَدَلًا.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ قِيلَ إمّا يَبْلُغانِ كِلاهُما كانَ كِلاهُما تَوْكِيدًا لا بَدَلًا، فَلِمَ زَعَمْتُمْ أنَّهُ بَدَلٌ ؟
قُلْنا: لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلِاثْنَيْنِ فانْتَظَمَ في حُكْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أحَدُهُما﴾ بَدَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كِلاهُما﴾ تَوْكِيدٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَطْفًا لِلتَّوْكِيدِ عَلى البَدَلِ ؟
قُلْنا: العَطْفُ يَقْتَضِي المُشارَكَةَ فَجُعِلَ أحَدُهُما بَدَلًا والآخَرُ تَوْكِيدًا خِلافَ الأصْلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو الهَيْثَمِ الرّازِيُّ، وأبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ، وأبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ: إنَّ (كِلا) اسْمٌ مُفْرَدٌ يُفِيدُ مَعْنى التَّثْنِيَةِ ووَزْنُهُ ”فِعَلْ“ ولامُهُ مُعْتَلٌّ بِمَنزِلَةِ لامِ حِجًى ورِضًى، وهي كَلِمَةٌ وُضِعَتْ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ يُؤَكَّدُ بِها الِاثْنانِ خاصَّةً ولا تَكُونُ إلّا مُضافَةً. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّها لَوْ كانَتْ تَثْنِيَةً لَوَجَبَ أنْ يُقالَ في النَّصْبِ والخَفْضِ مَرَرْتُ بِكِلَيِ الرَّجُلَيْنِ بِكَسْرِ الياءِ كَما تَقُولُ: بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ ”ومِن ثُلْثَيِ اللَّيْلِ“ . ”ويا صاحِبَيِ السِّجْنِ“، ”وطَرَفَيِ النَّهارِ“ ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ تَثْنِيَةً بَلْ هي لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ وُضِعَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّثْنِيَةِ كَما أنَّ لَفْظَةَ ”كُلٍّ“ اسْمٌ واحِدٌ مَوْضُوعٌ لِلْجَماعَةِ، فَإذَنْ أخْبَرْتَ عَنْ لَفْظِهِ كَما تُخْبِرُ عَنِ الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وكَذَلِكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ كِلا أخْبَرْتَ عَنْ واحِدٍ فَقُلْتَ كِلا إخْوَتِكَ كانَ قائِمًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ [الكهف: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ آتَتا. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ مَعْناهُ: أنَّهُما يَبْلُغانِ إلى حالَةِ الضَّعْفِ والعَجْزِ فَيَصِيرانِ عِنْدَكَ في آخِرِ العُمُرِ كَما كُنْتَ عِنْدَهُما في أوَّلِ العُمُرِ.
صفحة ١٥١
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَعِنْدَ هَذا الذِّكْرِ كَلَّفَ الإنْسانَ في حَقِّ الوالِدَيْنِ بِخَمْسَةِ أشْياءَ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ: كَسْرُ الفاءِ وضَمِّها وفَتْحِها، وكُلُّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِتَنْوِينٍ وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَهَذِهِ سِتَّةٌ واللُّغَةُ السّابِعَةُ أُفِّي بِالياءِ قالَ الأخْفَشُ: كَأنَّهُ أضافَ هَذا القَوْلَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: قَوْلِي هَذا، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مِن لُغاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ثَلاثَةً زائِدَةً عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: ”إفَّ“ بِكَسْرِ الألِفِ وفَتْحِ الفاءِ وأُفَّهْ بِضَمِّ الألْفِ وإدْخالِ الهاءِ و”أُفْ“ بِضَمِّ الألْفِ وتَسْكِينِ الفاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: بِكَسْرِ الفاءِ والتَّنْوِينِ، والباقُونَ: بِكَسْرِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكُلُّها لُغاتٌ، وعَلى هَذا الخِلافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وفي الأحْقافِ: ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] وأقُولُ: البَحْثُ المُشْكِلُ هَهُنا أنّا لَمّا نَقَلْنا عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ اللُّغاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَما السَّبَبُ في أنَّهم تَرَكُوا أكْثَرَ تِلْكَ اللُّغاتِ في قِراءَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، واقْتَصَرُوا عَلى وُجُوهٍ قَلِيلَةٍ مِنها ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: جَعَلَ فُلانٌ يَتَأفَّفُ مِن رِيحٍ وجَدَها، مَعْناهُ يَقُولُ: أُفٍّ أُفٍّ.
الثّانِي: قالَ الأصْمَعِيُّ: الأُفُّ وسَخُ الأُذُنِ والتُفُّ وسَخُ الظُّفُرِ؛ يُقالُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِقْذارِ الشَّيْءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلُوا عِنْدَ كُلِّ ما يَتَأذَّوْنَ بِهِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم أُفٍّ مَعْناهُ قِلَّةٌ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأفِيفِ وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ وتُفٍّ إتْباعٌ لَهُ، كَقَوْلِهِمْ: شَيْطانٌ لَيْطانٌ خَبِيثٌ نَبِيثٌ.
الرّابِعُ: رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الأُفُّ الضَّجَرُ.
الخامِسُ: قالَ القُتَبِيُّ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ أنَّهُ إذا سَقَطَ عَلَيْكَ تُرابٌ أوْ رَمادٌ نَفَخْتَ فِيهِ لِتُزِيلَهُ والصَّوْتُ الحاصِلُ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هو قَوْلُكَ ”أُفٍّ“، ثُمَّ إنَّهم تَوَسَّعُوا فَذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عِنْدَ كُلِّ مَكْرُوهٍ يَصِلُ إلَيْهِمْ.
السّادِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”أُفٍّ“ مَعْناهُ النَّتَنُ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، لِأنَّهُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أيْ: لا تَتَقَذَّرْهُما كَما أنَّهُما لَمْ يَتَقَذَّراكَ حِينَ كُنْتَ تَخْرى أوْ تَبُولُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ إذا وجَدْتَ مِنهُما رائِحَةً تُؤْذِيكَ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences