Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:34–36
17:34–35Page 285
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤
And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.
وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥
And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآياتِ.
اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ الزِّنا يُوجِبُ اخْتِلاطَ الأنْسابِ. وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الِاهْتِمامِ بِتَرْبِيَةِ الأوْلادِ وذَلِكَ يُوجِبُ انْقِطاعَ النَّسْلِ، وذَلِكَ يُوجِبُ المَنعَ مِن دُخُولِ النّاسِ في الوُجُودِ، وأمّا القَتْلُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ النّاسِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا والنَّهْيَ عَنِ القَتْلِ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى النَّهْيِ عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ الأمْوالِ، لِأنَّ أعَزَّ الأشْياءِ بَعْدَ النُّفُوسِ الأمْوالُ، وأحَقَّ النّاسِ بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ أمْوالِهِمْ هو اليَتِيمُ، لِأنَّهُ لِصِغَرِهِ وضَعْفِهِ وكَمالِ عَجْزِهِ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ بِإتْلافِ مالِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ أمْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: إلّا بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي يُنَمِّيهِ ويُكْثِرُهُ.
الثّانِي: المُرادُ هو أنْ تَأْكُلَ مَعَهُ إذا احْتَجْتَ إلَيْهِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا احْتاجَ أكَلَ بِالمَعْرُوفِ فَإذا أيْسَرَ قَضاهُ، فَإنْ لَمْ يُوسِرْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ الوَلِيَّ إنَّما تَبْقى وِلايَتُهُ عَلى اليَتِيمِ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وهو بُلُوغُ النِّكاحِ، كَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى
صفحة ١٦٤
فِي آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والمُرادُ بِالأشُدِّ بُلُوغُهُ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ ورُشْدِهِ القِيامُ بِمَصالِحِ مالِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَزُولُ وِلايَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ وذَلِكَ حَدُّ البُلُوغِ، فَأمّا إذا بَلَغَ غَيْرَ كامِلِ العَقْلِ لَمْ تَزُلِ الوِلايَةُ عَنْهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. وبُلُوغُ العَقْلِ هو أنْ يَكْمُلَ عَقْلُهُ وقُواهُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ أوَّلًا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ وهي النَّهْيُ عَنِ الزِّنا، وعَنِ القَتْلِ إلّا بِالحَقِّ، وعَنْ قُرْبانِ مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ تَقَدَّمَ لِأجْلِ تَوْثِيقِ الأمْرِ وتَوْكِيدِهِ فَهو عَهْدٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَدَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ كُلُّ عَقْدٍ مِنَ العُقُودِ كَعَقْدِ البَيْعِ والشَّرِكَةِ، وعَقْدِ اليَمِينِ والنَّذْرِ، وعَقْدِ الصُّلْحِ، وعَقْدِ النِّكاحِ. وحاصِلُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ وعَهْدٍ جَرى بَيْنَ إنْسانَيْنِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِما الوَفاءُ بِمُقْتَضى ذَلِكَ العَقْدِ والعَهْدِ، إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ فَمُقْتَضاهُ الحُكْمُ بِصِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ وقَعَ التَّراضِي بِهِ وبِصِحَّةِ كُلِّ شَرِكَةٍ وقَعَ التَّراضِي بِها، ويُؤَكَّدُ هَذا النَّصُّ بِسائِرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الوَفاءِ بِالعُهُودِ والعُقُودِ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ وقَوْلِهِ: ”إذا اخْتَلَفَ الجِنْسانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ“ وقَوْلِهِ: ”«مَنِ اشْتَرى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَهو بِالخِيارِ إذا رَآهُ» “ فَجَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في البَيُوعاتِ والعُهُودِ والعُقُودِ الصِّحَّةُ ووُجُوبُ الِالتِزامِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ وجَدْنا نَصًّا أخَصَّ مِن هَذِهِ النُّصُوصِ يَدُلُّ عَلى البُطْلانِ والفَسادِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا بِالصِّحَّةِ في الكُلِّ، وأمّا تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ فَقَدْ أبْطَلْناهُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ أبْوابُ المُعامَلاتِ عَلى طُولِها وإطْنابِها مَضْبُوطَةً مَعْلُومَةً بِهَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ، ويَكُونُ المُكَلَّفُ آمِنَ القَلْبِ مُطَمْئِنَّ النَّفْسِ في العَمَلِ، لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلى صِحَّتِها فَلَيْسَ بَعْدَ بَيانِ اللَّهِ بَيانٌ، وتَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً مَعْلُومَةً.
صفحة ١٦٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يُرادَ صاحِبُ العُهَدِ كانَ مَسْئُولًا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
وثانِيها: أنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا أيْ: مَطْلُوبًا يُطْلَبُ مِنَ المَعاهِدِ أنْ لا يُضَيِّعَهُ ويَفِيَ بِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا تَخْيِيلًا كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ ؟ وهَلّا وُفِّيَ بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ فالمُخاطَبَةُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْكارُ عَلى غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ إتْمامُ الكَيْلِ وذِكْرُ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في نُقْصانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [ المُطَفِّفِينَ: ١: ٣ ] .
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ فالآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في إتْمامِ الكَيْلِ، وهَذِهِ الآيَةُ في إتْمامِ الوَزْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] .
واعْلَمْ أنَّ التَّفاوُتَ الحاصِلَ بِسَبَبِ نُقْصانِ الكَيْلِ والوَزْنِ قَلِيلٌ. والوَعِيدَ الحاصِلَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنهُ، وإنَّما عَظُمَ الوَعِيدُ فِيهِ لِأنَّ جَمِيعَ النّاسِ مُحْتاجُونَ إلى المُعاوَضاتِ والبَيْعِ والشِّراءِ، وقَدْ يَكُونُ الإنْسانُ غافِلًا لا يَهْتَدِي إلى حِفْظِ مالِهِ، فالشّارِعُ بالَغَ في المَنعِ مِنَ التَّطْفِيفِ والنُّقْصانِ، سَعْيًا في إبْقاءِ الأمْوالِ عَلى المُلّاكِ، ومَنعًا مِن تَلْطِيخِ النَّفْسِ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ المِقْدارِ الحَقِيرِ، والقِسْطاسُ في مَعْنى المِيزانِ إلّا أنَّهُ في العُرْفِ أكْبَرُ مِنهُ، ولِهَذا اشْتُهِرَ في ألْسِنَةِ العامَّةِ أنَّهُ القَبّانُ. وقِيلَ أنَّهُ بِلِسانِ الرُّومِ أوِ السُّرْيانِيِّ. والأصَحُّ أنَّهُ لُغَةُ العَرَبِ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القِسْطِ، وهو الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الِاسْتِقامَةُ والِاعْتِدالُ، وبِالجُمْلَةِ فَمَعْناهُ المُعْتَدِلُ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وأجْمَعُوا عَلى جَوازِ اللُّغَتَيْنِ فِيهِ، ضَمُّ القافِ وكَسْرُها، فالكَسْرُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ والباقُونَ بِالضَّمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ الإيفاءُ بِالتَّمامِ والكَمالِ خَيْرٌ مِنَ التَّطْفِيفِ القَلِيلِ مِن حَيْثُ أنَّ الإنْسانَ يَتَخَلَّصُ بِواسِطَتِهِ عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ في الدُّنْيا والعِقابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ والتَّأْوِيلُ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الأمْرُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكهف: ٤٤] وإنَّما حَكَمَ تَعالى بِأنَّ عاقِبَةَ هَذا الأمْرِ أحْسَنُ العَواقِبِ، لِأنَّهُ في الدُّنْيا إذا اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ عَوَّلَ النّاسُ عَلَيْهِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ وحَصَلَ لَهُ الِاسْتِغْناءُ في الزَّمانِ القَلِيلِ، وكَمْ قَدْ رَأيْنا مِنَ الفُقَراءِ لَمّا اشْتُهِرُوا عِنْدَ النّاسِ بِالأمانَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الخِيانَةِ أقْبَلَتِ القُلُوبُ عَلَيْهِمْ وحَصَلَتِ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ لَهم في المَدَّةِ القَلِيلَةِ. وأمّا في الآخِرَةِ فالفَوْزُ بِالثَّوابِ العَظِيمِ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ الألِيمِ.
17:36Page 285
وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦
And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
صفحة ١٦٦
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ الأوامِرَ الثَّلاثَةَ، عادَ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ النَّواهِي فَنَهى عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿تَقْفُ﴾ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: قَفَوْتُ أثَرَ فُلانٍ أقْفُو قَفْوًا وقُفُوًّا إذا اتَّبَعْتَ أثَرَهُ، وسُمِّيَتْ قافِيَةُ الشِّعْرِ قافِيَةً لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ المَشْهُورَةُ بِالقافَةِ، لِأنَّهم يَتْبَعُونَ آثارَ أقْدامِ النّاسِ ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى أحْوالِ الإنْسانِ، وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ [الحديد: ٢٧] وسُمِّي القَفا قَفًا لِأنَّهُ مُؤَخَّرُ بَدَنِ الإنْسانِ كَأنَّهُ شَيْءٌ يَتْبَعُهُ ويَقْفُوهُ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ أيْ: ولا تَتْبَعْ ولا تَقْتَفِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى النَّهْيِ عَنِ الحُكْمِ بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ الأنْواعِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ نَهْيُ المُشْرِكِينَ عَنِ المَذاهِبِ الَّتِي كانُوا يَعْتَقِدُونَها في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى نَسَبَهم في تِلْكَ العَقائِدِ إلى اتِّباعِ الهَوى فَقالَ: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] وقالَ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] وحُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] وقالَ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦] الآيَةَ وقالَ: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
والقَوْلُ الثّانِي: نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ المُرادَ مِنهُ شَهادَةُ الزُّورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَشْهَدْ إلّا بِما رَأتْهُ عَيْناكَ وسَمِعَتْهُ أُذُناكَ ووَعاهُ قَلْبُكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مِنهُ: النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ ورَمْيِ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ بِالأكاذِيبِ، وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ جارِيَةً بِذَلِكَ يَذْكُرُونَها في الهِجاءِ ويُبالِغُونَ فِيهِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: المُرادُ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الكَذِبِ. قالَ قَتادَةُ: لا تَقُلْ سَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْ ورَأيْتُ ولَمْ تَرَ وعَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ القَفْوَ هو البُهْتُ وأصْلُهُ مِنَ القَفا، كَأنَّهُ قَوْلٌ يُقالُ خَلْفَهُ وهو في مَعْنى الغِيبَةِ وهو ذِكْرُ الرَّجُلِ في غِيبَتِهِ بِما يَسُوءُهُ. وفي بَعْضِ الأخْبارِ مَن قَفا مُسْلِمًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ، واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ يَتَناوَلُ الكُلَّ فَلا مَعْنى لِلتَّقْلِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: القِياسُ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ والظَّنُّ مُغايِرٌ لِلْعِلْمِ، فالحُكْمُ في دِينِ اللَّهِ بِالقِياسِ حُكْمٌ بِغَيْرِ المَعْلُومِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
أُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ في الدِّينِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ جائِزٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ:
صفحة ١٦٧
أحَدُها: أنَّ العَمَلَ بِالفَتْوى عَمَلٌ بِالظَّنِّ وهو جائِزٌ.
وثانِيها: العَمَلُ بِالشَّهادَةِ عَمَلٌ بِالظَّنِّ وأنَّهُ جائِزٌ.
وثالِثُها: الِاجْتِهادُ في طَلَبِ القِبْلَةِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ وأنَّهُ جائِزٌ.
ورابِعُها: قِيَمُ المُتْلَفاتِ وأُرُوشُ الجِناياتِ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالظَّنِّ وأنَّهُ جائِزٌ.
وخامِسُها: الفَصْدُ والحِجامَةُ وسائِرُ المُعالَجاتِ بِناءً عَلى الظَّنِّ وأنَّهُ جائِزٌ.
وسادِسُها: كَوْنُ هَذِهِ الذَّبِيحَةِ ذَبِيحَةً لِلْمُسْلِمِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ، وبِناءُ الحُكْمِ عَلَيْهِ جائِزٌ.
وسابِعُها: قالَ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ [النساء: ٣٥] وحُصُولُ ذَلِكَ الشِّقاقِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ.
وثامِنُها: الحُكْمُ عَلى الشَّخْصِ المُعَيَّنِ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا مَظْنُونٌ ثُمَّ نَبْنِي عَلى هَذا الظَّنِّ أحْكامًا كَثِيرَةً مِثْلَ حُصُولِ التَّوارُثِ ومِثْلَ الدَّفْنِ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِما.
وتاسِعُها: جَمِيعُ الأعْمالِ المُعْتَبَرَةِ في الدُّنْيا مِنَ الأسْفارِ، وطَلَبِ الأرْباحِ والمُعامَلاتِ إلى الآجالِ المَخْصُوصَةِ والِاعْتِمادِ عَلى صَداقَةِ الأصْدِقاءِ وعَداوَةِ الأعْداءِ كُلُّها مَظْنُونَةٌ، وبِناءُ الأمْرِ عَلى تِلْكَ الظُّنُونِ جائِزٌ.
وعاشِرُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» “ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الظَّنَّ مُعْتَبَرٌ في هَذِهِ الأنْواعِ العَشَرَةِ فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ بِناءُ الأمْرِ عَلى الظَّنِّ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى بِالعِلْمِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إنَّما يُمْكِنُ العِلْمُ بِأيْمانِهِنَّ بِناءً عَلى إقْرارِهِنَّ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى سَمّى الظَّنَّ عِلْمًا.
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ لَمّا دَلَّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالقِياسِ، وكانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ ظَنُّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ يُساوِي حُكْمَهُ في مَحَلِّ النَّصِّ، فَأنْتُمْ مُكَلَّفُونَ بِالعَمَلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الظَّنِّ، فَهَهُنا الظَّنُّ وقَعَ في طَرِيقِ الحُكْمِ، فَأمّا ذَلِكَ الحُكْمُ فَهو مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ.
أجابَ نُفاةُ القِياسِ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ في الصُّوَرِ العَشَرَةِ المَذْكُورَةِ، فَيَبْقى هَذا العُمُومُ فِيما وراءَ هَذِهِ الصُّوَرِ حُجَّةً، ثُمَّ نَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ العَشْرِ وبَيْنَ مَحَلِّ النِّزاعِ أنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ العَشْرَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ تِلْكَ الأحْكامِ أحْكامٌ مُخْتَصَّةٌ بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإنَّ الواقِعَةَ الَّتِي يَرْجِعُ فِيها الإنْسانُ المُعَيَّنُ إلى المَعْنى المُعَيَّنِ واقِعَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَلِكَ الشَّخْصِ المُعَيَّنِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ وفي طَلَبِ القِبْلَةِ وفي سائِرِ الصُّوَرِ. والتَّنْصِيصُ عَلى وقائِعِ الأشْخاصِ المُعَيَّنِينَ في الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ يَجْرِي مَجْرى التَّنْصِيصِ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ اكْتَفَيْنا بِالظَّنِّ. أمّا الأحْكامُ المُثْبَتَةُ بِالأقْيِسَةِ فَهي أحْكامٌ كُلِّيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في وقائِعَ كُلِّيَّةٍ وهي مَضْبُوطَةٌ قَلِيلَةٌ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْها مُمْكِنٌ ولِذَلِكَ فَإنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الأحْكامَ بِطَرِيقِ القِياسِ ضَبَطُوها وذَكَرُوها في كُتُبِهِمْ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: التَّنْصِيصُ عَلى الأحْكامِ في الصُّوَرِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلا جَرَمَ اكْتَفى الشّارِعُ فِيها بِالظَّنِّ، أمّا المَسائِلُ المُثْبَتَةُ بِالطُّرُقِ القِياسِيَّةِ التَّنْصِيصُ عَلَيْها مُمْكِنٌ فَلَمْ يَجُزِ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالظَّنِّ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الجَوابُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُمُ الظَّنُّ قَدْ يُسَمّى عِلْمًا فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ هَذا مَظْنُونٌ وغَيْرُ مَعْلُومٍ، وهَذا مَعْلُومٌ وغَيْرُ مَظْنُونٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المُغايَرَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٦٨
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] نَفْيُ العِلْمِ، وإثْباتٌ لِلظَّنِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المُغايَرَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فالمُؤْمِنُ هو المُقِرُّ، وذَلِكَ الإقْرارُ هو العِلْمُ.
وأمّا الجَوابُ الثّالِثُ: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ وذَلِكَ باطِلٌ لَأنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إمّا أنْ تَكُونَ عَقْلِيَّةً أوْ نَقْلِيَّةً، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ القِياسَ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ لا يَجِبُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ حُجَّةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا نِزاعَ أنْ يَصِحَّ مِنَ الشَّرْعِ أنْ يَقُولَ: نَهَيْتُكم عَنِ الرُّجُوعِ إلى القِياسِ ولَوْ كانَ كَوْنُهُ حُجَّةً أمْرًا عَقْلِيًّا مَحْضًا لامْتَنَعَ ذَلِكَ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ في كَوْنِ القِياسِ حُجَّةً إنَّما يَكُونُ قَطْعِيًّا لَوْ كانَ مَنقُولًا نَقْلًا مُتَواتِرًا وكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى ثُبُوتِ هَذا المَطْلُوبِ دَلالَةً قَطْعِيَّةً غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ النَّقِيضَ ولَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ لَوَصَلَ إلى الكُلِّ ولَعَرَفَهُ الكُلُّ ولارْتَفَعَ الخِلافُ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ المَسْألَةِ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ قاطِعٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في إثْباتِ كَوْنِ القِياسِ حُجَّةً دَلِيلٌ قاطِعٌ البَتَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُكم: كَوْنُ الحُكْمِ المُثْبَتِ بِالقِياسِ حُجَّةً مَعْلُومٌ لا مَظْنُونٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ. وأحْسَنُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ عَنْهُ إنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي عَوَّلْتُمْ عَلَيْها تَمَسُّكٌ بِعامٍّ مَخْصُوصٍ، والتَّمَسُّكُ بِالعامِّ المَخْصُوصِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، فَلَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ لَدَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ جائِزٍ، فالقَوْلُ بِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةً يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ فَكانَ تَناقُضًا فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولِلْمُجِيبِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: نَعْلَمُ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ التَّمَسُّكَ بِآياتِ القُرْآنِ حُجَّةٌ في الشَّرِيعَةِ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّ كَوْنَ العامِّ المَخْصُوصِ حُجَّةً غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالتَّواتُرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُلُومَ إمّا مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ، أوْ مِنَ العُقُولِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ شَيْئًا ورَآهُ فَإنَّهُ يَرْوِيهِ ويُخْبِرُ عَنْهُ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو العُلُومُ المُسْتَفادَةُ مِنَ العَقْلِ وهي قِسْمانِ: البَدِيهِيَّةُ والكَسْبِيَّةُ، وإلى العُلُومِ العَقْلِيَّةِ الإشارَةُ بِذِكْرِ الفُؤادِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَوارِحَ مَسْئُولَةٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ صاحِبَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ هو المَسْئُولُ لِأنَّ السُّؤالَ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ كانَ عاقِلًا، وهَذِهِ الجَوارِحُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلِ العاقِلُ الفاهِمُ هو الإنْسانُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والمُرادُ أهْلُها يُقالُ لَهُ لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لا يَحِلُّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ، ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لا يَحِلُّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَقْرِيرَ الآيَةِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كُلُّهم مَسْئُولُونَ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ فَيُقالُ لَهُمُ: اسْتَعْمَلْتُمُ السَّمْعَ في ماذا ؟ أفِي الطّاعَةِ أوْ في المَعْصِيَةِ ؟ وكَذَلِكَ القَوْلُ في بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَواسَّ آلاتُ النَّفْسِ، والنَّفْسُ كالأمِيرِ لَها والمُسْتَعْمِلُ لَها في مَصالِحِها فَإنِ اسْتَعْمَلَتْها النَّفْسُ في الخَيْراتِ اسْتَوْجَبَتِ الثَّوابَ، وإنِ اسْتَعْمَلَتْها في المَعاصِي اسْتَحَقَّتِ العِقابَ.
صفحة ١٦٩
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الحَياةَ في الأعْضاءِ ثُمَّ إنَّها تَشْهَدُ عَلى الإنْسانِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] ولِذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ في هَذِهِ الأعْضاءِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُوَجِّهُ السُّؤالَ عَلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences