Ar-RaziAl‑Isra · 17:90–100

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:90–100

17:90–93Page 291

وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠

And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring

أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١

Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]

أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢

Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]

أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣

Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا وظَهَرَ هَذا المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ فَحِينَئِذٍ تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا؛ لِأنّا نَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صادِقٌ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا تَواتُرُ المُعْجِزاتِ الكَثِيرَةِ وتَوالِيها لِأنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَلَزِمَ أنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ فِيهِ إلى مَقْطَعٍ، وكُلَّما أتى الرَّسُولُ بِمُعْجِزٍ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مُعْجِزًا آخَرَ ولا يَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ عِنادُ المُعانِدِينَ وتَغَلُّبُ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ ظَهَرَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ كَما حُكِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أرْسَلُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ وهم جُلُوسٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَأتاهم فَقالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ أرْضَ مَكَّةَ ضَيِّقَةٌ فَسَيِّرْ جِبالَها لِنَنْتَفِعَ فِيها، وفَجِّرْ لَنا فِيها يَنْبُوعًا أيْ: نَهْرًا وعُيُونًا نَزْرَعُ فِيها، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: أوْ يَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرُ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: أوْ يَكُونُ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أيْ: مِن ذَهَبٍ فَيُغْنِيكَ عَنّا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَسْتَطِيعُ أنْ تَأْتِيَ قَوْمَكَ بِما يَسْألُونَكَ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالُوا: فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَطِيعُ الخَيْرَ فاسْتَطِعِ الشَّرَّ فَأسْقِطِ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ، - وقَوْلُهُ: كَما زَعَمْتَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١)، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وأُمُّهُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،: لا والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا أُومِنُ بِكَ حَتّى تَشُدَّ سُلَّمًا فَتَصْعَدَ فِيهِ ونَحْنُ نَنْظُرُ إلَيْكَ فَتَأْتِي بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ

صفحة ٤٨

بِالرِّسالَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا أدْرِي أنُؤْمِنُ بِكَ أمْ لا» ! “ فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ كَما رَواها ابْنُ عَبّاسٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْواعًا مِنَ المُعْجِزاتِ:

أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَفْجُرَ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، واخْتارَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الثّانِيَةِ مُشَدِّدَةً لِأجْلِ الأنْهارِ، لِأنَّها جَمْعٌ، يُقالُ فَجَّرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا، فَمَن ثَقَّلَ أرادَ بِهِ كَثْرَةَ الأشْجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَلِكَثْرَةِ الِانْفِجارِ فِيهِ يَحْسُنُ أنْ يُثَقَّلَ كَما تَقُولُ ضَرْبَ زَيْدٌ إذا كَثُرَ الضَّرْبُ مِنهُ فَيَكْثُرُ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ الفاعِلُ واحِدًا، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ، وقَوْلُهُ يَنْبُوعًا، يَعْنِي: عَيْنًا يَنْبُعُ الماءُ مِنهُ، تَقُولُ نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ نَبْعًا ونُبُوعًا ونَبْعًا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، قالَ القَوْمُ: أزِلْ عَنّا جِبالَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا اليَنْبُوعَ لِيَسْهُلَ عَلَيْنا أمْرُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ.

وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهم قالُوا هَبْ أنَّكَ لا تُفَجِّرُ هَذِهِ الأنْهارَ لِأجْلِنا فَفَجِّرْها مِن أجْلِكَ.

وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”كِسَفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ هَهُنا وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هَهُنا، وفي الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآنِ بِسُكُونِها؛ وقَرَأ حَفْصٌ في سائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا في الرُّومِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ في الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِ السِّينِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِسَفًا، فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ: سُكُونُ السِّينِ، وفَتْحُها، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ كَسَفْتُ الثَّوْبَ أكْسِفُهُ كَسْفًا إذا قَطَعْتَهُ قَطْعًا، وقالَ اللَّيْثُ: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوبِ، والكِسْفَةُ: القِطْعَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِبَزّازٍ: أعْطِنِي كِسْفَةً: يُرِيدُ قِطْعَةً، فَمَن قَرَأ بِسُكُونِ السِّينِ احْتَمَلَ قَوْلُهُ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثَلَ: دِمْنَةٍ ودِمْنٍ وسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.

وثانِيها: قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا كانَ المَصْدَرُ الكِسْفَ، فالكِسْفُ الشَّيْءُ المَقْطُوعُ كَما تَقُولُ في الطَّحْنِ والطَّبْخِ السَّقْيَ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ (الطَّوْرِ: ٤٤) .

وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: كِسْفًا كَأنَّهُ قالَ أوْ يُسْقِطُها طَبْقًا عَلَيْنا واشْتِقاقُهُ مِن كَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتَهُ، وأمّا فَتْحُ السِّينِ فَهو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وقِطَعٍ وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ تُسْقِطُ السَّماءَ عَلَيْنا مُقَطَّعَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: كَما زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ نَبِيٌّ فَأسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا.

والثّانِي: قالَ آخَرُونَ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ.

الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ (الإسْراءِ: ٦٨) فَقِيلَ اجْعَلِ السَّماءَ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً كالحاصِبِ وأسْقِطْها عَلَيْنا.

ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وفي لَفْظِ القَبِيلِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: القَبِيلُ بِمَعْنى المُقابِلِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ، وهَذا القَوْلُ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (الأنْعامِ: ١١١) .

والقَوْلُ الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. قالَ اللَّيْثُ: وكُلُّ جُنْدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ قَبِيلٌ وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] .

القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ قَبِيلًا مَعْناهُ هَهُنا ضامِنًا وكَفِيلًا، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ قَبِلْتُ بِهِ أقْبَلُ كَقَوْلِكَ كَفَلْتُ بِهِ أكْفُلُ، وعَلى

صفحة ٤٩

هَذا القَوْلِ فَهو واحِدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) .

والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ المُعايَنَةُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ (الفُرْقانِ: ٢١) .

وخامِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) قالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ (يُونُسَ: ٢٤) أيْ أخَذَتْ كَمالَ زِينَتِها؛ ولا شَيْءَ في تَحْسِينِ البَيْتِ وتَزْيِينِهِ كالذَّهَبِ.

وسادِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَقَيْتُ وأنا أرْقى رُقًى ورُقِيًّا وأنْشَدَ:

أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رُقى الدَّرَجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ

وقَوْلُهُ في السَّماءِ أيْ في مَعارِجِ السَّماءِ فَحَذَفَ المُضافَ، يُقالُ رَقى المُسْلِمُ ورُقِيِّ الدَّرَجَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فِيهِ تَصْدِيقُكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ﴾ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى مِن قَوْلِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ وكُلُّ ذَلِكَ كَلامُ القَوْمِ، وإنّا لا نَجِدُ بَيْنَ تِلْكَ الكَلِماتِ وبَيْنَ سائِرِ آياتِ القُرْآنِ تَفاوُتًا في النَّظْمِ، فَصَحَّ بِهَذا صِحَّةَ ما قالَهُ الكُفّارُ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والجَوابُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ قَلِيلٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَزالَ هَذا السُّؤالُ.

البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآياتُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّ كَلِمَةَ سُبْحانَ لِلتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، وقَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نُسِبَ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شَيْءٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ إلّا قَوْلُهم أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنِ الإتْيانِ والمَجِيءِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِيءُ ويَذْهَبُ، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ المُتَحَكِّمُونَ في اقْتِراحِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ، وإنَّما قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُشَرِّفَكَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ فالقَوْمُ تَحَكَّمُوا عَلى الرَّسُولِ وما تَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَلِيقُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ عَلى هَذا المَعْنى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى قَوْلِهِمْ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُكم مِن هَذا الِاقْتِراحِ أنَّكم طَلَبْتُمُ الإتْيانَ مِن عِنْدِ نَفْسِي بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ طَلَبْتُمْ مِنِّي أنْ أطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارَها عَلى يَدَيَّ لِتَدُلَّ عَلى كَوْنِي رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنِّي بَشَرٌ والبَشَرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنِّي قَدْ أتَيْتُكم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ وهي القُرْآنُ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُعْجِزَةً، فَطَلَبُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ طَلَبٌ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا ضَرُورَةَ فَكَأنَّ طَلَبَها يَجْرِي مَجْرى التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ وأنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ لَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ جَوابٌ كافٍ في هَذا البابِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كَوْنَهم عَلى الضَّلالِ في الإلَهِيّاتِ،

صفحة ٥٠

وفِي النُّبُوّاتِ، أمّا في الإلَهِيّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ ”سُبْحانَ رَبِّي“ أيْ: سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ إتْيانٌ ومَجِيءٌ وذَهابٌ وأمّا في النُّبُوّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ.

17:94–96Page 291

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"

قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥

Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦

Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبْهَةَ القَوْمِ في اقْتِراحِ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ وأجابَ عَنْها حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ بَلِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرْسَلَ رَسُولًا إلى الخَلْقِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مَلَكًا رَسُولًا إلى الخَلْقِ، فالخَلْقُ إنَّما يُؤْمِنُونَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأجْلِ قِيامِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى صِدْقِهِ وذَلِكَ المُعْجِزُ هو الَّذِي يَهْدِيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ المَلَكِ في ادِّعاءِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ هو المُعْجِزُ فَقَطْ فَهَذا المُعْجِزُ سَواءٌ ظَهَرَ عَلى يَدِ المَلَكِ أوْ عَلى يَدِ البَشَرِ وجَبَ الإقْرارُ بِرِسالَتِهِ فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم بِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ تَحَكُّمًا فاسِدًا وتَعَنُّتًا باطِلًا.

الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هو أنَّ أهْلَ الأرْضِ لَوْ كانُوا مَلائِكَةً لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ لَأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمِيلُ أمّا لَوْ كانَ أهْلُ الأرْضِ مِنَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ البَشَرِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .

الوَجْهُ الثّالِثُ: مِنَ الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ كانَ ذَلِكَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِي صادِقًا ومَن شَهِدَ اللَّهُ عَلى صِدْقِهِ فَهو صادِقٌ فَبَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ بِأنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا إنْسانًا تَحَكُّمٌ فاسِدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأجْوِبَةَ الثَّلاثَةَ أرْدَفَها بِما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم ويَعْلَمُ مِن قُلُوبِهِمْ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ إلّا لِمَحْضِ الحَسَدِ وحُبِّ الرِّياسَةِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ.

17:97Page 292

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧

And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.

صفحة ٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ وأرْدَفَها بِالوَعِيدِ الإجْمالِيِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ فالمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ، وهو أنَّ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم حُكْمُ اللَّهِ بِالإيمانِ والهِدايَةِ وجَبَ أنْ يَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهم حُكْمُ اللَّهِ بِالضَّلالِ والجَهْلِ اسْتَحالَ أنْ يَنْقَلِبُوا عَنْ ذَلِكَ الضَّلالِ واسْتَحالَ أنْ يُوجَدَ مَن يَصْرِفُهم عَنْ ذَلِكَ الضَّلالِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ في الهُدى والضَّلالِ، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوا هَذا الإضْلالَ تارَةً عَلى الإضْلالِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وتارَةً عَلى مَنعِ الألْطافِ وتارَةً عَلى التَّخْلِيَةِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالمَنعِ وهَذِهِ المَباحِثُ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ المَشْيُ عَلى وُجُوهِهِمْ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّهم يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ (القَمَرِ: ٤٨) .

الثّانِي: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ ؟ قالَ: " إنَّ الَّذِي يُمْشِيهِمْ عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ»، قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الكُفّارُ أرْواحُهم شَدِيدَةُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها ولَيْسَ لَها تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الأبْرارِ وحَضْرَةِ الإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلَمّا كانَتْ وُجُوهُ قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ مُتَوَجِّهَةً إلى الدُّنْيا لا جَرَمَ كانَ حَشْرُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فاعْلَمْ أنَّ واحِدًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ (الكَهْفِ: ٥٣) وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقالَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٣) وقالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ (النَّحْلِ: ١١١) وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنْعامِ: ٢٣) فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّهم يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ ويَتَكَلَّمُونَ فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ أجابَ ابْنُ عَبّاسٍ وتَلامِذَتُهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم، صُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهم، بُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ.

الثّانِي: قالَ في رِوايَةِ عَطاءٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ، بُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ ومُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، صُمًّا عَنْ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلى أوْلِيائِهِ.

الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ حِينَ يُقالُ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٨) يَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، أمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهم يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ ويَنْطِقُونَ.

الرّابِعُ: أنَّهم يَكُونُونَ رائِينَ سامِعِينَ ناطِقِينَ في المَوْقِفِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما قَدَرُوا عَلى أنْ يُطالِعُوا كُتُبَهم ولا أنْ يَسْمَعُوا إلْزامَ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهم إذا أخَذُوا يَذْهَبُونَ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، والجَوابُ: أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم في النّارِ يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ ويَصِيحُونَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَظاهِرٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: الخَبْوُ سُكُونُ النّارِ، يُقالُ: خَبَتِ النّارُ تَخْبُو إذا سَكَنَ لَهَبُها، ومَعْنى خَبَتْ سَكَنَتْ وطُفِئَتْ يُقالُ في مَصْدَرِهِ الخَبْوُ وأخْبَأها المُخَبِّئُ إخْباءً أيْ أخْمَدَها ثُمَّ قالَ: ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِدْناهم سَعِيرًا أيْ تَلَهُّبًا.

البَحْثُ الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ تَعالى لا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ العَذابَ وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ يَخِفُّ في ذَلِكَ الوَقْتِ، قُلْنا: كُلَّما خَبَتْ يَقْتَضِي سُكُونَ لَهَبِ النّارِ، أما لا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ يَخِفُّ

صفحة ٥٢

العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ أنْ تَكُونَ الحالَةُ الثّانِيَةُ أزْيَدَ مِنَ الحالَةِ الأُولى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الحالَةُ الأُولى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ تَخْفِيفًا، والجَوابُ: الزِّيادَةُ حَصَلَتْ في الحالَةِ الأوْلى أخَفَّ مِن حُصُولِها في الحالَةِ الثّانِيَةِ فَكانَ العَذابُ شَدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَمّا عَظُمَ العَذابُ صارَ التَّفاوُتُ الحاصِلُ في أوْقاتِهِ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنْواعَ هَذا الوَعِيدِ قالَ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ والباءُ في قَوْلِهِ: بِأنَّهم كَفَرُوا باءُ السَّبَبِيَّةِ وهو حُجَّةٌ لِمَن يَقُولُ: العَمَلُ عِلَّةُ الجَزاءِ واللَّهُ أعْلَمُ.

17:98–100Page 292

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨

That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"

۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩

Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.

قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠

Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ عادَ إلى حِكايَةِ شُبْهَةِ مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُجِيبَ عَنْها، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ هي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ يَصِيرَ رُفاتًا ورَمِيمًا يَبْعُدُ أنْ يَعُودَ هو بِعَيْنِهِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقْدِرَ عَلى إعادَتِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهم ثانِيًا فَعَبَّرَ عَنْ خَلْقِهِمْ ثانِيًا بِلَفْظِ المَثَلِ كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ أنَّ الإعادَةَ مِثْلُ الِابْتِداءِ.

القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ عَبِيدًا آخَرِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويُقِرُّونَ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ ويَتْرُكُونَ ذِكْرَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ الفاسِدَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٩) وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٩) قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ المَذْكُورِ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ أرْدَفَهُ بِأنَّ لِوُقُوعِهِ ودُخُولِهِ في الوُجُودِ وقْتًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ أيْ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أبَوْا إلّا الكُفْرَ والنُّفُورَ والجُحُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ طَلَبُوا

صفحة ٥٣

إجْراءَ الأنْهارِ والعُيُونِ في بَلْدَتِهِمْ لِتَكْثُرَ أمْوالُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهم فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ لَبَقُوا عَلى بُخْلِهِمْ وشُحِّهِمْ ولَما أقْدَمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ إلى أحَدٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِهَذا المَطْلُوبِ الَّذِي التَمَسُوهُ فَهَذا هو الكَلامُ في وجْهِ النَّظْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْتُمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْوِ وبَحْثٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ البَيانِ، أمّا البَحْثُ النَّحْوِيُّ: فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مِن شَأْنِها أنْ تَخْتَصَّ بِالفِعْلِ لَأنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ يَدُلُّ عَلى الذَّواتِ، والفِعْلُ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الآثارِ والأحْوالِ والمُنْتَفِي هو الأحْوالُ والآثارُ لا الذَّواتُ فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مُخْتَصَّةٌ بِالأفْعالِ وأنْشَدُوا قَوْلَ المُتَلَمِّسِ:

لَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانِينِ مَأْتَمًا

والمَعْنى لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي، وأمّا البَحْثُ المُتَعَلِّقُ بِعِلْمِ البَيانِ فَهو أنَّ التَّقْدِيمَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ الحالَةِ الخَسِيسَةِ والشُّحِّ الكامِلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَزائِنُ فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكانَ المَعْنى أنَّكم لَوْ مَلَكْتُمْ مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ خَزائِنَ لا نِهايَةَ لَها لَبَقِيتُمْ عَلى الشُّحِّ وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في وصْفِهِمْ بِهَذا الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ أيْ بَخِيلًا، يُقالُ قَتَرَ يَقْتِرُ قَتْرًا وأقْتَرَ إقْتارًا وقَتَّرَ تَقْتِيرًا إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلَ في الإنْسانِ الجَوادُ الكَرِيمُ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ لِأنَّهُ خُلِقَ مُحْتاجًا والمُحْتاجُ لا بُدَّ أنْ يُحِبَّ ما بِهِ يَدْفَعُ الحاجَةَ وأنْ يُمْسِكَهُ لِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُودُ بِهِ لِأسْبابٍ مِن خارِجٍ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ.

الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَبْذُلُ لِطَلَبِ الثَّناءِ والحَمْدِ ولِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الواجِبِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أنْفَقَ إلّا لِيَأْخُذَ العِوَضَ فَهو في الحَقِيقَةِ بَخِيلٌ.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا الإنْسانِ المَعْهُودُ السّابِقُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском