Ar-RaziAl‑Isra · 17:37–40

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:37–40

17:37–38Page 285

وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧

And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨

All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرَحُ شِدَّةُ الفَرَحِ يُقالُ: مَرِحَ يَمْرَحُ مَرَحًا فَهو مَرِحٌ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَمْشِيَ الإنْسانُ مَشْيًا يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَمْشِ في الأرْضِ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ في سُورَةِ لُقْمانَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] وقالَ أيْضًا فِيها: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأخْفَشُ: ولَوْ قُرِئَ: ”مَرِحًا“ بِالكَسْرِ كانَ أحْسَنَ في القِراءَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَرَحًا مَصْدَرٌ ومَرِحًا اسْمُ الفاعِلِ وكِلاهُما جائِزٌ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أحْسَنُ هَهُنا وأوْكَدُ، تَقُولُ جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا وراكِضًا فَرَكْضًا أوْكَدُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ النَّهْيَ عَنِ الخُيَلاءِ والتَّكَبُّرِ فَقالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ والمُرادُ مِنَ الخَرْقِ هَهُنا نَقْبُ الأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ المَشْيَ إنَّما يَتِمُّ بِالِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ حالَ الِانْخِفاضِ لا تَقْدِرُ عَلى خَرْقِ الأرْضِ ونَقْبِها، وحالَ الِارْتِفاعِ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَصِلَ إلى رُءُوسِ الجِبالِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ ضَعِيفًا عاجِزًا فَلا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ.

الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ تَحْتَكَ الأرْضَ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى خَرْقِها، وفَوْقَكَ الجِبالَ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْها، فَأنْتَ مُحاطٌ بِكَ مِن فَوْقِكَ وتَحْتِكَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الجَمادِ، وأنْتَ أضْعَفُ مِنهُما بِكَثِيرٍ، والضَّعِيفُ المَحْصُورُ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَواضَعْ ولا تَتَكَبَّرْ فَإنَّكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ المَحْصُورِ بَيْنَ حِجارَةٍ وتُرابٍ فَلا تَفْعَلْ فِعْلَ المُقْتَدِرِ القَوِيِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأكْثَرُونَ قَرَءُوا ”سَيِّئُهُ“ بِضَمِّ الهاءِ والهَمْزَةِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”سَيِّئَةً“ مَنصُوبَةً أمّا وجْهُ قِراءَةِ الأكْثَرِينَ فَظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذا أشْياءَ أمَرَ بِبَعْضِها ونَهى عَنْ بَعْضِها، فَلَوْ حَكَمَ عَلى الكُلِّ بِكَوْنِهِ سَيِّئَةً لَزِمَ كَوْنُ المَأْمُورِ بِهِ سَيِّئَةً وذَلِكَ لا يَجُوزُ، أمّا إذا قَرَأْناهُ بِالإضافَةِ كانَ المَعْنى أنَّ ما كانَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ سَيِّئَةً فَهو مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ واسْتَقامَ الكَلامُ.

صفحة ١٧٠

والوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ حَكَمْنا عَلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِكَوْنِهِ سَيِّئَةً لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّها مَكْرُوهَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَكْرُوهًا﴾ أمّا إذا قَرَأْناهُ بِصِيغَةِ الإضافَةِ كانَ المَعْنى أنَّ سَيِّئَ تِلْكَ الأقْسامِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الكَلامُ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو: فِيها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ ثُمَّ قالَ: (كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً) والمُرادُ هَذِهِ الأشْياءُ الأخِيرَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيْ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فِيما تَقَدَّمَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَكْرُوهًا﴾ فَذَكَرُوا في تَصْحِيحِهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً وكانَ مَكْرُوهًا.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ والإثْمِ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ.

الثّالِثُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ كانَ مَكْرُوهًا وسَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ السَّيِّئَةَ هي الذَّنْبُ وهو مُذَكَّرٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والمَكْرُوهُ لا يَكُونُ مُرادًا لَهُ، فَهَذِهِ الأعْمالُ غَيْرُ مُرادَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: كُلُّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ فَهو مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى. وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً لَهُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُرادَةً لَهُ لا يُقالُ: المُرادُ مِن كَوْنِها مَكْرُوهَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْها، وأيْضًا مَعْنى كَوْنِها مَكْرُوهَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِهَ وُقُوعَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذا لا يَمْنَعُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ وُجُودَها، لِأنَّ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَكَوْنُها سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَنهِيًّا عَنْها فَلَوْ حَمَلْنا المَكْرُوهَ عَلى النَّهْيِ لَزِمَ التَّكْرارُ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنْ هَذِهِ الأفْعالِ، ولا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَكْرَهُ وُقُوعَها، هَذا تَمامُ هَذا الِاسْتِدْلالِ.

والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَكْرُوهِ المَنهِيِّ عَنْهُ ولا بَأْسَ بِالتَّكْرِيرِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا فَكَذَلِكَ أيْضًا مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ كارِهًا. وقالَ أصْحابُنا: الكَراهِيَةُ في حَقِّهِ تَعالى مَحْمُولَةٌ إمّا عَلى النَّهْيِ أوْ عَلى إرادَةِ العَدَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

17:39–40Page 286

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩

That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.

أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠

Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ .

صفحة ١٧١

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةً وعِشْرِينَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ:

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] مُشْتَمِلٌ عَلى تَكْلِيفَيْنِ: الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، والنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةً. وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] هو الرّابِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ في شَرْحِ ذَلِكَ الإحْسانِ خَمْسَةً أُخْرى وهي: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ تِسْعَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو ثَلاثَةٌ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ اثْنَيْ عَشَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] فَيَصِيرُ ثَلاثَةَ عَشَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ وهو الرّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٨ - ٢٩] إلى آخَرِ الآيَةِ وهو الخامِسَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] وهو السّادِسَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وهو السّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ وهو الثّامِنَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وهو التّاسِعَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وهو العِشْرُونَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ وهو الحادِي والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] وهو الثّانِي والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وهو الثّالِثُ والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وهو الرّابِعُ والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهو الخامِسُ والعِشْرُونَ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أوامِرُ وبَعْضُها نَواهٍ جَمَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ وجَعَلَ فاتِحَتَها قَوْلَهُ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وخاتِمَتَها قَوْلَهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى؛ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ وسَمّاها حِكْمَةً، وإنَّما سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وأنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها. فالآتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لا يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الشَّيْطانِ بَلِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ تَشْهَدُ بِأنَّهُ يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الرَّحْمَنِ، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا ما نَذْكُرُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] .

وثانِيها: أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ شَرائِعُ واجِبَةُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ ولا تَقْبَلُ النَّسْخَ والإبْطالَ، فَكانَتْ مُحْكَمَةً وحِكْمَةً مِن هَذا الِاعْتِبارِ.

وثالِثُها: أنَّ الحِكْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِبارَةٌ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ وسائِرُ التَّكالِيفِ عِبارَةٌ عَنْ تَعْلِيمِ الخَيْراتِ حَتّى يُواظِبَ الإنْسانُ عَلَيْها ولا يَنْحَرِفَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ عَيْنُ الحِكْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

أوَّلُها: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] .

والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: مِن فَوائِدِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى بَدَأ في هَذِهِ التَّكالِيفِ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، والنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ

صفحة ١٧٢

وخَتَمَها بِعَيْنِ هَذا المَعْنى، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أوَّلَ كُلِّ عَمَلٍ وقَوْلٍ وفِكْرٍ وذِكْرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، وآخِرَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ التَّكالِيفِ هو مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْراقُ فِيهِ، فَهَذا التَّكْرِيرُ حَسَنٌ مَوْقِعُهُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ العَظِيمَةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ صاحَبُهُ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، وذَكَرَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا، فاللَّوْمُ والخِذْلانُ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وإلْقاؤُهُ في جَهَنَّمَ يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ الفَرْقَ بَيْنَ المَذْمُومِ المَخْذُولِ، وبَيْنَ المَلُومِ المَدْحُورِ. فَنَقُولُ: أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَذْمُومِ وبَيْنَ المَلُومِ، فَهو أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا مَعْناهُ: أنْ يُذْكَرَ لَهُ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ ومُنْكَرٌ، فَهَذا مَعْنى كَوْنِهِ مَذْمُومًا، وإذا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ ؟ وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِن هَذا العَمَلِ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، وهَذا هو اللَّوْمُ. فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو أنْ يَصِيرَ مَذْمُومًا، وآخِرَهُ أنْ يَصِيرَ مَلُومًا، وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَخْذُولِ وبَيْنَ المَدْحُورِ فَهو أنَّ المَخْذُولَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّعِيفِ يُقالُ: تَخاذَلَتْ أعْضاؤُهُ أيْ: ضَعُفَتْ، وأمّا المَدْحُورُ فَهو المَطْرُودُ. والطَّرْدُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] فَكَوْنُهُ مَخْذُولًا عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ إعانَتِهِ وتَفْوِيضِهِ إلى نَفْسِهِ، وكَوْنُهُ مَدْحُورًا عِبارَةٌ عَنْ إهانَتِهِ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ أنْ يَصِيرَ مَخْذُولًا، وآخِرَهُ أنْ يَصِيرَ مَدْحُورًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَبَّهَ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا نَبَّهَ عَلى طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لَهُ الوَلَدَ وعَلى كَمالِ جَهْلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهي أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الوَلَدَ قِسْمانِ؛ فَأشْرَفُ القِسْمَيْنِ البَنُونَ، وأخَسُّهُما البَناتُ. ثُمَّ إنَّهم أثْبَتُوا البَنِينَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنِهايَةِ عَجْزِهِمْ ونَقْصِهِمْ وأثْبَتُوا البَناتَ لِلَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَوْصُوفُ بِالكَمالِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ والجَلالِ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ جَهْلِ القائِلِ بِهَذا القَوْلِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ يُقالُ أصْفاهُ بِالشَّيْءِ إذا آثَرَ بِهِ، ويُقالُ لِلضِّياعِ الَّتِي يَسْتَخِصُّها السُّلْطانُ لِخاصِّهِ: الصَّوافِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ أفَخَصَّكم، وقالَ المُفَضَّلُ: أخْلَصَكم. قالَ النَّحْوِيُّونَ هَذِهِ الهَمْزَةُ هَمْزَةٌ تَدُلُّ عَلى الإنْكارِ عَلى صِيغَةِ السُّؤالِ عَنْ مَذْهَبٍ ظاهِرِ الفَسادِ لا جَوابَ لِصاحِبِهِ إلّا بِما فِيهِ أعْظَمُ الفَضِيحَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ وبَيانُ هَذا التَّعْظِيمِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ قَدِيمًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ. وذَلِكَ عَظِيمٌ مِنَ القَوْلِ ومُنْكَرٌ مِنَ الكَلامِ.

والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ أشْرَفَ القِسْمَيْنِ لِأنْفُسِكم وأخَسَّ القِسْمَيْنِ لِلَّهِ. وهَذا أيْضًا جَهْلٌ عَظِيمٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском