Ar-RaziAl‑Kahf · 18:12

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:12

18:12Page 294

ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢

Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.

وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ اللّامُ لامُ الغَرَضِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما بَعَثَهم لِيَحْصُلَ لَهُ هَذا العِلْمُ، وعِنْدَ هَذا يُرْجَعُ إلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ يَعْلَمُ الحَوادِثَ قَبْلَ وُقُوعِها أمْ لا ؟ فَقالَ هِشامٌ: لا يَعْلَمُها إلّا عِنْدَ حُدُوثِها، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ سَبَقَ، ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ مِنها ما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ومِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) وفي آلِ عِمْرانَ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٤٢) وقَوْلُهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ (الكَهْفِ: ٧) وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ٣١) .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (أيُّ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و(أحْصى) خَبَرُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَجْمُوعِها مُتَعَلِّقُ العِلْمِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ قَوْلِهِ: (لِنَعْلَمَ) في لَفْظَةِ (أيُّ) بَلْ بَقِيَتْ عَلى ارْتِفاعِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: اذْهَبْ فاعْلَمْ أيُّهم قامَ، قالَ تَعالى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (القَلَمِ: ٤٠) وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٦٩) وقُرِئَ لِيُعْلَمَ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ إثْباتُ العِلْمِ المُتَجَدِّدِ لِلَّهِ، بَلِ المَقْصُودُ أنّا بَعَثْناهم لِيَحْصُلَ هَذا العِلْمُ لِبَعْضِ الخَلْقِ.

والثّانِيَةُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ ظُهُورُ النَّصْبِ في لَفْظَةِ أيْ، لَكِنْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإشْكالُ بَعْدُ باقٍ، لِأنَّ ارْتِفاعَ لَفْظَةِ (أيُّ) بِالِابْتِداءِ لا بِإسْنادٍ يُعْلَمُ إلَيْهِ، ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ، فَيَقُولَ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ عامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ العَوامِلَ النَّحْوِيَّةَ عَلاماتٌ ومُعَرِّفاتٌ، ولا يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في الحِزْبَيْنِ فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: المُرادُ بِالحِزْبَيْنِ المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا المَدِينَةَ مَلِكًا بَعْدَ مَلِكٍ، فالمُلُوكَ حِزْبٌ وأصْحابُ الكَهْفِ حِزْبٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: الحِزْبانِ مِن هَذِهِ الفِتْيَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا انْتَبَهُوا اخْتَلَفُوا في أنَّهم كَمْ نامُوا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ (الكَهْفِ: ١٩) فالحِزْبانِ هُما هَذانِ، وكانَ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ لُبْثَهم قَدْ تَطاوَلَ.

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قَوْلُهُ: أحْصى لَيْسَ مِن بابِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ هَذا البِناءَ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَأمّا قَوْلُهم: ما أعْطاهُ لِلدِّرْهَمِ، وما أوْلاهُ لِلْمَعْرُوفِ، وأعْدى مِنَ الجَرَبِ، وأفْلَسُ مِنَ ابْنِ المُدْلِقِ، فَمِنَ الشَّواذِّ والشّاذُّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، بَلِ الصَّوابُ: أنَّ ”أحْصى“ فِعْلٌ ماضٍ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والمُبْتَدَأُ

صفحة ٧٢

والخَبَرُ مَفْعُولُ نَعْلَمُ، و”أمَدًا“ مَفْعُولٌ بِهِ لَأحْصى، و”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِما لَبِثُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ أحْصى أمَدًا لِلُبْثِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى أمَدَ ذَلِكَ اللُّبْثِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ (المُجادَلَةِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجِنِّ: ٢٨) .

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا الصُّوفِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالكَراماتِ، وهو اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، ونَذْكُرُ هَذِهِ المَسْألَةَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَنَقُولُ قَبْلَ الخَوْضِ في الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ الكَراماتِ: نَفْتَقِرُ إلى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَتَيْنِ:

المُقَدِّمَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الوَلِيَّ ما هو فَنَقُولُ: هَهُنا وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مُبالَغَةً مِنَ الفاعِلِ كالعَلِيمِ والقَدِيرِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ مِن تَوالَتْ طاعاتُهُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ بِمَعْنى مَقْتُولٍ ومَجْرُوحٍ، وهو الَّذِي يَتَوَلّى الحَقُّ سُبْحانَهُ حِفْظَهُ وحِراسَتَهُ عَلى التَّوالِي عَنْ كُلِّ أنْواعِ المَعاصِي ويُدِيمُ تَوْفِيقَهُ عَلى الطّاعاتِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٧) وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٩٦) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١١) وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٥) وأقُولُ: الوَلِيُّ هو القَرِيبُ في اللُّغَةِ، فَإذا كانَ العَبْدُ قَرِيبًا مِن حَضْرَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ طاعاتِهِ وكَثْرَةِ إخْلاصِهِ، وكانَ الرَّبُّ قَرِيبًا مِنهُ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهُناكَ حَصَلَتِ الوِلايَةُ.

المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إذا ظَهَرَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ عَلى الإنْسانِ، فَذاكَ إمّا أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالدَّعْوى أوْ لا مَعَ الدَّعْوى، والقِسْمُ الأوَّلُ وهو أنْ يَكُونَ مَعَ الدَّعْوى فَتِلْكَ الدَّعْوى إمّا أنْ تَكُونَ دَعْوى الإلَهِيَّةِ أوْ دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ دَعْوى الوِلايَةِ أوْ دَعْوى السِّحْرِ وطاعَةِ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أقْسامٍ:

القِسْمُ الأوَّلُ: ادَّعاءُ الإلَهِيَّةِ، وجَوَّزَ أصْحابُنا ظُهُورَ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِهِ مِن غَيْرِ مُعارَضَةٍ كَما نُقِلَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وكانَتْ تَظْهَرُ خَوارِقُ العاداتِ عَلى يَدِهِ، وكَما نُقِلْ ذَلِكَ أيْضًا في حَقِّ الدَّجّالِ، قالَ أصْحابُنا: وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ شَكْلَهُ وخِلْقَتَهُ تَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ، فَظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ لا يُفْضِي إلى التَّلْبِيسِ.

والقِسْمُ الثّانِي: وهو ادِّعاءُ النُّبُوَّةِ، فَهَذا القِسْمُ عَلى قِسْمَيْنِ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُدَّعِي صادِقًا أوْ كاذِبًا، فَإنْ كانَ صادِقًا وجَبَ ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ مَن أقَرَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وإنْ كانَ كاذِبًا لَمْ يَجُزْ ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَظْهَرَ وجَبَ حُصُولُ المُعارَضَةِ.

وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو ادِّعاءُ الوِلايَةِ والقائِلُونَ بِكَراماتِ الأوْلِياءِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ الكَراماتِ، ثُمَّ إنَّها تَحْصُلُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ أمْ لا ؟

وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو ادِّعاءُ السِّحْرِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ، فَعِنْدَ أصْحابِنا يَجُوزُ ظُهُورُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِهِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا يَجُوزُ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ تَظْهَرَ خَوارِقُ العاداتِ عَلى يَدِ إنْسانٍ مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الدَّعاوى، فَذَلِكَ الإنْسانُ إمّا أنْ يَكُونَ صالِحًا مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ خَبِيثًا مُذْنِبًا.

والأوَّلُ هو القَوْلُ بِكَراماتِ الأوْلِياءِ، وقَدِ اتَّفَقَ أصْحابُنا عَلى جَوازِهِ، وأنْكَرَها المُعْتَزِلَةُ إلّا أبا الحُسَيْنِ البَصْرِيَّ وصاحِبُهُ مَحْمُودٌ الخَوارِزْمِيُّ.

وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنْ تَظْهَرَ خَوارِقُ العاداتِ عَلى بَعْضِ مَن كانَ مَرْدُودًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو المُسَمّى بِالِاسْتِدْراجِ، فَهَذا تَفْصِيلُ الكَلامِ في هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ كَراماتِ الأوْلِياءِ القُرْآنُ والأخْبارُ والآثارُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فالمُعْتَمَدُ فِيهِ عِنْدَنا آياتٌ:

صفحة ٧٣

الحُجَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وقَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُها.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ أصْحابِ الكَهْفِ وبَقاؤُهم في النَّوْمِ أحْياءً سالِمِينَ عَنِ الآفاتِ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، وأنَّهُ تَعالى كانَ يَعْصِمُهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، كَما قالَ: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ (الكَهْفِ: ١٨) إلى قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ﴾ (الكَهْفِ: ١٧) ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النَّمْلِ: ٤٠) وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنْ قالَ: لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِمْ أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ نَبِيٌّ يَصِيرُ ذَلِكَ عِلْمًا لَهُ لِما فِيهِ مِن نَقْضِ العادَةِ كَسائِرِ المُعْجِزاتِ، قُلْنا: إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ مُعْجِزَةً لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى النَّوْمِ أمْرٌ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ حَتّى يُجْعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً؛ لِأنَّ النّاسَ لا يُصَدِّقُونَهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ كَوْنَهم صادِقِينَ في هَذِهِ الدَّعْوى إلّا إذا بَقُوا طُولَ هَذِهِ المُدَّةِ، وعَرَفُوا أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جاءُوا في هَذا الوَقْتِ هُمُ الَّذِينَ نامُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِمِائَةِ سِنِينَ وتِسْعِ سِنِينَ، وكُلُّ هَذِهِ الشَّرائِطِ لَمْ تُوجَدْ فامْتَنَعَ جَعْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ مُعْجِزَةً لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُجْعَلَ كَرامَةً لِلْأوْلِياءِ وإحْسانًا إلَيْهِمْ، أمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ:

الخَبَرُ الأوَّلُ: ما أُخْرِجَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَبِيٌّ في زَمَنِ جُرَيْجٍ النّاسِكِ وصَبِيٌّ آخَرُ، أمّا عِيسى فَقَدْ عَرَفْتُمُوهُ، وأمّا جُرَيْجٌ فَكانَ رَجُلًا عابِدًا بِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ لَهُ أُمٌّ فَكانَ يَوْمًا يُصَلِّي، إذِ اشْتاقَتْ إلَيْهِ أُمُّهُ، فَقالَتْ: يا جُرَيْجُ، فَقالَ: يا رَبِّ الصَّلاةُ خَيْرٌ أمْ رُؤْيَتُها ؟ ثُمَّ صَلّى فَدَعَتْهُ ثانِيًا، فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتّى قالَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وكانَ يُصَلِّي ويَدَعُها، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أُمِّهِ قالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ المُومِساتِ، وكانَتْ زانِيَةٌ هُناكَ، فَقالَتْ لَهم: أنا أفْتِنُ جُرَيْجًا حَتّى يَزْنِيَ فَأتَتْهُ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ، وكانَ هُناكَ راعٍ يَأْوِي بِاللَّيْلِ إلى أصْلِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمّا أعْياها راوَدَتِ الرّاعِيَ عَلى نَفْسِها، فَأتاها فَوَلَدَتْ، ثُمَّ قالَتْ: ولَدِي هَذا مِن جُرَيْجٍ، فَأتاها بَنُو إسْرائِيلَ، وكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وشَتَمُوهُ، فَصَلّى ودَعا، ثُمَّ نَخَسَ الغُلامَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ قالَ بِيَدِهِ يا غُلامُ مَن أبُوكَ ؟ فَقالَ: الرّاعِي فَنَدِمَ القَوْمُ عَلى ما كانَ مِنهم واعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وقالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ فَأبى عَلَيْهِمْ، وبَناها كَما كانَتْ، وأمّا الصَّبِيُّ الآخَرُ فَإنَّ امْرَأةً كانَ مَعَها صَبِيٌّ لَها تُرْضِعُهُ، إذْ مَرَّ بِها شابٌّ جَمِيلٌ ذُو شارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا، فَقالَ الصَّبِيُّ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ مَرَّتْ بِها امْرَأةٌ ذَكَرُوا أنَّها سَرَقَتْ وزَنَتْ وعُوقِبَتْ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا، فَقالَ الصَّبِيُّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ في ذَلِكَ: فَقالَ إنَّ الشّابَّ كانَ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ، فَكَرِهْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَهُ، وإنَّ هَذِهِ قِيلَ: إنَّها زَنَتْ ولَمْ تَزِنْ، وقِيلَ: إنَّها سَرَقَتْ ولَمْ تَسْرِقْ، وهي تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ» .

الخَبَرُ الثّانِي: وهو خَبَرُ الغارِ وهو مَشْهُورٌ في ”الصِّحاحِ“ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم، فَأواهُمُ المَبِيتُ إلى غارٍ، فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ وسَدَّتْ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا يُنْجِيكم مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصالِحِ أعْمالِكم، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: كانَ لِي أبَوانِ شَيْخانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لا أغْبِقُ قَبْلَهُما، فَناما في ظِلِّ شَجَرَةٍ يَوْمًا فَلَمْ أبْرَحْ عَنْهُما، وحَلَبْتُ لَهُما غَبُوقَهُما، فَجِئْتُهُما بِهِ، فَوَجَدْتُهُما نائِمِينَ فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَهُما وكَرِهْتُ أنْ أُغْبِقَ قَبْلَهُما، فَقُمْتُ والقَدَحُ في يَدِي أنْتَظِرُ اسْتِيقاظَهُما حَتّى ظَهَرَ الفَجْرُ فاسْتَيْقَظا، فَشَرِبا غَبُوقَهُما، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ هَذا ابْتِغاءَ وجْهِكَ، فافْرُجْ عَنّا

صفحة ٧٤

ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فانْفَرَجَتِ انْفِراجًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ الآخَرُ: كانَتْ لِي ابْنَةَ عَمٍّ وكانَتْ أحَبَّ النّاسِ إلَيَّ، فَراوَدْتُها عَنْ نَفْسِها فامْتَنَعَتْ حَتّى ألَمَّتْ بِها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجاءَتْنِي وأعْطَيْتُها مالًا عَظِيمًا عَلى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ نَفْسِها، فَلَمّا قَدِرْتُ عَلَيْها، قالَتْ: لا يَجُوزُ لَكَ أنْ تَفُكَّ الخاتَمَ إلّا بِحَقِّها، فَتَحَرَّجْتُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ وتَرَكْتُها وتَرَكْتُ المالَ مَعَها، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قالَ الثّالِثُ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَراءَ فَأعْطَيْتُهم أُجُورَهم غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حَتّى كَثُرَتْ مِنهُ الأمْوالُ، فَجاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، وقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ أدِّ إلَيَّ أُجْرَتِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ ما تَرى مِن أُجْرَتِكَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ أتَسْتَهْزِئُ بِي ؟ فَقُلْتُ: إنِّي لا أسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأخَذَ ذَلِكَ كُلَّهُ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ عَنِ الغارِ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» .

وهَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الخَبَرُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ -ﷺ-: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يَؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ وشَيْءٍ فِيما يُقْسِمُ بِهِ عَلى اللَّهِ.

الخَبَرُ الرّابِعُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «بَيْنا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْها، فالتَفَتَتْ إلَيْهِ البَقَرَةُ، فَقالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذا، وإنَّما خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، فَقالَ النّاسُ: سُبْحانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ، فَقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: آمَنتُ بِهَذا أنا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما» .

الخَبَرُ الخامِسُ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قالَ: «بَيْنَما رَجُلٌ يَسْمَعُ رَعْدًا أوْ صَوْتًا في السَّحابِ: أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، قالَ: فَعَدَوْتُ إلى تِلْكَ الحَدِيقَةِ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ فِيها، فَقُلْتُ لَهُ: ما اسْمُكَ ؟ قالَ: فُلانُ بْنُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، قُلْتُ: فَما تَصْنَعُ بِحَدِيقَتِكَ هَذِهِ إذا صَرَمْتَها ؟ قالَ: ولِمَ تَسْألُ عَنْ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لِأنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ: فَإنِّي أجْعَلُها أثْلاثًا، فَأجْعَلُ لِنَفْسِي وأهْلِي ثُلْثًا، وأجْعَلُ لِلْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ثُلْثًا، وأُنْفِقُ عَلَيْها ثُلْثًا» .

أمّا الآثارُ: فَلْنَبْدَأْ بِما نُقِلَ أنَّهُ ظَهَرَ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِنَ الكَراماتِ، ثُمَّ بِما ظَهَرَ عَنْ سائِرِ الصَّحابَةِ.

أمّا أبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمِن كَراماتِهِ أنَّهُ لَمّا حُمِلَتْ جِنازَتُهُ إلى بابِ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- ونُودِيَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا أبُو بَكْرٍ بِالبابِ، فَإذا البابُ قَدِ انْفَتَحَ، وإذا بِهاتِفٍ يَهْتِفُ مِنَ القَبْرِ: أدْخِلُوا الحَبِيبَ إلى الحَبِيبِ. وأمّا عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ ظَهَرَتْ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِن كَراماتِهِ، وأحَدُها ما رُوِيَ أنَّهُ بَعَثَ جَيْشًا وأمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعى سارِيَةَ بْنَ الحُصَيْنِ، فَبَيْنا عُمَرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَخْطُبُ جَعَلَ يَصِيحُ في خُطْبَتِهِ، وهو عَلى المِنبَرِ: يا سارِيَةُ الجَبَلَ الجَبَلَ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فَكَتَبْتُ تارِيخَ تِلْكَ الكَلِمَةِ، فَقَدِمَ رَسُولُ مَقْدِمِ الجَيْشِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ غَزَوْنا يَوْمَ الجُمُعَةِ في وقْتِ الخُطْبَةِ، فَهَزَمُونا فَإذا بِإنْسانٍ يَصِيحُ يا سارِيَةُ الجَبَلَ الجَبَلَ، فَأسْنَدْنا ظُهُورَنا إلى الجَبَلِ، فَهَزَمَ اللَّهُ الكُفّارَ وظَفِرْنا بِالغَنائِمِ العَظِيمَةِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الصَّوْتِ، قُلْتُ: سَمِعْتُ بَعْضَ المُذَكِّرِينَ قالَ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- لِأنَّهُ «قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ أنْتُما مِنِّي بِمَنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ»، فَلَمّا كانَ عُمَرُ بِمَنزِلَةِ البَصَرِ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، لا جَرَمَ قَدِرَ عَلى أنْ يَرى مِن ذَلِكَ البُعْدِ العَظِيمِ.

الثّانِي: رُوِيَ أنَّ نِيلَ مِصْرَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَقِفُ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً واحِدَةً، وكانَ لا يَجْرِي حَتّى يُلْقى فِيهِ

صفحة ٧٥

جارِيَةٌ واحِدَةٌ حَسْناءُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَتَبَ عَمْرُو بْنُ العاصِ بِهَذِهِ الواقِعَةِ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ عَلى خَزَفَةٍ: أيُّها النِّيلُ إنْ كُنْتَ تَجْرِي بِأمْرِ اللَّهِ فاجْرِ، وإنْ كُنْتَ تَجْرِي بِأمْرِكَ، فَلا حاجَةَ بِنا إلَيْكَ! فَأُلْقِيَتْ تِلْكَ الخَزَفَةُ في النِّيلِ فَجَرى ولَمْ يَقِفْ بَعْدَ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: وقَعَتِ الزَّلْزَلَةُ في المَدِينَةِ فَضَرَبَ عُمَرُ الدِّرَّةَ عَلى الأرْضِ، وقالَ: اسْكُنِي بِإذْنِ اللَّهِ، فَسَكَنَتْ وما حَدَثَتِ الزَّلْزَلَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.

الرّابِعُ: وقَعَتِ النّارُ في بَعْضِ دَوْرِ المَدِينَةِ فَكَتَبَ عُمَرُ عَلى خَزَفَةٍ: يا نارُ اسْكُنِي بِإذْنِ اللَّهِ، فَألْقَوْها في النّارِ فانْطَفَأتْ في الحالِ.

الخامِسُ: رُوِيَ أنَّ رَسُولَ مَلِكِ الرُّومِ جاءَ إلى عُمَرَ فَطَلَبَ دارَهُ فَظَنَّ أنَّ دارَهُ مِثْلُ قُصُورِ المُلُوكِ، فَقالُوا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وإنَّما هو في الصَّحْراءِ يَضْرِبُ اللَّبِنَ، فَلَمّا ذَهَبَ إلى الصَّحْراءِ رَأى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وضَعَ دِرَّتَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، ونامَ عَلى التُّرابِ، فَعَجِبَ الرَّسُولُ مِن ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ أهْلَ الشَّرْقِ والغَرْبِ يَخافُونَ مِن هَذا الإنْسانِ وهو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ! ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنِّي وجَدْتُهُ خالِيًا فَأقْتُلُهُ وأُخَلِّصُ النّاسَ مِنهُ. فَلَمّا رَفَعَ السَّيْفَ أخْرَجَ اللَّهُ مِنَ الأرْضِ أسَدَيْنِ فَقَصَداهُ، فَخافَ وألْقى السَّيْفَ مِن يَدِهِ، وانْتَبَهَ عُمَرُ ولَمْ يَرَ شَيْئًا، فَسَألَهُ عَنِ الحالِ، فَذَكَرَ لَهُ الواقِعَةَ وأسْلَمَ، وأقُولُ: هَذِهِ الوَقائِعُ رُوِيَتْ بِالآحادِ، وهَهُنا ما هو مَعْلُومٌ بِالتَّواتُرِ وهو أنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ زِينَةِ الدُّنْيا واحْتِرازِهِ عَنِ التَّكَلُّفاتِ والتَّهْوِيلاتِ ساسَ الشَّرْقَ والغَرْبَ وقَلَبَ المَمالِكَ والدُّوَلَ لَوْ نَظَرْتَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ عَلِمْتُ أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ مِن أوَّلِ عَهْدِ آدَمَ إلى الآنِ ما تَيَسَّرَ لَهُ، فَإنَّهُ مَعَ غايَةِ بُعْدِهِ عَنِ التَّكَلُّفاتِ، كَيْفَ قَدَرَ عَلى تِلْكَ السِّياساتِ ؟ ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ الكَراماتِ.

وأمّا عُثْمانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَوى أنَسٌ قالَ: سِرْتُ في الطَّرِيقِ، فَرَفَعْتُ عَيْنِي إلى امْرَأةٍ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ، فَقالَ: ما لِي أراكم تَدْخُلُونَ عَلَيَّ وآثارُ الزِّنا ظاهِرَةٌ عَلَيْكم ؟ فَقُلْتُ: أجاءَ الوَحْيُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ: لا، ولَكِنْ فِراسَةٌ صادِقَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمّا طُعِنَ بِالسَّيْفِ، فَأوَّلُ قَطْرَةٍ مِن دَمِهِ سَقَطَتْ وقَعَتْ عَلى المُصْحَفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . (البَقَرَةِ: ١٣٧) .

الثّالِثُ: أنَّ جَهْجاهًا الغِفارِيَّ انْتَزَعَ العَصا مِن يَدِ عُثْمانَ وكَسَرَها عَلى رُكْبَتِهِ، فَوَقَعَتِ الأكَلَةُ في رُكْبَتِهِ.

وأمّا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ فَيُرْوى أنَّ واحِدًا مِن مُحِبِّيهِ سَرَقَ وكانَ عَبْدًا أسْوَدَ، فَأُتِيَ بِهِ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ لَهُ: أسَرَقْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَطَعَ يَدَهُ فانْصَرَفَ مِن عِنْدِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَقِيَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وابْنُ الكَرّا، فَقالَ ابْنُ الكَرّا: مَن قَطَعَ يَدَكَ ؟ فَقالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، ويَعْسُوبُ المُسْلِمِينَ، وخَتَنُ الرَّسُولِ، وزَوْجُ البَتُولِ، فَقالَ: قَطَعَ يَدَكَ وتَمْدَحُهُ ؟ فَقالَ: ولِمَ لا أمْدَحُهُ، وقَدْ قَطَعَ يَدِي بِحَقٍّ، وخَلَّصَنِي مِنَ النّارِ ؟ ! فَسَمِعَ سَلْمانُ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ بِهِ عَلِيًّا فَدَعا الأسْوَدَ، ووَضَعَ يَدَهُ عَلى ساعِدِهِ، وغَطّاهُ بِمَندِيلٍ، ودَعا بِدَعَواتٍ، فَسَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ: ارْفَعِ الرِّداءَ عَنِ اليَدِ، فَرَفَعْناهُ، فَإذا اليَدُ قَدْ بَرَأتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وجَمِيلِ صُنْعِهِ.

أمّا سائِرُ الصَّحابَةِ فَأحْوالُهم في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، فَنَذْكُرُ مِنها شَيْئًا قَلِيلًا.

الأوَّلُ: رَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قالَ: رَكِبْتُ البَحْرَ فانْكَسَرَتْ سَفِينَتِي الَّتِي كُنْتُ فِيها فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِن ألْواحِها، فَطَرَحَنِي اللَّوْحُ في خَيْسَةٍ فِيها أسَدٌ، فَخَرَجَ الأسَدُ إلَيَّ يُرِيدُنِي، فَقُلْتُ: يا أبا الحارِثِ أنا مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَقَدَّمْ ودَلَّنِي عَلى الطَّرِيقِ، ثُمَّ هَمْهَمَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوَدِّعُنِي ورَجَعَ.

الثّانِي: رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ورَجُلًا آخَرَ مِنَ الأنْصارِ تَحَدَّثا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في حاجَةٍ لَهُما حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ زَمانٌ، ثُمَّ خَرَجا مِن عِنْدِهِ وكانَتِ اللَّيْلَةُ شَدِيدَةَ الظُّلْمَةِ، وفي يَدِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما عَصا، فَأضاءَتْ عَصا أحَدِهِما لَهُما حَتّى مَشَيا في ضَوْئِها، فَلَمّا انْفَرَقَ بَيْنَهُما الطَّرِيقُ أضاءَتْ لِلْآخَرِ عَصاهُ، فَمَشى في ضَوْئِها حَتّى بَلَغَ مَنزِلَهُ.

الثّالِثُ: قالُوا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: إنَّ في عَسْكَرِكَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ لَيْلَةً فَطافَ بِالعَسْكَرِ، فَلَقِيَ رَجُلًا عَلى فَرَسٍ ومَعَهُ زِقُّ خَمْرٍ، فَقالَ ما هَذا ؟ قالَ: خَلٌّ، فَقالَ خالِدٌ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ خَلًّا. فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلى

صفحة ٧٦

أصْحابِهِ، فَقالَ: أتَيْتُكم بِخَمْرٍ ما شَرِبَتِ العَرَبُ مِثْلَها، فَلَمّا فَتَحُوا فَإذا هو خَلٌّ، فَقالُوا: واللَّهِ ما جِئْتَنا إلّا بِخَلٍّ ؟ فَقالَ: هَذا واللَّهِ دُعاءُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ.

الرّابِعُ: الواقِعَةُ المَشْهُورَةُ وهي أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أكَلَ كَفًّا مِنَ السُّمِّ عَلى اسْمِ اللَّهِ وما ضَرَّهُ.

الخامِسُ: رُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ في بَعْضِ أسْفارِهِ، فَلَقِيَ جَماعَةً وقَفُوا عَلى الطَّرِيقِ مِن خَوْفِ السَّبُعِ، فَطَرَدَ السَّبُعَ مِن طَرِيقِهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنَّما يُسَلَّطُ عَلى ابْنِ آدَمَ ما يَخافُهُ، ولَوْ أنَّهُ لَمْ يَخَفْ غَيْرَ اللَّهِ لَما سُلِّطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

السّادِسُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ» في غَزاةٍ فَحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَطْلُوبِ قِطْعَةٌ مِنَ البَحْرِ، فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، ومَشَوْا عَلى الماءِ، وفي كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ مِن هَذا البابِ رِواياتٌ مُتَجاوِزَةٌ عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ، فَمَن أرادَها طالَعَها.

وأمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ القَطْعِيَّةُ عَلى جَوازِ الكَراماتِ، فَمِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ العَبْدَ ولِيُّ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (يُونُسَ: ٦٢) والرَّبُّ ولِيُّ العَبْدِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٧) وقالَ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٩٦) وقالَ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٥) وقالَ: ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (مُحَمَّدٍ: ١١) فَثَبَتَ أنَّ الرَّبَّ ولِيُّ العَبْدِ وأنَّ العَبْدَ ولِيُّ الرَّبِّ، وأيْضًا الرَّبُّ حَبِيبُ العَبْدِ والعَبْدُ حَبِيبُ الرَّبِّ، قالَ تَعالى: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٤) وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٥) وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٢) وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَبْدُ إذا بَلَغَ في الطّاعَةِ إلى حَيْثُ يَفْعَلُ كُلَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ وكُلَّ ما فِيهِ رِضاهُ وتَرَكَ كُلَّ ما نَهى اللَّهُ وزَجَرَ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ أنْ يَفْعَلَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ الكَرِيمُ مَرَّةً واحِدَةً ما يُرِيدُهُ العَبْدُ ؟ بَلْ هو أوْلى لِأنَّ العَبْدَ مَعَ لُؤْمِهِ وعَجْزِهِ لَمّا فَعَلَ كُلَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ ويَأْمُرُهُ بِهِ، فَلَأنْ يَفْعَلَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ مَرَّةً واحِدَةً ما أرادَهُ العَبْدُ كانَ أوْلى، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٠) .

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: لَوِ امْتَنَعَ إظْهارُ الكَرامَةِ لَكانَ ذَلِكَ، إمّا لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ أهْلًا لَأنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ هَذِهِ العَطِيَّةَ، والأوَّلُ قَدْحٌ فَيُقَدِّرُهُ اللَّهُ وهو كُفْرٌ، والثّانِي باطِلٌ فَإنَّ مَعْرِفَةَ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ ومَحَبَّةَ اللَّهِ وطاعاتَهُ والمُواظَبَةَ عَلى ذِكْرِ تَقْدِيسِهِ وتَمْجِيدِهِ وتَهْلِيلِهِ أشْرَفُ مِن إعْطاءِ رَغِيفٍ واحِدٍ في مَفازَةٍ أوْ تَسْخِيرِ حَيَّةٍ أوْ أسَدٍ، فَلَمّا أعْطى المَعْرِفَةَ والمَحَبَّةَ والذِّكْرَ والشُّكْرَ مِن غَيْرِ سُؤالٍ فَلَأنْ يُعْطِيَهُ رَغِيفًا في مَفازَةٍ فَأيُّ بُعْدٍ فِيهِ ؟

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قالَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: «”ما تَقَرَّبَ عَبْدٌ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا ولِسانًا وقَلْبًا ويَدًا ورِجْلًا، بِي يَسْمَعُ وبِي يُبْصِرُ وبِي يَنْطِقُ وبِي يَمْشِي“» وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في سَمْعِهِمْ نَصِيبٌ لِغَيْرِ اللَّهِ ولا في بَصَرِهِمْ ولا في سائِرِ أعْضائِهِمْ، إذْ لَوْ بَقِيَ هُناكَ نَصِيبٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَما قالَ: أنا سَمْعُهُ وبَصَرُهُ، إذا ثَبَتَ هَذا، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا المَقامَ أشْرَفُ مِن تَسْخِيرِ الحَيَّةِ والسَّبُعِ وإعْطاءِ الرَّغِيفِ وعُنْقُودٍ مِنَ العِنَبِ أوْ شَرْبَةٍ مِنَ الماءِ، فَلَمّا أوْصَلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عَبْدَهُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُعْطِيَهُ رَغِيفًا واحِدًا أوْ شَرْبَةَ ماءٍ في مَفازَةٍ ؟

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: «”مَن آذى لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ“» فَجَعَلَ إيذاءَ الوَلِيِّ قائِمًا مَقامَ إيذائِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) وقالَ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ (الأحْزابِ: ٣٦) وقالَ:

صفحة ٧٧

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском