Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:12, continued
﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ (الأحْزابِ: ٥٧) فَجَعَلَ بَيْعَةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بَيْعَةً مَعَ اللَّهِ، ورِضاءَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- رِضاءَ اللَّهِ، وإيذاءَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إيذاءَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ دَرَجَةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- أعْلى الدَّرَجاتِ إلى أبْلَغِ الغاياتِ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالَ: «”مَن آذى لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ“» دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إيذاءَ الوَلِيِّ قائِمًا مَقامَ إيذاءِ نَفْسِهِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِالخَبَرِ المَشْهُورِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: «مَرِضْتَ فَلَمْ تَعُدْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَما سَقَيْتَنِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَما أطْعَمْتَنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ كَيْفَ أفْعَلُ هَذا وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ: إنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» وكَذا في السَّقْيِ والإطْعامِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ يَبْلُغُونَ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ كِسْرَةَ خُبْزٍ أوْ شَرْبَةَ ماءٍ أوْ يُسَخِّرَ لَهُ كَلْبًا أوْ ورْدًا.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنّا نُشاهِدُ في العُرْفِ أنَّ مَن خَصَّهُ المَلِكُ بِالخِدْمَةِ الخاصَّةِ وأذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ في مَجْلِسِ الأُنْسِ، فَقَدْ يَخُصُّهُ أيْضًا بِأنْ يُقَدِّرَهُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلِ العَقْلُ السَّلِيمُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ ذَلِكَ القُرْبُ، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُ هَذِهِ المَناصِبُ، فَجَعَلَ القُرْبَ أصْلًا والمَنصِبَ تَبَعًا، وأعْظَمُ المُلُوكِ هو رَبُّ العالَمِينَ، فَإذا شَرَّفَ عَبْدًا بِأنَّهُ أوْصَلَهُ إلى عَتَباتِ خِدْمَتِهِ ودَرَجاتِ كَرامَتِهِ، وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِ مَعْرِفَتِهِ، ورَفَعَ حُجُبَ البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وأجْلَسَهُ عَلى بِساطِ قُرْبِهِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُظْهِرَ بَعْضَ تِلْكَ الكَراماتِ في هَذا العالَمِ مَعَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَرَّةٍ مِن تِلْكَ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ كالعَدَمِ المَحْضِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِلْأفْعالِ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لِلرَّوْحِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ (النَّحْلِ: ٢) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي“» ولِهَذا المَعْنى نَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ عِلْمًا بِأحْوالِ عالَمِ الغَيْبِ كانَ أقْوى قَلْبًا وأقَلَّ ضَعْفًا، ولِهَذا قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: واللَّهِ ما قَلَعْتُ بابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جَسَدانِيَّةٍ، ولَكِنْ بِقُوَّةٍ رَبّانِيَّةٍ. وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ عالَمِ الأجْسادِ وأشْرَقَتِ المَلائِكَةُ بِأنْوارِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، فَتَقَوّى رُوحُهُ وتَشَبَّهَ بِجَواهِرِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ، وتَلَأْلَأتْ فِيهِ أضْواءُ عالَمِ القُدُسِ والعَظَمَةِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ ما قَدَرَ بِها عَلى ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ إذا واظَبَ عَلى الطّاعاتِ بَلَغَ إلى المَقامِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا، فَإذا صارَ نُورُ جَلالِ اللَّهِ سَمْعًا لَهُ سَمِعَ القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ بَصَرًا لَهُ رَأى القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ يَدًا لَهُ قَدَرَ عَلى التَّصَرُّفِ في الصَّعْبِ والسَّهْلِ والبَعِيدِ والقَرِيبِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ الحِكْمِيَّةُ، وهي أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأجْسامِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ المُتَعَرِّضَةِ لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ، بَلْ هو مِن جِنْسِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ وسُكّانِ عالَمِ السَّماواتِ ونَوْعِ المُقَدَّسِينَ المُطَهَّرِينَ، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ بِهَذا البَدَنِ واسْتَغْرَقَ في تَدْبِيرِهِ صارَ في ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ إلى حَيْثُ نَسِيَ الوَطَنَ الأوَّلَ والمَسْكَنَ المُتَقَدِّمَ، وصارَ بِالكُلِّيَّةِ مُتَشَبِّهًا بِهَذا الجِسْمِ الفاسِدِ، فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وذَهَبَتْ مُكْنَتُهُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ، أمّا إذا اسْتَأْنَسَتْ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ، وقَلَّ انْغِماسُها في تَدْبِيرِ
صفحة ٧٨
هَذا البَدَنِ، وأشْرَقَتْ عَلَيْها أنْوارُ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ العَرْشِيَّةِ المُقَدَّسَةِ، وفاضَتْ عَلَيْها مِن تِلْكَ الأنْوارِ قَوِيَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ مِثْلَ قُوَّةِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وذَلِكَ هو الكَراماتُ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ مَذْهَبَنا: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ فَفِيها القَوِيَّةُ والضَّعِيفَةُ، وفِيها النُّورانِيَّةُ والكَدِرَةُ، وفِيها الحُرَّةُ والنَّذْلَةُ، والأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى جِبْرِيلَ كَيْفَ قالَ اللَّهُ في وصْفِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ (التَّكْوِيرِ:١٩ - ٢١) وقالَ في قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ المَلائِكَةِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ ( النَّجْمِ: ٢٦) فَكَذا هَهُنا فَإذا اتَّفَقَ في نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ كَوْنُها قَوِيَّةً القُوَّةَ القُدُسِيَّةَ العُنْصُرِيَّةَ، مُشْرِقَةَ الجَوْهَرِ عُلْوِيَّةَ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ انْضافَ إلَيْها أنْواعُ الرِّياضاتِ الَّتِي تُزِيلُ عَنْ وجْهِها غُبْرَةَ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ أشْرَقَتْ وتَلَأْلَأتْ وقَوِيَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في هَيُولِيِّ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ بِإعانَةِ نُورِ مَعْرِفَةِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ، وتَقْوِيَةِ أضْواءِ حَضْرَةِ الجَلالِ والعِزَّةِ، ولْنَقْبِضْ هَهُنا عَنانَ البَيانِ، فَإنَّ وراءَها أسْرارًا دَقِيقَةً وأحْوالًا عَمِيقَةً مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْها لَمْ يُصَدِّقْ بِها، ونَسْألُ اللَّهَ الإعانَةَ عَلى إدْراكِ الخَيْراتِ.
* * *
واحْتَجَّ المُنْكِرُونَ لِلْكَراماتِ بِوُجُوهٍ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: -وهِيَ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ وبِها يُضِلُّونَ- أنَّ ظُهُورَ الخارِقِ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ لِغَيْرِ نَبِيٍّ لَبَطَلَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ؛ لِأنَّ حُصُولَ الدَّلِيلِ مَعَ عَدَمِ المَدْلُولِ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ دَلِيلًا، وذَلِكَ باطِلٌ.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: «”لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ“» قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ بِأداءِ الفَرائِضِ أعْظَمُ مِنَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِأداءِ النَّوافِلِ، ثُمَّ إنَّ المُتَقَرِّبَ إلَيْهِ بِأداءِ الفَرائِضِ لا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكَراماتِ، فالمُتَقَرِّبُ إلَيْهِ بِأداءِ النَّوافِلِ أوْلى أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ (النَّحْلِ: ٧) والقَوْلُ بِأنَّ الوَلِيَّ يَنْتَقِلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ -لا عَلى الوَجْهِ- طَعْنٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وأيْضًا أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- لَمْ يَصِلْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ مَعَ التَّعَبِ الشَّدِيدِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَلِيَّ يَنْتَقِلُ مِن بَلَدِ نَفْسِهِ إلى الحَجِّ في يَوْمٍ واحِدٍ.
الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قالُوا: هَذا الوَلِيُّ الَّذِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ الكَراماتُ إذا ادَّعى عَلى إنْسانٍ دِرْهَمًا فَهَلْ نُطالِبُهُ بِالبَيِّنَةِ أمْ لا ؟ فَإنْ طالَبْناهُ بِالبَيِّنَةِ كانَ عَبَثًا لِأنَّ ظُهُورَ الكَراماتِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْذِبُ، ومَعَ قِيامِ الدَّلِيلِ القاطِعِ كَيْفَ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ ؟ وإنْ لَمْ نُطالِبْهُ بِها ؟ فَقَدْ تَرَكْنا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي“» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالكَرامَةِ باطِلٌ.
الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: إذا جازَ ظُهُورُ الكَرامَةِ عَلى بَعْضِ الأوْلِياءِ جازَ ظُهُورُها عَلى الباقِينَ، فَإذا كَثُرَتِ الكَراماتُ حَتّى خَرَقَتِ العادَةَ جَرَتْ وفْقًا لِلْعادَةِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في المُعْجِزَةِ والكَرامَةِ.
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى: أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ دَعْوى الوِلايَةِ ؟ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ أنَّ المُعْجِزَةَ تَكُونُ مَسْبُوقَةً بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والكَرامَةُ لا تَكُونُ مَسْبُوقَةً بِدَعْوى الوِلايَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما بُعِثُوا إلى الخَلْقِ لِيَصِيرُوا دُعاةً لِلْخَلْقِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، فَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ دَعْوى النُّبُوَّةِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَقُوا عَلى الكُفْرِ، وإذا ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ وأظْهَرُوا المُعْجِزَةَ آمَنَ القَوْمُ بِهِمْ، فَإقْدامُ الأنْبِياءِ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ النَّفْسِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ حَتّى يَنْتَقِلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، أمّا ثُبُوتُ الوِلايَةِ لِلْوَلِيِّ فَلَيْسَ الجَهْلُ بِها كُفْرًا ولا مَعْرِفَتُها إيمانًا، فَكانَ دَعْوى الوِلايَةِ طَلَبًا لِشَهْوَةِ النَّفْسِ، فَعَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُ دَعْوى النُّبُوَّةِ
صفحة ٧٩
والوَلِيُّ لا يَجُوزُ لَهُ دَعْوى الوِلايَةِ فَظَهَرَ الفَرْقُ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ دَعْوى الوِلايَةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا الفَرْقَ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والكَرامَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الإنْسانِ مُبَرَّءًا عَنِ المَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنِ اقْتَرَنَ هَذا الفِعْلُ بِادِّعاءِ النُّبُوَّةِ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وإنِ اقْتَرَنَ بِادِّعاءِ الوِلايَةِ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا في دَعْوى الوِلايَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لا يَكُونُ ظُهُورُ الكَرامَةِ عَلى الأوْلِياءِ طَعْنًا في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- يَدَّعِي المُعْجِزَةَ ويَقْطَعُ بِها، والوَلِيُّ إذا ادَّعى الكَرامَةَ لا يَقْطَعُ بِها؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ ظُهُورُها، أمّا الكَرامَةُ، فَلا يَجِبُ ظُهُورُها.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ المُعارَضَةِ عَنِ المُعْجِزَةِ، ولا يُجِبْ نَفْيُها عَنِ الكَرامَةِ.
الرّابِعُ: أنّا لا نُجَوِّزُ ظُهُورَ الكَرامَةِ عَلى الوَلِيِّ عِنْدَ ادِّعاءِ الوِلايَةِ إلّا إذا أقَرَّ عِنْدَ تِلْكَ الدَّعْوى بِكَوْنِهِ عَلى دِينِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ صارَتْ تِلْكَ الكَرامَةُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ ومُؤَكِّدَةً لِرِسالَتِهِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ ظُهُورُ الكَرامَةِ طاعِنًا في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ بَلْ يَصِيرُ مُقَوِّيًا لَها.
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ التَّقَرُّبَ بِالفَرائِضِ وحْدَها أكْمَلُ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ، أمّا الوَلِيُّ فَإنَّما يَكُونُ ولِيًّا إذا كانَ آتِيًا بِالفَرائِضِ والنَّوافِلِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ حالُهُ أتَمَّ مِن حالِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى الفَرائِضِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
والجَوابُ عَلى الشُّبْهَةِ الثّالِثَةِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْهُودِ المُتَعارَفِ، وكَراماتُ الأوْلِياءِ أحْوالٌ نادِرَةٌ، فَتَصِيرُ كالمُسْتَثْناةِ عَنْ ذَلِكَ العُمُومِ، وهَذا هو ”الجَوابُ“ عَنِ الشُّبْهَةِ الرّابِعَةِ، وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي» .
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الخامِسَةِ: أنَّ المُطِيعِينَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سَبَأٍ: ١٣) وكَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٧) وإذا حَصَلَتِ القِلَّةُ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الكَراماتِ في الأوْقاتِ النّادِرَةِ قادِحًا في كَوْنِها عَلى خِلافِ العادَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في الفَرْقِ بَيْنَ الكَراماتِ والِاسْتِدْراجِ، اعْلَمْ أنَّ مَن أرادَ شَيْئًا فَأعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ العَبْدِ وجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَتِ العَطِيَّةُ عَلى وفْقِ العادَةِ أوْ لَمْ تَكُنْ عَلى وفْقِ العادَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إكْرامًا لِلْعَبْدِ، وقَدْ يَكُونُ اسْتِدْراجًا لَهُ، ولِهَذا الِاسْتِدْراجِ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ:
أحَدُها: الِاسْتِدْراجُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القَلَمِ: ٤٤) ومَعْنى الِاسْتِدْراجِ أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ في الدُّنْيا لِيَزْدادَ غَيُّهُ وضَلالُهُ وجَهْلُهُ وعِنادُهُ، فَيَزْدادَ كُلَّ يَوْمٍ بُعْدًا مِنَ اللَّهِ وتَحْقِيقُهُ: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، فَإذا مالَ قَلْبُ العَبْدِ إلى الدُّنْيا، ثُمَّ أعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ، فَحِينَئِذٍ يَصِلُ الطّالِبُ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ اللَّذَّةِ، وحُصُولُ اللَّذَّةِ يَزِيدُ في المَيْلِ، وحُصُولُ المَيْلِ يُوجِبُ مَزِيدَ السَّعْيِ، ولا يَزالُ يَتَأدّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ وتَتَقَوّى كُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاشْتِغالَ بِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ مانِعٌ عَنْ مَقاماتِ المُكاشَفاتِ ودَرَجاتِ المَعارِفِ، فَلا جَرَمَ يَزْدادُ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً إلى أنْ يَتَكامَلَ، فَهَذا هو الِاسْتِدْراجُ.
وثانِيها: المَكْرُ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩)، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٥٤) وقالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (النَّمْلِ: ٥٠) .
وثالِثُها: الكَيْدُ قالَ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ (النِّساءِ: ١٤٢) وقالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٩) .
ورابِعُها: الإمْلاءُ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ (آلِ
صفحة ٨٠
عِمْرانَ: ١٧٨) .
وخامِسُها: الإهْلاكُ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٤٤) وقالَ في فِرْعَوْنَ: ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ (القَصَصِ: ٤٠) فَظَهَرَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الإيصالَ إلى المُراداتِ لا يَدُلُّ عَلى كَمالِ الدَّرَجاتِ والفَوْزِ بِالخَيْراتِ، بَقِيَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ الفَرْقَ بَيْنَ الكَراماتِ وبَيْنَ الِاسْتِدْراجاتِ، فَنَقُولُ: إنَّ صاحِبَ الكَرامَةِ لا يَسْتَأْنِسُ بِتِلْكَ الكَرامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ الكَرامَةِ يَصِيرُ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أشَدَّ، وحَذَرُهُ مِن قَهْرِ اللَّهِ أقْوى، فَإنَّهُ يَخافُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِدْراجِ، وأمّا صاحِبُ الِاسْتِدْراجِ فَإنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِذَلِكَ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ، ويَظُنُّ أنَّهُ إنَّما وجَدَ تِلْكَ الكَرامَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُسْتَحِقًّا لَها وحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ غَيْرَهُ ويَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، ويَحْصُلُ لَهُ أمْنٌ مِن مَكْرِ اللَّهِ وعِقابِهِ ولا يَخافُ سُوءَ العاقِبَةِ، فَإذا ظَهَرَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ عَلى صاحِبِ الكَرامَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها كانَتِ اسْتِدْراجًا لا كَرامَةً، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: أكْثَرُ ما اتَّفَقَ مِنَ الِانْقِطاعِ عَنْ حَضْرَةِ اللَّهِ إنَّما وقَعَ في مَقامِ الكَراماتِ فَلا جَرَمَ تَرى المُحَقِّقِينَ يَخافُونَ مِنَ الكَراماتِ، كَما يَخافُونَ مِن أنْواعِ البَلاءِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِئْناسَ بِالكَرامَةِ قاطِعٌ عَنِ الطَّرِيقِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ هَذا الغُرُورَ إنَّما يَحْصُلُ إذا اعْتَقَدَ الرَّجُلُ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِهَذِهِ الكَرامَةِ؛ لِأنْ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لَها امْتَنَعَ حُصُولُ الفَرَحِ بِها، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرَحُهُ بِكَرَمِ المَوْلى وفَضْلِهِ أكْبَرَ مِن فَرَحِهِ بِنَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِالكَرامَةِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِ بِنَفْسِهِ، وثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِالكَرامَةِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ أهْلٌ ومُسْتَحِقٌّ لَها، وهَذا عُيْنُ الجَهْلِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ (البَقَرَةِ: ٣٢) وقالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنْعامِ: ٩١) وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ أنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ يَحْصُلُ ظَنُّ الِاسْتِحْقاقِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكَراماتِ أشْياءُ مُغايِرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، فالفَرَحُ بِالكَرامَةِ فَرَحٌ بِغَيْرِ الحَقِّ، والفَرَحُ بِغَيْرِ الحَقِّ حِجابٌ عَنِ الحَقِّ، والمَحْجُوبُ عَنِ الحَقِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الفَرَحُ والسُّرُورُ ؟
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ صارَ مُسْتَحِقًّا لِلْكَرامَةِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ حَصَلَ لِعَمَلِهِ وقْعٌ عَظِيمٌ في قَلْبِهِ، ومَن كانَ لِعَمَلِهِ وقْعٌ عِنْدَهُ كانَ جاهِلًا، ولَوْ عَرَفَ رَبَّهُ لَعَلِمَ أنَّ كُلَّ طاعاتِ الخَلْقِ في جَنْبِ جَلالِ اللَّهِ تَقْصِيرٌ، وكُلَّ شُكْرِهِمْ في جَنْبِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ قُصُورٌ، وكُلَّ مَعارِفِهِمْ وعُلُومِهِمْ فَهي في مُقابَلَةِ عِزَّتِهِ حَيْرَةٌ وجَهْلٌ، رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهُ قَرَأ المُقْرِئُ في مَجْلِسِ الأُسْتاذِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠) فَقالَ: عَلامَةُ أنَّ الحَقَّ رَفَعَ عَمَلَكَ أنْ لا يُبْقِيَ (ذِكْرَهُ) عِنْدَكَ، فَإنْ بَقِيَ عَمَلُكَ في نَظَرِكَ فَهو مَدْفُوعٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مَعَكَ فَهو مَرْفُوعٌ مَقْبُولٌ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ صاحِبَ الكَرامَةِ إنَّما وجَدَ الكَرامَةَ لِإظْهارِ الذُّلِّ والتَّواضُعِ في حَضْرَةِ اللَّهِ، فَإذا تَرَفَّعَ وتَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ بِسَبَبِ تِلْكَ الكَراماتِ، فَهَذا طَرِيقُ ثُبُوتِهِ يُؤَدِّيهِ إلى عَدَمِهِ، فَكانَ مَرْدُودًا، ولِهَذا المَعْنى لَمّا ذَكَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَناقِبَ نَفْسِهِ وفَضائِلَها كانَ يَقُولُ في آخِرِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، ولا فَخْرَ، يَعْنِي لا أفْتَخِرُ بِهَذِهِ الكَراماتِ، وإنَّما أفْتَخِرُ بِالمُكْرِمِ والمُعْطِي.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ ظاهِرَ الكَراماتِ في حَقِّ إبْلِيسَ وفي حَقِّ بَلْعامَ كانَ عَظِيمًا ثُمَّ قِيلَ لِإبْلِيسَ: وكانَ مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ لِبَلْعامَ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقِيلَ لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ:
صفحة ٨١
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ (الجُمُعَةِ: ٥) وقِيلَ أيْضًا في حَقِّهِمْ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩) فَبَيَّنَ أنَّ وُقُوعَهم في الظُّلُماتِ والضَّلالاتِ كانَ بِسَبَبِ فَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ والزُّهْدِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ الكَرامَةَ غَيْرُ المُكَرَّمِ، وكُلُّ ما هو غَيْرُ المُكَرَّمِ، فَهو ذَلِيلٌ وكُلُّ مَن تَعَزَّزَ بِالذَّلِيلِ فَهو ذَلِيلٌ، ولِهَذا المَعْنى قالَ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فالِاسْتِغْناءُ بِالفَقِيرِ فَقْرٌ، والتَّقَوِّي بِالعاجِزِ عَجْزٌ، والِاسْتِكْمالُ بِالنّاقِصِ نُقْصانٌ، والفَرَحُ بِالمُحْدَثِ بَلَهٌ، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الحَقِّ خَلاصٌ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقِيرَ إذا ابْتَهَجَ بِالكَرامَةِ سَقَطَ عَنْ دَرَجَتِهِ، أمّا إذا كانَ لا يُشاهِدُ في الكَراماتِ إلّا المُكْرِمَ، ولا في الإعْزازِ إلّا المُعِزَّ، ولا في الخَلْقِ إلّا الخالِقَ، فَهُناكَ يَحِقُّ الوُصُولُ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّ الِافْتِخارَ بِالنَّفْسِ وبِصِفاتِها مِن صِفاتِ إبْلِيسَ وفِرْعَوْنَ، قالَ إبْلِيسُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٢) وقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٥١) وكُلُّ مَنِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ أوِ النُّبُوَّةَ بِالكَذِبِ، فَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ إلّا تَزْيِينَ النَّفْسِ وتَقْوِيَةَ الحِرْصِ والعَجَبِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ، وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ“ .
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٤٤) ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحِجْرِ: ٩٩) فَلَمّا أعْطاهُ اللَّهُ العَطِيَّةَ الكُبْرى أمَرَهُ بِالِاشْتِغالِ بِخِدْمَةِ المُعْطِي لا بِالفَرَحِ بِالعَطِيَّةِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمّا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا تَرَكَ المُلْكَ، ولا شَكَّ أنَّ وِجْدانَ المُلْكِ الَّذِي يَعُمُّ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ مِنَ الكَراماتِ، بَلْ مِنَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ إنَّهُ -ﷺ- تَرَكَ ذَلِكَ المُلْكَ واخْتارَ العُبُودِيَّةَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عَبْدًا كانَ افْتِخارُهُ بِمَوْلاهُ، وإذا كانَ مَلَكًا كانَ افْتِخارُهُ بِعَبِيدِهِ، فَلَمّا اخْتارَ العُبُودِيَّةَ لا جَرَمَ جَعَلَ السُّنَّةَ الَّتِي في التَّحِيّاتِ الَّتِي رَواها ابْنُ مَسْعُودٍ ”وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ“، وقِيلَ في المِعْراجِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسْراءِ: ١) .
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنَّ مُحِبَّ المَوْلى غَيْرٌ، ومُحِبَّ ما لِلْمَوْلى غَيْرٌ، فَمِن أحَبَّ المَوْلى لَمْ يَفْرَحْ بِغَيْرِ المَوْلى ولَمْ يَسْتَأْنِسْ بِغَيْرِ المَوْلى، فالِاسْتِئْناسُ بِغَيْرِ المَوْلى والفَرَحُ بِغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ مُحِبًّا لِلْمَوْلى، بَلْ كانَ مُحِبًّا لِنَصِيبِ نَفْسِهِ، ونَصِيبُ النَّفْسِ إنَّما يُطْلَبُ لِلنَّفْسِ، فَهَذا الشَّخْصُ ما أحَبَّ إلّا نَفْسَهُ، وما كانَ المَوْلى مَحْبُوبًا لَهُ بَلْ جَعَلَ المَوْلى وسِيلَةً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ. والصَّنَمُ الأكْبَرُ هو النَّفْسُ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٣) فَهَذا الإنْسانُ عابِدٌ لِلصَّنَمِ الأكْبَرِ حَتّى أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: لا مَضَرَّةَ في عِبادَةِ شَيْءٍ مِنَ الأصْنامِ مِثْلُ المُضِرَّةِ الحاصِلَةِ في عِبادَةِ النَّفْسِ، ولا خَوْفَ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كالخَوْفِ مِنَ الفَرَحِ بِالكَراماتِ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ ولَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ
صفحة ٨٢
مِن هَذِهِ الأفْعالِ والأحْوالِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في أنَّ الوَلِيَّ هَلْ يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا ؟ قالَ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكَ: لا يَجُوزُ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ، وتِلْمِيذُهُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ، وحُجَّةُ المانِعِينَ وجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: لَوْ عَرَفَ الرَّجُلُ كَوْنَهُ ولِيًّا لَحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (يُونُسَ: ٦٢) لَكِنَّ حُصُولَ الأمْنِ غَيْرُ جائِزٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩) واليَأْسُ أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧) ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ (الحِجْرِ: ٥٦) والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأمْنَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ العَجْزِ، واليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ البُخْلِ، واعْتِقادُ العَجْزِ والبُخْلِ في حَقِّ اللَّهِ كُفْرٌ، فَلا جَرَمَ كانَ حُصُولُ الأمْنِ والقُنُوطِ كُفْرًا.
الثّانِي: أنَّ الطّاعاتِ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّ قَهْرَ الحَقِّ أعْظَمُ، ومَعَ كَوْنِ القَهْرِ غالِبًا لا يَحْصُلُ الأمْنُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأمْنَ يَقْتَضِي زَوالَ العُبُودِيَّةِ وتَرْكُ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ يُوجِبُ العَداوَةَ، والأمْنَ يَقْتَضِي تَرْكَ الخَوْفِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ المُخْلِصِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ قِيلَ: رَغَبًا في ثَوابِنا ورَهَبًا مِن عِقابِنا، وقِيلَ: رَغَبًا في فَضْلِنا، ورَهَبًا مِن عَدْلِنا، وقِيلَ: رَغَبًا في وِصالِنا، ورَهَبًا مِن فِراقِنا. والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: رَغَبًا فِينا، ورَهَبًا مِنّا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: -عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا- أنَّ الوَلِيَّ إنَّما يَصِيرُ ولِيًّا لِأجْلِ أنَّ الحَقَّ يُحِبُّهُ، لا لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّ الحَقَّ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في العَدُوِّ، ثُمَّ إنَّ مَحَبَّةَ الحَقِّ وعَداوَتَهُ سِرّانِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِما أحَدٌ، فَطاعاتُ العِبادِ ومَعاصِيهِمْ لا تُؤَثِّرُ في مَحَبَّةِ الحَقِّ وعَداوَتِهِ؛ لِأنَّ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ مُحْدَثَةٌ، وصِفاتُ الحَقِّ قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والمُحْدَثُ المُتَناهِي لا يَصِيرُ غالِبًا لِلْقَدِيمِ غَيْرِ المُتَناهِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَرُبَّما كانَ العَبْدُ في الحالِ في عَيْنِ المَعْصِيَةِ إلّا أنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الأزَلِ عَيْنُ المَحَبَّةِ، ورُبَّما كانَ العَبْدُ في الحالِ في عَيْنِ الطّاعَةِ، ولَكِنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الأزَلِ عَيْنُ العَداوَةِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ: أنَّ مَحَبَّتَهُ وعَداوَتَهُ صِفَةٌ، وصِفَةُ الحَقِّ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، ومَن كانَتْ مَحَبَّتُهُ لا لِعِلَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ عَدُوًّا بِعِلَّةِ المَعْصِيَةِ، ومَن كانَتْ عُدَواتُهُ لا لِعِلَّةٍ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ مُحِبًّا لِعِلَّةِ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَتْ مَحَبَّةُ الحَقِّ وعَداوَتُهُ سِرَّيْنِ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِما، لا جَرَمَ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦)
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: -عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا- أنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِهِ ولِيًّا وبِكَوْنِهِ مِن أهْلِ الثَّوابِ والجَنَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى الخاتِمَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ (الأنْعامِ: ١٦٠) ولَمْ يَقُلْ مَن عَمِلَ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ مُسْتَفادٌ مِنَ الخاتِمَةِ لا مِن أوَّلِ العَمَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ مَضى عُمْرَهُ في الكُفْرِ ثُمَّ أسْلَمَ في آخِرِ الأمْرِ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ وبِالضِّدِّ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِالخاتِمَةِ لا بِأوَّلِ العَمَلِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنْفالِ: ٣٨) فَثَبَتَ أنَّ العِبْرَةَ في الوِلايَةِ والعَداوَةِ وكَوْنُهُ مِن أهْلِ الثَّوابِ أوْ مِن أهْلِ العِقابِ بِالخاتِمَةِ، فَظَهَرَ أنَّ الخاتِمَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِأحَدٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الوَلِيَّ لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ ولِيًّا، أمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ الوِلايَةَ لَها رُكْنانِ:
أحَدُهُما: كَوْنُهُ في الظّاهِرِ مُنْقادًا لِلشَّرِيعَةِ.
الثّانِي: كَوْنُهُ في الباطِنِ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ الحَقِيقَةِ، فَإذا حَصَلَ الأمْرانِ وعَرَفَ الإنْسانُ حُصُولَهُما
صفحة ٨٣
عَرَفَ لا مَحالَةَ كَوْنَهُ ولِيًّا، أمّا الِانْقِيادُ في الظّاهِرِ لِلشَّرِيعَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا اسْتِغْراقُ الباطِنِ في نُورِ الحَقِيقَةِ فَهو أنْ يَكُونَ فَرَحُهُ بِطاعَةِ اللَّهِ واسْتِئْناسُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ اسْتِقْرارٌ مَعَ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ.
والجَوابُ: أنَّ تَداخُلَ الأغْلاطِ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ غامِضَةُ والقَضاءُ عَسِرٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطَرٌ، والجَزْمُ غُرُورٌ، ودُونَ الوُصُولِ إلى عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ أسْتارٌ، تارَةً مِنَ النِّيرانِ، وأُخْرى مِنَ الأنْوارِ، واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأسْرارِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences